تنزيل PDF

الاستغفار

المجلد الثاني العبادات حرف أ ٥٢١ قراءة · ٩١٨ تنزيلاً

مفهوم الاستغفار

أولًا: المعنى اللغوي:

الاستغفار مصدر قولهم: استغفر يستغفر، وهو مأخوذ من مادة (غ ف ر) التي تدل على الستر في الغالب، فالغفر: الستر(1)، يقال: غفره يغفره غفرًا: ستره، وغفر المتاع في الوعاء غفرًا: أدخله وستره(2)، وتأتي كلمة (غفر) بمعنى ترك المؤاخذة بالذنب(3).

قال ابن منظور: أصل الغفر التغطية والستر.

و(استغفر): أي طلب المغفرة، واستغفر الله ذنبه: طلب منه غفره(4).

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

المعنى الاصطلاحي للاستغفار هو ذات المعنى اللغوي؛ إذ إن الاستغفار بالمعنى الاصطلاحي: هو الطلب من الله سبحانه أن يستر الذنوب، وأن لا يعاقب عليها(5).

وبهذا فإن الاستغفار في معناه الاصطلاحي يتمثل في طلب أمرين في آنٍ واحد، هما: ستر الذنوب، وعدم العقوبة عليها.

قال ابن تيمية: «المغفرة شيء زائد عن الستر؛ لأن المغفرة معناها: وقاية شر الذنب؛ بحيث لا يعاقب عليه العبد، وأما مجرد ستر الذنوب فهذا لا يستلزم إسقاط العقوبة، فالله سبحانه قد يستر على من يعاقب ومن لا يعاقب»(6).

الاستغفار في الاستعمال القرآني

وردت مادة (غفر) في القرآن الكريم (234) مرة (7).

والصيغ التي وردت هي:

الصيغةعدد المراتالمثال
الفعل الماضي9﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا ٦٤﴾ [النساء: 64]
الفعل المضارع60﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ٣٣﴾ [الأنفال: 33]
الفعل الأمر36﴿قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا ٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ ٩٧﴾ [يوسف: 97]
اسم الفاعل3﴿وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ ١٧﴾ [آل عمران: 17]
صيغة المبالغة96﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣﴾ [البقرة: 173]
مصدر سماعي1﴿غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨٥﴾ [البقرة: 285]
مصدر ميمي28﴿وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ﴾ [البقرة: 268]
مصدر1﴿وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾ [التوبة: 114]

وجاء الاستغفار في القرآن بمعناه في اللغة وهو طلب المغفرة، وأصل الغفر: التغطية والستر، وغفر الله ذنوبه أي: سترها(8).

الألفاظ ذات الصلة

التوبة:

التوبة لغةً:

مأخوذة من (توب)، التاء والواو والباء: كلمة واحدة تدل على الرجوع، وتاب إلى الله سبحانه من كذا وعن كذا يتوب توبًا وتوبة ومتابًا: أناب ورجع عن المعصية إلى الطاعة، فهو تائب وتواب(9).

التوبة اصطلاحًا:

التوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كملت شرائط التوبة(10).

الصلة بين التوبة والاستغفار:

هما بنفس المعنى؛ فإذا ذكر أحدهما عني به الآخر، فالاستغفار إذا أطلق وحده أريد به التوبة، والتوبة إذا أطلقت وحدها أريد بها الاستغفار.

أما إذا قرن بينهما في الكلام فإن لكل منهما معنىً مختلفًا.

قال ابن القيم: «فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى، فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله»(11).

العفو:

العفو لغةً:

العفو مصدر عفا يعفو عفوًا، والعفو يطلق على معنيين أصليين: أحدهما: ترك الشيء، والآخر: طلبه(12).

العفو اصطلاحًا:

هو التجافي عن الذنب، ومن ذلك قولهم في الدعاء: أسألك العفو والعافية. أي: أسألك ترك العقوبة، وأسألك السلامة(13).

وقيل: كف الضرر مع القدرة عليه، وكل من استحق عقوبة فتركها، فقد عفا(14).

الصلة بين طلب العفو والاستغفار:

الاستغفار أعم وأشمل من طلب العفو؛ إذ أن طلب العفو هو طلب ترك العقوبة فقط، أما الاستغفار فهو يشمل مع طلب ترك العقوبة طلب الستر على الذنب.

وقد بين المفسرون أن من الفروق بين العفو والمغفرة في الآية أن العفو أن يسقط الله سبحانه عن العبد العقاب، أما المغفرة فهي أن يستر عليه جرمه صونًا له من عذاب التخجيل والفضيحة، كأن العبد يقول: أطلب منك العفو، وإذا عفوت عني فاستره علي، فإن الخلاص من العذاب إنما يطيب إذا حصل عقبه الخلاص من عذاب الفضيحة(15).

الرحمة:

الرحمة لغةً:

قال ابن فارس: الراء والحاء والميم أصلٌ واحدٌ يدل على الرقة والعطف والرأفة. يقال من ذلك: رحمه يرحمه، إذا رق له وتعطف عليه(16).

«ورحمة الله: عطفه وإحسانه ورزقه»(17).

الرحمة اصطلاحًا:

صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنك(18).

والرحمة هي السبب الذي بين الله وبين عباده؛ بها أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبها هداهم، وبها أسكنهم دار ثوابه، وبها رزقهم وعافاهم، وبها أنعم عليهم(19).

الصلة بين طلب الرحمة والاستغفار:

مما سبق يتبين أن طلب الرحمة يشمل معانٍ أوسع وأعم من الاستغفار، إذ من مقتضيات رحمة الله سبحانه للعبد أن يغفر له ذنبه؛ فالرحمة أوسع من المغفرة.

وقد ذكر بعض المفسرين فرقًا آخر بين الرحمة والمغفرة، وهو: أن المغفرة ترك العقوبة على ما مضى من الذنب، والرحمة أن يعصمه من الوقوع في الذنب في المستقبل.

قال ابن كثير: «الغفر: هو الستر وترك المؤاخذة بالذنب، والرحمة إذا قرنت مع الغفر يراد بها أن لا يوقعه في مثله في المستقبل»(20).

التكفير:

التكفير لغةً:

مشتق من (كفر) بمعنى ستر وغطى، والكفر في اللغة: التغطية، والكافر ذو كفر: أي ذو تغطية لقلبه بكفره، ومن ذلك: الكافر بمعنى الزراع؛ لستره البذر بالتراب، والكفار الزراع، وسميت الكفارات بذلك لأنها تكفر الذنوب: أي تسترها، مثل كفارة الأيمان، وكفارة الظهار والقتل الخطإ(21).

التكفير اصطلاحًا:

تكفير الله سبحانه لذنوب العباد معناه سترها ومحو أثرها، وعدم مؤاخذتهم عليها(22).

الصلة بين الاستغفار وطلب التكفير:

ذهب بعض المفسرين إلى أن تكفير السيئات هو نفسه مغفرة الذنوب، وأن العطف في الآية للمبالغة والتأكيد. قال القرطبي: «تأكيد ومبالغة في الدعاء. ومعنى اللفظين واحد؛ فإن الغفر والكفر: الستر»(23).

وذهب بعض العلماء إلى أن لفظ المغفرة يتضمن الوقاية والحفظ، ولفظ التكفير يتضمن الستر والإزالة، وعند الإفراد: يدخل كل منهما في الآخر(24).

منزلة الاستغفار وحكمه وصيغه

بين الوحي الإلهي أهمية الاستغفار ومنزلته، وسوف نتناول ذلك بالبيان في النقاط الآتية:

أولًا: أهمية الاستغفار ومنزلته في ضوء القرآن الكريم:

تنوعت دلالات نصوص القرآن المبينة لأهمية الاستغفار؛ فجاء في بعضها الاقتران بالتوحيد وشعائر الدين العظام، وفي بعضها الأمر به، والحث عليه، وفي بعضها الثناء على أهله ومدحهم، وفي بعضها الآخر بين الله مدى ضرورته للعبد وعدم استغنائه عنه، وإليك تفصيل ذلك:

1. اقترانه بالتوحيد وشعائر الدين العظام.

  • اقترانه بالتوحيد.

مما يبين عظم شأن الاستغفار ورفعة مكانته أنه كثيرًا ما يأتي في النصوص مقرونًا بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) التي هي خير الكلمات وأفضلها وأجلها على الإطلاق، فالتوحيد هو أساس العبادات كلها، وقاعدتها الصلبة التي يقوم عليها؛ فلا تستقيم عبادة العبد واستغفاره حتى يصلح توحيده(25).

قال تعالى: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ﴾ [محمد: 19].

وقال تعالى: ﴿أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ ٢ وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ﴾ [هود: 2-3].

فأول ما أمر الله به في هاتين الآيتين هو توحيده، وإفراده بالعبادة دون سواه، والاستقامة على ذلك، ثم التوجه إليه بالاستغفار.

فالتوحيد هو أصل الدين، والاستغفار كماله؛ ولهذا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين التوحيد والاستغفار في كثير من أدعيته؛ منها: قوله صلى الله عليه وسلم: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)(26).

فهذا الحديث لما كان جامعًا بين التوحيد بأنواعه الثلاثة، والاستغفار؛ فاق سائر صيغ الاستغفار في الفضيلة وارتفع عليها.

قال ابن تيمية: «فالتوحيد يذهب أصل الشرك، والاستغفار يمحو فروعه، فأبلغ الثناء لا إله إلا الله، وأبلغ الدعاء قول: أستغفر الله»(27).

  • اقترانه بشعائر الدين العظام.

مما يدل على عظم شأن الاستغفار وأهميته في كمال عبادة المسلم: أن الله سبحانه قرنه بكثير من العبادات؛ كالصلاة وقيام الليل والحج، حيث أمر عباده أن يختموا تلك العبادات بالاستغفار؛ لجبر ما يحصل من النقص، ولصون النفس عن اعتقاد الكمال، ورؤية الأعمال، والإعجاب بها، واعتقاد قبولها ضرورة، والدل بها على الله.

قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [البقرة: 199].

أمر الله عباده في هذه الآية بالاستغفار بعد الإفاضة من عرفات جبرًا لما يحصل من التقصير منهم، ومنعًا من إعجابهم بأنفسهم، فإن هم امتثلوا ما أمروا به كان ذلك أحرى بقبول عبادتهم، وحصول المغفرة لهم، وتوفيقهم لأعمال أخرى(28).

وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، ثم قال: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)(29).

وأثنى الله سبحانه على عباده المستغفرين بالأسحار؛ حيث قال تعالى: ﴿ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ﴾ [آل عمران: 17].

أي: يطلبون المغفرة وقت السحر، فهؤلاء المتقون أحيوا ليلهم بالقيام، فلما كان وقت السحر ختموه بالاستغفار(30).

وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يختم عمله بالتسبيح والاستغفار(31).

قال تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ ١ وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا ٢ فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا ٣﴾ [النصر: 1-3].

قالت عائشة رضي الله عنها: (ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾ إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)(32).

2. أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم ومدح به الأنبياء قبله.

مما يدل على أهمية الاستغفار: الأمر الصريح للنبي صلى الله عليه وسلم بالاستغفار، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء: 106].

وقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [المؤمنون: 118].

وفي هذا الأمر لنبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار أمر لأمته بالتبع(33).

وكذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لأصحابه؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ﴾ [آل عمران: 159].

وقوله تعالى: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [النور: 62].

وأثنى الله سبحانه على الأنبياء من قبله في مسارعتهم إلى الاستغفار في أحوالهم كلها، وشؤونهم جميعها، وذكر الله جملة من استغفاراتهم في أحوال متعددة، ومناسبات متنوعة؛ ومن ذلك:

  • ما ذكره الله سبحانه عن آدم وزوجه عليهما السلام بعد وقوعهما في المعصية ومسارعتهما بطلب المغفرة والرحمة. قال تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣﴾ [الأعراف: 23].
  • ذكر سبحانه تضرع نبيه نوح عليه السلام مستغفرًا بقوله: ﴿رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِيَ مُؤۡمِنٗا وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارَۢا﴾ [نوح: 28].
  • أخبر الله سبحانه عن استغفار إبراهيم عليه السلام. وهكذا من يتأمل القرآن الكريم يجد فيه من استغفار الأنبياء ومسارعتهم إلى طلب المغفرة في جميع أحوالهم -عليهم صلوات الله وسلامه- شيئًا كثيرًا.

3. جعله الله شعارًا لعباده المتقين، وأثنى عليهم به.

ورد ثناء الله على عباده المتقين به في عدة مواضع من كتابه الكريم، وفي ضمن ثنائه عليهم بالاستغفار تلويح بالأمر به؛ كما قيل: إن كل شيء أثنى الله على فاعله فهو آمر به، وكل شيء ذم فاعله فهو ناهٍ عنه(34)؛ ومن ذلك:

  • قال تعالى: ﴿ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ﴾ [آل عمران: 17].
  • قال تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ ١٧ وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ﴾ [الذاريات: 17-18].

فأثنى الله سبحانه في هاتين الآيتين على عباده المتقين الذين من أجل صفاتهم وأرفعها: طلبهم لمغفرة الله؛ وخاصة وقت السحر، مما يدلنا على أهمية الاستغفار، ومزيد فضله في هذا الوقت؛ حيث يكون التنزل الإلهي، وإجابة السائلين، وحصول المغفرة للمستغفرين، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلةٍ إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له)(35).

4. ضرورته للعبد وعدم استغنائه عنه طرفة عين.

إن العبد دائمًا دائر بين نعمة من الله سبحانه يحتاج معها إلى شكر، وذنب منه يحتاج فيه إلى الاستغفار، وكل من هذين الأمرين من الأمور اللازمة للعبد(36).

قال بعض العلماء: العبد بين ذنب ونعمة؛ لا يصلحها إلا الحمد والاستغفار(37).

قال ابن تيمية: «والعارف بالله في كل يوم؛ بل في كل ساعة؛ بل في كل لحظة يزداد علمًا بالله وبصيرة في دينه وعبوديته؛ بحيث يجد ذلك في طعامه وشرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله، ويرى تقصيره في حق ربه سبحانه ؛ سواء في القيام بعبادته حق القيام، أم في شكر نعمته؛ ولهذا كان محتاجًا إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار؛ بل هو مضطر إليه دائمًا في الأقوال والأفعال وسائر الأحوال؛ لما فيه من المصالح، وجلب الخيرات، ودفع المضرات»(38).

وليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب؛ بل كل أحد محتاج إلى ذلك دائمًا.

فالإنسان ظالم جاهل، وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة والاستغفار، فهي من أسباب حصول المغفرة من العزيز الغفار(39).

وقد أمر الله في كتابه بالمسارعة إليها.

قال عز من قائل: ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133].

والمسارعة إليها تكون بالإتيان بأسبابها، ومن أعظم أسبابها التوبة والاستغفار.

فهؤلاء الملائكة عليهم السلام الذين يحملون عرش الرحمن عز وجل كان من بين مهامهم التي لا يغفلون عنها: استغفارهم للمؤمنين، وهذا أمر له دلالته وأبعاده التي تدل على أن خير ما يعطاه المؤمن المغفرة من ربه؛ لأنها سبيل إلى كل نجاة، وإذا صحت المغفرة للعبد فما بعدها أيسر منها.

فحري بالمسلم إذا عرف أهمية الاستغفار وعظيم مكانته عند الله أن يكثر منه، وألا يقنط من رحمة ربه؛ وإن عظمت ذنوبه وكثرت وتنوعت؛ فإن باب التوبة والمغفرة والرحمة واسع.

ثانيًا: حكم الاستغفار:

الاستغفار نوع من أنواع الدعاء؛ إذ هو طلب العبد من ربه غفران ذنوبه؛ وذلك بسترها والتجاوز عنها، والأصل في حكم الاستغفار أنه مطلوب على سبيل الاستحباب في أحوال وأوقات كثيرة، منها: وقت السحر.

قال القرطبي: «الاستغفار مندوب إليه»(40).

وقال النووي رحمه الله : «واعلم أن المذهب المختار، الذي عليه الفقهاء والمحدثون، وجماهير العلماء من الطوائف كلها من السلف والخلف، أن الدعاء مستحب»(41).

ويمكن أن يقسم الاستغفار إلى:

1. استغفار واجب.

اتفق العلماء على أن الاستغفار واجب بعد الذنب، سواء كان بترك واجب أو فعل محرم.

قال تعالى: ﴿وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ﴾ [هود: 3].

والأمر هنا للوجوب؛ إذ لا صارف له(42).

وجاء في قصة الإفك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: (وإن كنت ألممت(43) بذنب فاستغفري الله، وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب تاب الله عليه)(44).

قال ابن القيم: «فإن من الدعاء ما هو واجب؛ وهو الدعاء بالتوبة والاستغفار من الذنوب والهداية والعفو وغيرها»(45).

2. استغفار مستحب.

يشرع ويستحب للمسلم طلب المغفرة من ربه في أوقات وأماكن وأحوال كثيرة حث الله سبحانه رسوله على طلب المغفرة فيها.

  • من الأوقات الفاضلة: وقت السحر، وآخر ساعة من يوم الجمعة، وفي ليلة القدر، ويوم عرفة.
  • ومن الأماكن: البلد الحرام، والمشاعر المقدسة للحاج بها، والمساجد.
  • ومن الأحوال: الاستغفار في الصلاة، وعند الصباح والمساء، وعند ركوب الدابة، وبعد قضاء الحاجة، وعند النوم، وفي خواتيم الأعمال، وغير ذلك من الأحوال الفاضلة التي يستحب للمسلم اغتنامها، وطلب المغفرة فيها.

3. استغفار محرم.

ذلك التحريم تارة يتعلق بالاستغفار نفسه، وتارة يتعلق بالمستغفر له:

  • التحريم المتعلق بالاستغفار.

وذلك بالشرك في الاستغفار؛ كالتوجه بطلب المغفرة من غير الله، من بشر أو حجر أو شجر، أو الابتداع فيه.

  • التحريم المتعلق بالمستغفر له.

كالاستغفار للكفار بعد موتهم(46)، وهذا منهي عنه.

وقد نهى الله سبحانه في كتابه الكريم نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن الاستغفار للمشركين، نهيًا تتجلى فيه صورة البراءة من الشرك والمشركين؛ مهما كانت صلتهم بالمؤمن، وحبهم له، وحرصهم على سلامته، والدفاع عنه.

قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113].

ونهى الله عز وجل عن الاستغفار للمنافقين.

وقد كان فريقٌ من المنافقين يطمعون في استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم؛ مع علمهم بكفر بواطنهم، ليموهوا على المسلمين أنهم مسلمون مؤمنون، فأعلن الله سبحانه أن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلًا للاستغفار، وأنه صلى الله عليه وسلم لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم.

قال تعالى: ﴿ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ [التوبة: 80].

4. الاستغفار المكروه.

يكره الاستغفار لأسباب عديدة؛ منها:

  • الأماكن: كالاستغفار في الكنائس، والحمامات، ومواضع النجاسات والقاذورات.
  • الهيئات: كالاستغفار مع النعاس، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والاستغفار في مثل هذه الحالة، ومن الهيئات التي يكره فيها الاستغفار أيضًا: مدافعة الأخبثين، أو ملامسة النجاسة(47).
  • أن تكون صيغته مكروهةً: كأن يقول: اللهم اغفر لي إن شئت(48).
  • أن يشتمل على اعتداء مكروه: كرفع الصوت بالاستغفار، وعدم التضرع فيه، وكذلك من الاعتداء المكروه: أن يشتمل على السجع المتكلف، وغير ذلك من أنواع الاعتداء.

ثالثًا: صيغ الاستغفار:

ورد الاستغفار في القرآن الكريم بصيغ عديدة جاءت على ألسنة الملائكة والأنبياء والمؤمنين، وهي تندرج تحت ثلاث صيغ عامة؛ وهي:

1. الصيغة الأولى: الطلب الصريح المجرد.

نحو: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ﴾ [البقرة: 199].

﴿رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي﴾ [الأعراف: 151].

وهذه الصيغة أظهر الصيغ من جهة القصد والإرادة(49).

وقد وردت في خمسة مواضع أخرى من القرآن الكريم؛ في آل عمران، وإبراهيم، والشعراء، وص، ونوح.

2. الصيغة الثانية: الخبر المتضمن للطلب.

نحو قوله تعالى عن آدم وحواء أنهما ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23].

ونحو قوله تعالى: ﴿قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي﴾ [النمل: 44].

وقد ورد في تسعة مواضع من القرآن الكريم؛ في: الأعراف في موضعين، وهود، ويوسف، والأنبياء، والشعراء في موضعين، والنمل، والقلم.

3. الصيغة الثالثة: الخبر المقترن بالطلب الصريح.

ولهذه الصيغة ثلاث صور:

الصورة الأولى: أن يكون الخبر المقترن بالطلب خبرًا عن السائل.

نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].

وقد ورد في أربعة مواضع من القرآن الكريم؛ في: البقرة، وآل عمران في موضعين، والقصص.

الصورة الثانية: أن يكون الخبر المقترن بالطلب خبرًا عن المسؤول.

نحو قوله تعالى: ﴿وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 286].

وهو الله سبحانه وتعالى.

وقد وردت في ثمانية مواضع من القرآن الكريم؛ في: البقرة، والأعراف في موضعين، والمؤمنون، وغافر، والحشر، والممتحنة، والتحريم.

الصورة الثالثة: أن يكون الخبر المقترن بالطلب خبرًا عن السائل والمسؤول معًا.

وورد في القرآن مرة واحدة.

قال تعالى: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [المؤمنون: 109].

فنستخلص مما سبق الآتي:

إن صيغ الاستغفار الواردة في القرآن الكريم من أفضل الصيغ وأكملها وأجمعها للمعاني الموجبة لغفران الذنوب، والبعد كل البعد عن الأدعية والاستغفارات غير الشرعية.

لو تأملنا جميع صيغ الاستغفار فإن أغلبها صدر باسم الرب، أما الاستغفار المتضمن الثناء فإنه صدر باللهم؛ كما في سيد الاستغفار (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت)(50) . وسر ذلك أن الله تعالى يسأل بربوبيته المتضمنة قدرته وإحسانه وتربيته عبده وإصلاح أمره، ويثني عليه بألوهيته المتضمنة إثبات ما يجب له من الصفات العلى، والأسماء الحسنى(51).

أوقات الاستغفار وأحواله

بين القرآن الكريم أوقات الاستغفار وأحواله، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي:

أولًا: أوقات الاستغفار:

فضل الله الأوقات بعضها على بعض؛ فجعل بعضها نفحات لرحمته وجوده وكرمه، فينبغي للمسلم أن يترصد تلك الأوقات الفاضلة؛ فيستغفر الله فيها؛ فهي أرجى لحصول المغفرة له من غيرها؛ ومن تلك الأوقات:

1. الأسحار.

وقت السحر وقت يكون فيه تمام صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المشوشات والملهيات(52)، ومدح الله المستغفرين له في هذا الوقت، فقال تعالى: ﴿وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ﴾ [آل عمران: 17].

وخص وقت السحر بالذكر لأنه وقت الغفلة ولذة النوم؛ ولأنه زمن القبول ووقت إجابة الدعاء(53).

2. يوم الجمعة.

لا شك أن يوم الجمعة خير الأيام على الإطلاق.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها)(54).

وفيه ساعة يستجاب فيها للعبد.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه -وأشار بيده يقللها-)(55).

3. ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان.

ليلة القدر ليلة مباركة؛ أنزل الله سبحانه فيها كتابه الكريم، وجعلها خيرًا من ألف شهر.

قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ ٢ لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ﴾ [القدر: 2-3].

وليلة القدر ليست مخصوصة بعينها في كل عام؛ بل إنها تتنقل في العشر الأواخر من رمضان.

ثانيًا: أماكن الاستغفار الفاضلة:

لقد اختص الله سبحانه بعض الأماكن بمزيد من الفضل، وجعلها مواطن لنزول الرحمات، واستجابة الدعوات، فمن تلك الأماكن:

1. البلد الحرام(56).

فهو مكان فضله الله، وأقسم به في كتابه العزيز، وما ذاك إلا لفضله، فيستحب للمسلم طلب المغفرة فيه؛ لأن من شرفه شرف ما يعمل فيه من الطاعات، ومنه: الدعاء والاستغفار؛ بل هو غاية الطاعة؛ لما فيه من الافتقار والتذلل بين يدي الله سبحانه وتعالى(57).

ومن أعظم الأماكن فيه:

  • المسجد الحرام، بجوار الكعبة المشرفة(58).
  • المشاعر المقدسة؛ كعرفة، والمشعر الحرام، ومنى.

2. مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

قال صلى الله عليه وسلم: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي)(59).

فيستحب للمسلم الصلاة فيها، والإكثار من الدعاء والذكر والاستغفار وقراءة القرآن؛ فإن ذلك كله من الأعمال الصالحة.

ثالثًا: الأحوال التي يستغفر فيها:

1. الاستغفار بعد الذنب.

حث الله سبحانه في كتابه الكريم عباده على المبادرة إلى طلب مغفرته عند الوقوع في الذنوب.

قال تعالى: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء: 110].

فالاستغفار من الذنوب ينفع العاصين(60)؛ فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد يذنب ذنبًا فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له)(61). ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً﴾ [آل عمران: 135].

2. الاستغفار عند الصباح والمساء.

يستحب للمسلم كلما أصبح أو أمسى أن يتوجه إلى ربه بطلب مغفرته وعفوه، وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم أمته في ذلك، وبين لهم جزاء من يحافظ على ذلك؛ فقال صلى الله عليه وسلم: (سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)(62).

دواعي الاستغفار

بين الوحي الإلهي دواعي الاستغفار، وسوف نبينها فيما يأتي:

أولًا: الاستغفار من أجل الذنوب والمعاصي:

1. الاستغفار من فعل يقتضي الذم والعقاب.

شرع الله سبحانه الاستغفار لعباده رحمة بهم، وجعله سببًا لحصول مغفرته، ودخول جنته.

وتفصيل ذلك ما يلي:

  • الاستغفار من ترك الواجبات في حال العلم.

حث الله سبحانه عباده في كثير من آياته على الاستغفار من ظلمهم لأنفسهم، ووعدهم على ذلك بالمغفرة والرحمة.

قال تعالى: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء: 110].

وظلم الإنسان لنفسه يكون بترك الواجبات؛ كما يكون بفعل المحرمات، فكلاهما من السيئات والخطايا والذنوب التي يجب على العبد الاستغفار والتوبة إلى الله منها، فهما متلازمان، فكل من أمر بشيء فقد نهى عن فعل ضده(63)، ومن نهى عن فعل فقد أمر بفعل ضده(64).

  • الاستغفار من فعل المحرمات في حال العلم.

إن الوقوع في المحرمات -سواء كانت من الكبائر أم من الصغائر- مما يوجب على العبد الاستغفار والتوبة إلى الله منها، وعدم الإصرار عليها(65)، فيجب على المسلم صادق الإيمان أن يجتنب ويبتعد أشد البعد عن الكبائر والموبقات، ويحذر من الصغائر، ومحقرات الذنوب؛ فإنها تهلك صاحبها، فالصغيرة مع الإصرار عليها والاستهانة بها تصبح كبيرة؛ كما قال ابن عباس: «لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار»(66).

وعليه فإن الاستغفار من ترك الواجبات وفعل المحرمات أمر واجب، من اقتصر عليه كان من الأبرار المقتصدين، ومن تركه كان من الظالمين الفاسقين.

قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].

  • الاستغفار من فعل ما كان سببًا للذم والعقاب لكن متوقف على الشرط.

هناك أفعال إذا فعلها المسلم كانت سببًا من الأسباب المفضية إلى ذمه وعقابه من الله - سبحانه؛ ولكن العقوبة عليها متوقفة على قيام الحجة عليه.

قال تعالى: ﴿مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا﴾ [الإسراء: ١٥].

قال ابن تيمية: «وقيام الحجة إنما تقوم بشيئين:

  • بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله.
  • والقدرة على العمل به.

فلا يكلف العاجز عن العلم والعمل ما هو عاجز عنه»(67).

ولا شك أن الجاهل والمخطئ والناسي ممن عجزوا عن العلم، والمكره ممن عجز عن العمل، فلا إثم عليهم فيما يتركون من واجب أو يفعلون من محرم، وكذلك فإنهم لا قصد لهم ولا نية، والإثم مرتب على المقاصد والنيات؛ لكن يشرع لهم الاستغفار مما فعلوه في حال الجهل والخطأ والنسيان والإكراه؛ لأنه مما يفضي إلى ذم الله وعقابه.

ويمكن تقسيم الأفعال التي يستحب أن يستغفر منها لأنها سبب للذم والعقاب إلى ما يلي:

  • الاستغفار من ترك الواجبات وفعل المحرمات في حال الجهل.
  • الاستغفار من الهم والعزم على فعل المحرمات مع عدم التمكن منها.
  • الاستغفار من ترك الواجبات وفعل المحرمات في حال الخطأ والنسيان.
  • الاستغفار من ترك الواجبات وفعل المحرمات في حال الإكراه.
  • الاستغفار مما يدور في النفس من الخواطر والأحاديث التي لو قالها أو فعلها عذب.
  • الاستغفار من فعل ما يخشى أن يكون سببًا للذم والعقاب.

هناك أفعال إذا فعلها العبد فإنه يخشى أن تكون سببًا لذمه وعقابه؛ وهي الوقوع في المشتبهات مع علمه بأنها مشتبهات، وكونها مشتبهات عنده فهي مما ينبغي للمسلم أن يتجنب الوقوع فيها والابتعاد عنها، وأن يبادر إلى الاستغفار والتوبة إلى الله سبحانه إذا وقع في شيء منها؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16].

ويمكن تقسيم المشتبهات التي يستغفر فيها، ويخشى أن تكون سببًا للذم والعقاب إلى قسمين:

  • الاستغفار من ترك المشتبهات بالواجب.
  • الاستغفار من فعل المشتبهات بالمحرم.

وتفصيل ذلك ما يلي:

1. الاستغفار من ترك المشتبهات بالواجب.

وهي ما تردد الحكم فيها بين الوجوب والاستحباب، فهذا القسم من المشتبهات مما ينبغي للمسلم فعله والمحافظة عليه، ويستحب الاستغفار والتوبة إلى الله عند تركه؛ لأن تركه مما يخشى أن يكون سببًا للذم والعقاب.

ومثال ذلك: الوتر، فقد ذهب الحنفية(68) إلى وجوبه، وذهب الحنابلة إلى أنه سنة مؤكدة، فالورع فعله، ولا ينبغي للمسلم تركه، وإذا تركه فعليه التوبة والاستغفار من ذلك.

2. الاستغفار من فعل المشتبهات بالمحرم.

وهي ما تردد الحكم فيها بين التحريم والكراهة، فهذا القسم من المشتبهات مما ينبغي للمسلم تركه، واستغفار الله سبحانه عند الوقوع فيه؛ لأنه مما يخشى أن يكون سببًا للذم والعقاب.

ومثال ذلك: نتف شعر الوجه بالنسبة للمرأة؛ فإن العلماء -رحمهم الله- اختلفوا: هل هو داخل ضمن النمص فيحرم(69) أم لا يشمله ذلك(70)؟ فالورع تركه واستغفار الله عند الوقوع فيه.

ثانيًا: الاستغفار من فعل ما كان سببًا للنقص في الطاعات:

يمكن تقسيم الأفعال التي يستغفر منها -لأنها سببٌ للنقص- إلى ما يلي:

  • الاستغفار من ترك المستحبات المتفق على استحبابها.
  • الاستغفار من فعل المكروهات المتفق على كراهتها.
  • الاستغفار من الاشتغال بفضول المباحات.

1. الاستغفار من ترك المستحبات المتفق عليها.

هناك كثير من المستحبات التي ندب الشارع إليها، ورتب على فعلها الأجر العظيم؛ فمن ذلك:

  • السنن الراتبة، فهي مما ينبغي للمسلم المحافظة عليها بعد الفرائض، جبرًا لما يحصل فيها من الخلل والنقص.
  • قيام الليل المشروع، فهو من أفضل الصلوات بعد المكتوبة، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر.

فهذا كله مما يستحب للمسلم فعله، والمواظبة عليه، وإذا ترك شيئًا منه يستحب له الاستغفار إلى الله من تركه؛ لأن تركه سبب لنقص درجته وحرمانه من الخير الذي يحصل لمن حافظ عليه.

2. الاستغفار من فعل المكروهات المتفق عليها.

المكروهات عقبة بين العبد والحرام، ومن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام؛ ومن ذلك:

  • كراهية الالتفات في الصلاة بغير عذر.
  • كراهية تخصيص يوم الجمعة بصيام.

فيستحب للمسلم الابتعاد عن هذه المكروهات وغيرها؛ ليحصل له موجبها من الثواب ورفعة الدرجات، وأن يستغفر الله سبحانه إذا وقع في شيء منها.

3. الاستغفار من الاشتغال بفضول المباحات.

لا شك أن الاشتغال بفضول المباحات كالإكثار من المأكل والمشرب والخلطة وغير ذلك؛ يوجب قسوة القلب، وقلة الفهم، ويضعف صاحبه عن العبادة، فيستحب للمسلم استغفار الله من الانشغال بها، وأن يتقلل منها ويزهد فيها.

فنستنتج مما سبق أن الاستغفار من ترك المستحبات، وفعل المكروهات، وفضول المباحات، أمر مستحب، فمن اقتصر على الاستغفار الواجب من ترك مأمور أو فعل محظور كان من الأبرار المقتصدين، ومن جمع بين الاستغفار الواجب والمستحب كان من السابقين المقربين.

ويشرع للمسلم أن يستغفر الله من كل فعل يخشى أن يكون سببًا لنقصان درجته عند الله؛ سواء مما قد يحصل من التقصير في كمال العبادة، أو الخوف من تقصيره فيها وفي شكر الله عليها، فالمسلم الحق هو الذي يعمل بطاعة الله سبحانه مخلصًا لله في عمله، متبعًا لشرعه الذي جاء به نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، راجيًا بذلك رحمة ربه، خائفًا من تقصيره في فعله، فمهما بذل المسلم من العبادة والطاعة؛ فلن يوفيها حقها، وما ينبغي من شكر الله تعالى عليها، فكان في الاستغفار مندوحة وفرصة أتيحت له ليجبر به تقصيره فيما لا يمكنه القيام به، من حسن الأداء في الطاعة والتعظيم والشكر لله، وفي الاستغفار أبلغ اعتذار عن التقصير في ذلك؛ لهذا نجد أن الله سبحانه كثيرًا ما يأمر باستغفاره بعد قضاء العبادات.

قال تعالى ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [البقرة: 199].

ثالثًا: الاستغفار من أجل حصول مرغوب فيه أو دفع مكروه:

لم يشرع الاستغفار من أجل الذنوب والمعاصي فقط وما يتبعها من الأفعال التي تنقص الأجر والثواب؛ بل شرع الاستغفار أيضًا لاستجلاب كل خيرٍ للعبد، ودفع كل شرٍ عنه، فما استجلب كل مرغوب، وما دفع كل مكروه بمثل التقرب إلى الله بكثرة الاستغفار والتضرع بين يديه طلبًا لمغفرته، وتوسلًا بها لتحقيق ما يرجوه منه جل وعلا.

فمن أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا.

قال تعالى: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].

والاستغفار يمنع نزول العذاب على الأمة في الدنيا، ويوجب النجاة من العذاب في الآخرة.

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33].

أصناف المستغفرين

عرض القرآن أصناف المستغفرين؛ لنقتدي بهم، وسوف نتناولهم بالبيان فيما يأتي:

أولًا: استغفار الملائكة والأنبياء:

1. استغفار الملائكة:

أخبر الله سبحانه في موضعين من كتابه الكريم بخبر يتضمن تشريف المؤمنين، ويعظم الرجاء لهم، وهو أنه سبحانه وتعالى سخر ملائكته -وهم أفضل خلقه- للاستغفار للمؤمنين(71):

الموضع الأول: قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ﴾ [غافر: 7].

تضمنت الآية الكريمة السابقة أمرين:

  • الإخبار عن تسبيح وإيمان الملائكة من حملة العرش، ومن حوله، واستغفارهم للمؤمنين.
  • ذكر الصيغة التي توجهوا إلى الله بها في استغفارهم للمؤمنين.

بعد أن أخبر سبحانه عن استغفار ملائكته للمؤمنين ذكر صيغة استغفارهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ﴾ فابتدؤوا استغفارهم بالنداء: ﴿رَبَّنَا﴾ لأنه أبلغ في التصريح، وأرجى لحصول الإجابة، ثم توسلوا إليه سبحانه بالثناء عليه بسعة الرحمة والعلم لتحقيق مطلبهم(72).

الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِن فَوۡقِهِنَّۚ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ وَمَآ أَنتَ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الشورى: 5].

تضمنت هذه الآية الكريمة: إخبار الله عن الملائكة بأنهم يستغفرون لمن في الأرض.

واختلف في عموم هذه الآية: هل هي باقية على عمومها، أو يخصص هذا العموم بقوله تعالى: ﴿وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر: 7].

على قولين:

القول الأول: أن هذه الآية باقية على عمومها، وعلى هذا يكون المراد بالملائكة عمومهم، وأن استغفارهم يعم المؤمن والكافر، ويكون المراد باستغفارهم للكفار هنا: السعي فيما يستدعي المغفرة لهم، وتأخير عقوبتهم؛ طمعًا في إيمان الكافر وتوبة الفاسق(73)، وعلى هذا القول يدخل المؤمنون فيه دخولًا أوليًا(74).

وقد رجح هذا القول: ابن عطية والقرطبي والألوسي.

القول الثاني: أن هذا العموم مخصص بقوله تعالى في سورة غافر: ﴿وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وعلى هذا القول يكون المراد بالملائكة: حملة العرش، وأن استغفارهم يخص المؤمنين فقط؛ فيكون الاستغفار حينئذٍ بمعنى طلب المغفرة لخطايا المؤمنين وذنوبهم(75)؛ وذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا﴾ [الأحزاب: 43].

وقد رجح هذا القول: ابن جرير والبغوي وأبو حيان وابن كثير والشنقيطي.

والذي يظهر رجحان القول الثاني؛ وذلك لأن الاستغفار للكفار أمر محرم.

2. استغفار الأنبياء عليهم السلام.

كثر ذكر استغفار الأنبياء والرسل عليهم السلام في القرآن الكريم، ومسارعتهم إلى طلب مغفرة الله، واستجابة الله لهم، وعدد الذين ورد استغفارهم في القرآن وصل إلى عشرة أنبياء؛ وهم:

  • آدم عليه السلام .
  • نوح عليه السلام .
  • إبراهيم عليه السلام .
  • يعقوب عليه السلام .
  • يوسف عليه السلام .
  • موسى عليه السلام .
  • داود عليه السلام .
  • سليمان عليه السلام .
  • يونس عليه السلام .
  • محمد-عليه الصلاة والسلام-.

وسأتطرق إلى ذكر بعض استغفارات هؤلاء الأنبياء:

  • استغفار آدم عليه السلام.

إن آدم وزوجه حواء عليهما السلام طلبا المغفرة والرحمة منه -جلا وعلا-.

قال تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23].

ففي هذه الآية أمران:

  • الاعتراف بالذنب.

سارع آدم عليه السلام وزوجه بعد وقوعهما في معصية الله إلى طلب مغفرة الله ورحمته؛ متوسلين إليه سبحانه بربوبيته، ثم بالاعتراف بذنبهما(76)، والإقرار بظلمهما لأنفسهما.

  • سؤال المغفرة والرحمة.

وبعد الاعتراف بظلمهما لأنفسهما طلبا المغفرة والرحمة من الله سبحانه بقولهما: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [لأعراف: 23].

وهذا خبر يتضمن طلب المغفرة والرحمة، فهما لم يسألا الله المغفرة والرحمة مباشرة؛ وإنما أخبرا أنه إن لم يغفر لهما ذنبهما ويرحمهما خسرا وهلكا، وهذا أبلغ من جهة العلم والبيان.

  • استغفار نوح عليه السلام.

جاء الاستغفار الصادر من نوح عليه السلام في موضعين من القرآن الكريم، وبمناسبتين مختلفتين؛ وهما ما يلي:

الموضع الأول: استغفاره بمناسبة سؤال الله ما ليس له به علم واتعاظه بوعظ الله:

قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٤٧﴾ [هود: 47].

سارع نوح عليه السلام في هذه الآية بإجابة كلام ربه بما يدل على التنصل مما سأل، فاستعاذ بما لقنه به ربه مبالغة في التوبة، وإظهارًا للرغبة والنشاط فيها(77).

قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ﴾ [هود: 47].

وهذا اعتراف منه عليه السلام بذنبه، ثم اشتغل بالاعتذار عما مضى، فقال: ﴿وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ وهذا خبر منه عليه السلام بأن الله إن لم يغفر له ويرحمه خسر، وهو يتضمن سؤال المغفرة والرحمة، وهو أبلغ من جهة العلم والبيان.

الموضع الثاني: استغفاره بمناسبة وحي الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن:

قال تعالى: ﴿رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِيَ مُؤۡمِنٗا وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارَۢا﴾ [نوح: 28].

بعدما دعا نوح عليه السلام على الكفار بالهلاك توجه إلى الله سبحانه بطلب المغفرة لنفسه.

قال تعالى: ﴿رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي﴾ أي: استر على ذنوبي، وتجاوز عني، ولا تؤاخذني بها، ثم ثنى بالدعاء بطلب المغفرة لأقرب الناس إليه وأحقهم بدعائه، وهما والداه وكانا مؤمنين(78)، ثم دعا بالمغفرة لكل من دخل منزله وهو مؤمن، ثم عمم الدعوة لكل متصف بالإيمان من الذكور والإناث؛ وذلك يعم الأحياء منهم والأموات، وقد شمل دعاؤه هذا كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، ثم عاد إلى الدعاء على الكافرين بالهلاك والخسران في الدنيا والآخرة، واستجاب الله دعاءه فأهلكهم بالكلية(79).

  • استغفار إبراهيم عليه السلام.

ورد استغفار إبراهيم عليه السلام في ثلاثة مواضع من القرآن؛ وذلك في مناسبتين مختلفتين.

أولًا: استغفاره بمناسبة قدومه إلى مكة وإسكان ذريته فيها:

قال تعالى: ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ﴾ [إبراهيم: 41].

ابتدأ إبراهيم عليه السلام استغفاره بالتوسل إلى الله سبحانه بربوبيته سبحانه وتعالى قائلًا: ﴿رَبَّنَا﴾ ثم طلب المغفرة لنفسه، ثم أشرك معه أقرب الناس إليه وأحقهم بشكره، وهما والداه، وطلبه الغفران لأبيه هنا كان قبل أن يتبرأ منه لما تبين له عدوانه لله، ثم أتبعه بطلب المغفرة للمؤمنين بالله ممن اتبعه على الدين الذي هو عليه؛ فأطاع الله في أمره ونهيه؛ وذلك يوم يحاسب الله عباده؛ فيجازيهم على أعمالهم(80)، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.

ثانيًا: استغفاره بمناسبة رفض أبيه وقومه لدعوة التوحيد التي دعاهم إليها:

ورد استغفار إبراهيم عليه السلام بهذه المناسبة في موضعين من القرآن الكريم؛ وهما ما يلي:

أولًا: قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ﴾ [الشعراء: 82].

ثانيًا: قوله سبحانه : ﴿رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [الممتحنة: 5].

صيغة الاستغفار الأول عبارة عن إخباره عليه السلام بالطمع والرجاء في مغفرة الله، وكان جازمًا في ذلك عليه السلام (81).

وهذا الخبر يتضمن طلب المغفرة من الله سبحانه.

وكذلك دعا بطلب المغفرة، هو ومن آمن معه بقولهم: ﴿رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [الممتحنة: 5].

فابتدأ إبراهيم عليه السلام ومن آمن معه دعاءهم بالتوسل إلى الله بربوبيته، ثم طلبوا ألا يجعلهم الله فتنة للذين كفروا، أي: ألا يسلط الكفار عليهم بذنوبهم؛ فيفتنوهم ويمنعوهم مما يقدرون عليه من أمور الإيمان(82).

ولما كان رأس مال المسلم الاعتراف بالتقصير -وإن بلغ النهاية في المجاهدة- ختموا دعاءهم بطلب المغفرة من الله سبحانه : ﴿وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ﴾ [الممتحنة: 5].

  • استغفار يونس عليه السلام.

ورد استغفار يونس عليه السلام في القرآن مرة واحدة: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٧ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 87-88].

إن يونس عليه السلام لما فعل ما يلام عليه من ربه كان من المناسب لحاله أن يبتدئ استغفاره بالثناء على الله بكمال الألوهية، فقال: ﴿أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ﴾ فهو الذي يستحق العبادة دون سواه، ثم نزهه عن كل نقص وعيب وآفة بقوله: ﴿سُبۡحَٰنَكَ﴾ وختم دعاءه بالاعتراف بذنبه وجنايته، والاستغفار والتوبة من خطيئته على ألطف وجه وأحسنه(83) فقال: ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ وهذا الاعتراف بالذنب يتضمن طلب المغفرة من الله سبحانه(84) وتفريج الكربة، فاستجاب الله له وفرج عنه، وأخرجه من بطن الحوت.

  • استغفار محمد عليه الصلاة والسلام.

عند التأمل في استغفار النبي صلى الله عليه وسلم الوارد في القرآن الكريم فإننا لا نجد استغفارًا مباشرًا صدر عنه صلى الله عليه وسلم ؛ ولكن ورد الأمر له بالاستغفار في تسعة مواضع من القرآن الكريم:

ورد الأمر له صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لنفسه في خمسة مواضع من القرآن الكريم، ومنها:

قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا ١٠٥ وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٦﴾ [النساء: 105-106].

وبالنظر في هاتين الآيتين الكريمتين نجد أن الله أمر نبيه بأمرين:

أحدهما: أمره صلى الله عليه وسلم بالحكم بين الناس بالعدل، واجتناب الظلم والجور.

ثانيها: أمره بطلب المغفرة من الله عند الحكم بين المتخاصمين.

وقال تعالى آمرًا نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب المغفرة والرحمة: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [المؤمنون: 118].

ففي هذه الآية الكريمة:

أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب المغفرة والرحمة، ورغبه في ذلك، وأرشده إلى دعائه وحده مخلصًا له الدين، وطلب المغفرة والرحمة منه -جل وعلا-(85)؛ فإنهما العاصمان من كل الآفات والمخالفات(86). والمعنى: استر علي ذنوبي بعفوك عنها، وارحمني بقبول التوبة، وتركك عقابي على ما اقترفت.

وفي تخصيص هذا الدعاء بالذكر دلالة على أهمية طلب المغفرة والرحمة في حياة المسلم.

وقال تعالى: ﴿فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ﴾ [غافر: 55].

وبالنظر في الآية الكريمة السابقة نجد أن الله-عز وجل- أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأمور تعينه على تبليغ دعوته للناس، وهي ما يلي:

  • الأمر بالصبر على تبليغ الدعوة.
  • الأمر بالاستغفار من ذنبه.
  • الأمر بالتسبيح بالعشي والإبكار.

وأمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لأصحابه في موضعين من كتابه:

قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩﴾ [آل عمران: 159].

أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة بثلاثة أمور:

  • أمره صلى الله عليه وسلم بالعفو عن أصحابه.
  • أمره صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لأصحابه.
  • أمره صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه في الأمور تطييبًا لقلوبهم.

وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لمن بايعنه من المؤمنات.

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ يُبَايِعۡنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡرِقۡنَ وَلَا يَزۡنِينَ وَلَا يَقۡتُلۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ وَلَا يَأۡتِينَ بِبُهۡتَٰنٖ يَفۡتَرِينَهُۥ بَيۡنَ أَيۡدِيهِنَّ وَأَرۡجُلِهِنَّ وَلَا يَعۡصِينَكَ فِي مَعۡرُوفٖۙ فَبَايِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [الممتحنة: 12].

ففي هذه الآية الكريمة: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعد مبايعته للمؤمنات بالاستغفار لهن في قوله: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۖ﴾ أي: سل لهن الله أن يصفح عن ذنوبهن، ويسترها عليهن بعفوه لهن عنها(87).

وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمسلمين بالاستغفار.

وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدۡنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرۡضَىٰۙ وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِۙ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗاۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمُۢ﴾ [المزمل: 20].

ولما كان الإنسان محل تقصير فيما أمر بفعله حث الله سبحانه نبيه وأصحابه والمؤمنين من بعدهم على أن يختموا أعمالهم الصالحة -ومن ضمنها قيام الليل- بالاستغفار(88).

قال تعالى: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمُۢ﴾ [المزمل: 20]

ثانيًا: استغفار المؤمنين:

ويتضمن ما يلي:

  • استغفار المؤمنين من الأمم السابقة.
  • استغفار المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

1. استغفار المؤمنين من الأمم السابقة.

ومن أمثلته في القرآن:

  • استغفار الربانيين من الأمم الماضية بمناسبة مواجهة أعداء الله في أرض المعركة.

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [آل عمران: 147].

دعا أتباع الأنبياء في أرض المعركة بمطالب؛ هي:

الدعاء بأن يغفر الله لهم ذنوبهم وإسرافهم في أمرهم.

الدعاء بأن يثبت الله أقدامهم، وينصرهم على أعدائهم.

  • استغفار السحرة الذين آمنوا بموسى عليه السلام.

ورد استغفار السحرة الذين آمنوا بموسى عليه السلام في موضعين من القرآن:

الأول: قال تعالى: ﴿قَالُواْ لَا ضَيۡرَۖ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ٥٠ إِنَّا نَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الشعراء: 50-51].

الثاني: قال سبحانه: ﴿إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ﴾ [طه: 73].

وهذا خبر يتضمن طلب المغفرة من الله سبحانه .

1. استغفار المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

ومن أمثلته في القرآن ما يلي:

  • استغفار المؤمنين خوفًا من محاسبة الله تبارك وتعالى.

قال تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].

توسل المؤمنون إلى الله سبحانه بأعمالهم الصالحة لإجابة دعائهم؛ وهي سماع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة سماع قبول وإذعان، والعمل بما جاء فيهما(89).

قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ﴾ ثم سألوه المغفرة لذنوبهم بقولهم: ﴿غُفۡرَانَكَ﴾ [البقرة: 285].

  • استغفار المؤمنين من أجل تخفيف الأحكام.

قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 286].

بمناسبة تخفيف الله على الصحابة علم سبحانه وتعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم هذه الدعوات المباركات، وهي وإن لم يأت فيها التعليم صريحًا، بلفظ (قل) ونحوه؛ إلا أن معظم المفسرين قدروا هذه اللفظة(90)؛ وهي ما يلي:

  • الدعاء بألا يؤاخذهم بما نسوا أو أخطأوا، ولا يحملهم التكاليف الشاقة.
  • الدعاء بألا يحملهم مالا طاقة لهم به، وأن يعفو عنهم ويغفر لهم، وينصرهم على أعدائهم.

فلما انقادت قلوبهم، وذلت لعزة ربها، أعطوا كل ما سألوه، فلم يسألوا شيئًا فيه إلا قال الله تعالى: (قد فعلت) كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم(91).

  • استغفار المؤمنين المتقين.

ورد استغفار المؤمنين في عدة مواضع من القرآن الكريم؛ منها:

قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 16].

توجه عباد الله المتقون إلى الله متوسلين إليه بربوبيته وبأعظم أعمالهم الصالحة -وهي إيمانهم به وبما شرعه لهم- لتحقيق مطلوبهم.

قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ بالستر عليها، وعدم المؤاخذة بها(92). ولما كان طلب الغفران يتضمن إسقاط العذاب أردفوه بالتصريح بوقايتهم من عذاب النار(93) على سبيل التأكيد والمبالغة؛ وذلك في قولهم: ﴿وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ ومن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وحسن مآبه(94).

وورد أيضًا مدحهم بطلب المغفرة في معرض تذكير الكفار بذنوبهم حين يدخلون النار، ويسألون الله الخروج منها(95).

قال تعالى: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٠٩﴾ [المؤمنون: 109].

فامتدح الله سبحانه في هذه الآية الكريمة عباده المؤمنين بطلبهم مغفرته ورحمته.

قال السعدي: «وفي ضمن هذا الاستغفار ما يدل على خضوعهم وخشوعهم، وانكسارهم لربهم، وخوفهم ورجائهم»(96).

ثالثًا: استغفار الكفار:

ويتضمن:

1. استغفار الكفار في الدنيا.

ورد استغفار الكفار في الدنيا في موضعين من القرآن الكريم؛ وذلك في المناسبة الآتية:

  • استغفار الكفار عند نزول عذاب الله عليهم في الدنيا.

قال تعالى: ﴿وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ ٤ فَمَا كَانَ دَعۡوَىٰهُمۡ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٥﴾ [الأعراف: 4-5].

وقال سبحانه : ﴿قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ١٤ فَمَا زَالَت تِّلۡكَ دَعۡوَىٰهُمۡ حَتَّىٰ جَعَلۡنَٰهُمۡ حَصِيدًا خَٰمِدِينَ ١٥﴾ [الأنبياء: 14-15].

أخبر الله سبحانه في هذه الآية الكريمة عن موقف الكفار عند نزول العذاب عليهم في الدنيا؛ حيث إنهم لجأوا إليه سبحانه وتعالى بالتضرع والدعاء بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم وتكذيبهم لأنبيائهم.

قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعۡوَىٰهُمۡ﴾ أي: دعاؤهم: ﴿إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَآ﴾ أي: عذابنا: ﴿إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ﴾ وهذا اعتراف منهم بالذنب(97).

يتضمن طلب المغفرة والعفو والصفح من الله سبحانه ؛ إلا أن هذا الاعتراف والندم لم ينفعهم؛ وذلك بسبب كفرهم؛ حيث أنزل الله عليهم عذابه فهلكوا.

وهذا إنذار للمشركين بالهلاك إن هم استمروا في تكذيب أنبيائهم والكفر بهم(98).

2. استغفار الكفار في الآخرة.

أدعية الكفار عمومًا في الآخرة أكثر من أدعيتهم في الدنيا؛ وذلك لأنهم يفاجؤون بما لم يستعدوا له، فيسلكون جميع الطرق التي يحسبون أنها ستنقذهم مما هم مقدمون عليه من عذاب النار؛ ومن تلك السبل: طلبهم للمغفرة من الله سبحانه رجاء أن يخرجهم من النار.

  • استغفار الكفار عند دخول النار واصطلائهم بحرها وعذابها.

قال تعالى: ﴿تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ ١٠٤ أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٠٥ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ﴾ [المؤمنون: 104-106].

وقال تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَيۡنِ وَأَحۡيَيۡتَنَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ مِّن سَبِيلٖ﴾ [غافر: 11].

يتوسل الكفار عند دخولهم النار إلى الله سبحانه بالاعتراف والإقرار بظلمهم لأنفسهم وضلالهم؛ طمعًا في خروجهم من النار، قائلين: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا﴾ أي: غلب علينا الشقاء الناشئ عن الظلم والإعراض عن الحق، ثم يعترفون بذنبهم، بقولهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ﴾ وقولهم في الموضع الآخر: ﴿فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ مِّن سَبِيلٖ﴾ وهذا الاعتراف بالذنب(99) يتضمن طلب المغفرة والعفو والصفح من الله؛ ولكن لا ينفعهم حينئذٍ الاعتراف، ولا يقبل منهم استغفارهم وتوبتهم(100).

آثار الاستغفار

للاستغفار آثار في الدنيا والآخرة نبينها فيما يأتي:

أولًا: آثار الاستغفار في الدنيا:

للاستغفار آثار في الدنيا، ومنها:

1. آثار الاستغفار في حياة الفرد.

ورد في القرآن الكريم بيان الآثار والثمار الحاصلة بملازمة المسلم للاستغفار والإكثار منه؛ فمن تلك الآثار والثمار ما يلي:

  • أنه سبب لحصول الحياة الطيبة.

إن ملازمة العبد للاستغفار الذي يتواطأ فيه القلب واللسان، وتظهر آثاره على الجوارح من المسارعة إلى كل فضيلة؛ لهي من أقوى الأسباب المؤدية إلى حصول الحياة الطيبة للعبد، وقد وعد بها الكريم الرحمن كل من عمل صالحًا في هذه الحياة الدنيا.

قال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: 97].

قال ابن كثير: «والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت(101) في الدنيا والآخرة» ومن أعظمها: ما يحصل للمؤمن من سرور القلب، وراحته وطمأنينته، وعدم قلقه واضطرابه في جميع مقامات الحياة.

وورد في كتاب الله ما يدل على أن الحياة الطيبة التي تحصل لعباده المستغفرين تشمل ذلك كله؛ فمن ذلك: سعة الرزق، ورغد العيش، وحصول القوة الروحية والجسمية.

قال تعالى: ﴿وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ﴾ [هود: 3].

ففي هذه الآية الكريمة رغب صلى الله عليه وسلم المشركين في المسارعة إلى الاستغفار مما هم عليه من الكفر والشرك، والتوبة مما سلف من الذنوب والآثام، ثم بين ما يترتب على امتثال ذلك من الآثار الحميدة؛ وهي ما يلي:

الأثر الأول: حصول المتاع الحسن.

الأثر الثاني: إيتاء كل ذي فضل فضله.

وقال سبحانه عن هود عليه السلام: ﴿وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ﴾ [هود: 52].

ففي هذه الآية الكريمة رغب هود عليه السلام قومه إلى الاستغفار والتوبة بأمرين:

1. ترغيبهم بكثرة الأمطار المتتابعة.

لما أرشد هود عليه السلام قومه إلى التوحيد، ونبذ عبادة الأوثان؛ أمرهم بالاستغفار والتوبة، وحثهم عليه.

2 - ترغيبهم بزيادة القوة الروحية والجسمية.

  • أنه سبب للقرب من الله تعالى وإجابة الدعاء.

ويدل على ذلك قوله تعالى عن صالح عليه السلام : ﴿فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ﴾ [هود: 61].

ففي هذه الآية الكريمة رغب صالح عليه السلام قومه في الاستغفار والتوبة إلى الله سبحانه بأمرين؛ هما:

1 - حصول القرب من الله -جل وعلا.

2 - إجابته لدعاء من دعاه.

  • أنه سبب لحصول الرحمة والمحبة من الله سبحانه للمستغفرين.

إن الاستغفار من أعظم الأسباب الجالبة لرحمة الله سبحانه ومحبته لعباده المستغفرين، وقد بين الله سبحانه ذلك في كتابه الكريم.

قال تعالى عن شعيب عليه السلام : ﴿وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ﴾ [هود: 90].

ففي هذه الآية الكريمة رغب شعيب عليه السلام قومه في الاستغفار والتوبة بحصول أمرين:

حصول الرحمة من الله تعالى للمستغفرين.

حصول المحبة من الله سبحانه للمستغفرين ورضاه عنهم.

  • حصول النصر والظفر والنجاة من المكروه.

فبملازمة الاستغفار والإكثار منه يستنزل النصر على الأعداء، ويظفر المسلم بكل محبوب، وينجو من كل مكروه، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦ وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤٧ فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤٨﴾ [آل عمران: 146-148].

فبين الله سبحانه في هذه الآيات الكريمة ثمرة استغفار هؤلاء الربانيين؛ وهي ما يلي:

إيتاؤهم ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة.

ومعنى ثواب الدنيا أي: جزاؤها، وهو النصر على الأعداء، والظفر عليهم، والتمكين لهم في البلاد.

أما ثواب الآخرة: فهو حصول المغفرة لهم، ودخول الجنة.

وتخصيص الحسن بهذا الثواب للإيذان بفضله ومزيته، وأنه هو المعتد به عنده تعالى، وترغيبًا في طلب ما يحصله من العمل الصالح(102).

  • أنه سبيل لتفريج الكربات، والنجاة من الغموم والهموم، وتيسير الأمور.

إن الإكثار من الاستغفار الحق الذي يتواطأ فيه القلب واللسان لجدير بأن يفرج الله عن صاحبه الكربات التي تضيق بها نفسه، وينجيه من الغم والهم الذي يعتريه، وقد دل على ذلك عدة نصوص من الكتاب والسنة:

منها: قوله تعالى: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].

فاستغفار يونس عليه السلام في تلك الظلمات واعترافه بذنبه كان سببًا لنجاته من الغم الذي كان فيه.

قال تعالى: ﴿فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88].

ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب)(103).

2. أثر الاستغفار في حياة المجتمع.

إذا كان للاستغفار آثار ظاهرة في حياة الفرد فإن له -بلا شك- آثارًا ظاهرة أيضًا في حياة المجتمع، فأساس الصلاح يبدأ من الأفراد، وينعكس أثره على المجتمع بأسره؛ لأن الفرد هو الخلية الأولى في بناء المجتمع.

ويتجلى أثر الاستغفار في حياة المجتمع في أمور كثيرة؛ من أبرزها:

  • الأمن من عذاب الله.

إن الاستغفار سياج واقٍ وأمان من عذاب الله -وأصل الأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف(104)-، فإذا كثر الاستغفار في الأمة، وصدر عن قلوب بربها مطمئنة؛ دفع الله عنها ضروبًا من النقم، وصرف عنها صنوفًا من البلايا والمحن.

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33].

ففي هذه الآية الكريمة بين الله سبحانه أن مانع إنزال العذاب أمران:

أحدهما: وجود النبي صلى الله عليه وسلم .

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ﴾ وهذا إعلام بكرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الله؛ حيث جعل وجوده في مكان مانعًا من إنزال العذاب(105).

ثانيهما: وقوع الاستغفار.

وهذا هو المانع الثاني من إنزال العذاب عليهم.

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ﴾ والكلام على هذا المانع من وجهين:

أحدهما: في الاستغفار الدافع للعذاب.

الثاني: في العذاب المدفوع بالاستغفار.

أما الأول: فإن العذاب إنما يكون على الذنوب، والاستغفار مع التوبة النصوح يوجب مغفرة الذنوب التي هي سبب العذاب؛ فيندفع حينئذٍ العذاب(106) كما قال تعالى في هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ﴾.

وأما الثاني: فإن العذاب المدفوع يعم العذاب السماوي، ويعم ما يكون من العباد.

  • حلول البركات والخيرات والعز والتمكين.

فبالاستغفار يجلب الخصب والبركة، ويكثر النسل والنماء والخير في كل مكان، وهو مصدر للعزة والمنعة والتمكين، والبركة: كثرة الخير ونماؤه واستمراره(107).

وقد وعد الله بها كل من آمن به واتقاه؛ بفعل الطاعات، وترك المحرمات، ومن أجل الطاعات وأعظم القربات: كثرة الاستغفار؛ مع صدق العزم على ترك الذنب.

وقد بين الله سبحانه في كتابه الكريم صور هذه البركة وشمولها لجميع ميادين الحياة.

قال تعالى: ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا ١٠ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا ١١ وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا﴾ [نوح: 10-12].

فالمجتمع الذي يلازم أفراده الاستغفار قولًا وفعلًا مجتمع مبارك، يفيض الله سبحانه عليه من بركاته ورحمته؛ ما يجعله مجتمعًا قويًا يسوده الإخاء والأمن والاستقرار.

ثانيًا: آثار الاستغفار في الآخرة:

1. المغفرة والأجر العظيم.

إن عدم المؤاخذة بما فرط من الذنوب، والتجاوز عن الإساءة، وستر العيوب أمر مطلوب، وأمل مرغوب، حث الله تعالى على المسارعة إليه.

قال سبحانه وتعالى: ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ [آل عمران: 133].

وقد حفلت الآيات القرآنية ببيان هذا الوعد الكريم؛ منها:

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٣٥ أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ﴾ [آل عمران: 135-136].

فالاستغفار الذي يتواطأ فيه اللسان مع القلب، وتظهر آثاره على الجوارح؛ من ترك الذنوب والمعاصي، والإقبال على الطاعات، لا شك أنه موجبٌ لحصول المغفرة من الله العزيز الغفار، فمن أعطي الاستغفار فقمن به أن يعطى المغفرة، فما ألهم الله عبدًا الاستغفار وهو يريد أن يعذبه.

2. الجنة والفوز العظيم.

إن أعلى وأفضل ثمار الاستغفار على الإطلاق هو دخول الجنة، دار النعيم المقيم، ودار الرضوان، ودار الجزاء الأوفى، وهو من لوازم المغفرة.

وحفلت الآيات القرآنية ببيان هذا الجزاء العظيم لعباد الله المستغفرين.

فمن الآيات: ما وعد الله به عباده المتقين الذين من أجل صفاتهم: طلب مغفرة الله.

قال تعالى: ﴿قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۚ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ١٥ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 15-16].

وهذا وعد كريم من الرحمن لعباده المتقين الأبرار، الذين خافوه في الدنيا فأطاعوه؛ بأداء فرائضه، واجتناب نواهيه، بأن جزاءهم عند ربهم يوم يلقونه هو دخول جناته خالدين فيها، ولهم فيها -زيادة في النعيم- زوجات مطهرات من كل آفة ونقص، جميلات الأخلاق، كاملات الخلائق، ولهم رضوان الله الذي هو أكبر من كل شيء(108).

ومن أجل صفات من ينال هذا النعيم المقيم هم عباد الله المستغفرون؛ فالاستغفار هو أقرب الوسائل إلى مرضاة الله، وأعظم أسباب عز الدنيا وسعادة الآخرة(109).

موضوعات ذات صلة:
الدعاء، الاستعاذة، الذكر، التسبيح، التوبة، الذنب

الحواشي

  1. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 4/385. ↩
  2. انظر: المحكم، ابن سيده، 5/499. ↩
  3. انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي 3/166. ↩
  4. انظر: لسان العرب، ابن منظور 5/3274. ↩
  5. انظر: جامع البيان، الطبري 3/185، روح المعاني، الألوسي 11/207. ↩
  6. مجموع فتاوى ابن تيمية 10/185. ↩
  7. انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 499-503. ↩
  8. انظر: لسان العرب، ابن منظور، 5/25-26. ↩
  9. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/357، لسان العرب، ابن منظور، 2/61. ↩
  10. المفردات، الراغب الأصفهاني ص169. ↩
  11. مدارج السالكين 1/308. ↩
  12. انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد، 2/938، مقاييس اللغة، ابن فارس، 4/56. ↩
  13. انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص339. ↩
  14. انظر: الكليات، الكفوي، ص 53، 598. ↩
  15. مفاتيح الغيب، الرازي 7/116. ↩
  16. مقاييس اللغة 2/498. ↩
  17. لسان العرب، ابن منظور 3/1612. ↩
  18. إغاثة اللهفان، ابن القيم 2/174. ↩
  19. انظر: مدارج السالكين، ابن القيم 1/35. ↩
  20. تفسير القرآن العظيم 6/402. ↩
  21. انظر: لسان العرب، ابن منظور 5/3897-3900. ↩
  22. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 1/556، التحرير والتنوير، ابن عاشور 28/277. ↩
  23. الجامع لأحكام القرآن 4/317. ↩
  24. انظر: مدارج السالكين، ابن القيم 1/312. ↩
  25. انظر: مدارج السالكين، ابن القيم 2/120. ↩
  26. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار، 12/375، رقم 6306. ↩
  27. انظر: مجموع الفتاوي، ابن تيمية 11/697. ↩
  28. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص247. ↩
  29. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، 1/414، رقم 591. ↩
  30. انظر: معالم التنزيل، البغوي 1/285، المحرر الوجيز، ابن عطية 1/411، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/379. ↩
  31. انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية 11/141. ↩
  32. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب الدعاء في الركوع، 2/537، رقم 794، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، 4/424، رقم 1085. ↩
  33. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 4/564، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/89. ↩
  34. انظر: الموافقات، الشاطبي 3/142، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص18. ↩
  35. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (يريدون أن يبدلوا كلام الله)، 9/143، رقم 7494، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، 6/279، رقم 1769. ↩
  36. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 10/56. ↩
  37. انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي 1/113. ↩
  38. مجموع فتاوى ابن تيمية 11/696. ↩
  39. المصدر السابق 11/142. ↩
  40. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 4/39. ↩
  41. الأذكار، النووي ص353. ↩
  42. إرشاد الفحول، الشوكاني ص143، مذكرة في أصول الفقه، الشنقيطي ص229. ↩
  43. ألممت: أصل اللمم: الاقتراب من الشيء، وحقيقته: وقوع الفعل من الشخص على خلاف العادة.
    انظر: النهاية، ابن الأثير 4/234. ↩
  44. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قال تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا)، 9/385، رقم 4750. ↩
  45. جلاء الأفهام، ابن القيم ص273. ↩
  46. انظر: الفروق، القرافي 4/260. ↩
  47. انظر: الأزهية في أحكام الأدعية، الزركشي ص 163. ↩
  48. انظر: زاد المعاد، ابن القيم 2/472. ↩
  49. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 10/242. ↩
  50. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار، 8/67، رقم 6306. ↩
  51. انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم 2/166. ↩
  52. انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي 1/304. ↩
  53. انظر: الفتوحات الربانية، ابن علان 7/272. ↩
  54. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة، 6/380، رقم 1973. ↩
  55. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة، 3/81، رقم 935، ومسلم في كتاب الجمعة، باب في الساعة التي في يوم الجمعة، 6/378، رقم 1966. ↩
  56. انظر: الأزهية في أحكام الأدعية، الزركشي ص110، تحفة الذاكرين، الشوكاني ص60. ↩
  57. انظر: الفتوحات الربانية، ابن علان 4/263. ↩
  58. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 5/484، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/559. ↩
  59. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل ما بين القبر والمنبر، 3/392، رقم 1196، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة 9/163، رقم 3355. ↩
  60. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/438. ↩
  61. أخرجه أبو داود في سننه، أبواب الوتر، باب في الاستغفار 2/86، رقم 1521.
    وصححه الألباني في صحيح أبي داود 5/252، رقم 1361. ↩
  62. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار، 8/67، رقم 6306. ↩
  63. انظر: روضة الناظر، ابن قدامة 1/133، الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي 1/393. ↩
  64. انظر: البحر المحيط، الزركشي 2/435. ↩
  65. انظر: دليل الفالحين، ابن علان 1/88. ↩
  66. أخرجه الطبري في تفسيره 5/41، وابن أبي حاتم في تفسيره 3/934. ↩
  67. مجموع فتاوى ابن تيمية 20/36، والتوبة له أيضًا ص29. ↩
  68. انظر: شرح فتح القدير، ابن الهمام الحنفي 1/300. ↩
  69. انظر: حاشية الجمل على شرح المنهج 1/418، الملخص الفقهي، صالح الفوزان 1/115. ↩
  70. لطائف المعارف، ابن رجب ص8. ↩
  71. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 4/547. ↩
  72. انظر: البحر المحيط، أبو حيان 9/237، الجواب الكافي، ابن القيم ص135. ↩
  73. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 5/26، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 16/5، روح المعاني، الألوسي 25/12. ↩
  74. انظر: فتح القدير، الشوكاني 4/526. ↩
  75. انظر: جامع البيان، الطبري 25/7، معالم التنزيل، البغوي 4/120، البحر المحيط، أبو حيان 9/323، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/112، أضواء البيان، الشنقيطي 7/153. ↩
  76. تفسير سورة البقرة، ابن عثيمين 1/135. ↩
  77. انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 4/213، التحرير والتنوير، ابن عاشور 11/272. ↩
  78. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 18/313، فتح القدير، الشوكاني 5 /302. ↩
  79. انظر: النكت والعيون، الماوردي 6/106، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 18/413، البحر المحيط، أبو حيان 10/288، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/451، فتح القدير، الشوكاني 5/302. ↩
  80. انظر: جامع البيان، الطبري 13/236، المحرر الوجيز، ابن عطية 3/343. ↩
  81. انظر: جامع البيان، الطبري 19/85، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 13/111. ↩
  82. رجح هذا المعنى ابن عطية في المحرر الوجيز 5/256، وأبو حيان في البحر المحيط 1/156، والألوسي في روح المعاني 28/73، لأنهم إنما دعوا لأنفسهم، وعلى منحى القول الثاني إنما دعوا للكفار. ↩
  83. انظر: جامع البيان، الطبري 17/80. ↩
  84. انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية 10/168. ↩
  85. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/287. ↩
  86. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 23 / 148، فتح القدير، الشوكاني 3/501. ↩
  87. انظر: جامع البيان، الطبري 28/81. ↩
  88. انظر: نظم الدرر، البقاعي 8/219، أضواء البيان، الشنقيطي 8/614. ↩
  89. انظر: البحر المحيط، أبو حيان 2 / 709، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/367. ↩
  90. انظر: جامع البيان، الطبري 3/155، النكت والعيون، الماوردي 1/364. ↩
  91. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أنه،سبحانه وتعالى، لم يكلف إلا ما يطاق 1/116، رقم 126. ↩
  92. انظر: جامع البيان، الطبري 3 /207، معالم التنزيل، البغوي 1/285. ↩
  93. انظر: البحر المحيط، أبو حيان 3/560. ↩
  94. انظر: جامع البيان، الطبري 3/207. ↩
  95. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/285. ↩
  96. تيسير الكريم الرحمن، السعدي 5/383. ↩
  97. انظر: جامع البيان، الطبري 8/119، زاد المسير، ابن الجوزي 3/168. ↩
  98. انظر: جامع البيان، الطبري 8/120. ↩
  99. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 4/157، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/284. ↩
  100. انظر: جامع البيان، الطبري 24/48، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 15/298، أضواء البيان، الشنقيطي 7/73، التحرير والتنوير، ابن عاشور 24/110. ↩
  101. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/645. ↩
  102. انظر: جامع البيان، الطبري 4/122، المحرر الوجيز، ابن عطية 1/522. ↩
  103. أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب في الاستغفار 2/85، رقم 1518، وابن ماجه في سننه، كتاب الأدب، باب الاستغفار 2/1254،رقم 3819، والنسائي في عمل اليوم والليلة، باب ثواب الإكثار من الاستغفار ص147، 460.
    وصححه المناوي في فيض القدير 6/82، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب 1/499. ↩
  104. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 3/133، المفردات، الراغب الأصفهاني ص35، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي 1/123. ↩
  105. انظر: جامع البيان، الطبري 9/238، المحرر الوجيز، ابن عطية 2/521. ↩
  106. انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية 15/27، 28. ↩
  107. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/227، لسان العرب، ابن منظور 1/386، المفردات، الراغب الأصفهاني ص54. ↩
  108. انظر: جامع البيان، الطبري 3/206، المحرر الوجيز، ابن عطية 1/410. ↩
  109. انظر: تهذيب التفسير، عبد القادر شيبة الحمد 2/316. ↩
البحث السابقالاستعانة