مفهوم التوبة
أولًا: المعنى اللغوي:
توب: التّاء والواو والباء كلمةٌ واحدةٌ تدلّ على الرّجوع. يقال: تاب من ذنبه، أي رجع عنه، يتوب إلى اللّه توبةً ومتابًا، فهو تائبٌ. والتّوب: التّوبة. قال اللّه تعالى: ﴿وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ﴾[غافر: 3](1).
وتاب إلى اللّه توبًا وتوبةً ومتابًا وتابةً وتتوبةً: رجع عن المعصية، وهو تائبٌ وتوّابٌ، وتاب الله عليه: وفّقه للتّوبة، أو رجع به من التّشديد إلى التّخفيف، أو رجع عليه بفضله وقبوله، وهو توّابٌ على عباده(2).
والتائب يقال لباذل التوبة ولقابل التوبة؛ فالعبد تائب إلى الله، والله تائب على عبده.
والتّوّاب: العبد الكثير التوبة، وذلك بتركه كلّ وقت بعض الذنوب على الترتيب حتى يصير تاركًا لجميعه، وقد يقال ذلك لله تعالى؛ لكثرة قبوله توبة العباد حالًا بعد حال(3).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
التوبة في الشرع: الرجوع عن الأفعال المذمومة إلى الممدوحة.
والتوبة النصوح: ألا يبقي على عمله أثرًا من المعصية، سرًّا وجهرًا (4).
قال الطبري رحمه الله: «التوبة من العبد إلى ربه: إنابته إلى طاعته، وأوبته إلى ما يرضيه بتركه ما يسخطه من الأمور التي كان عليها مقيمًا مما يكرهه ربه، فكذلك توبة الله على عبده هو أن يرزقه ذلك، ويتوب من غضبه عليه إلى الرضا عنه، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه»(5).
وهذا التعريف في الاصطلاح لا يخرج عن معناه في اللغة.
التوبة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (توب) في القرآن(87) مرة(6).
والصيغ التي وردت هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| الفعل الماضي | 34 | ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ﴾ [التوبة: 117] |
| الفعل المضارع | 21 | ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۗ﴾ [النساء: 17] |
| الفعل الأمر | 8 | ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا﴾ [التحريم: 8] |
| المصدر | 8 | ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ [الشورى: 25] |
| اسم الفاعل | 2 | ﴿ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ﴾ [التوبة: 112] |
| صيغة المبالغة | 12 | ﴿فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا ٣﴾ [النصر: 3] |
وجاءت التوبة في القرآن على وجهين(7):
أحدها: الندم على فعل الشيء والرجوع عنه، ومنه قوله تعالى:﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٤٣﴾ [الأعراف: 143].يعني: ندمت ورجعت إليك.
والثاني: التجاوز، ومنه قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ﴾ [النساء: 27].يعني: يتجاوز عنكم.
الألفاظ ذات الصلة
الاعتذار:
الاعتذار لغة:
(اعتذر) فلان: صار ذا عذر، وإليه: طلب قبول معذرته، ويقال: اعتذر من ذنبه واعتذر عن فعله: تنصل واحتج لنفسه(8).
الاعتذار اصطلاحًا:
تحري الإنسان ما يمحو به أثر ذنبه، وذلك ثلاثة: الأول: أن يقول: لم أفعل أو فعلت لأجل كذا، فيذكر ما يخرجه عن كونه ذنبًا، الثاني: أن يقول: فعلت ولا أعود ونحو ذلك، والثالث: هو التوبة، فكل توبة عذر ولا عكس(9).
الصلة بين التّوبة والاعتذار:
التوبة من الذنب الذي لا عذر في اقترافه، والمعتذر يذكر أن له في ما أتاه من المكروه عذرًا، ولو كان الاعتذار التّوبة لجاز أن يقال: اعتذر إلى الله، كما يقال: تاب إليه، وأصل العذر: إزالة الشّيء عن جهته، أي: أزال ما كان في نفسه عليه في الحقيقة أو في الظّاهر(10).
الندم:
النّدم لغة:
(ندم) على الأمر ندمًا وندامة: أسف وكرهه بعدما فعله فهو نادم(11).
النّدم اصطلاحًا:
التّحسّر من تغيّر رأي في أمر فائتٍ(12).
الصلة بين النّدم والتّوبة:
التّوبة من النّدم؛ وذلك أنّك قد تندم على الشّيء ولا تعتقد قبحه، ولا تكون التّوبة من غير قبح، فكل توبة ندم، وليس كل ندم توبة(13).
الاستغفار:
الاستغفار لغة:
(استغفر): أي طلب المغفرة، واستغفر اللّه ذنبه: طلب منه غفره(14)، وفي اللغة العربية إذا دخلت السين والتاء على الفعل أفادت معنى الطلب.
وبهذا، فإنّ معنى الاستغفار في اللغة: طلب السّتر، وطلب ترك المؤاخذة على الذّنب.
الاستغفار اصطلاحًا:
طلب ستر الذنب بالعفو عنه، وعدم العقوبة عليه(15).
الصلة بين التوبة والاستغفار:
قال ابن القيم: «الاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى، فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله»(16).
الإصرار:
الإصرار لغة:
(أصر) على الأمر: ثبت عليه ولزمه، وأكثر ما يستعمل في الآثام(17).
الإصرار اصطلاحًا:
وهو: التّعقّد في الذّنب والتّشدّد فيه، والامتناع من الإقلاع عنه، قال الله تعالى: ﴿وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾[آل عمران: 135].
الصلة بين التوبة والإصرار:
علاقة تضاد، فالعبد إذا عصى وطال زمان التوبة وقع في الإصرار، قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ﴾، أي تبتدئ التوبة من زمانٍ قريب من زمان المعصية؛ لئلا يقع في الإصرار(18).
اقتران التوبة بالإصلاح والاستغفار
أولًا: اقتران التوبة بالإصلاح:
قرن الله سبحانه بين التوبة والإصلاح في مواضع من كتابه، منها: قوله تعالى: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾[البقرة: 160].
وقوله تعالى : ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾[آل عمران: 89].
وقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذَانِ يَأۡتِيَٰنِهَا مِنكُمۡ فَـَٔاذُوهُمَاۖ فَإِن تَابَا وَأَصۡلَحَا فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابٗا رَّحِيمًا﴾[النساء16].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 146].
وقوله تعالى: ﴿فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة39].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۖ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [الأنعام: 54].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾[النحل: 119].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [النور: 5].
فالآيات تدل دلالةً واضحةً على أنه ليس المقصود بالتوبة ترك القبيح فحسب، بل يجب فعل الحسن، وهو الإصلاح.
ومن أجل ذلك شرط تعالى في توبة أهل الكتاب الذين كان ذنبهم كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى؛ ليضلوا الناس بذلك، شرط أن يصلحوا العمل في نفوسهم، ويبيّنوا للناس ما كانوا يكتمونهم إياه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِۙ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ ١٥٩ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩-١٦٠].
وشرط في توبة المنافقين الذين كان ذنبهم إفساد قلوب ضعفاء المؤمنين، وتحيزهم واعتصامهم باليهود والمشركين أعداء الرسول، وإظهارهم الإسلام رياءً وسمعةً: أن يصلحوا بدل إفسادهم، وأن يعتصموا بالله بدل اعتصامهم بالكفار من أهل الكتاب والمشركين، وأن يخلصوا دينهم لله بدل إظهارهم رياءً وسمعةً، فهكذا تفهم شرائط التوبة وحقيقتها(19)، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 146].
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هناك أعمالًا طلب الله فيها التوبة فقط، وأعمالًا طلب فيها التوبة والإصلاح، وأعمالًا طلب فيها التوبة والإصلاح والبيان.
ثانيًا: اقتران التوبة بالاستغفار:
قرن الله تعالى بين التوبة والاستغفار على ألسنة رسله.
قال محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ﴾[هود: 3].
وقال هود عليه السلام: ﴿وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ﴾ [هود: 52].
وقال صالح عليه السلام: ﴿فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ﴾[هود: 61].
وقال شعيب عليه السلام: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ﴾ [هود: 90].
الاستغفار: طلب وقاية شرّ ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله(20).
وقيل في العلاقة بينهما: التوبة: هي الرجوع إلى الله مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه الله ظاهرًا وباطنًا؛ ندمًا على ما مضى، وتركًا في الحال، وعزمًا على أن لا يعود، والاستغفار: طلب المغفرة من الله، فإن اقترن به توبة فهو الاستغفار الكامل الذي رتّبت عليه المغفرة، وإن لم تقترن به التوبة فهو دعاء من العبد لربه أن يغفر له، فقد يجاب دعاؤه وقد لا يجاب، وهو بنفسه عبادة من العبادات، فهو دعاء عبادة، ودعاء مسألة(21).
التواب من أسماء الله تعالى
اشتقّ الله تعالى من التوبة اسمًا له، وهو التوّاب؛ دلالة على عظم التوبة وفضلها:
أولًا: معنى اسم الله التواب:
قال الطبري رحمه الله: «إن الله جل ثناؤه هو التوّاب على من تاب إليه من عباده المـذنبين من ذنوبه، التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه»(22).
وجاء (توّاب) على أبنية المبالغة لقبوله توبة عباده، وتكرير الفعل منهم دفعة بعد دفعة، وواحدًا بعد واحد على طول الزمان، وقبوله عز وجل ممن يشاء أن يقبل منه؛ فلذلك جاء على أبنية المبالغة، فالعبد يتوب إلى الله عز وجل ويقلع عن ذنوبه، والله يقبل توبته. فالعبد تائب والله توّاب(23).
وقال ابن القيم في نونيته(24):
وكذلك التوّاب من أوصافه
والتوّاب في أوصافه نوعان
إذن بتوبة عبده وقبولها
بعد المتاب بمنة المنان
ويقول السعدي رحمه الله: «فهو التائب على التائبين أولًا بتوفيقهم للتوبة، والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب عليهم بعد توبتهم قبولًا لها، وعفوًا عن خطاياهم»(25).
ثانيًا: الأسماء المقترنة باسمه التوّاب:
ورد اسم الله تعالى (التَّوَّاب) في إحدى عشرة آية في القرآن الكريم(26):
1. الرحيم.
اقترن اسم التواب باسم الرحيم في (9) آيات، منها:
قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾[البقرة: 37].
وقوله تعالى: ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾[التوبة: 104].
وقوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ﴾[الحجرات: 12].
ومناسبة هذا الاقتران: أن توبة الله على عباده وتوفيقهم إليها ثم قبولها منهم، هو من آثار رحمته تعالى وبره وإحسانه.
قال الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾[التوبة: 118]: «إن الله هو الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته، الموفق من أحب توفيقه منهم لما يرضيه عنه، الرحيم بهم أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبة والإنابة ولا يتوب عليه»(27).
وقال السعدي رحمه الله: «﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ﴾ أي: كثير التوبة والعفو، والغفران عن الزلات والعصيان، ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ وصفه الرحمة العظيمة التي لا تزال تنزل على العباد في كل وقت وحين، في جميع اللحظات، ما تقوم به أمورهم الدينية والدنيوية»(28).
2. الحكيم.
اقترن اسم التواب باسم الحكيم مرة واحدة، في قوله تعالى: ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾[النور: 10].
فهو ﴿تَوَّابٌ﴾ يقبل العاصين منكم، ويردّهم إلى دائرة المؤمنين الصالحين، إذا هم تابوا وأصلحوا، وهو سبحانه: ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حدّ من حدود ورصد من عقوبات، للمعتدين على حدوده(29).
وفي ذكر وصف ﴿حَكِيمٌ﴾ هنا مع وصف ﴿تَوَّابٌ﴾ إشارةٌ إلى أن في هذه التوبة حكمة، وهي استصلاح الناس(30).
مجالات التوبة
تنوّعت مجالات التوبة وتنوّعت معها شروطها. وشرط التوبة من ذنب هي فعل ضده، فشرط توبة المشرك: الإيمان؛ لأن ذنبه الإشراك، وشرط توبة المنافق الإخلاص؛ لأن ذنبه الرياء، وشرط توبة الكاتمين ما أنزل الله من البينات والهدى: البيان، وتوبة القاذف إكذابه نفسه؛ لينتفي عن المقذوف العار الذي ألحقه به بالقذف.
وسوف نوضّح مجالات التوبة فيما يلي:
أولًا: التوبة عن الشرك والكفر:
أرسل الله الأنبياء والرسل لدعوة أقوامهم إلى التوبة من الشرك والكفر، بأمرهم بالاستغفار من الشرك ثم بالتوبة من بعده:
قال هود عليه السلام: ﴿وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ﴾[هود: 52].
أي: آمنوا به حتى يغفر لكم ذنوبكم. والاستغفار: هو الإيمان بالله في هذا الموضع؛ لأن هودًا عليه السلام إنما دعا قومه إلى توحيد الله؛ ليغفر لهم ذنوبهم، ثم توبوا إلى الله من سالف ذنوبكم وعبادتكم غيره بعد الإيمان به(31).
والذنب الذي طلب هود عليه السلام قومه التوبة منه هو ذنب الشرك، قال أبو بكر الأصم: «استغفروا: أي سلوه أن يغفر لكم ما تقدم من شرككم، ثم توبوا من بعده بالندم على ما مضى، وبالعزم على أن لا تعودوا إلى مثله»(32).
وقال صالح عليه السلام: ﴿يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ﴾[هود: 61].
«اعملوا عملًا يكون سببًا لستر الله عليكم ذنوبكم، وذلك الإيمان به، وإخلاص العبادة له دون ما سواه واتباع رسوله صالح، ثم اتركوا من الأعمال ما يكرهه ربكم إلى ما يرضاه ويحبه، إن ربي قريب ممن أخلص له العبادة ورغّب إليه في التوبة، مجيب له إذا دعاه»(33).
ويظهر من ختام الآية بجملة: ﴿إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ﴾ أنهم استعظموا أن يكون جرمهم مما يقبل الاستغفار عنه، فطمأنهم صالح عليه السلام إلى استجابته تعالى لتوبتهم إذا تابوا وقبولها منهم.
ويستفاد من الآيات أنه: يجب على كل داعٍ إلى الله أن يحبّب عباد الله إلى خالقهم، ويبشّرهم بحبه سبحانه لتوبتهم واستجابته ممن تاب إليه.
وقال شعيب عليه السلام: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ﴾[هود: 90].
واستغفروا ربكم من سالف الذنوب، ثم توبوا إليه فيما تستقبلونه من الأعمال السيئة، ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ﴾ أي: لمن تاب وأناب(34). ويستفاد من الآية: أن الله شديد المحبة لمن يتقرب إليه بالتوبة.
وأخبر تعالى أن الذين عملوا السيئات من الكفر والمعاصي، ثم رجعوا من بعد فعلها إلى الإيمان والعمل الصالح، فإنه تعالى من بعد التوبة النصوح لغفور لأعمالهم.
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾[الأعراف: 153].
هذا خبر من الله تعالى ذكره أنه قابل من كل تائب إليه من ذنب أتاه صغيرة كانت معصيته أو كبيرة، كفرًا كانت أو غير كفر، كما قبل من عبدة العجل توبتهم بعد كفرهم به بعبادتهم العجل، وارتدادهم عن دينهم(35).
ويستفاد من الآية: أنه تعالى يقبل توبة عباده من أي ذنب كان، حتى ولو كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق.
وأخبر تعالى إن رجع المشركون عن كفرهم، ودخلوا الإسلام، والتزموا شرائعه من إقام الصلاة وإخراج الزكاة، فاتركوهم، فقد أصبحوا إخوانكم في الإسلام.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾[التوبة: 5].
﴿فَإِن تَابُواْ﴾ من شركهم ﴿وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ أي: أدوها بحقوقها ﴿وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ لمستحقيها ﴿فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ﴾ أي: اتركوهم، وليكونوا مثلكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ يغفر الشرك فما دونه، للتائبين، ويرحمهم بتوفيقهم للتوبة، ثم قبولها منهم.
وفي هذه الآية دليل على أن من امتنع من أداء الصلاة أو الزكاة، فإنه يقاتل حتى يؤديهما، كما استدل بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه(36).
ورغّب تعالى المشركين في التوبة، ورهّبهم من الاستمرار على الشرك، فقال: ﴿وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَۙ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[التوبة: 3].
«يقول تعالى: فإن تبتم من كفركم أيها المشركون، ورجعتم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد، فالرجوع إلى ذلك خير لكم من الإقامة على الشرك في الدنيا والآخرة، وإن أدبرتم عن الإيمان بالله وأبيتم إلا الإقامة على شرككم، فأيقنوا أنكم لا تفيتون الله بأنفسكم من أن يحل بكم عذابه الأليم وعقابه الشديد على إقامتكم على الكفر، كما فعل بذويكم من أهل الشرك، من إنزال نقمه به وإحلاله العذاب عاجلًا بساحته، وأعلم يا محمد الذين جحدوا نبوتك وخالفوا أمر ربهم بعذاب موجع يحل بهم»(37).
والترغيب والترهيب في آية البراءة يشيران إلى أن المنهج الإسلامي منهج هداية قبل كل شيء، فهو يتيح للمشركين هذه المهلة لا لمجرد أنه لا يحب أن يباغتهم ويفتك بهم متى قدر- كما كان الشأن في العلاقات الدولية ولا يزال!- ولكنه كذلك يمهلهم هذه المهلة للتروي والتدبر، واختيار الطريق الأقوم، ويرغّبهم في التوبة عن الشرك والرجوع إلى الله، ويرهّبهم من التولي، وييئسهم من جدواه، وينذرهم بالعذاب الأليم في الآخرة فوق الخزي في الدنيا. ويوقع في قلوبهم الزلزلة التي ترجها رجًّا، لعل الركام الذي ران على الفطرة أن ينفض عنها، فتسمع وتستجيب!
ثانيًا: التوبة عن النفاق:
استثنى الله تعالى من الوعيد بالدرك الأسفل من النار من آمن من المنافقين، وأصلح حاله، واعتصم بالله دون الاعتزاز بالكافرين، وأخلص دينه لله.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا ١٤٥ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾[النساء: 145-146].
يخبر تعالى عن مآل المنافقين أنهم في أسفل الدركات من العذاب، وأشرّ الحالات من العقاب، فهم تحت سائر الكفار؛ لأنهم شاركوهم بالكفر بالله ومعاداة رسله، وزادوا عليهم المكر والخديعة والتمكن من كثير من أنواع العداوة للمؤمنين، على وجه لا يشعر به ولا يحس، ورتبوا على ذلك جريان أحكام الإسلام عليهم، واستحقاق ما لا يستحقونه، فبذلك ونحوه استحقوا أشد العذاب، وليس لهم منقذ من عذابه ولا ناصر يدفع عنهم بعض عقابه، وهذا عام لكل منافق إلا من منّ الله عليهم بالتوبة من السيئات، وأصلحوا له الظواهر والبواطن، والتجأوا إلى الله في جلب منافعهم ودفع المضار عنهم ﴿وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ﴾ الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان ﴿لِلَّهِ﴾ فقصدوا وجه الله بأعمالهم الظاهرة والباطنة، وسلموا من الرياء والنفاق، فمن اتصف بهذه الصفات ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ﴾ أي: في الدنيا، والبرزخ، ويوم القيامة ﴿وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ لا يعلم كنهه إلا الله، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وتأمل كيف خصّ الاعتصام والإخلاص بالذكر، مع دخولهما في قوله: ﴿وَأَصۡلَحُواْ﴾؛ لأن الاعتصام والإخلاص من جملة الإصلاح؛ لشدة الحاجة إليهما خصوصًا في هذا المقام الحرج، فلا يزيله إلا شدة الاعتصام بالله، ودوام اللجأ والافتقار إليه في دفعه، وكون الإخلاص منافيًا كل المنافاة للنفاق، فذكرهما لفضلهما وتوقف الأعمال الظاهرة والباطنة عليهما، ولشدة الحاجة في هذا المقام إليهما.
وتأمل كيف لما ذكر أن هؤلاء مع المؤمنين لم يقل: وسوف يؤتيهم أجرًا عظيمًا، مع أن السياق فيهم، بل قال: ﴿وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾؛ لأن هذه القاعدة الشريفة لم يزل الله يبدئ فيها ويعيد، إذا كان السياق في بعض الجزئيات، وأراد أن يرتّب عليه ثوابًا أو عقابا وكان ذلك مشتركًا بينه وبين الجنس الداخل فيه، رتّب الثواب في مقابلة الحكم العام الذي تندرج تحته تلك القضية وغيرها، ولئلا يتوهم اختصاص الحكم بالأمر الجزئي، فهذا من أسرار القرآن البديعة، فالتائب من المنافقين مع المؤمنين وله ثوابهم(38).
والمتدبر لآيات التوبة في مواضعها في القرآن يلحظ أنه كان يكتفي بأن يقول: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ﴾ فالتوبة والإصلاح يتضمنان الاعتصام بالله، وإخلاص الدين لله، ولكنه هنا ينص على الاعتصام بالله، وإخلاص الدين لله؛ لأنه يواجه نفوسًا تذبذبت، ونافقت، وتولت غير الله، فناسب أن ينص عند ذكر التوبة والإصلاح، على التجرد لله، والاعتصام به وحده، وخلاص هذه النفوس من تلك المشاعر المذبذبة، وتلك الأخلاق المخلخلة.. ليكون في الاعتصام بالله وحده قوة وتماسك، وفي الإخلاص لله وحده خلوص وتجرد.
بذلك تخف تلك الثقلة التي تهبط بالمنافقين في الحياة الدنيا إلى اللصوق بالأرض، وتهبط بهم في الحياة الآخرة إلى الدرك الأسفل من النار.
وبذلك يرتفع التائبون منهم إلى مصاف المؤمنين المعتزين بعزة الله وحده، المستعلين بالإيمان، المنطلقين من ثقلة الأرض بقوة الإيمان.
وأخبر تعالى عن المنافقين أنهم إذا رجعوا إلى الإيمان والتوبة فهو خير لهم، وإن يعرضوا، أو يستمروا على حالهم، يعذّبهم الله العذاب الموجع في الدنيا على أيدي المؤمنين، وفي الآخرة بنار جهنم.
قال تعالى: ﴿يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ﴾[التوبة: 74].
قال أبو جعفر: «اختلف أهل التأويل في الذي نزلت فيه هذه الآية، والقول الذي كان قاله، الذي أخبر الله عنه أنه يحلف بالله ما قاله، ثم قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى أخبر عن المنافقين أنهم يحلفون بالله كذبًا على كلمة كفر تكلموا بها أنهم لم يقولوها، وجائز أن يكون ذلك القول ما روي عن عروة أن الجلاس قاله، وجائز أن يكون قائله عبد الله بن أبي بن سلول، والقول ما ذكره قتادة عنه أنه قال، ولا علم لنا بأن ذلك من أيٍّ؛ إذ كان لا خبر بأحدهما يوجب الحجة ويتوصل به إلى يقين العلم به، وليس مما يدرك علمه بفطرة العقل، فالصواب أن يقال فيه كما قال الله جل ثناؤه: ﴿يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ﴾[التوبة: 74]»(39).
ثم دعاهم الله تبارك وتعالى إلى التوبة رفقًا بهم ولطفًا بالرغم من أفعالهم العظيمة، فقال تعالى: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا﴾[التوبة: 74].
فإن يتب هؤلاء القائلون كلمة الكفر من قيلهم الذي قالوه فرجعوا عنه، يك رجوعهم وتوبتهم من ذلك خيرًا لهم من النفاق، وإن يدبروا عن التوبة فيأبوها، ويصروا على كفرهم يعذّبهم عذابًا موجعًا في الدنيا، إما بالقتل، وإما بعاجل خزي لهم فيها، ويعذّبهم في الآخرة بالنار(40).
وفي الآية دلالة أنه لا يحصل الخير إلا عند التوبة؛ لأن التوبة أصل السعادة في الدنيا والآخرة.
ثالثًا: التوبة عن المعاصي:
أخبر تعالى أن العبد إذا تاب من أمهات الكبائر: الشرك والقتل والزنا، وفّقه للتوبة وقبلها منه.
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا ٦٨ يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٧٠ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا﴾[الفرقان: 68-71].
روى مسلم بسنده، عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّ ناسًا من أهل الشّرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثمّ أتوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: إنّ الّذي تقول وتدعو لحسنٌ، ولو تخبرنا أنّ لما عملنا كفّارةً، فنزل: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا﴾(41).
ومعنى الآية: «والذين لا يعبدون مع الله إلها آخر فيشركون فى عبادتهم إياه، بل يخلصون له العبادة ويفردونه بالطاعة، ولا يقتلون النفس بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها، كالكفر بعد الإيمان، والزنا بعد الإحصان، وقتل النفس بغير حق، ولا يأتون ما حرّم الله عليهم إتيانه من الفروج، ومن يفعل خصلة من خصال الفجور السالفة، يلق في الآخرة جزاء إثمه وذنبه الذي ارتكبه، بل سيضاعف له ربه العذاب يوم القيامة ويجعله خالدا أبدًا في النار مع المهانة والاحتقار، فيجتمع له العذاب الجسمي والعذاب الروحي. وبعد أن أتم تهديد الفجار على هذه الأوزار أتبعه بترغيب الأبرار في التوبة والرجوع إلى حظيرة المتقين فيفوزون بجنات النعيم، فقال: لكن من رجع عن هذه الآثام مع إيمانه وعمله الصالحات فأولئك يمحو الله سوابق معاصيهم بالتوبة، ويثبت لهم لواحق طاعته، ومن تاب عن المعاصي التي فعلها، وندم على ما فرط منه، وزكى نفسه بصالح الأعمال، فإنه يتوب إلى الله توبة نصوحًا، مقبولة لديه، ماحية للعقاب، محصلة لجزيل الثواب، إلى أنه ينير قلبه بنور من عنده يهديه إلى سواء السبيل، ويوفقه للخير، ويبعده عن الضير»(42).
- التوبة من القتل خطأ.
أخبر تعالى بأنه لا يحق لمؤمن الاعتداء على أخيه المؤمن وقتله بغير حق، إلا أن يقع منه ذلك على وجه الخطأ الذي لا عمد فيه.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا﴾[النساء: 92].
اختلف المفسرون فيمن نزلت: منهم من قال: نزلت في عياش بن أبي ربيعة وقتيله.
قال السدي: «نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي، فكان أخًا لأبي جهل بن هشام لأمه، وإنه أسلم وهاجر في المهاجرين الأولين قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلبه أبو جهل والحارث بن هشام ومعهما رجل من بني عامر بن لؤي، فأتوه بالمدينة، وكان عياش أحب إخوته إلى أمه، فكلّموه وقالوا: إن أمك قد حلفت أن لا يظلها بيت حتى تراك وهي مضطجعة في الشمس، فأتها لتنظر إليك ثم ارجع.
وأعطوه موثقًا من الله لا يحجزونه حتى يرجع إلى المدينة، فأعطاه بعض أصحابه بعيرًا له نجيبًا، وقال: إن خفت منهم شيئًا فاقعد على النجيب، فلما أخرجوه من المدينة أخذوه فأوثقوه، وجلده العامري، فحلف ليقتلن العامري. فلم يزل محبوسًا بمكة حتى خرج يوم الفتح، فاستقبله العامري وقد أسلم ولا يعلم عياش بإسلامه، فضربه فقتله، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ﴾ يقول: وهو لا يعلم أنه مؤمن ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ﴾ فيتركوا الدية»(43).
وقال آخرون: نزلت في أبي الدرداء: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ﴾ الآية. قال: نزل هذا في رجل قتله أبو الدرداء كانوا في سرية، فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له، فوجد رجلًا من القوم في غنم له، فحمل عليه بالسيف، فقال: لا إله إلا الله قال: فضربه ثم جاء بغنمه إلى القوم. ثم وجد في نفسه شيئًا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا شققت عن قلبه؟) فقال: ما عسيت أجد. هل هو يا رسول الله إلا دم أو ماء؟ قال: (فقد أخبرك بلسانه، فلم تصدّقه) قال: كيف بي يا رسول الله؟ قال: (فكيف بلا إله إلا الله؟) قال: فكيف بي يا رسول الله؟ قال: (فكيف بلا إله إلا الله؟) حتى تمنيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي. قال: ونزل القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ﴾ حتى بلغ: ﴿إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ﴾
قال الطبري رحمه الله: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عرّف عباده بهذه الآية ما على من قتل مؤمنًا خطأ من كفارة ودية. وجائز أن تكون الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة وقتيله، وفي أبي الدرداء وصاحبه. وأي ذلك كان: فالذي عنى الله تعالى بالآية تعريف عباده ما ذكرنا، وقد عرف ذلك من عقل عنه من عباده تنزيله، وغير ضائرهم جهلهم بمن نزلت فيه»(44).
ومعنى الآية: «على القاتل الخطأ ﴿فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ﴾ كفارة لذلك، تكون في ماله، ويشمل ذلك الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والصحيح والمعيب، في قول بعض العلماء، ولكن الحكمة تقتضي أن لا يجزئ عتق المعيب في الكفارة؛ لأن المقصود بالعتق نفع العتيق، وملكه منافع نفسه، فإذا كان يضيع بعتقه، وبقاؤه في الرق أنفع له فإنه لا يجزئ عتقه، مع أن في قوله: ﴿فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ﴾ ما يدل على ذلك؛ فإن التحرير: تخليص من استحقت منافعه لغيره أن تكون له، فإذا لم يكن فيه منافع لم يتصور وجود التحرير.
وأما الدية فإنها تجب على عاقلة القاتل في الخطأ وشبه العمد ﴿مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ﴾ جبرًا لقلوبهم، والمراد بأهله هنا هم ورثته، فإن الورثة يرثون ما ترك الميت، فالدية داخلة فيما ترك.
وقوله: ﴿إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ﴾ أي: يتصدق ورثة القتيل بالعفو عن الدية، فإنها تسقط، وفي ذلك حث لهم على العفو؛ لأن الله سماها صدقة، والصدقة مطلوبة في كل وقت ﴿فَإِن كَانَ﴾ المقتول ﴿مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ﴾ أي: من كفار حربيين ﴿وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ﴾ أي: وليس عليكم لأهله دية؛ لعدم احترامهم في دمائهم وأموالهم ﴿مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ﴾ المقتول ﴿مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ﴾ وذلك لاحترام أهله بما لهم من العهد والميثاق ﴿فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ﴾ الرقبة ولا ثمنها، بأن كان معسرًا بذلك، ليس عنده ما يفضل عن مؤنته وحوائجه الأصلية شيء يفي بالرقبة، ﴿فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ﴾ أي: لا يفطر بينهما من غير عذر، فإن أفطر لعذر، فإن العذر لا يقطع التتابع، كالمرض والحيض ونحوهما. وإن كان لغير عذر انقطع التتابع ووجب عليه استئناف الصوم. ﴿تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ﴾ أي: هذه الكفارات التي أوجبها الله على القاتل توبة من الله على عباده ورحمة بهم، وتكفيرًا لما عساه أن يحصل منهم من تقصير وعدم احتراز، كما هو واقع كثيرًا للقاتل خطأ ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا﴾ أي: كامل العلم كامل الحكمة، لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، في أي وقت كان وأي محل كان(45).
- التوبة من الذنوب.
أخبر الله سبحانه أنه يقبل التوبة من الذين يرتكبون المعاصي والذنوب بجهل منهم لعاقبتها.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا﴾[النساء: 17].
المعنى: ما التوبة على الله لأحد من خلقه إلا للذين يأتون ما يأتونه من ذنوبهم جهالة منهم وهم بربهم مؤمنون، ثم يراجعون طاعة الله ويتوبون منه إلى ما أمرهم الله به من الندم عليه والاستغفار، وترك العود إلى مثله من قبل نزول الموت بهم(46)، فالله سبحانه لا يطارد عباده الضعاف، ولا يطردهم متى تابوا إليه وأنابوا. وهو سبحانه غني عنهم، وما تنفعه توبتهم، ولكن تنفعهم هم أنفسهم، وتصلح حياتهم وحياة المجتمع الذي يعيشون فيه. ومن ثمّ يفسح لهم في العودة إلى الصف تائبين متطهرين.
وأجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية هي بجهالة عمدًا كانت أو جهلًا(47).
قبول التوبة لا يجب على الله عقلًا، وأما من جهة السمع فتضافرت ظواهر الآي والسنة على قبول الله التوبة، وأفادت القطع بذلك(48).
اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾[النور: 31].
وذهب الجمهور إلى أنها تصح من ذنب دون ذنب؛ خلافًا للمعتزلة(49).
- التوبة من الربا.
أخبر تعالى أن المرابي محارب لله ورسوله، قد آذنه الله بحربه.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨ فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ﴾[البقرة: 278-279].
أي: عقاب شديد من نوع الحروب، فإنّ الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص يقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى عليه حكم الله: من التعزير والحبس، إلى أن تظهر منه التوبة، وإن كان له عسكر وشوكة حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر رضي الله عنه مانعي الزكاة(50).
وقوله تعالى: ﴿وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ﴾ يعني إن تركتم الربا وتبتم إلى الله منه، وقد عاقدتم عليه، فإنما لكم رؤوس أموالكم، لا تزدادون عليها فتظلمون الآخذ، ولا تنقصون منها فيظلمكم من أخذها(51).
- التوبة عن السرقة.
أخبر تعالى أنه من تاب من بعد سرقته، وأصلح في كل أعماله، فإن الله يقبل توبته.
قال تعالى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٣٨ فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾[المائدة: 38-39].
يقول جل ثناؤه: من رجع من هؤلاء السراق عما يكرهه الله من معصيته إياه إلى ما يرضاه من طاعته من بعد ظلمه، وظلمه: هو اعتداؤه وعمله ما نهاه الله عنه من سرقة أموال الناس، وأصلح نفسه بحملها على مكروهها في طاعة الله والتوبة إليه مما كان عليه من معصيته، فإن الله عزو جل يرجعه إلى ما يحب ويرضى عما يكرهه ويسخط من معصيته، إن الله -عز ذكره- ساتر على من تاب وأناب عن معاصيه إلى طاعته ذنوبه بالعفو عن عقوبته عليها يوم القيامة، وتركه فضيحته بها على رؤوس الأشهاد، رحيم به وبعباده التائبين إليه من ذنوبهم(52).
قال الشافعي: «إذا تاب السارق قبل أن يتلبس الحاكم بأخذه، فتوبته ترفع عنه حكم القطع قياسًا على توبة المحارب»(53). «فأما أموال الناس فلابد من ردّها إليهم أو بدلها عند الجمهور»(54)، أو الاستحلال منها(55).
رابعًا: التوبة عن التقصير:
المؤمن الحق لا يمكنه القطع أنه أتى بالعبادات كما ينبغي، فخوف التقصير ملازم له طالما فيه عين تطرف، وقلب ينبض، وقد يحدث التقصير: إما على سبيل السهو، أو على سبيل ترك الأولى.
وهذا الخلق من شيم الكرماء، يأتون بأبلغ وجوه الكرم ويستقلونه، ويعتذرون من التقصير، وفي قمة هؤلاء: الأنبياء عليهم السلام، والصحابة الكرام رضي الله عنهم.
وقد ذكر الله لنا أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام طلبا التوبة بالرغم من أنهما قاما ببناء قواعد البيت بتكليف إلهي، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾[البقرة: 128].
عن وهيب بن الورد أنه قرأ: ﴿وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾[البقرة: 127].
ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن، وأنت مشفق أن لا يتقبل منك(56).
وقال تعالى عن رحمته بالنبي والمهاجرين والأنصار: ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾[التوبة: 117].
قال ابن عطية رحمه الله: «التوبة من الله رجوعه بعبده من حالة إلى أرفع منها، فقد تكون في الأكثر رجوعًا من حالة طاعة إلى أكمل منها، وهذه توبته في هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه رجع به من حاله قبل تحصيل الغزوة وأجرها وتحمل مشقاتها إلى حاله بعد ذلك كله، وأما توبته على «المهاجرين والأنصار» فحالها معرضة، لأن تكون من تقصير إلى طاعة وجدٍّ في الغزو ونصرة الدين، وأما توبته على الفريق الذي كاد أن يزيغ فرجوع من حالة محطوطة إلى حال غفران ورضا»(57).
هذا وقد حكى الله تعالى لنا عن حال المؤمنين الخلّص في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ﴾[المؤمنون: 60].
أي: يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات وقلوبهم وجلة(58).
في الآيات: دلالة على أنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار، حتى الأنبياء عليهم السلام والمهاجرون والأنصار رضي الله عنهم، والخلّص من المؤمنين.
خامسًا: التوبة عن كتمان العلم:
أخبر تعالى أن من شروط قبول توبة كاتم العلم أن يصلح ما أفسده، وأن يبيّن ما كتمه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِۙ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ ١٥٩ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾[البقرة: 159-160].
أي: إن أهل الكتاب الذين كتموا أمر الإسلام وأمر محمد صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل بيّنًا واضحًا، يستحقون الطرد والبعد من رحمة الله، ويستوجبون بأعمالهم الدعاء عليهم باللعن من الملائكة والناس أجمعين. وحكم هذه الآية شامل لكل من كتم علمًا فرض الله بيانه للناس، ومن هنا ترى أن الذي يرى حرمات الله تنتهك أمام عينيه، والدين يداس جهارًا بين يديه، ويرى البدع تمحو السنن، والضلال يغشى الهدى، ثم هو لا ينتصر بيد ولا لسان، يكون ممن يستحق وعيد الآية.
ثم استثنى تعالى من الوعيد من تاب إليه: فقال: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ أي: إلا من أناب عن كتمانه، وراجع التوبة بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وأقرّ بنبوته، وصدّق ما جاء به من عند الله، وأصلح حال نفسه بالتقرّب إلى الله بصالح الأعمال، وبيّن ما علم من وحي الله إلى أنبيائه، وما عهد إليهم في كتبه، فلم يكتمه ولم يخفه، فهؤلاء يتوب الله عليهم، ويفيض عليهم مغفرته تفضّلًا منه ورحمة، وهو الذي يرجع قلوب عباده المنصرفة عنه ويردّها إليه بعد إدبارها عن طاعته، وهو الرّحيم بالمقبلين عليه يتغمدهم برحمته ويشملهم بعفوه، ويصفح عما كانوا اجترحوا من السيئات. وفي الآية: ترغيب للقلوب الواعية التي تخاف سخط الله وشديد عقابه في التوبة عما فرط من الذنوب، وطرد لليأس من رحمة الله مهما ثقلت الذنوب وكثرت الآثام(59).
وفي هذه الآية: دلالة على أن الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه(60)، وتوبته أن يبيّن للناس أن ما كان يدعو إليه بدعة وضلالة، وأن الهدى في ضده، ولا يكفي اعترافه وحده أو في خلواته.
قال ابن عاشور رحمه الله: «فالعالم يحرم عليه أن يكتم من علمه ما فيه هدى للناس؛ لأن كتم الهدى إيقاع في الضلالة، سواء في ذلك العلم الذي بلغ إليه بطريق الخبر كالقرآن والسنة الصحيحة، والعلم الذي يحصل عن نظر كالاجتهادات إذا بلغت مبلغ غلبة الظن بأن فيها خيرًا للمسلمين، ويحرم عليه بطريق القياس الذي توميء إليه العلة أن يبثّ في الناس ما يوقعهم في أوهام بأن يلقّنها وهو لا يحسن تنزيلها ولا تأويلها، وكذلك كل ما يعلم أن الناس لا يحسنون وضعه»(61).
قبول التوبة
أخبر تعالى أنه غافر الذنب للمذنبين، وقابل التوب من التائبين، قال تعالى: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ﴾ [غافر: 3].
عطف قابل التوب على صفة غافر الذنب؛ لإفادة أنه يجمع للمذنب التائب بين رحمتين: بين أن يقبل توبته فيجعلها له طاعة، وبين أن يمحو عنه بها الذنوب التي تاب منها وندم على فعلها، فيصبح كأنه لم يفعلها. وهذا فضل من الله(62).
وأخبر الله تعالى أنه هو وحده الذي يقبل التوبة عن عباده إذا رجعوا إلى توحيده وطاعته.
قال تعالى: ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ﴾[التوبة: 104].
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ﴾[الشورى: 25].
يقول تعالى ذكره: والله الذي يقبل مراجعة العبد إذا رجع إلى توحيد الله وطاعته من بعد كفره، ويعفو أن يعاقبه على سيئاته من الأعمال، وهي معاصيه التي تاب منها، ويعلم ربكم أيها الناس ما تفعلون من خير وشر، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو مجازيكم على كل ذلك جزاءه، فاتقوا الله في أنفسكم، واحذروا أن تركبوا ما تستحقون به منه العقوبة(63). ومن الحكمة في استخدام الحرف (عن) بدلًا من (من) في قوله تعالى: ﴿يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ﴾ أن التوبة التي يقبلها الله من عباده تضع عنهم ما حمّلوا به من أوزار، وما أثقل كاهلهم من ذنوب، فكان في قبول التوبة منهم رفع لهذه الآثام عنهم، ولهذا ضمّن الفعل (يقبل) معنى الفعل يضع، أو يسقط.. ونحو هذا، كما نظر إلى التوبة على أنها شيء محمّل بالذنوب والآثام؛ لأن التوبة لا تكون إلا عن ذنب وقع، أو إثم اقترف.. فكان قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ﴾ يعني: ألم يعلموا أن الله يضع الذنوب والآثام عن عباده(64).
شروط قبول التوبة:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا﴾ [النساء: 17].
ذكرت الآية لقبول التوبة قيدين: ﴿بِجَهَٰلَةٖ﴾ و﴿مِن قَرِيبٖ﴾.
والجهالة تطلق على سوء المعاملة، وعلى الإقدام على العمل دون روية، وهي ما قابل الحلم؛ ولذلك تطلق الجهالة على الظلم. قال عمرو بن كلثوم(65):
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقال تعالى حكاية عن يوسف: ﴿وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾[يوسف: 33].
والمراد هنا ظلم النفس(66). وعلى ذلك فالجهالة: سفاهة وقلة تحصيل أدى إلى المعصية(67).
وقوله: ﴿مِن قَرِيبٖ﴾ إلى وقت الذنب، ومدة الحياة كلها.
وجمهور المفسرين على أنها التوبة قبل المعاينة، قال عكرمة: قبل الموت، وقال الضحاك: قبل معاينة ملك الموت، وقال السدي والكلبي: أن يتوب في صحته قبل مرض موته(68).
وقد روى الترمذي بسنده عن ابن عمر، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)(69).
وإنما صحت التوبة من العبد في هذا الوقت؛ لأن الرجاء فيه باقٍ، ويصح منه الندم، والعزم على ترك الفعل(70).
ولا خلف في وعده تعالى على قبول توبة العبد «إذا كانت بشروطها المصححة لها، وهي أربعة: الندم بالقلب، وترك المعصية في الحال، والعزم على ألا يعود إلى مثلها، وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى لا من غيره، فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة. وقد قيل من شروطها: الاعتراف بالذنب وكثرة الاستغفار»(71).
عدم قبول التوبة:
أخبر تعالى أنه لا يكون قبول التوبة من الذين يصرّون على ارتكاب المعاصي، ولا يرجعون إلى ربهم إلى أن تأتيهم سكرات الموت، ولا تقبل توبة الذين يموتون وهم كافرون.
قال تعالى: ﴿وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ إِنِّي تُبۡتُ ٱلۡـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمۡ كُفَّارٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا﴾[النساء: 18].
يعني بذلك جل ثناؤه: ﴿وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ من أهل الإصرار على معاصي الله، ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ﴾ يقول: إذا حشرج أحدهم بنفسه، وعاين ملائكة ربه قد أقبلوا إليه لقبض روحه قال: وقد غلب على نفسه، وحيل بينه وبين فهمه بشغله بكرب حشرجته وغرغرته: ﴿إِنِّي تُبۡتُ ٱلۡـَٰٔنَ﴾، يقول: فليس لهذا عند الله تبارك وتعالى توبة؛ لأنه قال ما قال في غير حال توبة(72).
وسنة الله تعالى أن العبد إذا عاين الانتقال الى الله تعالى لم ينفعه توبة ولا إقلاع(73)؛ وذلك أن التوبة في هذه الحاله توبة المضطر، لجّت به الغواية، وأحاطت به الخطيئة، توبة الذي يتوب لأنه لم يعد لديه متسع لارتكاب الذنوب، ولا فسحة لمقارفة الخطيئة. وهذه لا يقبلها الله؛ لأنها لا تنشيء صلاحًا في القلب ولا صلاحًا في الحياة، ولا تدل على تبدل في الطبع ولا تغير في الاتجاه.
﴿وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمۡ كُفَّارٌۚ﴾، وهؤلاء قد قطعوا كل ما بينهم وبين التوبة من وشيجة، وضيّعوا كل ما بينهم وبين المغفرة من فرصة.
وأخبر تعالى أنه لا يقبل التوبة عندما يأتي بعض أشراط الساعة وعلاماتها الدالة على مجيئها، وهي طلوع الشمس من مغربها، قال تعالى: ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ أَوۡ يَأۡتِيَ بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَۗ يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗاۗ﴾ [الأنعام: 158].
والحكمة في هذا ظاهرة، فإنه إنما كان الإيمان ينفع إذا كان إيمانًا بالغيب، وكان اختيارًا من العبد، فأما إذا وجدت الآيات صار الأمر شهادة، ولم يبق للإيمان فائدة؛ لأنه يشبه الإيمان الضروري، كإيمان الغريق والحريق ونحوهما، ممن إذا رأى الموت أقلع عما هو فيه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥ وَكَفَرۡنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشۡرِكِينَ ٨٤ فَلَمۡ يَكُ يَنفَعُهُمۡ إِيمَٰنُهُمۡ لَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَاۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ فِي عِبَادِهِۦۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾[غافر: 84-85](74).
قال جمهور أهل التأويل: الآية التي لا تنفع التوبة من الشرك أو من المعاصي بعدها، هي طلوع الشمس من المغرب(75).
وقد روى البخاري بسنده، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم السّاعة حتّى تطلع الشّمس من مغربها، فإذا رآها النّاس آمن من عليها، فذاك حين ﴿لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ﴾)(76).
ومن نماذج الذين لم تقبل توبتهم عند المعاينة: فرعون، قال تعالى في وصف فرعون: ﴿وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩٠ ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ [يونس: 90-91]، فلم يقبل الله توبته عند مشاهدة العذاب(77).
ومن استمر على ذنوبه وأصر على عيوبه، حتى صارت فيه صفاتٍ راسخةً، فإنه يعسر عليه إيجاد التوبة التامة، والغالب أنه لا يوفّق للتوبة، ولا ييسّر لأسبابها، الذي يعمل السوء على علم تام ويقين وتهاون بنظر الله إليه، فإنه سدّ على نفسه باب الرحمة(78).
وقوله: ﴿وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ﴾ تنبيهٌ على نفي القبول عن نوع من التوبة، وهي التي تكون عند اليأس من الحياة(79).
نماذج من التائبين في القرآن
أولًا: الأنبياء:
1. توبة آدم عليه السلام.
أخبر الله تعالى أن آدم عصاه بأكله من الشجرة التي نُهي عن الأكل منها، قال تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ﴾[طه: 121].
ثم أخبر تعالى أنه وفّق آدم إلى التوبة؛ وذلك بإلهامه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾[الأعراف: 23].
فتلقاها آدم بالقبول، فتاب الله عليه، وغفر له ذنبه، قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾[البقرة: 37].
أي: استقبلها بالأخذ والقبول، والعمل بها حين علمها، ووفّق لها(80).
القراءات في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ﴾:
قرأ ابن كثير: (فتلقى آدم) بالنصب (كلماتٌ) بالرفع، جعل الفعل للكلمات؛ لأنها تلقت آدم عليه السلام، وحجته أن العرب تقول: تلقيت زيدًا، وتلقاني زيد، والمعنى واحد؛ لأن من لقيته فقد لقيك، وما نالك فقد نلته.
وقرأ الباقون: ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ﴾ رفع بفعله؛ لأنه تلقى من ربه الكلمات، أي أخذها منه وحفظها وفهمها، والعرب تقول: تلقيت هذا من فلان، المعنى: إن فهمي قبلها منه، وحجتهم ما روي في التفسير في تأويل قوله: ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ﴾ أي قبلها، فإذا كان آدم القابل، فالكلمات مقبولة(81).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ تأكيد فائدته أن التوبة على العبد إنما هي نعمة من الله، لا من العبد وحده؛ لئلا يعجب التائب، بل الواجب عليه شكر الله تعالى في توبته عليه(82).
والتعقيب بالرحيم؛ لأن الرحيم جارٍ مجرى العلة للتواب؛ إذ قبوله التوبة عن عباده ضرب من الرحمة بهم(83).
2. توبة نوح عليه السلام.
أخبر تعالى عن توبة نوح عليه السلام في مسألته ربه عن ابنه.
قال تعالى: ﴿وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٤٥ قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٤٦ قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾[هود: 45-47].
«يقول تعالى ذكره مخبرًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عن إنابة نوح عليه السلام بالتوبة إليه من زلته في مسألته التي سألها ربه في ابنه، قال: رب إني أستجير بك أن أتكلف مسألتك، مما قد استأثرت بعلمه، وطويت علمه عن خلقك، فاغفر لي زلتي في مسألتي إياك ما سألتك في ابني، وإن أنت لم تغفرها لي وترحمني فتنقذني من غضبك أكن من الذين غبنوا أنفسهم حظوظها وهلكوا»(84). فحينئذ ندم نوح عليه السلام ندامة شديدة، على ما صدر منه.
ودلت الآية على أن نوحًا عليه السلام لم يكن عنده علم بأن سؤاله لربه في نجاة ابنه محرّم، داخل في قوله: ﴿وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ﴾ بل تعارض عنده الأمران، وظن دخوله في قوله: ﴿أَهۡلِكَۖ﴾، وبعد ذلك تبين له أنه داخل في المنهي عن الدعاء لهم، والمراجعة فيهم(85).
3. توبة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
أخبر تعالى عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أنهما دعوا الله أن يتوب عليهما.
قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 128].
قال الطبري رحمه الله: «فإن قال لنا قائل: وهل كان لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة؟ قيل: إنه ليس أحد من خلق الله إلا وله من العمل فيما بينه وبين ربه ما يجب عليه الإنابة منه والتوبة. فجائز أن يكون ما كان من قبلهما ما قالا من ذلك، وإنما خصا به الحال التي كانا عليها من رفع قواعد البيت؛ لأن ذلك كان أحرى الأماكن أن يستجيب الله فيها دعاءهما، وليجعلا ما فعلا من ذلك سنة يقتدى بها بعدهما، وتتخذ الناس تلك البقعة بعدهما موضع تنصل من الذنوب إلى الله»(86).
وقال السعدي رحمه الله: «ولما كان العبد -مهما كان- لابد أن يعتريه التقصير، ويحتاج إلى التوبة قالا: ﴿وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾»(87).
4. توبة موسى عليه السلام.
أخبر الله تعالى أنه تاب على موسى عليه السلام من مسألته الرؤية في هذه الحياة الدنيا.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾[الأعراف: 143].
أي: من أن أسألك الرؤية في الدنيا وأنت لا تبيحها(88)، أو إني تبت إليك من سؤال الرؤية بغير إذنك، وأنا أول المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا، أو يقال: وأنا أول المؤمنين بأنه لا يجوز السؤال منك الا بإذنك(89).
قال ابن عاشور رحمه الله: «ولا نشك في أنه سأل رؤية تليق بذات الله تعالى، وهي مثل الرؤية الموعود بها في الآخرة، فكان موسى عليه السلام يحسب أن مثلها ممكن في الدنيا، حتى أعلمه الله بأن ذلك غير واقع في الدنيا، ولا يمتنع على نبي عدم العلم بتفاصيل الشؤون الإلهية قبل أن يعلّمها الله إياه؛ ولذلك كان أئمة أهل السنة محقين في الاستدلال بسؤال موسى رؤية الله على إمكانها بكيفية تليق بصفات الإلهية، لا نعلم كنهها، وهو معنى قولهم: «بلا كيف»، وكان المعتزلة غير محقين في استدلالهم بذلك على استحالتها بكل صفة»(90).
5. توبة داود عليه السلام.
ذكر الله تعالى نبأ خصمين اختصما عند داود في قضية جعلها الله فتنة له، وموعظة لخلل ارتكبه، فتاب الله عليه، وغفر له، وقيّض له هذه القضية، فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ ٢١ إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ٢٢ إِنَّ هَٰذَآ أَخِي لَهُۥ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ ٢٣ قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩ ٢٤ فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ﴾[ص: 21-25].
فسأل داود ربه غفران ذنبه، وخرّ ساجدًا لله، ورجع إلى رضا ربه، وتاب من خطيئته(91)، وهذا الذنب الذي صدر من داود عليه السلام، لم يذكره الله لعدم الحاجة إلى ذكره، فالتعرض له من باب التكلف، وإنما الفائدة ما قصه الله علينا من لطفه به وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محله، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها(92).
6. توبة يونس عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87-88].
أي: واذكر عبدنا ورسولنا ذا النون وهو: يونس، أي: صاحب النون، وهو الحوت، بالذكر الجميل، والثناء الحسن، فإن الله تعالى أرسله إلى قومه، فدعاهم، فلم يؤمنوا، فوعدهم بنزول العذاب بأمد سمّاه لهم، فجاءهم العذاب ورأوه عيانًا، فعجّوا إلى الله، وضجّوا وتابوا، فرفع الله عنهم العذاب، كما قال تعالى: ﴿فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ﴾ [يونس: 98].
وقال: ﴿وَأَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلۡفٍ أَوۡ يَزِيدُونَ ١٤٧ فَـَٔامَنُواْ فَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ﴾[الصافات147-148].
وهذه الأمة العظيمة، الذين آمنوا بدعوة يونس من أكبر فضائله، ولكنه عليه الصلاة والسلام، ذهب مغاضبًا، وأبق عن ربه لذنب من الذنوب، التي لم يذكرها الله لنا في كتابه، ولا حاجة لنا إلى تعيينها؛ لقوله: ﴿إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ﴾[الصافات: 140].
﴿فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٞ﴾[الصافات: 142].
أي: فاعل ما يلام عليه، وظن أن الله لا يضيّق عليه في بطن الحوت، فركب في السفينة مع أناس، فاقترعوا، من يلقون منهم في البحر؟ لما خافوا الغرق إن بقوا كلهم، فأصابت القرعة يونس، فالتقمه الحوت، وذهب به إلى ظلمات البحار، فنادى في تلك الظلمات: ﴿لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ فأقرّ لله تعالى بكمال الألوهية، ونزّهه عن كل نقص، وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته، ﴿فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ﴾ أي الشدة التي وقع فيها ﴿وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ وهذا وعد وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم أن الله تعالى سينجيه منها، ويكشف عنه ويخفف لإيمانه كما فعل بـيونس عليه السلام(93).
ثانيًا: التوبة على الثلاثة الذين خلّفوا:
أخبر تعالى عن توبته على الثلاثة الذين خلّفوا من الأنصار، قال تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾[التوبة: 118].
يخبر تعالى عن الثلاثة الذين خلّفوا عن غزوة تبوك -وهم كعب بن مالك، وهلال بن أميّة، ومرارة بن الربيع- حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بسعتها غمًا وندمًا على تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضاقت عليهم أنفسهم بما نالهم من الوجد والكرب بذلك، وأيقنوا بقلوبهم أن لا شيء لهم يلجئون إليه مما نزل بهم من أمر الله من البلاء بتخلفهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينجّيهم من كربه، ولا مما يحذرون من عذاب الله إلا الله. ثم رزقهم الإنابة إلى طاعته، والرجوع إلى ما يرضيه عنهم؛ لينيبوا إليه ويرجعوا إلى طاعته والانتهاء إلى أمره ونهيه، إن الله هو الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته، الموفّق من أحب توفيقه منهم لما يرضيه عنه، الرحيم بهم أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبة والإنابة ولا يتوب عليه(94).
قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ﴾ لما كان هذا القول في تعديد نعمه بدأ في ترتيبه بالجهة التي هي عن الله عز وجل ؛ ليكون ذلك منبّهًا على تلقي النعمة من عنده لا رب غيره، ولو كان القول في تعديد ذنب لكان الابتداء بالجهة التي هي عن المذنب، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ﴾[الصف: 5]؛ ليكون هذا أشد تقريرًا للذنب عليهم، وهذا من فصاحة القرآن وبديع نظمه ومعجز اتساقه.. وإنما عظم ذنبهم واستحقوا عليه ذلك؛ لأن الشرع يطلبهم من الجد فيه بحسب منازلهم منه وتقدّمهم فيه؛ إذ هم أسوة وحجة للمنافقين والطاعنين، إذ كان كعب من أهل العقبة وصاحباه من أهل بدر. وفي هذا ما يقتضي أن الرجل العالم والمقتدى به أقل عذرًا في السقوط من سواه(95).
وفي الآية: دليل على أن توبة الله على عبده بحسب ندمه وأسفه الشديد.
وقد ذكر البخاري في صحيحه حديث كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، عن عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالكٍ عن أبيه قال: سمعت أبي كعب بن مالكٍ وهو أحد الثّلاثة الّذين تيب عليهم أنّه لم يتخلّف عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ غزاها قطّ غير غزوتين، غزوة العسرة، وغزوة بدرٍ، قال: فأجمعت صدقي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ضحًى، وكان قلّما يقدم من سفرٍ سافره إلّا ضحًى، وكان يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين، ونهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبيّ، ولم ينه عن كلام أحدٍ من المتخلّفين غيرنا، فاجتنب النّاس كلامنا، فلبثت كذلك حتّى طال عليّ الأمر، وما من شيءٍ أهمّ إليّ من أن أموت فلا يصلّي عليّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، أو يموت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأكون من النّاس بتلك المنزلة، فلا يكلّمني أحدٌ منهم ولا يصلّي ولا يسلّم عليّ، فأنزل اللّه توبتنا على نبيّه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثّلث الآخر من اللّيل، ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم عند أمّ سلمة، وكانت أمّ سلمة محسنةً في شأني معنيّةً في أمري، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (يا أمّ سلمة، تيب على كعبٍ). قالت: أفلا أرسل إليه فأبشّره، قال: (إذًا يحطمكم النّاس فيمنعونكم النّوم سائر اللّيلة). حتّى إذا صلّى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن بتوبة اللّه علينا وكان إذا استبشر استنار وجهه حتّى كأنّه قطعةٌ من القمر، وكنّا أيّها الثّلاثة الّذين خلّفوا عن الأمر الّذي قبل من هؤلاء الّذين اعتذروا حين أنزل اللّه لنا التّوبة، فلمّا ذكر الّذين كذبوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من المتخلّفين واعتذروا بالباطل ذكروا بشرّ ما ذكر به أحدٌ، قال اللّه سبحانه: ﴿يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ قُل لَّا تَعۡتَذِرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ﴾(96).
ثالثًا: توبة حفصة وعائشة رضي الله عنهما:
أخبر تعالى عن حفصة وعائشة رضي الله عنهما أنه وجد منهما ما يوجب التوبة حيث مالت قلوبهما إلى محبة ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، من إفشاء سرّه.
قال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٣ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾[التحريم: 3-4].
«يقول تعالى ذكره: إن تتوبا إلى الله أيتها المرأتان فقد مالت قلوبكما إلى محبة ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم من اجتنابه جاريته، وتحريمها على نفسه، أو تحريم ما كان له حلالًا مما حرمه على نفسه بسبب حفصة»(97).
فلما سمعن -رضي الله عنهن- هذا التخويف والتأديب، بادرن إلى رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأسلوب القرآني في الحث على التوبة
تنوعت أساليب القرآن في الحث على التوبة على النحو الآتي:
أولًا: أسلوب الطلب:
قال تعالى على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في طلبهما التوبة من الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾[البقرة: 128].
قوله تعالى: ﴿وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ﴾ استتابة لذريتهما وحكايتها عنهما لترغيب الكفرة في التوبة والإيمان، أو توبةٌ لهما عما فرط منهما سهوًا، قالاه هضمًا لأنفسهما وإرشادًا لذريتهما، ﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ وهو تعليلٌ للدعاء، ومزيد استدعاء للإجابة، قيل: إذا أراد العبد أن يستجاب له فليدع الله عز وجل بما يناسبه من أسمائه وصفاته(98).
ففي هذا الدعاء إرشاد للمؤمنين للاقتداء بإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في طلب التوبة من الله تعالى.
ثانيًا: أسلوب الأمر:
قال تعالى آمرًا عباده بالتوبة مما يقع منهم من تقصير: ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾[النور: 31].
أي: وارجعوا أيها المؤمنون إلى طاعة الله فيما أمركم ونهاكم، من غضّ البصر، وحفظ الفرج، وترك دخول بيوت غير بيوتكم من غير استئذان ولا تسليم، وغير ذلك من أمره ونهيه(99).
قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوٓاْ﴾ أمر. ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها، وأنها فرض من فرائض الدين(100).
وهو دعوة للمؤمنين والمؤمنات إلى التوبة إلى الله، والرجوع إليه من قريب؛ حيث إن الإنسان في هذه المواقف معرّض للزلل والعثار، من خطرات نفسه، أو نظرات عينه، أو فحش لسانه، إلى غير هذا مما لا يكاد يسلم منه أحد، وليس لهذا من دواء إلا التوبة إلى الله من كل زلّة أو عثرة.. فإن هذه التوبة هي التي تصحّح للمؤمن إيمانه، وتبقي على ما في قلبه من جلال وخشية لله رب العالمين(101).
وفي الآية: أمر بالتوبة مطلقًا من كل شيء صغير وكبير.
وأمر الله المؤمنين بالتوبة النصوح، ووعد عليها بتكفير السيئات، ودخول الجنات، والفوز والفلاح.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا﴾[التحريم: 8].
أمر بالتوبة، وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وكل الأزمان(102).
قال العلماء: التوبة النصوح هي: أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل، ثم إن كان الحق لآدمي رده إليه بطريقه(103).
وكان من أساليب الرسل في دعوة أقوامهم أمرهم بالتوبة: قال موسى عليه السلام لقومه: ﴿فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ﴾ [البقرة: 54]. أي: خالقكم.
وقال هود عليه السلام آمرًا قومه بالتوبة: ﴿وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ﴾[هود: 3].
وقال: ﴿وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ﴾ [هود: 52].
وقال صالح عليه السلام آمرًا قومه بالتوبة: ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ﴾ [هود: 61].
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [المائدة: 74].
قال الفراء: «هذا أمر في لفظ الاستفهام»(104).
ثالثًا: أسلوب الترغيب والترهيب:
قال تعالى في سياق الحديث عن المنافقين مرغّبًا لهم في التوبة، ومرهّبًا لهم إن أعرضوا عنها كعادة القرآن في ذكر الترهيب بعد الترغيب والعكس: ﴿يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ﴾ [التوبة: 74].
هو تنبيه لهؤلاء الضالّين، وإشارة مضيئة تطلع في ليلهم المطبق عليهم؛ رجاء أن يتوبوا إلى الله، ويستقيموا على طريق الحقّ، فإن فعلوا رشدوا وأمنوا، وإن أبوا، ضلوا وهلكوا، وأخذهم الله بالعذاب الأليم في الدنيا، بما يصيبهم على يد المؤمنين من خزى وبلاء، وبعذاب السعير في الآخرة، حيث لا ولىّ لهم، ولا نصير، يردّ عنهم بأس الله الواقع بهم(105).
رابعًا: الأسلوب الخبري:
أخبر تعالى أنه يتوب على عباده كما قال تعالى: ﴿لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾ [آل عمران: 128].
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [النساء: 26].
﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ﴾[النساء: 27].
وقال تعالى: ﴿وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمَۢا﴾ [الأحزاب: 73].
وإظهار اسم الجلالة في قوله: ﴿وَيَتُوبَ ٱللَّهُ﴾ وكان الظاهر إضماره؛ لزيادة العناية بتلك التوبة؛ لما في الإظهار في مقام الإضمار من العناية(106).
ومن أمثلة الأسلوب الخبر: الإخبار عن محبة الله للتائبين.
فقد أخبر الله تعالى أنه يحب من يرجع إليه تائبًا من ذنوبه، وهذا من لطفه بعباده، وحثًّا للاقتداء بهم.
قال تعالى: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِۖ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ﴾[البقرة: 222].
أي: من ذنوبهم على الدوام(107).
فهي دعوة إلى التزام الطريق القويم لمن كان قد انحرف عنه، وأتى المرأة من غير المأتى الطبيعي لها، فباب التوبة مفتوح لمن أناب إلى الله والتزم حدوده، فالتوبة تغسل الحوبة.. وليس مصيبة الإنسان في أن يخطيء ويزل، فالإنسان بحكم أنه بشرٌ عرضة للخطأ والزلل، ولكن المصيبة ألّا يتأثّم من الإثم، ولا يتحرج من الانحراف، فيقيم على إثمه، ويصر على انحرافه، وليس يستنقذ الإنسان من أن يحيط به ذنبه إلّا أن يرجع إلى الله من قريب، وأن يلقاه نادمًا تائبًا، هنالك يجد من ربه رحمة ومغفرة، ورضى ورضوانًا(108).
وقد روى مسلم بسنده عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم (للّه أشدّ فرحًا بتوبة أحدكم من أحدكم بضالّته إذا وجدها)(109).
ومن أمثلة الأسلوب الخبري: الثناء على التائبين.
فأخبر الله تعالى أن من صفات المؤمنين الذين لهم البشارة بدخول الجنة أنهم الراجعون عما كرهه الله إلى ما يحبه ويرضاه؛ وذلك حثًّا لعباده على الاقتداء بهم.
قال تعالى: ﴿ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾[التوبة: 112].
التائبون: هم الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله إلى الحالة المحمودة في طاعة الله، والتائب هو الراجع. والراجع إلى الطاعة هو أفضل من الراجع عن المعصية لجمعه بين الأمرين(110). والتوبة شعور بالندم على ما مضى، وتوجّهٌ إلى الله فيما بقي، وكفٌّ عن الذنب، وعمل صالح يحقق التوبة بالفعل كما يحققها بالترك. فهي طهارة وزكاة، وتوجّهٌ، وصلاح.
وفي سياق تهديد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بالطلاق وإبداله خيرًا منهن من النساء اللاتي من صفاتهن أنهن راجعات إلى ما يحبه الله من طاعته، حثًّا للمؤمنات على الاقتداء بهن في الخيرية، قال تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبۡدِلَهُۥٓ أَزۡوَٰجًا خَيۡرٗا مِّنكُنَّ مُسۡلِمَٰتٖ مُّؤۡمِنَٰتٖ قَٰنِتَٰتٖ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٖ سَٰٓئِحَٰتٖ ثَيِّبَٰتٖ وَأَبۡكَارٗا ا﴾[التحريم: 5].
والتوبة هي الندم على ما وقع من معصية، والاتجاه إلى الطاعة(111).
ثمرات التوبة وعاقبة الإعراض عنها
للتوبة إلى الله ثمرات، وللمعرضين عنها عاقبة، نتناولهما فيما يلي:
أولًا: ثمرات التوبة:
ذكر القرآن ثمرات للتوبة؛ لحض العباد على المسارعة إليها، منها:
1. الفلاح في الدنيا والآخرة.
علّق الله تعالى الفلاح على التوبة، فقال: ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [النور: 31] فمن سبل الفلاح التوبة، وهي الرجوع مما يكرهه الله، ظاهرًا وباطنًا، إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا، ودل هذا أن كل مؤمن محتاج إلى التوبة؛ لأن الله خاطب المؤمنين جميعًا، وفيه الحث على الإخلاص بالتوبة في قوله: ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: لا لمقصد غير وجهه، من سلامة من آفات الدنيا، أو رياء وسمعة، أو نحو ذلك من المقاصد الفاسدة(112).
2. دعاء حملة العرش للتائبين.
ذكر تعالى دعاء الذين يحملون عرش الرحمن من الملائكة ومن حول العرش ممن يحف به منهم، بالمغفرة للذين تابوا من الشرك والمعاصي.
قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ﴾[غافر: 7].
أي: فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا، وأقلعوا عما كانوا فيه، واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات(113).
3. المتاع الحسن.
ذكر الله تعالى أن هودًا عليه السلام دعا قومه أن يسألوا الله أن يغفر لهم ذنوبهم، ثم يرجعوا إليه نادمين يمتعّهم في دنياهم متاعًا حسنًا بالحياة الطيبة فيها، إلى أن يحين أجلهم.
قال تعالى: ﴿وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ﴾[هود: 3].
أي: استغفروا ربكم، ثم توبوا إليه، فإنكم إذا فعلتم ذلك بسط عليكم من الدنيا، ورزقكم من زينتها، وأنسأ لكم في آجالكم إلى الوقت الذي قضى فيه عليكم الموت(114).
وهذه القاعدة التي يقررها القرآن في مواضع متفرقة، قاعدة صحيحة تقوم على أسبابها من وعد الله، ومن سنة الحياة، كما أن الواقع العملي يشهد بتحققها على مدار القرون. والحديث في هذه القاعدة عن الأمم لا عن الأفراد. وما من أمة قام فيها شرع الله، واتجهت اتجاهًا حقيقيًا لله بالعمل الصالح والاستغفار المنبيء عن خشية الله، ما من أمة اتقت الله وعبدته وأقامت شريعته، فحققت العدل والأمن للناس جميعًا، إلا فاضت فيها الخيرات، ومكّن الله لها في الأرض، واستخلفها فيها بالعمران وبالصلاح سواء.
ووصف المتاع «بالحسن» إنما هو لطيب عيش المؤمن برجائه في الله عز وجل وفي ثوابه وفرحه بالتقرب إليه بمفترضاته والسرور بمواعيده(115). وفي الآية دلالة على أن ثمرة الاستغفار والتوبة سعة الرزق ورغد العيش.
4. إبدال السيئات حسنات.
ذكر الله تعالى أن من تاب من الذنوب توبة نصوحًا وآمن إيمانًا جازمًا مقرونًا بالعمل الصالح، فأولئك يمحو الله عنهم سيئاتهم ويجعل مكانها حسنات؛ بسبب توبتهم وندمهم.
قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [الفرقان: 70].
أي: تتبدل أفعالهم وأقوالهم السيئة تتبدل حسنات، فيتبدل شركهم إيمانًا، ومعصيتهم طاعة، وتتبدل نفس السيئات التي عملوها ثم أحدثوا عن كل ذنب منها توبة وإنابة وطاعة تبدّل حسنات(116)، وهو فيض من عطاء الله لا مقابل له من عمل العبد إلا أنه اهتدى ورجع عن الضلال، وثاب إلى حمى الله، ولاذ به بعد الشرود والمتاهة.
وفي الآية دلالة على أن باب التوبة دائمًا مفتوح، يدخل منه كل من استيقظ ضميره، وأراد العودة والمآب، لا يصد عنه قاصد، ولا يغلق في وجه لاجئ، أيًا كان، وأيًا ما ارتكب من الآثام.
وقد روى مسلم بسنده عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم (إنّي لأعرف آخر أهل النّار خروجًا من النّار، وآخر أهل الجنّة دخولًا إلى الجنّة، يؤتى برجلٍ فيقول: نحّوا كبار ذنوبه، وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت يوم كذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا، كذا وكذا، فيقول: نعم لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئًا، فيقال: فإنّ لك بكلّ سيّئةٍ حسنةً، فيقول: يا ربّ عملت أشياء لا أراها هاهنا) قال: فضحك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه(117).
5. الإمداد بالمطر وقت الحاجة إليه.
أخبر تعالى أن هودًا عليه السلام قال لقومه: ﴿وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ﴾ [هود: 52].
يقول سبحانه: «فإنكم إن آمنتم بالله، وتبتم من كفركم به، أرسل قطر السماء عليكم، يدرّ لكم الغيث في وقت حاجتكم إليه، وتحيا بلادكم من الجدب والقحط، ورزقكم المال والولد»(118).
قيل: إنهم «كانوا أصحاب زروع وبساتين، وعمارات، حراصًا عليها أشد الحرص، فكانوا أحوج شيء إلى الماء، وكانوا مدلين بما أوتوا من هذه القوة والبطش والبأس، مهيئين في كل ناحية»(119).
في الآية دلالة على أن من ثمرة التوبة حياة البلاد من الجدب والقحط، وحياة العباد بزيادة الأموال والأولاد.
ثانيًا: عاقبة المعرضين عن التوبة:
ذكر القرآن الكريم عاقبة المعرضين عن التوبة، والتي منها:
1. عذاب جهنم.
عرض الله تعالى على من قتل أولياءه التوبة، وهدّدهم إن لم يتوبوا بالعذاب الشديد، فقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ﴾[البروج: 10].
أي: ثم لم يتوبوا، أي لم يقلعوا عما فعلوا، ويندموا على ما أسلفوا، ﴿فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ﴾ وذلك أن الجزاء من جنس العمل، قال الحسن رحمه الله: انظروا إلى هذا الكرم والجود، هم قتلوا أولياءه وأهل طاعته، وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة(120).
وفي الآية تعريض للمشركين بأنهم إن تابوا وآمنوا سلموا من عذاب جهنم(121).
2. استحقاق العقاب.
وأخبر تعالى أن على العبد أن يتوب إلى الله تعالى، ويخرج من حق أخيه المسلم، باستحلاله، والاستغفار، والمدح له مقابل ذمه، وإلا أصبح ظالمًا لنفسه مستحقًا لعقاب الله.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾[الحجرات: 11].
قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾، «يقول تعالى ذكره: ومن لم يتب من نبزه أخاه بما نهى الله عن نبزه به من الألقاب، أو لمزه إياه، أو سخريته منه، فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم، فأكسبوها عقاب الله بركوبهم ما نهاهم عنه»(122).
وإذا كان كل من السخرية واللمز والتنابز معاصٍ فقد وجبت التوبة منها، فمن لم يتب فهو ظالم؛ لأنه ظلم الناس بالاعتداء عليهم، وظلم نفسه بأن رضي لها عقاب الآخرة مع التمكن من الإقلاع عن ذلك، فكان ظلمه شديدًا جدًّا. فلذلك جيء له بصيغة قصر الظالمين عليهم، كأنه لا ظالم غيرهم؛ لعدم الاعتداد بالظالمين الآخرين في مقابلة هؤلاء على سبيل المبالغة ليزدجروا. والتوبة واجبة من كل ذنب، وهذه الذنوب المذكورة مراتب، وإدمان الصغائر كبيرة(123).
3. العذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
دعا الله سبحانه المنافقين الذين أساءوا للرسول صلى الله عليه وسلم وحاولوا الإضرار به وارتدوا عن الإسلام أن يرجعوا إلى الإيمان والتوبة، فإن رجعوا فهو خير لهم، وإن يعرضوا، أو يستمروا على حالهم، يعذّبهم الله العذاب الموجع في الدنيا على أيدي المؤمنين، وفي الآخرة بنار جهنم، قال تعالى: ﴿يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ﴾[التوبة: 74].
أي: وإن يستمروا على طريقهم ﴿يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا﴾ أي: بالقتل والهم والغم، ﴿وَٱلۡأٓخِرَةِۚ﴾ أي: بالعذاب والنكال والهوان والصغار، ﴿وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ﴾ أي: وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم، لا يحصّل لهم خيرًا، ولا يدفع عنهم شرًا(124).
وفي الآية دليل على قبول توبة الزنديق المـسرّ الكفر، المظهر للإيمان، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك: لا تقبل، فإن جاء تائبًا من قبل نفسه قبل أن يعثر عليه قبلت توبته بلا خلاف(125).
4. العذاب الكبير.
دعا هود عليه السلام قومه للرجوع إلى الله نادمين، وهدّدهم إن أعرضوا عمّا يدعوهم إليه فسوف يحل عليهم عذاب كبير، وهو يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ﴾[هود: 3].
«يقول تعالى ذكره: وإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من إخلاص العبادة لله، وترك عبادة الآلهة، وامتنعوا من الاستغفار لله، والتوبة إليه فأدبروا مولين عن ذلك، فإني أيها القوم أخاف عليكم عذاب يوم كبير شأنه، عظيم هوله»(126)، ووصفه بالكبير لزيادة تهويله(127).
| موضوعات ذات صلة: |
| الاستغفار، الاستقامة، الذنب |
الحواشي
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 357. ↩
- انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص62. ↩
- المفردات، الراغب الأصفهاني ص 169. ↩
- انظر: التعريفات، الجرجاني ص 70. ↩
- جامع البيان، الطبري، 1/ 587. ↩
- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 156- 158، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص 369-371. ↩
- انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 232. ↩
- المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/590. ↩
- انظر: التوقيف، المناوي ص 74. ↩
- الفروق اللغوية، العسكري، 1/ 235. ↩
- المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/911. ↩
- المفردات، الراغب الأصفهاني ص 796. ↩
- الفروق اللغوية، العسكري، 1/ 235. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 5/3274. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 3/185، روح المعاني، الألوسي 11/207. ↩
- مدارج السالكين 1/308. ↩
- المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 1/512. ↩
- الدر المصون، السمين الحلبي 3/ 624. ↩
- عدة الصابرين، ابن القيم ص 17. ↩
- مدارج السالكين، ابن القيم، 1/ 345 ↩
- تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، السعدي 2/ 364. ↩
- جامع البيان، الطبري، 1/ 587 ↩
- اشتقاق أسماء الله، ص 62. ↩
- الكافية الشافية، ابن القيم ص209. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 946. ↩
- المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص370. ↩
- جامع البيان، الطبري، 12/ 54. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، ص 354. ↩
- التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب 9/ 1226. ↩
- التحرير والتنوير، 18/ 135. ↩
- جامع البيان، الطبري، 12/ 444. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 18/ 363. ↩
- جامع البيان، الطبري، 12/ 453. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 297. ↩
- جامع البيان، الطبري، 10/ 465. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 329. ↩
- جامع البيان، الطبري، 11/ 340. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 211. ↩
- جامع البيان، ، 11/ 572. ↩
- المصدر السابق 11/ 575. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحجّ،1/ 305، رقم174. ↩
- تفسير المراغي، 19/ 40. ↩
- جامع البيان، 7/ 308. ↩
- المصدر السابق 7/ 310. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 192. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري، 6/ 507. ↩
- المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 24. ↩
- البحر المحيط، أبو حيان 3/ 560 ↩
- فتح القدير، الشوكاني، 1/ 505. ↩
- تفسير آيات الأحكام، السايس، ص180. ↩
- التفسير القيم، ابن القيم، ص175. ↩
- جامع البيان، الطبري، 8/ 411. ↩
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 190. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/ 100. ↩
- البحر المحيط، أبو حيان 4/ 256. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/ 302. ↩
- المحرر الوجيز، 3/ 92. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/ 302. ↩
- تفسير المراغي، 2/ 28. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/ 343. ↩
- التحرير والتنوير، 2/ 72. ↩
- المصدر السابق 24/ 80. ↩
- جامع البيان، الطبري، 20/ 506. ↩
- التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب، 6/890. ↩
- البيت من معلقته المشهورة.
انظر: ديوان عمرو بن كلثوم ص 78. ↩ - التحرير والتنوير، ابن عاشور 4/ 278. ↩
- المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 24. ↩
- مدارج السالكين، ابن القيم 1/ 295. ↩
- أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الدّعوات، باب إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، رقم 3537.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم 1903. ↩ - المحرر الوجيز، ابن عطية 2/25. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 5/ 91. ↩
- جامع البيان، الطبري، 6/ 516. ↩
- مفتاح دار السعادة، ابن القيم 1/ 283. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص281. ↩
- المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 367. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، سورة الأنعام، باب لا ينفع نفس إيمانها، 14/ 174، رقم 4269. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي، 10/8. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص171. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 4/ 280. ↩
- إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 1/ 92. ↩
- حجة القراءات، ابن زنجلة ص94- 95. ↩
- المحرر الوجيز، ابن عطية 1/ 131. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 439. ↩
- جامع البيان، الطبري، 12/ 437. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص382. ↩
- جامع البيان، الطبري، 2/ 572. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، ص66. ↩
- المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 452. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي، 14/ 359. ↩
- التحرير والتنوير، 9/ 91. ↩
- جامع البيان، الطبري، 20/ 64. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص711. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص529. ↩
- جامع البيان، الطبري، 12/ 54. ↩
- المحرر الوجيز، ابن عطية 3/ 94. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، سورة براءة، 14/ 248، رقم 4309. ↩
- جامع البيان، الطبري، 23/ 93. ↩
- إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 1/ 161. ↩
- جامع البيان، الطبري، 17/ 273. ↩
- فتح القدير، الشوكاني، 4/ 30. ↩
- التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب 9/ 1269. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 18/ 197. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 8/ 190. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي، 12/ 409. ↩
- التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب 5/ 848. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/ 132. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 100. ↩
- التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب 1/ 254. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التّوبة، باب في الحضّ على التّوبة والفرح بها، 4/2102، رقم 2675. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 8/ 269. ↩
- المصدر السابق، 6/ 3616. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص566. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 7/ 119. ↩
- جامع البيان، الطبري، 12/ 313. ↩
- المحرر الوجيز، ابن عطية، 3/ 149. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص587. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب، ما أدنى أهل الجنة منزلة، رقم 308. ↩
- جامع البيان، الطبري، 12/ 444. ↩
- البحر المحيط، أبو حيان 6/ 166. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 8/ 365. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 30/ 246. ↩
- جامع البيان، الطبري، 21/ 373. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور، 26/ 250. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 161. ↩
- البحر المحيط، أبو حيان، 5/ 466. ↩
- جامع البيان، الطبري، 12/ 315. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور، 11/ 319. ↩
