مفهوم المرض
أولًا: المعنى اللغوي:
المرض لغة: السقم، وهو نقيض الصحة، ويكون للإنسان والحيوان، وهو حالة خارجة عن الطبع ضارة بالفعل، وهو النقصان، ومنه بدن مريض: ناقص القوة، وقلب مريض: ناقص الدين، وهو الفتور، قال ابن عرفة: «المرض في البدن: فتور الأعضاء، وفي القلب: فتور عن الحق»، وهو الظلمة (1).
قال ابن فارس: «(مرض) الميم والراء والضاد أصل صحيح يدل على ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة في أي شيء كان»(2).
وخلاصة التعريف اللغوي: أن المرض له معنيان:
أحدهما: أن المرض اسم يطلق على ما يصيب البدن من العلل والجروح والفتور.
والثاني: أن المرض اسم يطلق على ما يصيب الإنسان في الدين كالجهل، والجبن، والبخل، والنفاق، وغيرها من الرذائل الخلقية.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
والمرض اصطلاحًا: ما يعرض للبدن، فيخرجه عن حالة الاعتدال الخاص، وذلك نوعان:
الأول: مرض جسمي، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ﴾ [البقرة: 184].
والثاني: عبارة عن الرذائل كالجهل، والجبن، والبخل، والنفاق، وغيرها من الرذائل الخلقية، ومنه قوله سبحانه: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ١٠﴾ [البقرة: 10](3).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.
المرض في الاستعمال القرآني
وردت مادة (مرض) في القرآن الكريم (24) مرة (4).
والصيغ التي وردت، هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| الفعل الماضي | 1 | ﴿وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ ٨٠﴾ [الشعراء: 80] |
| المصدر | 13 | ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ [المائدة: 52] |
| الصفة المشبهة | 10 | ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ﴾ [البقرة: 185] |
وجاء المرض في الاستعمال القرآني بمعنى: الفساد الذي يعرض للإنسان فيخرجه عن الاعتدال والصحة، ويكون جسمانيًا وبدنيًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ﴾ [البقرة: 184].
ويكون نفسانيًا أو معنويًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ﴾ [البقرة: 10](5).
الألفاظ ذات الصلة
العدوى:
العدوى لغة:
اسم من الإعداء، وهو ما يعدي من داء وجرب، أصله من عدا يعدو إذا جاوز الحد، وأعداه من علته وخلقه(6).
العدوى اصطلاحًا:
هو أن تجاوز العلة صاحبها إلى غيره (7)، ولا يختلف عن المعنى اللغوي.
الصلة بين المرض والعدوى:
أن المرض قد يكون سببًا من أسباب العدوى وبالعكس(8).
الوباء:
الوباء لغة:
الطاعون، وقيل: كل مرض عام(9).
الوباء اصطلاحًا:
فساد يعرض لجوهر الهواء لأسباب سماوية وأرضية(10).
الصلة بين المرض والوباء:
أن الوباء مرض من الأمراض.
الصحة:
الصحة لغة:
السلامة، وخلو الأجسام من المرض(11).
الصحة اصطلاحًا:
حالة أو ملكة، بها تصدر الأفعال عن موضعها سليمة(12).
الصلة بين المرض والصحة:
الضدية، وكل منهما يقال في البدن والدين جميعا(13).
العافية:
العافية لغة:
البراء من الأسقام والبلايا(14).
العافية اصطلاحًا:
البراء من العلل والبلايا والأسقام (15)، ولا يختلف عن المعنى اللغوي.
الصلة بين المرض والعافية:
مقابلة المرض بما يضاده من الصحة (16).
الشفاء:
الشفاء لغة:
البراء من المرض(17).
الشفاء اصطلاحًا:
رجوع الأخلاط إلى الاعتدال، وقيل: البراء من المرض، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۗ﴾ [النحل: 69](18).
الصلة بين المرض والشفاء:
مقابلة المرض بما يضاده.
أنواع المرض
تظهر أنواع الأمراض التي تصيب القلوب والأبدان من خلال ما يلي:
أولًا: مرض الشبهات:
من أمراض القلوب التي ذكرها القرآن الكريم مرض الشبهات، ويمكن التعرف على هذا النوع من المرض من خلال السياق القرآني، فإن كان هذا السياق في ذم المنافقين والمخالفين في شيء من أمور الدين كان مرض الشكوك والشبهات، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ١٠﴾ [البقرة: 10].
وقوله سبحانه: ﴿وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۚ﴾ [المدثر: 31].
أخبر الله تعالى أن في قلوب المنافقين مرض، ومرض القلب: هو نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره وإرادته، فتصوره بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق أو يراه على خلاف ما هو عليه، وإرادته بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار، وصحته أن يكون عارفًا بالحق محبًا له مؤثرًا له على غيره، وسمي الشك في الدين مرضًا؛ لأنه فساد في الروح يحتاج إلى علاج كالفساد في البدن، ومرض القلب أعضل، وعلاجه أعسر، ودواؤه أعز، وأطباؤه أقل، والمرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائد هؤلاء المنافقين، وذلك إما أن يكون شكًا ونفاقًا، وإما جحودًا بسبب حسدهم وعدوانهم مع علمهم بصحة ما يجحدون، وتقديم الخبر للإشعار بأن المرض مختص بها، مبالغة في تعلق هذا الداء بتلك القلوب لما كانوا عليه من شدة الحسد وفرط العداوة(19).
فالمؤمنون يخبرون عن زيادة إيمانهم والمنافقون يخبرون عن عدمه في وجدانهم، فهذا موجب شكهم وتماديهم في غيهم وإفكهم، ولو أنهم رجعوا إلى حاكم العقل لأزال شكهم وعرفهم صدق المؤمنين بالفرق بين حالتيهم، فإن ظهور الثمرات مزيل للشبهات(20).
وقوله تعالى: ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ﴾ [البقرة: 26].
فإن مريض القلب بالشكوك وضعف العلم أقل شيء يريبه ويؤثر فيه ويفتتن به، وهذا حال القلوب عند ورود الحق المنزل عليها، قلب يفتتن به كفرًا وجحودًا، وقلب يزداد به إيمانًا وتصديقًا، وقلب يتيقنه، فتقوم عليه به الحجة، وقلب يوجب له حيرة وعمى، فلا يدري ما يراد به(21).
وفي الآيتين الكريمتين السابقتين عبر تعالى عن النفاق بالمرض، وذلك للمشابهة بين مرض الأجساد والنفاق، فهو يفسد القلوب، والعقول والمدارك، كما يفسد المرض الأجساد ويضعف الحركات وقد يشلها، ومعه الوهن دائمًا(22).
ثانيًا: مرض الشهوات:
من أمراض القلوب التي ذكرها القرآن الكريم مرض الشهوات، ويمكن التعرف على هذا النوع من المرض من خلال السياق القرآني، فإن كان هذا السياق في ذكر المعاصي والميل كان مرض الشهوات.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ مِّنَ ٱلنِّسَآءِۚ إِنِ ٱتَّقَيۡتُنَّ فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٣٢﴾ [الأحزاب: 32].
إن المنافقين قوم برزوا في إظهار مرض القلب الذي ينشأ عنه كل إثم وفسوق وعصيان، وخاصة تتبع النساء والتعرض لهن بالسوء، وإغرائهن على الفاحشة، وإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالقول أو الفعل، والتعرض بالسوء لنسائه وبيته، وعدم امتثال أمر الله مطلقًا، وخاصة في ستر عورات النساء، كل هذا من لوازم النفاق العملي الذي يأباه الله ويتنافى مع حقيقة الإسلام، ونرجو أن يمتثل المسلمون اليوم للأمر بستر عورات نسائهم حتى لا ينطبق علينا وصف النفاق(23).
وأخبر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم أنهن لسن كأحد من النساء في الفضل والشرف وعلو المنزلة، وأمرهن أن لا يلن في كلامهن، كما تلين المرأة المعطية الليان في منطقها ﴿فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ﴾ أي: مرض شهوة الزنا والفجور، والمعنى: لا تقلن قولًا يجد به منافق أو فاجر سبيلًا إلى الطمع في موافقتكن به، فإنه مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه؛ لأن قلبه غير صحيح فإن القلب الصحيح ليس فيه شهوة لما حرم الله، فإن ذلك لا تكاد تميله ولا تحركه الأسباب، لصحة قلبه، وسلامته من المرض، بخلاف مريض القلب، الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه، فأدنى سبب يوجد يدعوه إلى الحرام، يجيب دعوته، ولا يتعاصى عليه، وكان أكثر من تصيبه الحدود في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم المنافقون(24).
وفي الآية دليل على أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فإن الخضوع بالقول واللين فيه في الأصل مباح، ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم منع منه؛ ولهذا ينبغي للمرأة أن لا تلين بالقول في مخاطبة الرجال الأجانب ﴿وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا﴾ ملؤه الأدب والوقار حسنًا في معناه، خشنًا في مبناه، مقتصرًا على الجواب الكافي؛ لأن الزيادة ممنوعة كما أن اللين ممنوع، وإنما أمرهن الله بهذا؛ لئلا ينسبن لقلة الأدب وهن منبعه وعنهن يؤخذ، وتعهد نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالإرشاد والتأديب؛ لأنهن الأسوة والقدوة، وهذه الآداب أمر الله تعالى بها نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك(25).
ثالثًا: مرض الأبدان:
من الأمراض التي ذكرها القرآن الكريم مرض الأبدان، وحيثما جاء المرض في آيات الأحكام فهو من علة في البدن، وكذلك (مريض، المريض، مرضى)، وكلها في آيات أحكام.
جاء ذكر مرض البدن في الطهارة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا﴾ [النساء: 43].
والمريض الذي يباح له التيمم، هو الذي يخاف على نفسه التلف أو الضرر باستعمال الماء، من فوات عضو أو شينه أو تطويل البرء، أو كان ضعيفًا في بدنه لا يقدر على الوصول إلى موضع الماء، كما روي في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه أصابته جنابة وهو أمير الجيش فترك الغسل من أجل آية، قال: (إن اغتسلت مت فصلى بمن معه جنبًا، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفه بما فعل وأنبأه بعذره فأقر وسكت)(26) (27).
وقد اتفقوا على جوازه، وذلك أن المريض الذي لا يضره الماء لا معنى للترخيص له في التيمم، فذكر ليدل على أن مرضه حينئذ يقوم مقام عدم وجود الماء حقيقة، فالمريض الذي يمنعه مرضه من استعمال الماء له التيمم مع وجود الماء، وكذلك شأن المسافر إذا كان معه من الماء ما لا يفيض عن حاجته في طعامه وشرابه، فلم يبق حينئذ إلا الجنب وما في معناه، والجائي من الغائط وما في معناه من غير المسافرين والمرضى، فهو إنما يباح لهم التيمم إذا فقدوا الماء، وفي هذه الآية الكريمة مشروعية هذا الحكم العظيم الذي امتن به الله على هذه الأمة، وهو مشروعية التيمم، وقد أجمع على ذلك العلماء، وأن التيمم يكون بالصعيد الطيب، وهو كل ما تصاعد على وجه الأرض سواء كان له غبار أم لا، ويحتمل أن يختص ذلك بذي الغبار؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ﴾ وما لا غبار له لا يمسح به(28).
كما جاء ذكر المرض في أحكام الصيام في قوله جل وعلا: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ﴾ [البقرة: 184] والمرض المذكور في الآية هو المرض الذي يشق معه الصوم، فأباح الفطر للمريض لعذر المرض، والمسافر طلبا لحفظ صحته وقوته؛ لئلا يذهبه الصوم في السفر؛ لاجتماع شدة الحركة وما يوجبه من التحليل وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل، فتخور القوة وتضعف، فأباح للمسافر الفطر؛ حفظا لصحته وقوته عما يضعفها (29).
وجاء أيضًا في أحكام الحج في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ﴾ [البقرة: 196]، أي: مرضًا يحوجه إلى الحلق ﴿أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى﴾فأباح للمريض ومن به أذى من رأسه، من قمل أو حكة أو غيرهما أن يحلق رأسه في الإحرام؛ استفراغًا لمادة الأبخرة الرديئة التي أوجبت له الأذى في رأسه باحتقانها تحت الشعر، وإذا حلق رأسه تفتحت المسامات فخرجت تلك الأبخرة منها، فهذا الاستفراغ يقاس عليه استفراغ يؤذي انحباسه، والأشياء التي يؤذي انحباسها ومدافعتها عشرة: الدم إذا هاج، والمني إذا سبغ، والبول والغائط والريح والقيء والعطاس والنوم والجوع والعطش(30).
بينت الآيات مرض البدن في الحج والصوم والوضوء لسر بديع يبين عظمة القرآن، والاستغناء به لمن فهمه وعقله عن سواه، وذلك أن قواعد طب الأبدان ثلاثة: حفظ الصحة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة.
وجاء ذكر المرض في أحكام الأكل والآداب في قوله جل وعلا: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٦١﴾ [النور: 61].
كان المسلمون في صدر الإسلام حين أمروا بالنصيحة ونهوا عن الخيانة وأنزل عليهم: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ [البقرة: 188].
أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق أدقوا النظر وأفرطوا في التوقي، وترك بعضهم مؤاكلة بعض.
فكان الأعمى لا يؤاكل الناس؛ لأنه لا يبصر الطعام فيخاف أن يستأثر، ولا يؤاكله الناس يخافون لضرره أن يقصر.
وكان الأعرج يتوقى ذلك؛ لأنه يحتاج لزمانته إلى أن يتفسح في مجلسه، ويأخذ أكثر من موضعه، ويخاف الناس أن يسبقوه لضعفه.
وكان المريض يخاف أن يفسد على الناس طعامهم بأمور قد تعتري مع المرض: من رائحة تتغير، أو جرح يبض، أو أنف يذن، أو بول يسلس، وأشباه ذلك.
فأنزل الله تعالى: ليس على هؤلاء جناح في مؤاكلة الناس.
وقيل: كان الصحابة رضي الله عنهم يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المغازي، ويدفعون مفاتيحهم إلى الضمنى، وهم الزمنى، ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في منازلنا، فكانوا يتوقون أن يأكلوا من منازلهم حتى نزلت هذه الآية.
ثم أباحت الآية الأكل من بيوت الأقارب مثل: الآباء، والأمهات، والإخوة، والأخوات، والأعمام، والعمات، والأخوال، والخالات.
وأباحت أيضًا الأكل مما كان تحت يد الشخص وتصرفه من مال غيره، والأكل من بيوت الأصدقاء، ولم يذكر فيها قيد ما لإباحة الأكل من هذه البيوت.
ولم يذكر بيوت الأبناء واكتفى بقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ﴾ لأن مال الرجل منسوب إلى أبيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك) وقال: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فكلوا من كسب أولادكم) فاكتفى بذكر بيوت أنفسكم عن ذكر بيوت الأولاد، إذ كانت منسوبة إلى الآباء(31).
قال أبو زهرة: «ونجد أن الله تعالى ذكر في القرآن الحكيم أنه لا إثم على من يأكل في بيوت هؤلاء عند الاحتياج، ونفي الإثم يشير إلى أنه الحق؛ إذ إن تناول الحقوق لا إثم فيه، وقد يقال: إن ذلك لم يكن مقتصرًا على القرابة، بل ذكر الصديق، فدل على أن الحق ليس سببه القرابة.
ونقول: إن ذلك الحق سببه العجز ابتداء؛ ولذلك ذكر في أول الآية ذوي العجز عن الكسب، فكان الكلام كله في أهل العجز، ولكن الأخذ كان للقرابة ابتداء، فإن لم تكن له قرابة يلزمها الشرع، كانت المودة التي توجبها الصداقة مبررًا للأكل، وإن كان لا يلزم الصديق بذلك قضاء، فإنه يجب عليه دينًا ويأثم فيما بينه وبين الله إن كان قادرًا، ومع ذلك يترك صديقه يتضور جوعًا، ولذلك كانت المؤاخاة، وفي ذلك إرشاد خلقي اجتماعي حكيم لواجبات الأصدقاء نحو أصدقائهم»(32).
مرض الشبهات
سنتناول في هذا المبحث أعراضه، والوقاية منه، وعاقبته، وذلك في النقاط الآتية:
أولًا: أعراضه:
تظهر أعراض مرض الشبهات من خلال النقاط الآتية:
- موالاة الكفار.
ذكر القرآن الكريم أن من أعراض مرض الشبهات التي تصيب المنافقين موالاة الكفار.
قال تعالى: ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢﴾ [المائدة: 52].
لما نهى الله تعالى في الآية السابقة المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء في النصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والمعاضدة، بينت هذه الآية أن من يوالي اليهود والنصارى هم الذين في قلوبهم مرض أي: نفاق وشك وريب في وعد الله لإظهار دينه، وقوله: ﴿يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ﴾ أي: في مودتهم في الباطن والظاهر، من غير نظر فيما يلحقهم من الضرر في دين الله، والفضيحة بالنفاق ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: في عذرهم.
﴿نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ﴾ أي: نخشى أن تقع بنا مصيبة كبيرة مما يدور به الزمان، أو من المصائب والدواهي التي تحيط بالمرء إحاطة الدائرة بما فيها، فنحتاج إلى نصرتهم لنا، فنحن نتخذ لنا يدًا عندهم في السراء؛ ننتفع بها إذا مست الضراء، والمراد أنهم يخشون أن تدول الدولة لليهود أو المشركين على المؤمنين.
وكان اليهود عونًا للمشركين على المؤمنين، كما ظهر في وقعة بدر والأحزاب، فيحل بهم ما يحل بالمؤمنين من النقمة، ذلك بأنهم غير موقنين بوعد الله بنصر رسوله، وإظهار دينه على الدين كله؛ لأنهم في شك من أمر نبوته، لم يوقنوا بصدقها ولا بكذبها، فهم يريدون أن ينتفعوا منها بإظهارهم الإيمان بها، وأن يتخذوا لهم يدًا عليها لأعدائها؛ ليكونوا معهم إذا دالت الدولة لهم، وهكذا شأن المنافقين في كل زمان ومكان، ثم رد تعالى عللهم الباطلة، وقطع أطماعهم الفارغة، وبشر المؤمنين بالظفر(33).
وقوله سبحانه: ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ﴾ وعسى من الله نافذة، لأنه الكريم العظيم الذي لا يُطْمَعُ إلا فيما يُعْطي؛ ولأن الكريم إذا أوعد في خير فعله، فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به ورجائها له، والمعنى: فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين على أعدائهم، أو أمر من عنده يقطع أصل اليهود أو يخرجهم عن بلادهم؛ فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم.
وذلك لأنهم كانوا يشكون في أمر الرسول ويقولون: لا نظن أنه يتم له أمره، والأظهر أن تصير الدولة والغلبة لأعدائه، وقيل: أو أمر من عنده، يعني: أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم فيندموا على فعالهم ﴿فَيُصۡبِحُواْ﴾أي: المنافقون ﴿عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ﴾من الشك في ظهور الإسلام، أو من النفاق ﴿نَٰدِمِينَ﴾ لافتضاحهم بالنفاق مع الفريقين، وتعليق الندامة بما كانوا يكتمونه- لا بما كانوا يظهرونه من موالاة الكفرة- لأنه الذي كان يحملهم على الموالاة ويغريهم عليها، فدل ذلك على ندامتهم عليها بأصلها وسببها(34).
وفي الآية: نداء للمؤمنين أن يجعلوا ولايتهم لله ولرسوله ولإخوانهم في العقيدة، ونهتهم عن موالاة الذين يخالفونهم في الدين، ووصفت الذين يتولون من غضب الله عليهم بالنفاق ومرض القلب، وبشرت المطيعين لله بالنصر والظفر(35).
- الاستهزاء بالمؤمنين.
ذكر القرآن الكريم أن من أعراض مرض الشبهات التي تصيب المنافقين الاستهزاء بالمؤمنين.
قال تعالى: ﴿إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٤٩﴾ [الأنفال: 49].
بينت الآية سخرية المنافقين من أهل المدينة واستهزاءهم واحتقارهم للمؤمنين، ﴿وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي: شك وارتياب، وهم قوم من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يقو الإسلام في قلوبهم ولم يتمكن، فلما خرج كفار قريش إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا معهم إلى بدر، فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا وارتدوا، وقالوا: ﴿غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ﴾ والغرور: الإيقاع في المضرة بإيهام المنفعة، والدين هو الإسلام، وإسنادهم الغرور إلى الدين باعتبار ما فيه من الوعد بالنصر، من نحو قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ﴾ [الأنفال: 65].
أي: غرهم ذلك فخرجوا وهم عدد قليل للقاء جيش كثير، والمعنى: إذ يقولون ذلك عند اللقاء وقبل حصول النصر، فإطلاق الغرور هنا مجاز، وإسناده إلى الدين حقيقة عقلية، ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ أي: ومن يسلم أمره إلى الله ويثق بفضله ويعول على إحسان الله، فإن الله حافظه وناصره؛لأنه عزيز لا يغلبه شيء، حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه، والرحمة والثواب إلى أوليائه(36).
والمنافقون والذين في قلوبهم مرض لا يدركون حقيقة أسباب النصر وأسباب الهزيمة، فهم يرون ظواهر الأمور دون أن تهديهم بصيرة إلى بواطنها ودون أن يشعروا بالقوة الكامنة في العقيدة، والثقة في الله، والتوكل عليه، واستصغار شأن الجموع والقوى التي لا ترتكن إلى عقيدة في الله تمنحها القوة الحقيقية، فلا جرم يظنون المسلمين يومئذ مخدوعين في موقفهم، مغرورين بدينهم، واردين موارد التهلكة بتعرضهم لجحافل المشركين التي يرونها إن الواقع المادي الظاهر لا يختلف من ناحية مظهره عند القلوب المؤمنة، وعند القلوب الخاوية من الإيمان.
- الاستجابة لوساوس الشيطان.
ذكر القرآن الكريم أن من أعراض مرض الشبهات التي تصيب المنافقين الاستجابة لوساوس الشيطان.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٢ لِّيَجۡعَلَ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ٥٣ وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤۡمِنُواْ بِهِۦ فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٤﴾ [الحج: 52-54].
يخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن من حكمته وسنته: أنه ما أرسل قبله من رسول ولا نبي إلا إذا قرأ، ألقى الشيطان في أمنيته، ومعنى إلقاء الشيطان في أمنية النبي والرسول إلقاء ما يضادها، كمن يمكر فيلقي السم في الدسم، فإلقاء الشيطان بوسوسته: أن يأمر الناس بالتكذيب والعصيان، ويلقي في قلوب أئمة الكفر مطاعن يبثونها في قومهم، ويروج الشبهات بإلقاء الشكوك التي تصرف نظر العقل عن تذكر البرهان، والله تعالى يعيد الإرشاد ويكرر الهدي على لسان النبي، ويفضح وساوس الشيطان وسوء فعله بالبيان الواضح، كقوله تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ﴾ [الأعراف: 27] وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ﴾ [فاطر: 6]، فالله تعالى بهديه وبيانه ينسخ ما يلقي الشيطان، أي: يزيل الشبهات التي يلقيها الشيطان ببيان الله الواضح، ويزيد آيات دعوة رسله بيانًا، وذلك هو إحكام آياته، أي: تحقيقها وتثبيت مدلولها وتوضيحها بما لا شبهة بعده إلا لمن رين على قلبه، ثم بين سبحانه أن من مقتضيات حكمته أنه يجعل الإلقاء الشيطانى فتنة للشاكين المنافقين، والقاسية قلوبهم عن قبول الحق، فلا تلين لقبول الحق، ولا ترعوي عما هي فيه من الغي؛ ابتلاء لهم ليزدادوا إثمًا، ورحمة للمؤمنين ليزدادوا ثباتًا واستقامة (37).
- الإعراض عن التحاكم للكتاب والسنة.
ذكر القرآن الكريم أن من أعراض مرض الشبهات التي تصيب المنافقين الإعراض عن التحاكم للكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧ وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ٤٨ وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ ٤٩ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٥٠﴾ [النور: 47-50].
يخبر تعالى عن صفات المنافقين، الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، وأنهم يقولون بألسنتهم، ويلتزمون الإيمان بالله والطاعة، ثم لا يقومون بما قالوا، ويتولى فريق منهم عن الطاعة توليًا عظيمًا.
وقد أشارت الآية إلى المنافقين عامة، ثم إلى فريق منهم أظهروا عدم الرضا بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم فكلا الفريقين موسوم بالنفاق، ولكن أحدهما استمر على النفاق والمواربة، وفريقًا لم يلبثوا أن أظهروا الرجوع إلى الكفر بمعصية الرسول علنًا، وفي قوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ إيماء إلى أن حظهم من الإيمان مجرد القول دون الاعتقاد، كما قال تعالى: ﴿۞ قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ﴾ [الحجرات: 14].
وعبر بالمضارع لإفادة تجدد ذلك منهم واستمرارهم عليه؛ لما فيه من تكرر الكذب ونحوه من خصال النفاق، والإشارة في قوله: ﴿وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ﴾ إلى ضمير ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي يقولون آمنا وهم كاذبون في قولهم، وإنما يظهر كفرهم عند ما تحل بهم النوازل، وإسناد فعل ﴿دُعُوٓاْ﴾ إلى جميعهم وإن كان المعرضون فريقًا منهم لا جميعهم؛ للإشارة إلى أنهم سواء في التهيؤ إلى الإعراض، ولكنهم لا يظهرونه إلا عندما تحل بهم النوازل فالمعرضون هم الذين حلت بهم الخصومات، ثم أخبر الله أن المنافقين يعرضون عن حكم الرسول لعلمهم بأنه يحكم بالحق، فإذا كان لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه؛ لثقتهم بأنه كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضا(38).
ثم أخبر بما في قلوبهم من الشك والريبة، فقال سبحانه: ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ﴾ القلوب: العقول، والمرض مستعار للفساد أو للكفر.
قال جل وعلا: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ﴾ [البقرة: 10] أو للنفاق.
وأتي في جانب هذا الاستفهام بالجملة الاسمية؛ للدلالة على ثبات المرض في قلوبهم وتأصله فيها، بحيث لم يدخل الإيمان في قلوبهم، والارتياب: الشك.
والمراد: ارتابوا في حقيقة الإسلام، أي: حدث لهم ارتياب بعد أن آمنوا إيمانًا غير راسخ، وأتي في جانبه بالجملة الفعلية المفيدة للحدوث والتجدد، أي: حدث لهم ارتياب بعد أن اعتقدوا الإيمان اعتقادًا مزلزلًا.
وهذا يشير إلى أنهم فريقان: فريق لم يؤمنوا ولكنهم أظهروا الإيمان وكتموا كفرهم، وفريق آمنوا إيمانا ضعيفًا، ثم ظهر كفرهم بالإعراض، والحيف: الظلم والجور في الحكومة.
وأسند الحيف إلى الله ورسوله بمعنى أن يكون ما شرعه الإسلام حيفًا لا يظهر الحقوق، وهذا كناية عن كونهم يعتقدون أنه غير منزل من الله، وأن يكون حكم الرسول بغير ما أمر الله، فهم يطعنون في الحكم وفي الحاكم وما ذلك إلا لأنهم لا يؤمنون بأن شريعة الإسلام منزلة من الله، ولا يؤمنون بأن محمدًا عليه الصلاة والسلام مرسل من عند الله.
فالكلام كناية عن إنكارهم أن تكون الشريعة إلهية وأن يكون الآتي بها صادقًا فيما أتى به ﴿بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ أي: ليس العدول إلا لما في قلوبهم من المرض والنفاق، وظلمهم لأنفسهم بمخالفة أمر ربهم ومعصيتهم له فيما أمرهم به من الرضا بحكم رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أحبوا وكرهوا، والتسليم لقضائه(39).
إن الإيمان الصحيح متى استقر في القلب ظهرت آثاره في السلوك، والإسلام عقيدة متحركة، لا تطيق السلبية، فهي بمجرد تحققها في عالم الشعور تتحرك؛ لتحقق مدلولها في الخارج؛ ولتترجم نفسها إلى حركة وإلى عمل في عالم الواقع.
ومنهج الإسلام الواضح في التربية يقوم على أساس تحويل الشعور الباطن بالعقيدة وآدابها إلى حركة سلوكية واقعية، وتحويل هذه الحركة إلى عادة ثابتة أو قانون، مع استحياء الدافع الشعوري الأول في كل حركة، لتبقى حية متصلة بالينبوع الأصيل، وهؤلاء كانوا يقولون: ﴿ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا﴾ [النور: 47].
يقولونها بأفواههم، ولكن مدلولها لا يتحقق في سلوكهم، فيتولون ناكصين يكذبون بالأعمال ما قالوه باللسان: ﴿وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [النور: 47].
فالمؤمنون تصدق أفعالهم أقوالهم، والإيمان ليس لعبة يتلهى بها صاحبها ثم يدعها ويمضي، إنما هو تكيف في النفس، وانطباع في القلب، وعمل في الواقع، ثم لا تملك النفس الرجوع عنه متى استقرت حقيقته في الضمير.
- التشكيك في وعد الله ورسوله.
ذكر القرآن الكريم أن من أعراض مرض الشبهات التي تصيب المنافقين التشكيك في وعد الله ورسوله.
قال تعالى: ﴿وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢﴾ [الأحزاب: 12].
يقول تعالى مخبرًا عن حال المؤمنين حين نزلت الأحزاب حول المدينة، والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، أنهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا زلزالًا شديدًا، فحينئذ ظهر النفاق، وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم، والذين في قلوبهم ضعف في الإيمان لقرب عهدهم بالإسلام: ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ﴾ من الظفر والنصر على العدو إلا وعدًا باطلًا بغرنا به ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به، ويسلخنا عن دين آبائنا.
ويقول: إن هذا الدين سيظهر على الدين كله، وإنه سيفتح لنا فارس والروم، وها نحن أولاء قد حصرنا هاهنا حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته، فإن ذلك كله مما ألحق بالمسلمين ابتلاء فبعضه من حال الحرب وبعضه من أذى المنافقين؛ ليحذروا المنافقين فيما يحدث من بعد؛ ولئلا يخشوا كيدهم فإن الله يصرفه كما صرف أشده يوم الأحزاب، وقول المنافقين هذا يحتمل أن يكونوا قالوه علنًا بين المسلمين قصدوا به إدخال الشك في قلوب المؤمنين لعلهم يردونهم عن دينهم.
فأوهموا بقولهم: ﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا﴾ أنهم ممن يؤمن بالله ورسوله، فنسبة الغرور إلى الله ورسوله إما على معنى التشبيه البليغ، وإما لأنهم بجهلهم يجوزون على الله أن يغر عباده، ويحتمل أنهم قالوا ذلك بين أهل ملتهم فيكون نسبة الوعد إلى الله ورسوله تهكما، كقول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ ٢٧﴾ [الشعراء: 27].
والغرور: ظهور الشيء المكروه في صورة المحبوب، والمعنى: أن الله وعدهم النصر فكان الأمر هزيمة، وهم يعنون الوعد العام وإلا فإن وقعة الخندق جاءت بغتة ولم يرو أنهم وعدوا فيها بنصر ﴿وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ هم الذين كانوا مترددين بين الإيمان والكفر فأخلصوا يومئذ النفاق وصمموا عليه (40).
قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢﴾ [الأحزاب: 12]: وجد هؤلاء في الكرب المزلزل، والشدة الآخذة بالخناق فرصة للكشف عن خبيئة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد، وفرصة للتوهين والتخذيل وبث الشك والريبة في وعد الله ووعد رسوله، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون، فالواقع بظاهره يصدقهم في التوهين والتشكيك، وهم مع هذا منطقيون مع أنفسهم ومشاعرهم فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل، وروع نفوسهم ترويعًا لا يثبت له إيمانهم المهلهل فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجملين، ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة وموقفهم في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء.
- نشر الإشاعات.
ذكر القرآن الكريم أن من أعراض مرض الشبهات التي تصيب المنافقين نشر الشائعات والأراجيف.
قال تعالى: ﴿۞ لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠ مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا ٦١﴾ [الأحزاب: 60-61].
يخبر تعالى أن من صفات المنافقين ومرضى القلوب نشر الاشاعات والأراجيف، ووصفهم الله هنا بصفات ثلاث ﴿ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ﴾.
فالعطف هنا لا يقتضي المغايرة، إنما عطف صفات مختلفة لشيء واحد، وجاءت هذه الصفات مستقلةً؛ لأنها أصبحت من الوضوح فيهم، بحيث تكاد تكون نوعًا منفردًا بذاته.
والإرجاف: إشاعة الأخبار، وفيه معنى كون الأخبار كاذبة أو مسيئة لأصحابها يعيدونها في المجالس؛ ليطمئن السامعون لها مرة بعد مرة بأنها صادقة؛ لأن الإشاعة إنما تقصد للترويج بشيء غير واقع أو مما لا يصدق به؛ لاشتقاق ذلك من الرجف والرجفان وهو الاضطراب والتزلزل.
فالمرجفون قوم يتلقون الأخبار فيحدثون بها في مجالس ونواد ويخبرون بها من يسأل ومن لا يسأل.
والمعنى هنا: الذين يخبرون بالأراجيف، وكانوا يخبرون المؤمنين بما يكرهون من عدوهم، فيقولون: هزموا وقتلوا، وجرى عليهم كيت وكيت، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين، والأراجيف: هي أول الاختيار، وأصل الرجف هو الحركة.
فإذا وقع خبر الكذب فإنه يقع الحركة بالناس فسمي إرجافًا، ويقال: الأراجيف تلقح الفتنة، ويقال: أرجف بكذا، إذا أخبر به على غير حقيقة؛ لكونه خبرًا متزلزلًا غير ثابت من الرجفة، وهي الزلزلة، وهم من المنافقين والذين في قلوبهم مرض وأتباعهم.
وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ﴾ [النساء: 83].
فهذه الأوصاف لأصناف من الناس، وكان أكثر المرجفين من اليهود وليسوا من المؤمنين؛ لأن قوله عقبه: ﴿لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ﴾ لا يساعد أن فيهم مؤمنين، والمعنى: لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدكم، والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عما يؤلفون من أخبار السوء لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التي تسوؤهم وتنوؤهم، ثم بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء عن المدينة، وإلى أن لا يساكنوك فيها إلا زمنا قليلًا ريثما يرتحلون ويلتقطون أنفسهم وعيالاتهم، فسمى ذلك إغراء، وهو التحريش على سبيل المجاز(41).
وفي الآية: إنذار لفئات المنافقين ومرضى القلوب والمرجفين في المدينة، بأنهم إذا لم ينتهوا عما يبثونه من وساوس ودسائس ويوقعونه من أذى وقلاقل، فإن الله يغري نبيه بهم ويسلطه عليهم ويقدره على طردهم من المدينة، مدموغين بدمغة اللعنة، مهدوري الدم ليقتلوا قتلا ذريعًا بدون هوادة واستثناء وتساهل أينما وجدوا، وهذه هي سنة الله فيمن مضى من أمثالهم من الأمم وهي السنة التي لا تتبدل في حال(42).
- الخوف من الجهاد.
من أعراض مرض الشبهات التي ذكرها القرآن الكريم الخوف من الجهاد.
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةٞۖ فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُۙ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٠ طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلۡأَمۡرُ فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ ٢١﴾ [محمد: 20-21].
يخبر تعالى في هذه الآيات عن صفات المؤمنين المخلصين الصادقين في إيمانهم أنهم يشتاقون للوحي، ونزول آيات الجهاد حرصا على ثوابه، فإذا أنزلت سورة واضحة الدلالة في الأمر به فرحوا بها وسارعوا إلى العمل بما فيها.
ثم أعقب ذلك بوصف حال المنافقين من الكسل والفشل والحرص على فساد دين الله وأهله، وذلك حين يدعى المسلمون إلى الجهاد فقد يضيق الأمر بالمنافقين، إذ كان تظاهرهم بالإسلام سيلجئهم إلى الخروج للقتال مع المسلمين، وذلك أمر ليس بالهين؛ لأنه تعرض لإتلافهم النفوس دون أن يرجو منه نفعًا في الحياة الأبدية؛ إذ هم لا يصدقون بها فيصبحوا في حيرة.
وقوله سبحانه: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ﴾ أي: تشخص أبصارهم من شدة فزعهم ورعبهم وجبنهم من لقاء الأعداء، كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت، ثم هددهم وتوعدهم فقال: ﴿فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ﴾ أي: فالموت أولى لمثل هؤلاء المنافقين؛ إذ حياتهم ليست في طاعة الله فالموت خير منها، وقد يكون المعنى على التهديد والوعيد والدعاء عليهم بالهلاك، فكأنه قيل: أهلكهم الله هلاكًا أقرب لهم من كل شر وهلاك، فهو نحو قولهم في الدعاء بعدًا له وسحقًا.
﴿طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞۚ﴾ أي: طاعة لله وقول معروف أمثل لهم، وأحسن مما هم فيه من الهلع والجزع والجبن من لقاء العدو، فمتاع الحياة الدنيا متاع قليل، وظل زائل، والآخرة خير لمن اتقى.
﴿فَإِذَا عَزَمَ ٱلۡأَمۡرُ فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ﴾ أي: فإذا حضر القتال كرهوه وتخلفوا عنه خوفًا وفرقًا، ولو صدقوا في إيمانهم واتِّباعهم للرسول، وأخلصوا النية في القتال لكان خيرًا لهم عند ربهم؛ إذ ينالون به الثواب والزلفى عنده ويعطيهم ما تقر به أعينهم، ويدخلهم جنات النعيم(43).
قوله تعالى: ﴿رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ﴾ [محمد: 20]: هو تعبير لا تمكن محاكاته، ولا ترجمته إلى أي عبارة أخرى، وهو يرسم الخوف إلى حد الهلع، والضعف إلى حد الرعشة، والتخاذل إلى حد الغشية، ويبقى بعد ذلك متفردًا حافلًا بالظلال والحركة التي تشغف الخيال
وهي صورة خالدة لكل نفس خوارة لا تعتصم بإيمان، ولا بفطرة صادقة، ولا بحياء تتجمل به أمام الخطر، وهي طبيعة المرض والنفاق، وبينما هم في هذا التخاذل والتهافت والانهيار تمتد إليهم يد الإيمان بالزاد الذي يقوي العزائم، ويشد القوائم، لو تناولوه في إخلاص: ﴿فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٠ طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلۡأَمۡرُ فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ ٢١﴾ [محمد: 20-21].
نعم، أولى لهم من هذه الفضيحة، ومن هذا الخور، ومن هذا الهلع، ومن هذا النفاق، أولى لهم ﴿طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞۚ﴾ طاعة تستسلم لأمر الله عن طمأنينة، وتنهض بأمره عن ثقة، وقول معروف يشي بنظافة الحس واستقامة القلب، وطهارة الضمير، وأولى لهم إذا عزم الأمر، وجد الجد، وواجهوا الجهاد أن يصدقوا الله، يصدقوه عزيمة، ويصدقوه شعورًا، فيربط على قلوبهم، ويشد من عزائمهم، ويثبت أقدامهم، وييسر المشقة عليهم، ويهون الخطر الذي يتمثلونه غولا تفغر فاها لتلتهمهم
ويكتب لهم إحدى الحسنين: النجاة والنصر، أو الاستشهاد والجنة، هذا هو الأولى، وهذا هو الزاد الذي يقدمه الإيمان فيقوي العزائم ويشد القوائم، ويذهب بالفزع، ويحل محله الثبات والاطمئنان.
- التشكيك في الغيبيات.
من أعراض مرض الشبهات التي ذكرها القرآن الكريم التشكيك في الغيبيات.
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةٗۙ وَمَا جَعَلۡنَا عِدَّتَهُمۡ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسۡتَيۡقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَيَزۡدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰنٗاۙ وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۙ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡبَشَرِ ٣١﴾ [المدثر: 31].
أخبر الله سبحانه عن الحكمة التي جعل لأجلها عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر، فذكر سبحانه خمس حكم: فتنة الكافرين، فيكون ذلك زيادة في كفرهم وضلالهم، وقوة يقين أهل الكتاب، فيقوى يقينهم بموافقة الخبر بذلك لما عندهم عن أنبيائهم من غير تلق من رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، فتقوم الحجة على معاندهم، وينقاد للإيمان من يريد الله أن يهديه منهم، وزيادة الذين آمنوا بكمال تصديقهم بذلك والإقرار به، وانتفاء الريب عن أهل الكتاب لجزمهم بذلك، وعن المؤمنين لكمال تصديقهم به، وحيرة الكافر ومن في قلبه مرض، وعمى قلبه عن المراد بذلك، فيقول: ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ﴾ [البقرة: 26].
والمعنى: أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب، وأي معنى أراد في أن جعل الملائكة تسعة عشر لا عشرين، وغرضهم إنكاره أصلًا وأنه ليس من عند الله وأنه لو كان من عند الله لما جاء بهذا العدد الناقص، وهذه الآية من الإخبار بالغيب قبل الوقوع فهي من معجزاته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أعلم بإعلام الله إياه بأنه سيكون منافقون يرتابون في هذا القرآن ويشككون فيه، لأن هذه السورة مكية بالاتفاق ولا يوجد زمن نزولها منافقون، والنفاق ظهر بالمدينة.
ولهذا جاء الفعل بلفظ المستقبل، ﴿كَذَٰلِكَ﴾ مثلما أضل الله منكري عدد الخزنة ﴿يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ﴾ من غيرهم ممن اقتفى آثار الكفر وأعرض عن الإيمان ﴿وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ﴾ ممن آمن به وصدق رسله ﴿وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ الذين من جملتهم خزنة جهنم ﴿إِلَّا هُوَۚ﴾ وحده؛ لأن ملائكته لا يحصون، وهذا كالجواب للخبيث أبي جهل؛ لقوله: «ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر» أي: له أعوان كثيرون لا يعلمهم إلا الله، فكما أن مقدراته غير متناهية فكذلك جنوده، وإن الواحد منهم كاف لخراب الدنيا بما فيها (44).
ثانيًا: الوقاية منه:
إن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هما السبيل الوحيد للوقاية من مرض الشبهات وغيرها من الأمراض، وذلك أنهما يوضحان جميع الشبهات وينبهان عليها ويفضحان أصحابها، ويحذران المؤمنين من خطر الوقوع فيها، ويعملان على الوقاية منها قبل وقوعها.
قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا ٨٢﴾ [الإسراء: 82].
أي: وننزل عليك أيها الرسول من القرآن ما به يستشفى من الجهل والضلالة، وتزول أمراض الشدة والنفاق، والزيغ والإلحاد، وهو أيضا رحمة للمؤمنين الذين يعملون بما فيه من الفرائض، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه، فيدخلون الجنة، وينجون من العذاب، والشفاء: أن تعالج داءً موجودًا لتبرأ منه، والرحمة: أن تتخذ من أسباب الوقاية ما يضمن لك عدم معاودة المرض مرة أخرى.
فالرحمة وقاية، والشفاء علاج، إذن ففي القرآن شفاء ورحمة، أي: وقاية وعلاج، والذي يلتزم بمنهج القرآن لا تصيبه الداءات الاجتماعية والنفسية أبدًا، والذي تغفل نفسه وتشرد منه يصاب بالداء الاجتماعي والنفسي، فإن عاد إلى منهج القرآن فهو يشفى من أي داء.
وما دام القرآن كذلك فمن عمل بمنهجه فإنه يقيه كل أمراض النفاق والشبهات والأهواء التي تصيب القلوب، وفيه الثواب العظيم من الله تعالى، الثواب الخالد في نعيم دائم ﴿وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا﴾لأنهم كلما سمعوا آية منه ازدادوا بعدًا عن الإيمان وازدادوا كفرًا بالله؛ لأنه قد طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون، كما قال سبحانه: ﴿قُلۡ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدٗى وَشِفَآءٞۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٞ وَهُوَ عَلَيۡهِمۡ عَمًىۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ﴾ [فصلت: 44].
وقال جل في علاه: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ١٢٤ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ١٢٥﴾ [التوبة: 124-125](45).
ثالثًا: عاقبته:
إن مرض الشبهات من أخطر الأمراض التي تصيب القلوب ويعسر علاجها، إلا من يتغمده الله تعالى برحمته ولطفه، وقد نبه الله تعالى على عاقبة هذا المرض بقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ١٠﴾ [البقرة: 10].
ومرض القلب: هو نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره وإرادته، فتصوره بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق أو يراه على خلاف ما هو عليه، وإرادته بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار، وصحته أن يكون عارفًا بالحق محبًا له مؤثرًا له على غيره.
فهو في ازدياد مستمر حتى يدمر صاحبه، إذ لولا تدنس فطرتهم لازدادوا بما من الله تعالى به على المؤمنين شفاء، وإنما عدى سبحانه الزيادة إليهم لا إلى القلوب فلم يقل فزادها إما ارتكابا لحذف المضاف- أي: فزاد الله قلوبهم مرضا- أو إشارة إلى أن مرض القلب مرض لسائر الجسد، أو رمزًا إلى أن القلب هو النفس الناطقة ولولاها ما كان الإنسان إنسانًا، وإعادة مرض منكرا لكونه مغايرا للأول ضرورة أن المزيد يغاير المزيد عليه(46).
ومعنى قوله سبحانه: ﴿فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ﴾ أي: إن تلك الأخلاق الذميمة الناشئة عن النفاق والملازمة له كانت تتزايد فيهم بتزايد الأيام؛ لأن من شأن الأخلاق إذا تمكنت أن تتزايد بتزايد الأيام حتى تصير ملكات، وإنما كان النفاق موجبًا لازدياد ما يقارنه من سيئ الأخلاق؛ لأن النفاق يستر الأخلاق الذميمة فتكون محجوبة عن الناصحين والمربين والمرشدين، وبذلك تتأصل وتتوالد إلى غير حد، فالنفاق في كتمه مساوئ الأخلاق بمنزلة كتم المريض داءه عن الطبيب(47).
والمراد بقوله جل جلاله: ﴿فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ﴾ الإخبار بأنهم كذلك بما يتجدد لرسول الله صلى الله عليه وسلم من النعم، ويتكرر له من منن الله الدنيوية والدينية، وإنما أسندت زيادة مرض قلوبهم إلى الله تعالى مع أن زيادة هاته الأمراض القلبية من ذاتها؛ لأن الله تعالى لما خلق هذا التولد وأسبابه، وكان أمرًا خفيًا نبه الناس على خطر الاسترسال في النوايا الخبيثة والأعمال المنكرة، وأنه من شأنه أن يزيد تلك النوايا تمكنًا من القلب فيعسر أو يتعذر الإقلاع عنها بعد تمكنها، وأسندت تلك الزيادة إلى اسمه تعالى؛ لأن الله تعالى غضب عليهم فأهملهم وشأنهم، ولم يتداركهم بلطفه الذي يوقظهم من غفلاتهم؛ لينبه المسلمين إلى خطر أمرها وأنها مما يعسر إقلاع أصحابها عنها؛ ليكون حذرهم من معاملتهم أشد ما يمكن، والأليم: المؤلم، أي: الموجع، و «ما» في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ﴾ مصدرية أي: بتكذيبهم للرسل(48).
كما أخبر الله تعالى المنافقين والمرضى والمرجفين أنهم إذا لم ينتهوا عن أعمالهم الخبيثة والقبيحة بعد أن فضحهم وأنذرهم، فإن عاقبة ذلك عليهم سيكون طردهم من المدينة، وإهدار دمائهم، وقتلهم بلا هوادة ولا رحمة ولا تسامح.
قال جل في علاه: ﴿۞ لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠ مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا ٦١ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٦٢﴾ [الأحزاب: 60-62].
أمر بتطهير البيئة المسلمة من الأخلاق التي تلوث المجتمع المسلم، فمعنى ﴿لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ﴾ أي: نسلطك عليهم، ونغريك بمواجهتهم والتصدي لهم، فكأن هذه المواجهة صارت أمرًا محبوبًا يغرى به؛ لأنها ستكون جزاء ما فزعوك وأقلقوك، ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ أي: في المدينة، وكلمة: ﴿إِلَّا قَلِيلٗا﴾ يمكن أن يكون المعنى: قليل منهم، أو قليل من الزمن ريثما يجدوا لهم مكانًا آخر، يرحلون إليه مشيعين بلعنة الله.
﴿مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا﴾ والملعون: المطرود من رحمة الله، أو مطرودون من المدينة بعد أن كشف الله دخائل نفوسهم الخبيثة، وهو مستعمل هنا كناية عن الإهانة والتجنب في المدينة، أي: يعاملهم المسلمون بتجنبهم عن مخالطتهم، ويبتعدون هم من المؤمنين اتقاء ووجلا فتضمن أن يكونوا متوارين مختفين؛ خوفا من بطش المؤمنين بهم حيث أغراهم النبي صلى الله عليه وسلم.
ففي قوله: ﴿مَّلۡعُونِينَۖ﴾ إيجاز بديع؛ لذلك طردهم رسول الله من المسجد؛ لأنهم كانوا من خبثهم ولؤمهم يدخلون المسجد، بل ويصلون في الصف الأول، يظنون أن ذلك يستر نفاقهم، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطردهم بالاسم: يا فلان، يا فلان، فكان صلى الله عليه وسلم يعرفهم، ولم لا وقد قال الله تعالى له: ﴿وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٠﴾ [محمد: 30](49).
ومعنى ﴿أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ﴾ أي: وجدوا ﴿أُخِذُواْ﴾ أي: أسروا ﴿وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا﴾ولاحظ المبالغة في قوله: ﴿وَقُتِّلُواْ﴾ والتوكيد في قوله: ﴿تَقۡتِيلٗا﴾ يعني: اقتلوهم بعنف، ولا تأخذكم فيهم رحمة جزاء ما ارتكبوه في حق الإسلام والمسلمين؛ ولأن المنافق الذي طبع على النفاق صارت طبيعته مسمومة ملوثة لا تصفو أبدًا، فالنفاق في دمه يلازمه أينما ذهب، ولا بد أن ينتهي أمره إلى الطرد من أي مكان يحل فيه.
وبهذا الوعيد انكف المنافقون عن أذاة المسلمين وعن الإرجاف فلم يقع التقتيل فيهم، إذ لم يحفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل منهم أحدًا، ولا أنهم خرج منهم أحد، وهذه الآية ترشد إلى تقديم إصلاح الفاسد من الأمة على قطعه منها؛ لأن إصلاح الفاسد يكسب الأمة فردًا صالحًا، أو طائفة صالحة تنتفع الأمة منها.
وفيها الأمر بتأديب هذه الفئات إذا لم تنته عن أذاها وإرجافها بعد الإنذار، وهو الطرد وإهدار الدم والقتل دون هوادة وتسامح، وحكمها عام شامل ومستمر، وموكول لأولي الأمر في المسلمين، حيث توجب عليهم سلوك سبيل الشدة في القمع والتنكيل مع من لم يرتدع عن موقف الأذى والدس والإرجاف؛ لسلامة المجتمع وطمأنينته (50).
مرض الشهوات
سنتناول في هذا العنوان أعراضه، والوقاية منه، وعاقبته، وذلك فيما يلي:
أولًا: أعراضه:
تظهر أعراض مرض الشهوات من خلال النقاط الآتية:
- الاستجابة لأدنى مثير.
من أعراض مرض الشهوات التي ذكرها القرآن الكريم الاستجابة لأدنى مثير.
قال تعالى: ﴿فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا﴾ [الأحزاب: 32].
يخبر القرآن الكريم أن مريض الشهوة وإرادة الفجور، يؤثر فيه أقل شيء من أسباب الافتنان ويوقعه في الفتنة طمعًا أو فعلًا، فكل من أراد شيئًا من معاصي الله فقلبه مريض مرض شهوة، ولو كان صحيحًا لاتصف بصفات الأذكياء الأبرياء الأتقياء الموصوفين بقوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ﴾ [الحجرات: 7-8](51).
وقوله تعالى: ﴿فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ﴾ أي: مرض شهوة الزنا والفجور، والمعنى: لا تقلن قولًا يجد به منافق أو فاجر سبيلًا إلى الطمع في موافقتكن به، فإنه مستعد ينظر أدنى محرك يحركه؛ لأن قلبه غير صحيح، فإن القلب الصحيح، ليس فيه شهوة لما حرم الله، فإن ذلك لا تكاد تميله ولا تحركه الأسباب؛ لصحة قلبه، وسلامته من المرض، بخلاف مريض القلب الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه، فأدنى سبب يوجد يدعوه إلى الحرام يجيب دعوته، ولا يتعاصى عليه، ﴿وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا﴾ ملؤه الأدب والوقار حسنا في معناه، خشنا في مبناه، مقتصرًا على الجواب الكافي؛ لأن الزيادة ممنوعة كما أن اللين ممنوع، وإنما أمرهن الله بهذا؛ لئلا ينسبن لقلة الأدب وهن منبعه وعنهن يؤخذ(52).
- إشاعة الفاحشة.
من أعراض مرض الشهوات التي ذكرها القرآن الكريم إشاعة الفاحشة.
قال تعالى: ﴿۞ لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠ مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا ٦١﴾ [الأحزاب: 60-61].
يخبر تعالى المنافقين ﴿وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ وهم أصحاب الشهوة الزناة الذين يتبعون النساء ويتعرضون لهن، ﴿وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ﴾ الذين كانوا ينشرون أخبار السوء عن المؤمنين، وقال الكلبي: كانوا يحبون أن يفشوا الأخبار، وأن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ﴿لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ﴾ أي: لنأمرنك بإخراجهم من المدينة أو بقتالهم ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ﴾ أي: لا يساكنون معك في المدينة وتخلو المدينة منهم بالإخراج أو بالموت ﴿إِلَّا قَلِيلٗا﴾ أي: إلا زمانًا يسيرًا(53).
ثانيًا: الوقاية منه:
وللوقاية من مرض الشهوات أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم: بأن يأمر نساءه وبناته ونساء المؤمنين بفعل ما يدفع الإيذاء عنهن في الجملة، من التستر والتميز بالزي واللباس؛ حتى يبتعدن عن الأذى بقدر المستطاع.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٩﴾ [الأحزاب: 59].
روي أنه لما كانت الحرائر والإماء في المدينة يخرجن ليلًا لقضاء الحاجة في الغيطان وبين النخيل بلا فارق بين الحرائر والإماء، وكان في المدينة فساق يتعرضون للإماء وربما تعرضوا للحرائر، فإذا كلموا في ذلك قالوا: حسبناهن إماء، فطلب من رسوله أن يأمر الحرائر أن يخالفن الإماء في الزي والتستر، لِيتَمايَزْنَ ويُهَبْنَ، فلا يطمع فيهن طامع، كما نهاهن عن الخضوع بالقول عند مخاطبة الرجال الأجانب، وأمرهن بملازمة البيوت، ونهاهن عن التبرج عند الخروج من البيوت لحاجة تستدعي ذلك.
وهي تعليمات تؤدي إلى الوقاية من وقوع الفتنة، وما خالفتها النساء في مجتمع إلا فشت فيه الفاحشة.
وأرشدهن بعد ذلك إلى ملازمة القول المعروف عند مخاطبة الرجال الأجانب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبين سبحانه أن ذلك الترك لما نهى عنه، والفعل لما أمر به سبب لذهاب الرجس عنهن.
قال سبحانه: ﴿يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ مِّنَ ٱلنِّسَآءِۚ إِنِ ٱتَّقَيۡتُنَّ فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٣٢ وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا ٣٣﴾ [الأحزاب: 32-33](54).
إن على المسلمة إذا خرجت من بيتها لحاجة أن تسدل عليها ملابسها، بحيث تغطي الجسم والرأس، ولا تبدى شيئًا من مواضع الفتنة كالرأس والصدر والذراعين ونحوها.
قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ﴾ [الأحزاب: 59] أي: ذلك التستر أقرب لمعرفتهن بالعفة فلا يتعرض لهن، ولا يلقين مكروها من أهل الريبة؛ احترامًا لهن منهم، فإن المتبرجة مطموع فيها، منظور إليها نظرة سخرية واستهزاء، كما هو مشاهد في كل عصر ومصر، ولا سيما في هذا العصر الذي انتشرت فيه الخلاعة، وكثر الفسق والفجور(55).
ثالثًا: عاقبته:
لقد حذر الله تعالى مرضى الشهوات بخطورة هذا المرض عليهم وعلى المجتمع الذي يعيشون فيه، وأنذر فئات المنافقين ومرضى القلوب والمرجفين في المدينة بأنهم إذا لم ينتهوا عما يبثونه من وساوس ودسائس ويوقعونه من أذى وقلاقل، فإن الله يغري نبيه بهم ويسلطه عليهم ويقدره على طردهم من المدينة مدموغين بدمغة اللعنة مهدوري الدم؛ ليقتلوا قتلا ذريعا بدون هوادة واستثناء وتساهل أينما وجدوا، وهذه هي سنة الله فيمن مضى من أمثالهم من الأمم وهي السنة التي لا تتبدل في حال.
قال تعالى:﴿۞ لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠ مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا ٦١ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٦٢﴾ [الأحزاب: 60-62].
فهؤلاء المنكوسين مطرودين من باب الله ومن باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومطرودين من أبواب المسلمين، تلاحقهم المذلة في كل مكان جزاء على حرصهم القبيح وحقدهم الدفين ونواياهم الخبيثة في زعزعة المجتمع المسلم وبث روح الانهزام فيه، وهذه هي السنة الجارية على مثل هؤلاء بلا رحمة ولا هوادة ولا تغيير ولا تبديل؛ لابتنائها على الحكمة والمصلحة، ولا يقدر غيره على تغييرها(56).
وقوله تعالى: ﴿۞ لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠﴾ [الأحزاب: 60].
فكل وصف من هذه الأوصاف خطر على المجتمع الإسلامي، سواء إبطان الكفر، أو الفسوق والعصيان، وتتبع النساء للاطلاع على عوراتهن والإساءة لهن بالقول القبيح والفعل الشنيع، أو إشاعة الأكاذيب المغرضة التي تنشر القلق والخوف والاضطراب، وتضعف من معنويات الجماعة، مما يسهل هزيمتهم، وانتصار الأعداء عليهم(57).
مرض الأبدان
تحدث القرآن الكريم عن الأمراض البدنية في النقاط الآتية:
أولًا: ابتلاء:
أخبر الله تعالى عباده المؤمنين أنه مبتليهم ومختبرهم بشيء من الخوف والجوع ونقص في الأموال والأنفس؛ ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه.
قال تعالى: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٥﴾ [البقرة: 155].
بينت الآية أن الدنيا دار بلاء؛ ليعلم المسلمين أن تمام النعمة ومنزلة الكرامة عند الله لا يحول بينهم وبين لحاق المصائب الدنيوية المرتبطة بأسبابها، وأن تلك المصائب مظهر لثباتهم على الإيمان، ومحبة الله تعالى والتسليم لقضائه، فينالون بذلك بهجة نفوسهم بما أصابهم في مرضاة الله ويزدادون به رفعة وزكاء، ويزدادون يقينًا بأن اتباعهم لهذا الدين لم يكن لنوال حظوظ في الدنيا، ويَنْجَرُّ لهم من ذلك ثواب؛ ولذلك جاء بعده ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ فمن صبر فله الثواب ومن جزع فله العقاب، ومن أنواع الابتلاء والاختبار ﴿ٱلۡخَوۡفِ﴾ وهو الخوف الذي أصابهم يوم الخندق، حتى بلغت القلوب الحناجر ﴿وَٱلۡجُوعِ﴾وهو القحط الذي أصابهم، فكان يمضي على أحدهم أيامًا لا يجد طعامًا ﴿وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ﴾ يعني: ذهاب أموالهم، ويقال: موت الماشية ﴿وَٱلۡأَنفُسِ﴾ يعني: الموت والقتل والأمراض في البدن، ﴿وَٱلثَّمَرَٰتِۗ﴾، يعني الجوائح، وأن لا تخرج الثمرة كما كانت تخرج، ثم ختم الآية بتبشير الصابرين؛ ليدل على أن من صبر على هذه المصائب كان على وعد الثواب من الله تعالى(58).
قال الخازن: «فإن قلت: ما الحكمة في تقديم تعريف هذا الابتلاء في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم﴾؟ قلت: فيه حكم:
منها: أن العبد إذا علم أنه مبتلى بشيء وطن نفسه على الصبر، فإذا نزل به ذلك البلاء لم يجزع.
ومنها: أن الكفار إذا شاهدوا المؤمنين مقيمين على دينهم، ثابتين عند نزول البلاء، صابرين له، علموا بذلك صحة الدين، فيدعوهم ذلك إلى متابعته والدخول فيه.
ومنها: أن الله تعالى أخبر بهذا الابتلاء قبل وقوعه، فإذا وقع كان ذلك إخبارًا عن غيب فيكون معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها: أن المنافقين إنما أظهروا الإيمان طمعًا في المال وسعة الرزق من الغنائم، فلما أخبر الله أنه مبتلى عباده فعند ذلك تميز المؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب.
ومنها: أن الإنسان في حال الابتلاء أشد إخلاصا لله منه في حال الرخاء، فإذا علم أنه مبتلى دام على التضرع والابتهال إلى الله تعالى؛ لينجيه مما عسى أن ينزل به من البلاء»(59).
ولا بد من تربية النفوس بالبلاء؛ ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف والشدائد، وبالجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، لا بد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة؛ كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف، والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى.
فالتكاليف هنا هي الثمن النفسي الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعز في نفوس الآخرين، وكلما تألموا في سبيلها، وكلما بذلوا من أجلها كانت أعز عليهم وكانوا أضن بها، كذلك لن يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها بها وصبرهم على بلائها، إنهم عندئذ سيقولون في أنفسهم: لو لم يكن ما عند هؤلاء من العقيدة خيرًا مما يبتلون به وأكبر ما قبلوا هذا البلاء، ولا صبروا عليه، وعندئذ ينقلب المعارضون للعقيدة باحثين عنها، مقدرين لها، مندفعين إليها، وعندئذ يجيء نصر الله والفتح ويدخل الناس في دين الله أفواجًا.
ولا بد من البلاء كذلك؛ ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى، فالشدائد تستجيش مكنون القوى، ومذخور الطاقة، وتفتح في القلب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا تحت مطارق الشدائد، والقيم والموازين والتصورات ما كانت لتصح وتدق وتستقيم إلا في جو المحنة التي تزيل الغبش عن العيون، والران عن القلوب.
وأهم من هذا كله، أو القاعدة لهذا كله، الالتجاء إلى الله وحده حين تهتز الأَسْنَادُ كلها، وتتوارى الأوهام وهي شتى، ويخلو القلب إلى الله وحده، لا يجد سندًا إلا سنده، وفي هذه اللحظة فقط تنجلي الغشاوات، وتتفتح البصيرة، وينجلي الأفق على مد البصر، لا شيء إلا الله، لا قوة إلا قوته، لا حول إلا حوله، لا إرادة إلا إرادته، لا ملجأ إلا إليه، وعندئذ تلتقي الروح بالحقيقة الواحدة التي يقوم عليها تصور صحيح.
ثانيًا: التخفيف والتيسير في الأحكام الشرعية:
ذكر القرآن الكريم أن الأمراض البدنية سبب من أسباب التخفيف والتيسير في الأحكام الشرعية.
قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ﴾ [البقرة: 184]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ﴾ [البقرة: 196]، وقوله جل وعلا: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا﴾ [النساء: 43].
بينت الآيات أن الفطر مباح للمريض؛ لعذر المرض، والمسافر؛ طلبا لحفظ صحته وقوته؛ لئلا يذهبه الصوم في السفر، لاجتماع شدة الحركة وما يوجبه من التحليل وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل، فتخور القوة وتضعف، فأباح للمسافر الفطر حفظا لصحته وقوته عما يضعفها، وللمريض حالتان: إن كان لا يطيق الصوم كان الإفطار عزيمة، وإن كان يطيقه مع تضرر ومشقة كان رخصة، وبهذا قال الجمهور، وأباح للمريض ومن به أذى من رأسه من قمل أو حكة أو غيرهما، أن يحلق رأسه في الإحرام(60).
والسفر المبيح للإفطار عند الجمهور: هو مسافة قصر الصلاة الرباعية، وقدره ستة عشر فرسخًا أو ثمانية وأربعون ميلًا هاشمية، أو مسيرة يومين معتدلين أو مرحلتين بسير الأثقال ودبيب الأقدام، والبحر كالبر، وقدروها بحوالي (89) كم، وعند الحنفية: هو قدر ثلاث مراحل أو أربع وعشرين فرسخًا، أو مسيرة ثلاثة أيام سيرًا وسطًا، وهو سير الإبل، والأقدام في البر، وسير السفن الشراعية في البحر، ويكتفون بسير معظم اليوم، وقدروه ب (96) كم.
والحق أن ما صدق عليه مسمى السفر فهو الذي يباح عنده الفطر، وهكذا ما صدق عليه مسمى المرض فهو الذي يباح عنده الإفطار، وقد وقع الإجماع على الفطر في سفر الطاعة واختلفوا في الأسفار المباحة- والحق أن الرخصة ثابتة فيها- وكذا اختلفوا في سفر المعصية وليس في الآية أعني قوله: ﴿فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ﴾ ما يدل على وجوب التتابع في القضاء(61).
وقوله سبحانه: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ﴾ المراد مرض يقتضي الحلق سواء كان المرض بالجسد أم بالرأس، وقوله جل وعلا: ﴿أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ﴾ كناية عن الوسخ الشديد والقمل؛ لكراهية التصريح بالقمل، وكلمة (من) للابتداء، أي: أذى ناشئ عن رأسه، وقد بينت السنة ما أطلق هنا من الصيام والصدقة والنسك.
فعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: (كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي، فقال: (ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة) ؟ قلت: لا. فنزلت الآية: ﴿فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ﴾ قال: (هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين نصف صاع طعامًا لكل مسكين)(62)(63).
الشفاء من الأمراض
سيشتمل هذا العنوان على حكمة إسناد الشفاء إلى الله تعالى، وأدوية قرآنية، وذلك خلال ما يلي:
أولًا: حكمة إسناد الشفاء إلى الله تعالى:
أسند الشفاء إلى الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ ٨٠﴾ [الشعراء: 80] لسببين هما:
الأول: لو جاء والذي يطعمني ويسقين، وإذا مرضت يشفين؛ لكان معلومًا أن مراده الله تعالى، وذكر «هو» توكيدًا لمعنى الكلام، وتخصيص الفعل به دون غيره، واحتاج ذكر الإطعام والشفاء إلى هذا التوكيد؛ لأنهما مما يدعي الخلق فعله، فيقال: فلان يطعم فلانًا، والطبيب يداوي، ويسبب الشفاء، فكانت إضافة هذين الفعلين إلى الله تعالى محتاجة إلى لفظ التوكيد؛ لما يتوهم من إضافته إلى المخلوق إلى ما لا يحتاج إليه(64).
الثاني: لأنه كان في معرض الثناء على الله تعالى وتعديد نعمه، فأضاف إليه الخير المحض حفظًا للأدب وإن كان الكل مضافً إليه، ونظيره قول الخضر عليه الصلاة والسلام: ﴿فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: 79] وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: 82](65).
ثانيًا: أدوية قرآنية:
- القرآن.
إن القرآن الكريم شفاء ورحمة.
قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا ٨٢﴾ [الإسراء: 82].
أي: يستشفى به من الجهل والضلالة، ويذهب ما في القلوب من الأمراض من الشك والنفاق والشرك والزيغ والميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله، وهو أيضًا رحمة يحصل فيها الإيمان، والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدًا وكفرًا، والآفة من الكافر لا من القرآن، والشفاء: أن تعالج داءً موجودًا لتبرأ منه، والرحمة: أن تتخذ من أسباب الوقاية ما يضمن لك عدم معاودة المرض مرة أخرى، فالرحمة وقاية، والشفاء علاج، وما دام القرآن كذلك فمن عمل بمنهجه فإنه يقيه كل أمراض النفاق والشبهات والأهواء التي تصيب القلوب، وفيه الثواب العظيم من الله تعالى، الثواب الخالد في نعيم دائم(66).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا﴾ لأنهم كلما سمعوا آية منه ازدادوا بعدًا عن الإيمان وازدادوا كفرا بالله؛ لأنه قد طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون، كما قال سبحانه: ﴿قُلۡ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدٗى وَشِفَآءٞۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٞ وَهُوَ عَلَيۡهِمۡ عَمًىۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ﴾ [فصلت: 44].
وقال جل وعلا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٧﴾ [يونس: 57].
أي: دواء للقلوب من أمراضها التي هي أشد من أمراض الأبدان، كالشك والنفاق والحسد والحقد وأمثال ذلك، بتعليم الحقائق والحكم الموجبة لليقين، والتصفية والتهيء لتجليات الصفات الحقة ﴿وَهُدٗى﴾ لأرواحكم إلى الشهود الذاتي ﴿وَرَحۡمَةٞ﴾ بإفاضة الكمالات اللائقة بكل مقام من المقامات الثلاثة بعد حصول الاستعداد في مقام النفس بالموعظة، ومقام القلب بالتصفية، ومقام الروح بالهداية للمؤمنين بالتصديق أولًا، ثم باليقين ثانيًا، ثم بالعيان ثالثًا.
وذكر بعضهم الموعظة للمريدين، والشفاء للمحبين، والهدى للعارفين، والرحمة للمستأنسين، والكل مؤمنون إلا أن مراتب الإيمان متفاوتة، والخطاب في الآية لهم، وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر، ويقال: إنه سبحانه بدأ بالموعظة لمريض حبه؛ لأنها معجون لإسهال شهواته، فإذا تطهر عن ذلك يسقيه شراب ألطافه، فيكون ذلك شفاء له مما به، فإذا شفي يغذيه بهدايته إلى نفسه، فإذا كمل بصحبته يطهره بمياه رحمته من وسخ المرض ودرن الامتحان.
ووصف الله تعالى القرآن بأنه شفاء ولم يصفه بأنه دواء؛ لأن الشفاء هو ثمرة الدواء والهدف منه، أما الدواء فقد يفيد وقد يضر فكان وصف القرآن بأنه شفاء تأكيد، وأي تأكيد لثمرة التداوي به(67).
وجاء من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها)(68).
قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَۙ﴾ [الإسراء: 82].
وفي القرآن شفاء، وفي القرآن رحمة، لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان، فأشرقت وتفتحت لتلقي ما في القرآن من روح وطمأنينة وأمان، في القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة، فهو يصل القلب بالله، فيسكن ويطمئن ويستشعر الحماية والأمن ويرضى، فيستروح الرضا من الله والرضا عن الحياة، والقلق مرض، والحيرة نصب، والوسوسة داء، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
وفي القرآن شفاء من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزغات الشيطان، وهي من آفات القلب تصيبه بالمرض والضعف والتعب، وتدفع به إلى التحطم والبلى والانهيار، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
وفي القرآن شفاء من الاتجاهات المختلة في الشعور والتفكير، فهو يعصم العقل من الشطط، ويطلق له الحرية في مجالاته المثمرة، ويكفه عن إنفاق طاقته فيما لا يجدي، ويأخذه بمنهج سليم مضبوط، يجعل نشاطه منتجًا ومأمونًا، ويعصمه من الشطط والزلل.
وكذلك هو في عالم الجسد ينفق طاقاته في اعتدال بلا كبت ولا شطط، فيحفظه سليمًا معافى، ويدخر طاقاته للإنتاج المثمر، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين، وفي القرآن شفاء من العلل الاجتماعية التي تخلخل بناء الجماعات، وتذهب بسلامتها وأمنها وطمأنينتها، فتعيش الجماعة في ظل نظامه الاجتماعي وعدالته الشاملة في سلامة وأمن وطمأنينة، ومن ثم هو رحمة للمؤمنين.
- العسل.
ذكر القرآن الكريم الدواء في العسل، قوله تعالى: ﴿وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ ٦٨ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٦٩﴾ [النحل: 68-69].
بينت الآية أن العسل فيه شفاء للناس؛ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة، وقل معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل، وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض، كما أن كل دواء كذلك، وتنكيره إما لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء، وكلاهما محتمل.
وعن أبي سعيد رضي الله عنه: (أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: (اسقه عسلًا) ثم أتى الثانية، فقال: (اسقه عسلًا) ثم أتاه الثالثة فقال: (اسقه عسلًا) ثم أتاه فقال: قد فعلت؟ فقال: (صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا) فسقاه فبرأ(69) (70).
أثر انتشار الأمراض في المجتمع
لم يقتصر سوء خلق المنافقين على أنفسهم وتكوينهم القبيح، وإنما تعدى ضررهم وقبح أخلاقهم إلى المجتمع، بقصد هدم بنيته وتقويض وجوده من طريق ترويج الرذيلة والمنكر، ومحاربة الفضيلة والمعروف.
قال الله تعالى مبينًا تحركات المنافقين في هدم القيم الإنسانية: ﴿ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۗ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٦٧ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٦٨ كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٩﴾ [التوبة: 67-69].
ومطلع الآيات إخبار وحكم من الله تعالى بأن المنافقين والمنافقات بعضهم يشبه بعضًا في الحكم والمنزلة من الكفر، وفي صفة النفاق والبعد عن الإيمان، وفي الأخلاق والأعمال، فهم سلالة خبيثة يأمرون بهدم قيم المجتمع، يأمرون الناس بالمنكر: وهو ما أنكره الشرع ونهى عنه، واستقبحه العقل السليم والعرف الصحيح، كالكذب والخيانة ونقض العهد وخلف الوعد.
وينهون الناس عن المعروف: وهو كل ما أمر به الشرع وأقره العقل والطبع السليمان كالجهاد وبذل المال في سبيل الله، وأهل النفاق أيضا قوم بخلاء، يقبضون أيديهم عن الإنفاق لمصلحة عامة أو عن الجهاد، وعن كل ما يرضي الله، ونسوا ذكر الله، وأغفلوا تكاليف الشرع، مما أمر الله به ونهى عنه، فنسيهم الله، أي: جازاهم بمثل فعلهم، وعاملهم معاملة المنسيين، بحرمانهم من لطفه ورحمته، والنفاق أقتل داء يصيب المجتمع الإنساني، فإذا تفشى هذا الداء الخبيث في جماعة من الجماعات فسد وجودها، وضل سعيها، وغشيتها أمواج الفتن، واشتملت عليها عواصف العداوة والبغضاء!
وماذا يرجى من جماعة تتعامل فيما بينها بالرياء والنفاق، فيضيع في محيطها المفهوم الحقيقي للغة، وتصبح الكلمات لديها عملة زائفة، يتداولها الناس كما يتداولون الأشياء المسروقة؟
وواجب الفرد المسلم تجاه كل هذا أن يتحمل مسؤوليته بالعمل على إصلاح المجتمع، وإزالة الفساد منه على قدر طاقته ووسعه مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٧١ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٧٢﴾ [التوبة: 71-72].
المؤمنون نقيض المنافقين يأمرون بالمعروف الذي أقره الشرع، وهو عبادة الله وتوحيده وتوابع ذلك، لا بالمنكر الذي نهى عنه الشرع، وينهون عن المنكر الذي يفسد ويضر، ويمزق ويفرق بين الأخ وأخيه، وهو عبادة الأوثان وتوابعها، ويقيمون الصلوات الخمس المفروضة على الوجه الأكمل بقلوب خاشعة، وعقول واعية، وأفئدة ذاكرة، ويؤتون الزكاة الواجبة مع التطوع بالصدقات والنوافل لتحسين أوضاع المجتمع وترقية أحواله، ويطيعون الله ورسوله في جميع المأمورات والمندوبات.
أولئك الموصوفون بهذه الصفات الجليلة، ستغمرهم رحمة الله وفضله في الدنيا والآخرة، والتعبير بالسين في قوله تعالى: ﴿سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ﴾، إعداد النفوس للتهيؤ والتنعم برجاء الله والثقة بوعده وفضله، ووعد الله ناجز، والله متكفل بإنجازه، والله قوي لا يغلب، ولا يمتنع عليه شيء من وعد ولا وعيد، حكيم يضع الأمور في موضعها المناسب على وفق العدل والحكمة والصواب(71).
إن المنافقين قوم برزوا في إظهار مرض القلب الذي ينشأ عنه كل إثم وفسوق وعصيان، وخاصة تتبع النساء والتعرض لهن بالسوء، وإغرائهن على الفاحشة، وفيهم قوم برزوا في الإرجاف وإذاعة السوء، وإذاعة الأكاذيب التي تفت في عضد الجماعة، وتقتل فيهم روح الإقدام، وكانوا ينتهزون فرص الحرب والقتال، فيذيعون كل ضار ومفسد(72).
وقوله تعالى: ﴿۞ لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠﴾ [الأحزاب: 60].
فكل وصف من هذه الأوصاف خطر على المجتمع الإسلامي، سواء إبطان الكفر، أو الفسوق والعصيان وتتبع النساء للاطلاع على عوراتهن، والإساءة لهن بالقول القبيح والفعل الشنيع، أو إشاعة الأكاذيب المغرضة التي تنشر القلق والخوف والاضطراب، وتضعف من معنويات الجماعة، مما يسهل هزيمتهم، وانتصار الأعداء عليهم(73).
ويلاحظ أيضًا أن الأوصاف الثلاثة: وهي النفاق، ومرض القلب، والإرجاف موجودة كلها في المنافقين، وهم خطر على الأمة في عقيدتها، وفي سلمها وحربها، فهم كالسوس ينخر في جسم الأمة، وهم في السلم جرثومة فتك وأداة تخريب وتفريق، وفي الحرب أداة إضعاف وإشاعة السوء، وزعزعة المقاتلين، وهم في الواقع عون للأعداء على المسلمين، مما يجب التخلص منهم، وعقابهم أشد العقاب.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا ١٤٥﴾ [النساء 145](74).
| موضوعات ذات صلة: |
| الضعف، النفاق، الوهن |
الحواشي
- انظر: الصحاح، الجوهري 3/1106، لسان العرب، ابن منظور 7/232، تاج العروس، الزبيدي 19/53. ↩
- مقاييس اللغة 5/311. ↩
- انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 765، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 4/493. ↩
- انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص664، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الميم ص1209. ↩
- انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص415، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 4/492-493، نزهة الأعين النواظر، ص545-546، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، 4/84-85. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 15/39، تاج العروس، الزبيدي 39/10. ↩
- انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 238. ↩
- انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 30/17. ↩
- انظر: مختار الصحاح، الرازي ص 332، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، الفيومي 2/646. ↩
- انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 334، تاج العروس، الزبيدي 1/478. ↩
- انظر: تاج العروس، الزبيدي 6/528، معجم لغة الفقهاء، رواس ص 271. ↩
- انظر: التعريفات، الجرجاني ص 132، مقاليد العلوم، السيوطي ص 175. ↩
- انظر: تاج العروس، الزبيدي 19/54. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 15/72، تاج العروس، الزبيدي 39/73. ↩
- انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/612. ↩
- انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 109. ↩
- انظر: مختار الصحاح، الرازي ص 167، لسان العرب، ابن منظور 14/436، تاج العروس، الزبيدي 38/382. ↩
- انظر: المفردات، الراغب ص 459، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 3/330، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 205. ↩
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 1/92، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 1/197، إيجاز البيان عن معاني القرآن، النيسابوري 1/395. ↩
- انظر: نظم الدرر، البقاعي 9/52. ↩
- انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ابن القيم 1/14، القواعد الحسان لتفسير القرآن، السعدي ص 94. ↩
- انظر: المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة ص 190. ↩
- انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي 3/118. ↩
- انظر: تفسير العز بن عبد السلام 2/573، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 663. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، الواحدي 3/469، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 663، بيان المعاني، العاني 5/474. ↩
- أخرجه البخاري معلقا، كتاب التيمم، باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت، أو خاف العطش، تيمم، 1/77، ووصله عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه، رقم 878، 1/226، وأحمد في مسنده، رقم 17812، 29/346.
قال الزيلعي في نصب الراية 1/157: والحاصل أن الحديث حسن أو صحيح.
وصححه الألباني في صحيح أبي داود، الأم 2/154. ↩ - انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 10/88، تفسير المراغي 6/64. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/313، نيل المرام من تفسير آيات الأحكام، صديق خان ص 176، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 180، التفسير القرآني للقرآن، الخطيب 3/800، تفسير آيات الأحكام، السايس ص 293. ↩
- انظر: تفسير ابن عرفة 2/534، محاسن التأويل، القاسمي 5/43. ↩
- انظر: زاد المعاد، ابن القيم 4/6، محاسن التأويل، القاسمي5 /43. ↩
- انظر: تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص 199، أحكام القرآن، الجصاص 3/432، تفسير آيات الأحكام، السايس ص 616. ↩
- المعجزة الكبرى القرآن ص 328. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 12/375، محاسن التأويل، القاسمي 4/163، المنار، محمد رشيد رضا 6/356. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 12/375، محاسن التأويل، القاسمي 4/163، المنار، محمد رشيد رضا 6/356. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي 4/13. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 15/493، لباب التأويل، الخازن 2/319، التحرير والتنوير، ابن عاشور 10/38. ↩
- انظر: محاسن التأويل، القاسمي 7/254، التحرير والتنوير، ابن عاشور 17/298. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/74، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 571، التحرير والتنوير، ابن عاشور 18/268، روح المعاني، الألوسي 9/387. ↩
- انظر: تفسير المراغي 18/122، التحرير والتنوير، ابن عاشور 18/268، 272، روح المعاني، الألوسي 9/387. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/388، تفسير المراغي 21/141، التحرير والتنوير، ابن عاشور 21/283. ↩
- انظر: تفسير السمرقندي 3/73، تفسير السمعاني 4/307، الكشاف، الزمخشري 3/561، التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/108، تفسير الشعراوي 19/12173. ↩
- انظر: التفسير الحديث، محمد عزت 7/420. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 5/301، المحرر الوجيز، ابن عطية 5/117، تفسير المراغي 26/65، التحرير والتنوير، ابن عاشور 26/106. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري 4/652، مدارك التنزيل، النسفي 3/566، بيان المعاني، العاني 1/110، إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ابن القيم 1/14. ↩
- انظر: تفسير المراغي 15/86، تفسير الشعراوي 6/3655. ↩
- انظر: روح المعاني، الألوسي 1/151. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/279. ↩
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 1/92، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 1/197، فتح القدير، الشوكاني 1/49، التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/279. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/110، تفسير الشعراوي 19/12177. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/110، تفسير الشعراوي 19/12177، التفسير الحديث، محمد عزت 7/421. ↩
- انظر: القواعد الحسان لتفسير القرآن، السعدي ص95. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، الواحدي 3/469، بيان المعاني، العاني 5/474، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 663. ↩
- انظر: الكشف والبيان، الثعلبي 8/64، النكت والعيون، الماوردي 4/424. ↩
- انظر: روح المعاني، الألوسي 11/263، تفسير آيات الأحكام، السايس ص 667. ↩
- انظر: تفسير المراغي 22/37. ↩
- انظر: تفسير المراغي 22/38، التفسير الحديث، محمد عزت 7/420. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي 22/112. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 3/219، تفسير السمرقندي 1/105، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب 1/517، التحرير والتنوير، ابن عاشور 2/54. ↩
- لباب التأويل 1/94. ↩
- انظر: فتح القدير، الشوكاني 1/207، محاسن التأويل، القاسمي 5/44، التحرير والتنوير، ابن عاشور 2/224، أضواء البيان، الشنقيطي 5/39، الإعجاز البياني للقرآن، بنت الشاطئ ص 578. ↩
- انظر: فتح القدير، الشوكاني 1/207، نيل المرام، محمد صديق ص 33، التفسير المنير، الزحيلي 2/136. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب الإطعام في الفدية نصف صاع، رقم 1816، 3/10، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى، ووجوب الفدية لحلقه، وبيان قدرها، رقم 1201، 2/861. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/498، فتح القدير، الشوكاني 1/207، محاسن التأويل، القاسمي 5/44، التحرير والتنوير، ابن عاشور 2/224، أضواء البيان، الشنقيطي 5/39، الإعجاز البياني للقرآن، بنت الشاطئ ص 578. ↩
- انظر: درة التنزيل وغرة التأويل، الخطيب الإسكافي 1/967، أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل، الرازي ص 373، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 1/347، بدائع الفوائد، ابن القيم 2/215، الزواجر عن اقتراف الكبائر، ابن حجر 1/178. ↩
- انظر: المصادر السابقة. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/112، تفسير المراغي 15/86، تفسير الشعراوي 14/8712. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/112، تفسير المراغي 15/86، تفسير الشعراوي 14/8712، روح المعاني، الألوسي 6/165، دراسات في علوم القرآن، فهد الرومي ص 59. ↩
- أخرجه البخاري رقم 5016، 6/190 كتاب فضائل القرآن، باب فضل المعوذات، ومسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب رقية المريض بالمعوذات والنفث، رقم 2192، 4/1723. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب الدواء بالعسل، رقم 5684، 7/123، ومسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب التداوي بسقي العسل، رقم 2217، 4/1736. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري 2/619، مدارك التنزيل، النسفي 2/222. ↩
- انظر: التفسير القرآني للقرآن، الخطيب 3/932، التفسير الوسيط، الزحيلي 1/884، 887. ↩
- انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي 3/118. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي 22/112. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي 3/2088. ↩
