مفهوم الوهن
أولًا: المعنى اللغوي
قال ابن فارس: «الواو والهاء والنون كلمتان تدل إحداهما على ضعف، والأخرى على زمان»(1). فالضعف نحو: وهن الشيء يهن وهنا: ضعف، والزمان الوهن والموهن: ساعة تمضي من الليل، وأوهن الرجل: صار أو سار في تلك الساعة.
ويطلق الوهن على ثلاثة معانٍ، هي: الضعف، وساعة من الليل، والفتور(2).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي
قال الخليل: «الوهن: الضعف في العمل، وفي الأشياء، وكذلك في العظم ونحوه»(3).
وقال الراغب الأصفهاني: «الوهن: ضعف من حيث الخلق، أو الخلق»(4).
وقال الفيومي: «وهن: ضعف، فهو واهن في الأمر والعمل والبدن»(5).
وقيل: «ضعف تماسك البدن أو الشيء من اشتماله على رخاوة، ولذهاب الصلابة منه»(6).
وقيل: «انكسار حد الشيء، بعد قوة متحققة أو ممكنة، مما يؤدي إلى عجزه»(7).
الوهن في الاستعمال القرآني
وردت مادة (وهن) في القرآن الكريم (8) مرات(8).
والصيغ التي وردت، هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| الفعل الماضي | 1 | ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي﴾ [مريم: 4] |
| الفعل المضارع | 3 | ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ﴾ [آل عمران: 139] |
| المصدر | 2 | ﴿حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ﴾ [لقمان: 14] |
| اسم فاعل | 1 | ﴿ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٨﴾ [الأنفال: 18] |
| اسم تفضيل | 1 | ﴿وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۖ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١﴾ [العنكبوت: 41] |
وجاء الوهن في القرآن على معناه اللغوي وهو: الضعف(9).
الألفاظ ذات الصلة
الضعف
الضعف لغةً
قال الجوهري: «الضعف خلاف القوة»(10).
الضعف اصطلاحًا
قال الراغب: «والضعف قد يكون في النفس، وفي البدن، وفي الحال»(11).
الصلة بين الوهن والضعف
قال أبو هلال العسكري: «الوهن هو أن يفعل الإنسان فعل الضعيف وهو قوي في نفسه، فهو من فعل الإنسان. أما الضعف فهو من فعل الله تعالى بالإنسان، كما أن القوة من فعله، تقول: خلقه الله ضعيفًا أو خلقه قويًا»(12).
وفرق بعضهم بينهما، فبين أن بينهما عمومًا وخصوصًا وجهيًا، فيجتمعان في الضعف إذا كان طارئًا، وينفرد الضعف في إطلاقه على الضعف الأصلي، وينفرد الوهن في صفات أخرى؛ إذ قد يكون الوهن جبنًا بعد شجاعة، أو فتورًا بعد عزيمة، أو توانيًا بعد همة، أو اختلالًا بعد إحكام إلخ(13).
القوة
القوة لغة
«القوة تدل على الشدة، وهي خلاف الضعف»(14).
القوة اصطلاحًا
تستعمل تارة في معنى القدرة، وتارة للتهيؤ الموجود في الشيء، قد يكون في البدن أو في القلب أو المعاون أو القدرة الإلهية(15). وأطلقت القوة في القرآن الكريم على خمسة معانٍ: الشدة والبطش، والأنصار والأعوان، والجد والاجتهاد، والسلاح، والقدرة والطاقة(16).
الصلة بين الوهن والقوة
الوهن: هو ضعف بعد قوة، فالعلاقة بينه وبين القوة علاقة تضاد.
وقيل: إن لفظ (القوة) هو المقابل التام للفظ (الوهن)، فالقوة: شدة، وجد، وشجاعة، وإحكام، واستطاعة. والوهن: ضعف، وفتور، وجبن، وخلل، وعجز(17).
الكسل
الكسل لغة
«الكسل أصلٌ يدل على التثاقل عن الشيء والقعود عن إتمامه»(18).
الكسل اصطلاحًا
«الفتور في الأفعال لسآمة أو كراهية»(19).
الصلة بين الوهن والكسل
الكسل هو فتور مع إمكان العزم والجد، وهو بهذا المعنى أخص من الوهن.
السنة
العزم لغة
«عزم على الشيء: عقد ضميره على فعله، وعزم عزيمة: اجتهد وجد في أمره»(20).
العزم اصطلاحًا
«العزم: عقد القلب على إمضاء الأمر»(21).
الصلة بين الوهن والعزم
العزم يقابل الفتور، والفتور هو أحد معاني الوهن، ومن ثم فالعلاقة بين الوهن والعزم التضاد في المعنى.
أنواع الوهن وأسبابه
يصنف (الوهن) في القرآن الكريم من حيث الشيء الواهن إلى ثلاثة أنواع: وهن الجسم، ووهن القلب، ووهن العمل. وفيما يأتي توضيح لها.
أولًا: وهن الجسم وأسبابه:
ورد لفظ (وهن) للدلالة على وهن الجسم، مرتين في القرآن الكريم: الأولى للدلالة على وهن العظم.
والأخرى للدلالة على وهن الحامل. وأما معنى الوهن وهو الدلالة على الضعف، فقد ورد في آيات عديدة كما في المرض أو مرحلة الشيخوخة.
تبين آيات الكتاب الكريم أن الجسم يصيبه الوهن إما بسبب الكبر، وإما بسبب العوارض الطارئة كالحمل والولادة.
- الوهن بسبب الكبر.
يعرض للجسم الوهن بسبب الكبر، فيرق عظمه، ويشيب رأسه، ويرتعش صوته، وتزداد مخاوفه(22).
وقد اجتمعت هذه المظاهر في نداء زكريا عليه السلام: ﴿إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا ٣ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا ٤ وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا﴾ [مريم: 2-5].
قال الرازي: «واعلم أن زكريا عليه السلام قدم على السؤال أمورًا ثلاثة: أحدها: كونه ضعيفًا. والثاني: أن الله تعالى ما رد دعاءه البتة. والثالث: كون المطلوب بالدعاء سببًا للمنفعة في الدين، ثم بعد تقرير هذه الأمور الثلاثة صرح بالسؤال»(23).
فزكريا يشكو من وهن جسمه بسبب الكبر، فذكر وهن عظمه، وشيب رأسه، ووهن العظم كما قال المفسرون: ضعفه، قال الطبري: «ضعف ورق من الكبر»(24).
وقال ابن كثير: «ضعفت وخارت القوى»(25).
وقد بين الزمخشري وجه إسناد الوهن إلى العظم؛ «لأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن»(26).
فالمفسرون يرون أن وهن العظم يستلزم وهن الجسم، كما قال الشنقيطي: «فوهنه يستلزم وهن غيره من البدن»(27).
وقال ابن عاشور: «لأن العظم هو قوام البدن، وهو أصلب شيء فيه، فلا يبلغه الوهن إلا وقد بلغ ما فوقه»(28).
كما ربط الرازي بين وصف النداء بـ(الخفي)، وبين مظاهر الوهن في جسم زكريا، فذكر من الأوجه: «خفي صوته؛ لضعفه وهرمه، كما جاء في صفة الشيخ: صوته خفات وسمعه تارات. فإن قيل: من شرط النداء الجهر، فكيف الجمع بين كونه نداء وخفيًا؟ والجواب من وجهين، الأول: أنه أتى بأقصى ما قدر عليه من رفع الصوت إلا أن الصوت كان ضعيفًا؛ لنهاية الضعف بسبب الكبر، فكان ﴿نِدَآءً﴾ نظرًا إلى قصده، و﴿خَفِيّٗا﴾ نظرًا إلى الواقع»(29).
وبين الرازي أن ﴿وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ﴾ هو استيلاء الضعف على باطن الجسم؛ لتداعي قوته، ثم قال: «وأما أثر الضعف في الظاهر فذلك استيلاء الشيب على الرأس. فثبت أن هذا الكلام يدل على استيلاء الضعف على الباطن والظاهر، وذلك مما يزيد الدعاء توكيدًا لما فيه من الارتكان على حول الله وقوته، والتبري عن الأسباب الظاهرة»(30).
وقال ابن كثير: «والمراد من هذا الإخبار عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة»(31).
وقال السعدي: «شكا إلى ربه ضعفه الظاهر والباطن»(32).
كما ورد وهن الجسم من الكبر في قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ﴾ [الروم: 54].
فالآية تبين أن الإنسان بعد أن يبلغ قوته يعود إلى مرحلة الضعف بسبب الكبر.
قال السعدي: «يخبر تعالى عن سعة علمه وعظيم اقتداره وكمال حكمته، ابتدأ خلق الآدميين من ضعف وهو الأطوار الأول من خلقه من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى أن صار حيوانًا في الأرحام إلى أن ولد، وهو في سن الطفولية وهو إذ ذاك في غاية الضعف وعدم القوة والقدرة. ثم ما زال الله يزيد في قوته شيئًا فشيئًا حتى بلغ سن الشباب واستوت قوته وكملت قواه الظاهرة والباطنة، ثم انتقل من هذا الطور ورجع إلى الضعف والشيبة والهرم»(33).
ومن الآيات التي تصف وهن الإنسان في هذه المرحلة، قوله تعالى: ﴿وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۖ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ﴾ [يس: 68].
قال أبو السعود: «أي: نقلبه فيه، ونخلقه على عكس ما خلقناه أولًا، فلا يزال يتزايد ضعفه وتتناقص قوته وتنتقص بنيته ويتغير شكله وصورته، حتى يعود إلى حالة شبيهة بحال الصبي في ضعف الجسد وقلة العقل، والخلو عن الفهم والإدراك»(34).
وقوله: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ﴾ [النحل: 70].
قال النيسابوري: «أرذل العمر أخسه وأحقره. وقال السدي: هو حالة الخرف فيصير إلى حالة شبيهة بحال الطفل في النسيان وعدم التذكر، واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع:
أولها: سن النشوء.
وثانيها: سن الوقوف وهو سن الشباب.
وثالثها: الانحطاط الخفي اليسير، وهو سن الكهولة.
ورابعها: سن الانحطاط الظاهر، وهو سن الشيخوخة»(35).
«إن أول من تنبه لظاهرة الشيخوخة كعلم مستقل هو الطبيب الفرنسي شاركوت عام 1881م، ولم يتبعه أغلب الباحثين إلا في القرن العشرين، ولذا نعجب أن يولي القرآن الكريم موضوع الشيخوخة عنايته قبل ذلك بأكثر من عشرة قرون، ولا تجد لهذا نظيرًا في أي كتاب آخر ينسب اليوم للوحي غير القرآن الكريم، وإن إدراك خفايا الشيخوخة في عصرنا حيث توفرت التقنيات إنما هو شهادة للقرآن»(36).
- الوهن بسبب العوارض الطارئة.
تحدث القرآن الكريم عن وهن الجسم بسبب العوارض الطارئة، ومنها حمل الأم وولادتها.
وقد جاءت الإشارة إلى وهن الحمل في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14].
فالآية تتحدث عن وصية الله للإنسان بوالديه، ثم تخص والدته بالذكر؛ حيث حملته وهنا على وهن، ثم وضعته، ثم كان فصاله في عامين.
وقد فسر الوهن في الآية بالضعف، وقيل: الجهد والمشقة التي تعانيها الأم(37).
وعامة المفسرين على أن الوهن في الآية يعود إلى الأم، فقوله: ﴿وَهۡنًا﴾ حال من الفاعل ﴿أُمُّهُۥ﴾، والمعنى: حملته أمه في حال كونها واهنة وهنا على وهن. وذكر بعضهم أنه يُحتمل أن يكون حالًا من المفعول في ﴿حَمَلَتۡهُ﴾، أي: الولد، فالواهن هو الجنين في بطن أمه إلا أن سياق الآية يدل على أن الوهن للأم؛ إذ الآية توصي الإنسان بوالديه، وتبين معاناة الأم في حمله، ثم في فصاله(38).
كما ذكر المفسرون أقوالًا عديدة في المراد بالتركيب: ﴿وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ﴾، فقيل :ضعفًا بعد ضعف، وقال ابن عطية: «وقيل: إشارة إلى مشقة الحمل ومشقة الولادة بعده، وقيل: إشارة إلى ضعف الولد وضعف الأم معه، ويحتمل أن أشار إلى تدرج حالها في زيادة الضعف، فكأنه لم يعين ضعفين بل كأنه قال: حملته أمه والضعف يتزيد بعد الضعف إلى أن ينقضي أمره»(39).
وزاد أبو حيان في البحر المحيط: «وقيل: وهنا على وهن: نطفة ثم علقة، إلى آخر النشأة، فعلى هذا يكون حالًا من الضمير المنصوب في ﴿حَمَلَتۡهُ﴾، وهو الولد»(40).
وقال السعدي: «أي: مشقة على مشقة، فلا تزال تلاقي المشاق، من حين يكون نطفة، من الوحم، والمرض، والضعف، والثقل، وتغير الحال، ثم وجع الولادة، ذلك الوجع الشديد»(41).
والآية تُذَكِّرُ الإنسان بحق والديه عليه، وخاصة الأم، التي حملته وهنا على وهن، ثم وضعته كرهًا، ثم أرضعته عامين، وما يملك الوليد وما يبلغ أن يعوض الوالدين بعض ما بذلاه، ولو وقف عمره عليهما. وهذه الصورة الموحية: ﴿حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ﴾ ترسم ظلال هذا البذل النبيل، والأم بطبيعة الحال تحتمل النصيب الأوفر وتجود به في انعطاف أشد وأعمق وأحنى وأرفق.
وقد علل الشعراوي تذكير الإنسان بدور الأم دون الأب، مع أن الله وصاه بوالديه، وذلك أن دور الأم كان والإنسان جنين ثم رضيع لا يدرك، فالأم كانت «تصنع لك وأنت صغير لا تدرك صنعها، فهو مستور عنك لا تعرفه، أما أفعال الأب وصنعه لك فجاء حال كبرك وإدراكك للأمور من حولك، فالابن يعرف ما قدم أبوه من أجله»(42).
ومن الوهن بسبب العوارض الطارئة ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 15].
وقال السعدي: «نبه على ذكر السبب الموجب لذلك فذكر ما تحملته الأم من ولدها وما قاسته من المكاره وقت حملها، ثم مشقة ولادتها المشقة الكبيرة ثم مشقة الرضاع وخدمة الحضانة، وليست المذكورات مدة يسيرة ساعة أو ساعتين، وإنما ذلك مدة طويلة قدرها ﴿ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ﴾ للحمل تسعة أشهر ونحوها، والباقي للرضاع هذا هو الغالب»(43).
- من الإعجاز العلمي في آيات وهن الجسم.
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا﴾ [مريم: 4].
﴿وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ﴾ يشير إلى مظهر من مظاهر الجسم نتيجة الكبر، وبلوغ مرحلة الشيخوخة، حيث تتناقص كثافة العظام، وتضعف قوتها، وتلين صلابتها، ويصاب النسيج العظمي بالهشاشة؛ مما يجعله عرضة سهلة للكسر(44).
ويقرر الأطباء أن الجسم يبلغ قوته في الأربعين، حيث إن «الكتلة العظمية تبلغ ذروتها من حيث القوة والكثافة في سن الثلاثين إلى الأربعين، ثم تبدأ تتناقص كثافتها وتضعف قوتها بعد الأربعين، ويزداد التناقص كلما تقدم الإنسان في العمر»(45).
وإلى بلوغ ذروة الأشد يشير قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ﴾ [الأحقاف: 15].
ثم تبدأ مرحلة الضعف لقوى الجسم، وهي مرحلة مقترنة بالشيخوخة (الشيبة)، وجاء الحديث عنها في قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ﴾ [الروم: 54].
وتتبين دلالة الإعجاز في استخدام لفظ (الوهن) دون غيره من ألفاظ الضعف، أو اللين، فلفظ «الوهن يوحي بالتراكمية والتدرج في المقدار، وهو يتناسب مع حالة الهشاشة؛ فليس لها مقدار ثابت معين بل إنها تتزايد شدتها، ويمكن أن تحدث منها مضاعفات»(46).
ويشير العلماء إلى أن سبب وهن العظم عند الكبر يعود إلى نقص كفاءة خلايا البناء العظمي، مما يؤدي إلى نقص امتصاص الكالسيوم، ومن ثم زيادة هدم العظام؛ حيث تنفرد خلايا الهدم بالعمل على نخر العظام ولا تواجهها خلايا البناء بالتعويض(47).
وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ﴾ [لقمان: 14].
تشير الآية إلى معاناة الأم أثناء حملها بولدها، ويقرر الأطباء أن الحامل تمر بمظاهر كثيرة من الوهن، خلال أشهر الحمل، وتعاني من آلام شديدة، سواء في منطقة الرحم أو المنطقة المحيطة به، أو في منطقة الثديين، أو في مناطق أخرى من جسمها، كالظهر والبطن والفخذين، ومجرى البول، والتهابات في العظام والأسنان. ويسهم الجنين أيضًا في وهن الأم؛ حيث يسحب ما يحتاج إليه من غذاء ودم من جسم أمه، مما يضاعف من وهنها. وفي الأشهر الأخيرة من الحمل تظهر أنواع أخرى من المتاعب الناتجة عن ضغط الرحم على المعدة والكبد، وتشكو الأم من ضيق في التنفس؛ لأن الرحم ملأ تجويف البطن. ومع اقتراب الوضع يزداد تقلص الرحم، وتتكرر الانقباضات، وتشتد آلامها، حتى تضع الحامل جنينها كرهًا.
قال تعالى: ﴿حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ﴾ [الأحقاف: 15](48).
ثانيًا: وهن القلب وأسبابه:
وهن القلب هو الضعف الذي يصيب قوته فيضعف ويفتر ويجبن، وقد جاء النهي عنه في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع ﴿فَلَا تَهِنُواْ﴾، وجاء منفيًّا في موضع رابع ﴿فَمَا وَهَنُواْ﴾، فهو وصف ذميم، ينزه الله عباده المؤمنين عن الاتصاف به.
ويتبين من خلال آيات القرآن الكريم، أنَّ لوهن القلب سببين، هما: حبُّ الدنيا، وكراهية الموت. وقد جاء التصريح بهما في الحديث: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)، فقال قائل: ومن قلةٍ نحن يومئذ؟ قال: (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن)، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: (حبَّ الدنيا، وكراهية الموت)(49).
قال البيضاوي: «وأراد بـ(الوهن): ما يوجبه، ولذلك فُسِّرَ بحب الدنيا وكراهة الموت»(50).
- حب الدنيا.
قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٥ إِنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤۡتِكُمۡ أُجُورَكُمۡ وَلَا يَسۡـَٔلۡكُمۡ أَمۡوَٰلَكُمۡ﴾ [محمد: 35-36].
قال البيضاوي: «﴿فَلَا تَهِنُواْ﴾ فلا تضعفوا، ﴿وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ﴾ ولا تدعوا إلى الصلح خورًا وتذللًا»(51).
وقال الشوكاني: «فلا تضعفوا عن القتال، ولا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداء منكم، فإنَّ ذلك لا يكون إلا عند الضعف»(52).
إنَّ هذا النهي يكشف عن وجود أفراد من المسلمين كانوا يستثقلون تكاليف الجهاد الطويل ومشقته الدائمة، وتهن عزائمهم دونه ويرغبون في السلم والمهادنة؛ ليستريحوا من مشقة الحروب.
فالوهن المنهي عنه في الآية هو فتور القلب عن العزم في الجهاد، ومِنْ ثَمَّ يميلُ ُإلى الراحة والمهادنة؛ تجنبًا للقتال، ورغبة في الدنيا.
قال الرازي في تفسير قوله: ﴿إِنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۚ﴾: «يعني: كيف تمنعك الدنيا من طلب الآخرة بالجهاد»(53).
وقال ابن عاشور: «هذه الآية تعليل لمضمون قوله: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ﴾»(54).
وهناك كثيرٌ من آيات القرآن الكريم تُبَيِّنُ أن حبُّ الدنيا يوهن القلب، ويضعفه، ويملؤه بالجبن.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38].
قال الزمخشري: «أي: تباطأتم وتقاعستم، وضُمِّنَ معنى الميل والإخلاد فعدي بـ﴿إِلَى﴾، والمعنى: ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاقَّ السفر ومتاعبه، ونحوه: ﴿أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ﴾ [الأعراف: 176]»(55).
وقال ابن كثير: «هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، حين طابت الثمار والظلال في شدة الحرِّ ﴿ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ أي: تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار، ﴿أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ﴾ أي: ما لكم فعلتم هكذا، أرضًا منكم بالدنيا بدلا من الآخرة؟!»(56).
كما أنَّ حبَّ الدنيا يؤدي إلى الفشل، وهو الجبن والتنازع، فتهن القلوب، وتنكسر الهمم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ﴾ [آل عمران: 152].
فقال لهم: منكم من يريد الدنيا، وهم الذين كانوا سببًا في هزيمة المسلمين في أحد، وهذه الهزيمة هي التي سببت وهنهم بعد ذلك، فنهاهم الله عنه، وقال: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩ إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ﴾ [آل عمران: 139-140].
- كراهية الموت.
وقد تحدثت سورة آل عمران عن الوهن الذي أصاب المؤمنين، بعد هزيمتهم في أحد، وَبَيِّنَ لهم أنَّ القعود عن الجهاد كراهيةً للقتال لا يؤدي إلا إلى مزيد من الوهن، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩ إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ﴾ [آل عمران: 139-140].
قال البغوي: «﴿وَلَا تَهِنُواْ﴾ أي: لا تضعفوا ولا تجبنوا عن جهاد أعدائكم بما نالكم من القتل والجرح، وكان قد قتل يومئذ من المهاجرين خمسة منهم: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير، وقتل من الأنصار سبعون رجلًا، ﴿وَلَا تَحۡزَنُواْ﴾ أي: على ما فاتكم»(57).
وكراهية القتال «تنشأ بسبب الهزائم والآلام والقروح التي تصيب المؤمنين، مما يؤدي إلى تسلل الوهن إلى قلوبهم، ويكون مظاهر هذا الوهن: ضعفًا بعد قوة، وجبنًا بعد شجاعة، وفتورًا بعد عزيمة، ويدفعهم ذلك إلى القعود عن الجهاد، وإلقاء السلاح، والتخلي عن نصرة الحق، والرضا بالذل والهوان»(58).
كما تحدث عن الربيين الذين قاتلوا مع النبيين، فلم يهنوا ولم يضعفوا، بل صبروا، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].
أي: ما وهنوا لمصابهم، فاللام؛ للتعليل والسببية، وتفيد أن سبب الوهن هو ما أصابهم في سبيل الله. قال الطبري: «فما عجزوا لما نالهم من ألم الجراح الذي نالهم في سبيل الله، ولا لقتل من قتل منهم، عن حرب أعداء الله، ولا نكلوا عن جهادهم»(59).
وقال الماوردي: «فلم يهنوا بالخوف، ولا ضعفوا بنقصان القوة، ولا استكانوا بالخضوع». وقال ابن إسحاق: «فما وهنوا بقتل نبيهم، ولا ضعفوا عن عدوهم، ولا استكانوا لما أصابهم»(60).
وقال الزمخشري: «وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار عند الإرجاف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم »(61).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ﴾[النساء: 104].
فقال الواحدي في تفسيرها: «والمراد بالقوم ههنا: أبو سفيان وأصحابه، لمَّا انصرفوا عن أحد منهزمين، وقد قذف الله في قلوبهم الرعب، أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيام، فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس لذلك، فاشتكوا ما بهم من الجراحات، فأنزل الله هذه الآية»(62).
وبهذا يتبين أن وهن القلب في هذه المشاهد كلها سببه الهزيمة التي لحقت بالمسلمين في أحد، وما خلفته فيهم من آلام وأسقام، وقروح وجروح، فوهنوا لذلك، وتجلى هذا الوهن في المشهد الأول: في تضعضع قلوبهم وحزنها، وفي المشهد الثاني: تجلى في جبنٍ وانصرافٍ عن القتال، وفي المشهد الثالث: تجلى في تثاقلٍ وفتورٍ. ومرد ذلك كله إلى كراهية القتال، سواء أكانت الكراهية عن حزن أو خوف أو إعياء. أما الوهن الوارد في سورة محمد فمرده إلى حبَّ الدنيا والتعلق بها(63).
- وهن القلب معنىً.
تحدث القرآن الكريم كثيرًا عن وهن القلب، وبين مظاهره المختلفة:
- الحزن، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].
- الغضب، كما في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمۡ يَغۡفِرُونَ﴾ [الشورى: 37].
- الضيق، كما في قوله: ﴿وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ﴾ [النحل: 127].
- التثاقل، كما في قوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38].
- الفشل، كقوله: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
- الخوف، كما في قوله تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ﴾ [الأحزاب: 19]. قال ابن كثير: «﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ﴾ أي: من شدة خوفه وجزعه، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال، ﴿فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ﴾، أي: فإذا كان الأمن، تكلموا كلامًا بليغًا فصيحًا عاليًا، وادعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ذلك»(64).
- الحسرة، كما في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ﴾ [آل عمران: 156].
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من مظاهر وهن القلب، كما في الحديث: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال)(65).
ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القويُّ خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان)(66).
قال النووي: «والمراد بالقوة هنا: عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في كلِّ ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها ومحافظة عليها، ونحو ذلك»(67).
فالمؤمن الضعيف يراد به: من أصاب قلبه الوهن، كالفتور أو العجز أو الندم أو التحسر، ولذلك قابل بينه وبين المؤمن القوي الذي لا يعجز ولا يفتر، بل يستعين بالله ويرضى بقضائه. وصفات المؤمن الضعيف هي تلك الصفات التي استعاذ منها الرسول صلى الله عليه وسلم، من همٍّ وحزن، وعجز وكسل، وجبن وبخل.
ثالثًا: وهن العمل وأسبابه:
وهن العمل: هو ضعفه واختلاله وانعدام ثمرته، فلا يكون محكمًا، ولا مثمرًا، كبيت العنكبوت الذي لا يحمي من برد ولا حر. وقد تحدث القرآن الكريم كثيرًا عن وهن العمل، وفيما يأتي توضيح أمرين: صور وهن العمل، وتوهين الله كيد الكافرين.
- صور وهن العمل.
من صور وهن العمل ما يلي:
- صرف العمل في غير محله.
كمن يدعو من لا يسمعه ولا يستجيب له، ويطلب ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۖ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤٢ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 41-43].
قال الطبري: «مثل الذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون الله أولياء يرجون نصرها ونفعها عند حاجتهم إليها في ضعف احتيالهم، وقبح رواياتهم، وسوء اختيارهم لأنفسهم، ﴿كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ﴾ في ضعفها، وقلة احتيالها لنفسها، ﴿ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ﴾ لنفسها، كيما يكنها، فلم يغن عنها شيئًا عند حاجتها إليه.
فكذلك هؤلاء المشركون لم يغن عنهم -حين نزل بهم أمر الله، وحَلَّ بهم سخطه- أولياؤهم الذين اتخذوهم من دون الله شيئًا، ولم يدفعوا عنهم ما أحلَّ الله بهم من سخطه بعبادتهم إياهم»، ونقل عن قتادة قوله: «هذا مثل ضربه الله للمشرك؛ مثل إلهه الذي يدعوه من دون الله كمثل بيت العنكبوت واهن ضعيف لا ينفعه»(68).
وقال ابن كثير: «هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، يرجون نصرهم ورزقهم، ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئًا، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله، وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع، فإنه مستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها؛ لقوتها وثباتها»(69).
فسبب وهن عمل المشرك أنه تعلق بغير الله، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ﴾ [التوبة: 109].
قال الزمخشري: «والمعنى: ﴿أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ﴾ دينه على قاعدة قوية محكمة، وهي الحقُّ الذي هو تقوى الله ورضوانه، ﴿خَيۡرٌ أَم مَّنۡ﴾ أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها وأقلها بقاء، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرفٍ هارٍ في قلة الثبات والاستمساك»(70).
قال ابن القيم: «أعظم الناس خذلانًا من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات. ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحرِّ والبرد ببيت العنكبوت»(71).
- الإتيان بالعمل بغير طريقته الصحيحة.
قال تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا ١٠٣ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا﴾ [الكهف: 103-104].
قال الطبري: « ﴿بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا﴾ يعني: بالذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحًا وفضلًا، فنالوا به عطبًا وهلاكًا ولم يدركوا طلبًا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلًا وربحًا، فخاب رجاؤه. وخسر بيعه، ووكس في الذي رجا فضله»(72).
وقال تعالى: ﴿عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ﴾ [الغاشية: 3].
قال ابن عباس: «يعني: الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام من عبدة الأوثان وكفار أهل الكتاب مثل الرهبان وغيرهم لا يقبل الله منهم اجتهادًا في ضلالة، يدخلون النار يوم القيامة»(73).
وقد يكون الوهن بسبب أنَّ العامل لم يتجه بعمله الوجهة الصحيحة، فالمؤمنون عليهم أن يطلبوا النصر من ربهم، ويستمدوا العون منه، فإذا فعلوا ذلك نصرهم وقوي أمرهم، وإن والوا غير ربهم خذلهم الله، فوهن عملهم، وتشتت أمرهم. فمن ضعفت صلته بربه خذله ووكله إلى نفسه؛ فقوة عمل العامل تأتي من قوة صلته بربه، فإذا ضعفت تلك الصلة وارتخت، فقد وهن عمله وضعف.
قال تعالى: ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160].
فالخذلان إنما يكون بسبب وهن عملهم؛ إذ ضعفت صلتهم بربهم، فوهنوا فخذلهم الله.
قال الخطيب: «الذين يفوضون أمرهم إلى الله، ويشدون عزائمهم إليه، ويعلقون آمالهم به، هم الذين يحبهم الله ويتولاهم؛ لأنهم أحبوا الله وانتظموا في مجتمع أوليائه وإنهم إذ يلوذون بَحِمَى الله فإنما يستمسكون بالعروة الوثقى، ويعتصمون بأقوى معتصم، وهم بهذا في ضمان النصر، وعلى طريقه، ولن يغلبهم أحد. فإن تخلوا عن الله، ووكلوا أمرهم إلى حولهم وحيلتهم، فقد آذنوا الله أن يتخلى عنهم، وأن يَدَعَهُم إلى أنفسهم، وهذا خذلان مبين، ومن خذله الله فلا ناصر له»(74).
ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو ربه حين يصبح وحين يمسي: (أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)(75).
فكانت النتيجة ذلك أن الله كفاه وحماه ونصره، قال تعالى: ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ﴾ [الزمر: 36].
وتُبَيِّنُ آيات القرآن الكريم صورًا شتى لوهن عمل المؤمنين جراء ضعف صلتهم بالله.
منها: اتباع أهواء اليهود والنصارى، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51].
ومنها: الركون إلى الظالمين، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود: 113].
ومنها: الوقوع في الذنوب والمعاصي، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59].
- الإتيان بما يبطل العمل.
ومن ذلك توهين الأمر بعد إبرامه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا﴾ [النحل: 92].
قال البيضاوي: «أي: نقضت غزلها من بعد إبرام وإحكام»(76).
وفي تفسير ابن كثير: «قال السدي: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة، كلما غزلت شيئًا نقضته بعد إبرامه. وقال مجاهد، وقتادة، وابن زيد: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده. وهذا القول أرجح وأظهر، وسواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا»(77).
وقال السعدي: « ﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ في نقضكم للعهود بأسوأ الأمثال وأقبحها وأدلها على سفه متعاطيها، وذلك ﴿كَٱلَّتِي﴾ تغزل غزلًا قويًا، فإذا استحكم وتم ما أريد منه نقضته فجعلته ﴿أَنكَٰثٗا﴾ فتعبت على الغزل ثم على النقض، ولم تستفد سوى الخيبة والعناء وسفاهة العقل ونقص الرأي، فكذلك من نقض ما عاهد عليه، فهو ظالم جاهل سفيه ناقص الدين والمروءة»(78).
ومن ذلك الشرك، فالمشرك تنقطع صلته بالله انقطاعًا تامًا، ولذلك فالله يحبط عمله، ويرده عليه، كما قال: ﴿وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88].
ومن ذلك إبطال الصدقات بالمنِّ والأذى، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ﴾ [البقرة: 264].
قال الشوكاني «الإبطال للصدقات: إذهاب أثرها وإفساد منفعتها، أي: لا تبطلوها بالمنِّ والأذى أو بأحدهما»(79).
كما جاء الحديث عن هذا الوهن في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا﴾ [النور: 39].
وقوله: ﴿وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ [محمد: 1].
وقوله تعالى: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: 18].
- حصول التنازع على العمل.
التنازع على العمل يوهنه، ويفرق أمر الجماعة، ويشتت شملها، ولذلك حذر الله المؤمنين من التفرق، كما حذرهم من التنازع.
قال تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ﴾ [آل عمران: 103].
وقال: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: 104].
قال السعدي: «أمرهم تعالى بما يعينهم على التقوى وهو الاجتماع والاعتصام بدين الله، وكون دعوى المؤمنين واحدة، مؤتلفين غير مختلفين، فإن في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم، وبالاجتماع يتمكنون من كلِّ أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها، من التعاون على البر والتقوى، كما أن بالافتراق والتعادي يختل نظامهم وتنقطع روابطهم، ويصير كل واحد يعمل ويسعى في شهوة نفسه، ولو أدى إلى الضرر العام»(80).
وقال ناهيًا المؤمنين عن التنازع: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
قال ابن القيم: «أمر الله المجاهدين بخمسة أشياء، وذكر منها: اتفاق الكلمة وعدم التنازع الذي يوجب الفشل والوهن،وهو جند يقوي به المتنازعون عدوهم عليهم، فإنهم في اجتماعهم كالحزمة من السهام لا يستطيع أحد كسرها، فإذا فرقها وصار كلٌّ منهم وحده كسرها، فإذا فرقها وصار كلٌّ منهم وحده كسرها كلها»(81).
- توهين الله كيد الكافرين.
قال تعالى: ﴿فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰۚ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٧ ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [الأنفال: 17-18].
قال الزمخشري: « ﴿ذَٰلِكُمۡ﴾ إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرفع: أي: الغرض ذلكم، ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ﴾ معطوف على ذلك. يعنى: إن الغرض إبلاء المؤمنين وتوهين ﴿كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾»(82).
ويبين القرآن الكريم أنَّ وهن كيد الكافرين سببه كفرهم بالله وآياته، ومحاربتهم لله ورسوله، ومشاقتهم، كما قال تعالى: ﴿وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ﴾ [البقرة: 61].
وقال: ﴿ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ﴾ [آل عمران: 112].
وقال: ﴿سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ ١٢ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال: 12-13].
ومن صور كيد الكافرين بالمؤمنين: السعي في فتنتهم إما بقتل أو حرق أو قتل أبنائهم، أو اضطهادهم وصرفهم عن دينهم، وخديعتهم إما بالتظاهر أنهم يريدون لهم الخير، أو بغير ذلك من صور الخداع التي يهدفون من ورائها إلى إيقاع الضرر وإرادة السوء بالمؤمنين، وخيانتهم بأي صورة من صور الخيانة. وهكذا كلُّ تدبير يجتهدون فيه لإيقاع الضرر بالمؤمنين(83).
والله تعالى بين في كتابه أنه موهن كيد الكافرين، ومبطل عملهم فقال: ﴿وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧ لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ﴾ [الأنفال: 7-8].
وقال: ﴿قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ [يونس: 81].
وقال تعالى: ﴿أَمۡ أَبۡرَمُوٓاْ أَمۡرٗا فَإِنَّا مُبۡرِمُونَ﴾ [الزخرف: 79].
قال الزجاج: «أي: أم أحكموا عند أنفسهم أمرًا من كيد أو شر ﴿فَإِنَّا مُبۡرِمُونَ﴾ محكمون مجازاتهم»(84).
ومن صور توهين الله كيد الكافرين ما ذكره الواحدي: «وتوهينه كيدهم يكون بأشياء: بإطلاع المؤمنين على عوراتهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتفريق كلمتهم، ونقض ما أبرموا باختلاف عزائمهم»(85).
ومنها أيضًا: «إغراء العداوة والبغضاء بينهم، وتفريق كلمتهم، وتسليط بعضهم على بعض، وكشف كيدهم للمؤمنين. وتوهين كيد الكائدين، يستلزم توهين قلوبهم، فيثبط عزائمهم، ويقذف الرعب في قلوبهم، ويضعف قوتهم، ومن إضعاف قوتهم: إلحاق الهزيمة بهم، وجعل الدائرة عليهم، وتمكين المؤمنين منهم»(86).
ومن الصور التي بينتها سورة الأنفال في توهين الله كيد الكافرين(87):
دفع المشركين إلى المواجهة في بدر؛ لتحيق الهزيمة بهم، فَيَهِنْ أمرهم، قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧ لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ﴾ [الأنفال: 7-8].
وقال تعالى: ﴿وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِۙ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا﴾ [الأنفال: 42].
وإلقاء الرعب في قلوبهم، قال تعالى: ﴿سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ﴾ [الأنفال: 12].
وإعجازهم عن أن يستأصلوا شأفة المسلمين رغم قلة عددهم وضعفهم أيام كانوا في مكة، قال تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [الأنفال: 26].
وإعجازهم أن ينالوا من الرسول صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].
وتحسيرهم على ما ينفقونه من أموال في كيدهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36].
أثر الوهن في الأفراد والأمم
للوهن كثير من الآثار في الأفراد وفي الأمم، ومن ذلك:
أولًا: ترك الجهاد والرضا بالذلِّ:
بينت الآيات التي نهى الله فيها المؤمنين عن الوقوع في الوهن، أنَّ أثر ذلك هو ترك الجهاد، والرضا بالقعود، والانقلاب على الأعقاب.
قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۗ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤ وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٥ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 144-146].
قال السعدي: « ﴿أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ﴾ بترك ما جاءكم من إيمان أو جهاد، أو غير ذلك»(88).
وفي التفسير القرآني للقرآن: «حين مال المشركون على المسلمين يوم أحد، وأخذوهم بسيوفهم وسهامهم، وسقط شهداؤهم الذين كانوا إلى جوار رسول الله تنادى المشركون أن محمدًا قتل!! كان لهذا الخبر الكاذب وقعه على المسلمين، فاضطربت لذلك صفوفهم، ووقع كثير منهم تحت وطأة الحزن والكمد، فهام على وجهه يطلب الفرار من وجه هذا الهول الصاعق؛ إذ كانوا -وهم يعلمون أن محمدًا ميت وأنهم ميتون- غير مستعدين، نفسيًّا، وهم في معمعة المعركة، ووجودهم كله مستغرق فيها- كانوا غير مستعدين أن يتلقوا هذه الصدمة المزلزلة، وأن يصدقوها، وإن كانت حقًّا، لا يمترون فيه ولا يشكون!»(89).
وقوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ يبين أن الربيين لم يصبهم الوهن بمصابهم في سبيل الله، بل صبروا وجاهدوا. قال الماوردي: «الوهن: الانكسار بالخوف، والضعف: نقصان القوة، والاستكانة: الخضوع، ومعناه: فلم يهنوا بالخوف، ولا ضعفوا بنقصان القوة، ولا استكانوا بالخضوع»(90).
وقال ابن كثير: «وقال ابن عباس ﴿وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ﴾ تخشعوا. وقال السدي وابن زيد: وما ذلوا لعدوهم»(91).
فهذا يبين أن أثر الوهن هو الاستكانة والخضوع والمذلة للأعداء، ولذلك نفت الآية عن الربيين هذا الأثر، وحذرت المؤمنين منه.
وجاء في الحديث بيان أن ترك الجهاد والتهاون في إقامة الدين يؤدي بالمسلمين إلى المذلة، وهي مظهر من مظاهر الغثائية: (لئن تركتم الجهاد، وأخذتم بأذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، ليلزمنكم الله مذلةً في رقابكم، لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله، وترجعوا على ما كنتم عليه)(92).
قال الشوكاني: «وسبب هذا الذل -والله أعلم- أنهم لما تركوا الجهاد في سبيل الله الذي فيه عز الإسلام وإظهاره على كلِّ دين، عاملهم الله بنقيضه، وهو إنزال الذلة، فصاروا يمشون خلف أذناب البقر بعد أن كانوا يركبون على ظهور الخيل التي هي أعز مكان»(93).
وهناك العديد من الآيات الكريمة التي تبين هذا الأثر، ومن ذلك قوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38].
قال ابن عاشور: «التثاقل: تكلف الثقل، أي: إظهار أنه ثقيل لا يستطيع النهوض. والثقل حالة في الجسم تقتضي شدة تطلبه؛ للنزول إلى أسفل، وعسر انتقاله، وهو مستعمل هنا في البطء مجازًا مرسلًا، وفيه تعريض بأن بطأهم ليس عن عجز، ولكنه عن تعلق بالإقامة في بلادهم وأموالهم »(94).
وقوله عن المنافقين: ﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ﴾ [التوبة: 87].
وقوله: ﴿فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ﴾ [التوبة: 81].
وقوله: ﴿إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ﴾ [التوبة: 83].
فكلُّ هذه تبين أثر الوهن الذي تمكن من القلوب، فثبطها عن النهوض إلى الطاعة، وحال بينها وبين المسارعة في الخيرات.
وقال تعالى: ﴿قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 249].
«فالفئة الواهنة ادعت أنها لا تطيق مواجهة جالوت، فردت عليها الفئة المؤمنة مبينة لها أن ذلك وهن، وعليهم أن يؤمنوا بالله ويصبروا، فهم يطيقون المواجهة ولكنهم وهنوا»(95).
ثانيًا: الشح بالمال:
قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٥ إِنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤۡتِكُمۡ أُجُورَكُمۡ وَلَا يَسۡـَٔلۡكُمۡ أَمۡوَٰلَكُمۡ ٣٦ إِن يَسۡـَٔلۡكُمُوهَا فَيُحۡفِكُمۡ تَبۡخَلُواْ وَيُخۡرِجۡ أَضۡغَٰنَكُمۡ ٣٧ هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُۖ وَمَن يَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا يَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم﴾ [محمد: 35-38].
فالآيات تنهى المؤمنين عن الوهن ومسالمة الأعداء، فهم الأعلون والله معهم، وأجورهم غير منقوصة، فكيف يهنون؟! ثم بينت لهم أن الحياة الدنيا التي هي سبب وهن القلوب إنما هي لعب ولهو. ثم بينت لهم أن من يبخل بالنفقة في سبيل الله فإنما يبخل عن نفسه، فالبخل سببه حبُّ الدنيا والتعلق بها، وذلك يوهن القلب، ويجعله يشح بالإنفاق في سبيل الله.
وهذا ما بينته آيات التغابن: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤ إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٥ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٦ إِن تُقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعِفۡهُ لَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: 14-17].
فبينت للمؤمنين أن الأموال والأولاد إذا أعاقوا الإنسان عن الإنفاق والطاعة، ففتر قلبه عن المسارعة في الخيرات، فإنما هم عدوٌّ له.
ثالثًا: الفتور عن الطاعة:
ومن آثار الوهن في الفرد هو فتوره عن الطاعة، وتأخره عنها، فالقرآن الكريم دعا المؤمنين إلى المسارعة في الخيرات، ومدحهم بذلك، فقال: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ﴾ [الأنبياء: 99].
والواهن لا يسارع في الخيرات بل يتقاعس عنها، كما ورد في الحديث: (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله)(96).
قال ابن عثيمين: «ولا شك أن التأخر عن الصلاة أشد من التأخر عن الصف الأول، وعلى هذا فيخشى على الإنسان إذا عوَّد نفسه التأخر في العبادة أن يبتلى بأن يؤخره الله عز وجل في جميع مواطن الخير»(97).
فواهن القلب لا يزال يدفعه ما في قلبه من وهن وضعف وفتور إلى التأخر عن الطاعات والتثاقل عنها، حتى يغلب عليه الكسل عن العبادة، وقد ذمَّ الله المنافقين بالتكاسل عن الصلاة فقال: ﴿وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ﴾ [النساء: 142].
وقوله: ﴿وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ﴾ [التوبة: 54].
قال الواحدي: «أي: متثاقلين متباطئين»(98).
وقال الخليل: «الكسل: التثاقل عما لا ينبغي»(99).
وقال ابن عاشور: «الكسل: الفتور في الأفعال لسآمة أو كراهية، والكسل في الصلاة مؤذن بقلة اكتراث المصلي بها وزهده في فعلها، فلذلك كان من شيم المنافقين»(100).
ثالثًا: غثائية الأمة:
يبين الرسول صلى الله عليه وسلم أثر الوهن في الأمم، فيقول: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)، فقال قائل: ومن قلةٍ نحن يومئذ؟ قال: (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن)، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: (حبُّ الدنيا، وكراهية الموت)(101).
فذكر أهم آثار الوهن في الأمم، وهي: ضعف الأمة مما ينتج عنه تداعي الأمم عليها والغثائية التي تعيشها الأمة، ونزع مهابة الأمة من صدور أعدائها.
قال في عون المعبود: «غثاء السيل: ما يحمله السيل من زبد ووسخ، شبههم به؛ لقلة شجاعتهم ودناءة قدرهم»(102).
وقال البيضاوي: «والمعنى: ولكنكم تكونون متفرقين، ضعيفي الحال، خفيفي العقل، دنيئي القدر، كغثاء السيل»(103).
وقال الزجاج «الغثاء: الهالك البالي من ورق الشجر الذي إذا خرج السيل رأيته مخالطًا زبده»(104).
وأبرز مظاهر غثائية الأمة: تفرقها وضعف أمرها، وهو ما جاء النهي عنه في قوله تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾ [آل عمران: 103].
«وعوامل القوة في الأمة تكمن في اجتماع كلمتها، ووحدة صفها، وإقامتها للدين، وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، ونصرتها للحق، ودفاعها عن المظلوم، وأخذها على يد الظالم، واهتمامها بمعالي الأمور، ومسارعتها في الخيرات والطاعات، وشدة بأسها، وأخذهم بقوة لكل أسباب القوة.
وبهذه العوامل تكون الأمة قوية، مرفوعة الجبين، مرهوبة الجانب، يهابها أعداؤها، ويخضعون لها. فإذا دبَّ الوهن في أمة من الأمم، فإن الوهن ينخر في كل عوامل القوة، فيتبعثر الصف، وتتفرق الكلمة، وتتنافر القلوب، ويتثاقل الناس عن الجهاد، بل يعيبون المجاهدين فيهم، ويتخلون عن مقتضيات القيام بالدين، فيتقاعسون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويفترون عن نصرة الحق وأهله؛ فيعود الدين غريبًا.
فالصلوات تضيع، والشهوات تتبع، والمنكرات تبتدع، وينتشر الظلم، ويضعف أهل الحق، ويستشري اليأس في النفوس، ويستعذب الناس حياض الذل، ويرتعون في مستنقعات الهوان، ويغلب عليهم الاهتمام بسفاسف الأمور، ويغطون في ظلمات الجهل، ويتخلون عن حمل الأمانة، وتتمزق الأواصر، وتهتري الأخلاق. وبذلك تصبح أمة (غثائية)»(105).
وقد سمى القرآن الكريم هذه الحالة (ذهاب الريح)، فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ﴾ [الأنفال: 46].
قال ابن كثير في تفسير: ﴿وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ﴾: «أي: قوتكم وحدتكم وما كنتم فيه من الإقبال»(106).
وقال أبو السعود: «أي: تذهب دولتكم وشوكتكم، فإنها مستعارة للدولة من حيث إنها في تمشي أمرها ونفاذه مشبهة بها في هبوبها وجريانها»(107).
وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق تفسير لذهاب الريح، (ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم).
رابعًا: تداعي الأمم عليها:
جاء في عون المعبود: «التداعي: الاجتماع، ودعاء البعض بعضًا، والمراد من الأمم: فرق الكفر والضلالة (إلى قصعتها) الضمير للأكلة، أي: التي يتناولون منها بلا مانع ولا منازع، فيأكلونها عفوًا وصفوًا، كذلك يأخذون ما في أيديكم بلا تعب ينالهم أو ضرر يلحقهم أو بأس يمنعهم، قاله القاري.
قال في المجمع: أي: يقرب أنَّ فرق الكفر وأمم الضلالة أن تداعى عليكم، أي: يدعو بعضهم بعضًا إلى الاجتماع؛ لقتالكم وكسر شوكتكم؛ ليغلبوا على ما ملكتموها من الديار، كما أن الفئة الآكلة يتداعى بعضهم بعضًا إلى قصعتهم التي يتناولونها من غير مانع، فيأكلونها صفوًا من غير تعب»(108).
ويبين الحديث أنَّ الأمم لا تتداعى على الأمة إلا بعد وهن قلوبها، كما قال: (وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن)، وسببه حبُّ الدنيا وكراهية الموت. وقد بَيِّنَ القرآن الكريم أنَّ الكافرين لا يتمكنون من المؤمنين إلا في حال غفلتهم، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ﴾ [النساء: 102].
قال ابن عاشور: «وقوله: ﴿وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلخ، ودهم هذا معروف؛ إذ هو شأن كلِّ محارب، فليس ذلك المعنى المعروف هو المقصود من الآية، إنما المقصود أنهم ودوا ودًّا مستقربًا عندهم؛ لظنهم أنَّ اشتغال المسلمين بأمور دينهم يباعد بينهم وبين مصالح دنياهم؛ جهلًا من المشركين لحقيقة الدين، فطمعوا أن تلهيهم الصلاة عن الاستعداد لأعدائهم، فنبه الله المؤمنين إلى ذلك كيلا يكونوا عند ظنِّ المشركين، وليعودهم بالأخذ بالحزم في كل الأمور، وليريهم أنَّ صلاح الدين والدنيا صنوان»(109).
وهذا يوضحه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ﴾ [آل عمران: 165].
أي: «قلتم: من أين لنا هذا الخذلان ونحن مسلمون ورسول الله فينا؟ ﴿قُلۡ﴾ لهم ﴿هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ﴾؛ لأنكم تركتم المركز فخذلتم»(110).
وقال السعدي: «﴿قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ﴾ أي: من أين أصابنا ما أصابنا وهزمنا؟ ﴿قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ﴾ حين تنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، فعودوا على أنفسكم باللوم، واحذروا من الأسباب المردية»(111).
علاج الوهن
أرشد القرآن الكريم المؤمنين إلى العلاج الشافي من هذا الداء، وتبين الآيات الواردة في سورة آل عمران وغيرها من السور كثيرًا من مكونات هذا العلاج. ومن ذلك:
أولًا: الإيمان بالقدر:
قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۗ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤ وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٥ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦ وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤٧ فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [آل عمران: 144-148].
قال الواحدي: «﴿وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ﴾ أي: ما كانت نفسٌ لتموت ﴿إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾ بقضائه وقدره، كتب الله ذلك ﴿كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ﴾ إلى أجله الذي قدر له فلم انهزمتم؟ والهزيمة لا تزيد في الحياة»(112).
وجاء في التفسير البسيط(113): «وقال ابن الأنباري: عاتب الله تعالى بهذا المنهزمين يوم أحد؛ رغبةً في الدنيا، وضنًّا بالحياة، وأخبرهم أن الحياة (لا تزيد) ولا تنقص، وأن الموت بأجلٍ عنده، لا يتقدم ولا يتأخر».
وقال ابن كثير(114): «وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه».
وهذا المعنى أكدته سورة آل عمران في أكثر من موضع، كقوله: ﴿قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ﴾ [آل عمران: 154].
وقوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١٥٦ وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ١٥٧ وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ﴾ [آل عمران: 156-158].
وفي سورة النساء: ﴿أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ﴾ [النساء: 78].
فالقتال لن يقدم في الأجل، وتركه لن يؤخر في الأجل، فالموت والحياة بإذن الله، ولن ينفع الفارُّ فراره، كما قال تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ﴾ [الأحزاب: 16].
ثانيًا: فقه سنن الله:
قال تعالى: ﴿قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١٣٧ هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ١٣٨ وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩ إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٠ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤١ أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 137-142].
تبين هذه الآيات للمؤمنين أنَّ لله سننًا، كمداولة الأيام بين الناس، وابتلاء المؤمنين، وفتنة الكافرين، وعلى المسلمين السير في الأرض والتفقه في سنن الله، وعدم الاستسلام لعوامل الوهن، فإنَّ التبصر في سنن الله يساعدهم على تجاوز آثار الهزيمة، والتغلب على الحزن الذي استبد بهم، ويقوي عزائمهم، ويرفع من الهمم.
قال السعدي: «فما يصيبكم من الألم والتعب والجراح ونحو ذلك فإنه يصيب أعداءكم، فليس من المروءة الإنسانية والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم، وأنتم وإياهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك»(115).
قال ابن القيم مبينًا سنن الله وحكمته التي تتحدث عنها هذه الآيات:
«فجمع لهم في هذا الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم وإحياء عزائمهم وهممهم، وبين حسن التسلية، وذكر الحكم الباهرة التي اقتضت إدالة الكفار عليهم فقال: ﴿إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ﴾ [آل عمران: 140].
فقد استويتم في القرح والألم، وتباينتم في الرجاء والثواب، كما قال: ﴿إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ﴾ [النساء: 104].
فما بالكم تهنون وتضعفون عند القرح والألم، فقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان، وأنتم أصبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي.
ثم أخبر أنه يداول أيام هذه الحياة الدنيا بين الناس، وأنها عرض حاضر، يقسمها دولًا بين أوليائه وأعدائه، بخلاف الآخرة، فإن عزها ونصرها ورجاءها خالص للذين آمنوا. ثم ذكر حكمة أخرى، وهي أن يتميز المؤمنون من المنافقين، فيعلمهم علم رؤية ومشاهدة بعد أن كانوا معلومين في غيبه، وذلك العلم الغيبي لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وإنما يترتب الثواب والعقاب على المعلوم إذا صار مشاهدًا واقعًا في الحسِّ.
ثم ذكر حكمة أخرى، وهي اتخاذه سبحانه منهم شهداء، فإنه يحب الشهداء من عباده، وقد أعد لهم أعلى المنازل وأفضلها، وقد اتخذهم لنفسه، فلا بد أن ينيلهم درجة الشهادة.
ثم ذكر حكمة أخرى فيما أصابهم ذلك اليوم، وهو تمحيص الذين آمنوا، وهو تنقيتهم وتخليصهم من الذنوب، ومن آفات النفوس، و أيضًا فإنه خلصهم، ومحَّصهم من المنافقين، فتميزوا منهم، فحصل لهم تمحيصان: تمحيص من نفوسهم، وتمحيص ممن كان يظهر أنه منهم وهو عدوهم.
ثم ذكر حكمة أخرى وهي محق الكافرين بطغيانهم وبغيهم وعدوانهم، ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم أن يدخلوا الجنة بدون الجهاد في سبيله والصبر على أذى أعدائه، وإنَّ هذا ممتنع بحيث ينكر على من ظنه وحسبه، فقال: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 142].
أي: ولما يقع ذلك منكم فيعلمه، فإنه لو وقع لعلمه فجازاكم عليه بالجنة، فيكون الجزاء على الواقع المعلوم، لا على مجرد العلم، فإنَّ الله لا يجزي العبد على مجرد علمه فيه دون أن يقع معلومه.
ثمَّ وبخهم على هزيمتهم من أمر كانوا يتمنونه ويودون لقاءه. فقال: ﴿وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَيۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143].
قال ابن عباس: ولما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه بما فعل بشهداء بدر من الكرامة رغبوا في الشهادة، فتمنوا قتالًا يستشهدون فيه، فيلحقون إخوانهم، فأراهم الله ذلك يوم أحد وسببه لهم، فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء الله منهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَيۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: 143]»(116).
ثالثًا: الصبر:
تربط الآيات التي تحذر المؤمنين من الوهن بينه وبين الصبر، حيث تبين لهم أن الصبر سلاح قوي يتسلح به المؤمن، فيعصمه الله من الوهن، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].
وقال تعالى: ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩ وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 249-250].
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45-46].
إن المؤمنين يحتملون الألم والقرح في المعركة، ولكنهم ليسوا وحدهم الذين يحتملونه، إنَّ أعداءهم كذلك يتألمون وينالهم القرح واللأواء، فإذا أصرَّ الكفار على المعركة، فما أجدر المؤمنين أن يكونوا هم أشد إصرارًا، وإذا احتمل الكفار آلامها، فما أجدر المؤمنين بالصبر على ما ينالهم من آلام!! وما أجدرهم كذلك أن لا يكفوا عن ابتغاء القوم ومتابعتهم بالقتال، وتعقب آثارهم، حتى لا تبقى لهم قوة، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله. وإنَّ هذا لهو فضل العقيدة في الله في كلِّ كفاح.
فهناك اللحظات التي تعلو فيها المشقة على الطاقة، ويربو الألم على الاحتمال، ويحتاج القلب البشري إلى مدد فائض وإلى زاد.
وفي سورة آل عمران يبين الحقُّ تعالى أنَّ صبر المؤمنين وتقواهم يحقق لهم أربعة أمور(117):
الأول: إبطال كيد أعدائهم، فقال: ﴿وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ﴾ [آل عمران: 120].
قال القرطبي(118): « ﴿وَإِن تَصۡبِرُواْ﴾ أي: على أذاهم وعلى الطاعة وموالاة المؤمنين ﴿وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ﴾، فشرط تعالى نفي ضررهم بالصبر والتقوى، فكان ذلك تسلية للمؤمنين وتقوية لنفوسهم».
الثاني: الفوز بنصر الله، فقال: ﴿بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 125].
«قال الضحاك وعكرمة: كان هذا يوم أحد وعدهم الله المدد إن صبروا، فلم يصبروا فلم يمدوا»(119). وقال السعدي: «وأما وعد النصر وقمع كيد الأعداء فشرط الله له الصبر والتقوى»(120).
الثالث: التغلب على آثار الهزيمة النفسية، فقال: ﴿لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186].
فالتغلب على آثار البلاء، وعلى حرب المشركين الإعلامية، إنما يكون بالصبر والتقوى. قال ابن عثيمين: «أي: إن الذي يصبر على أذى الناس، ويحتملهم ويغفر لهم سيئاتهم التي يسيئون بها إليه؛ فإن ذلك ﴿لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾ [الشورى: 43]. أي: من معزوماتها وشدائدها التي تحتاج إلى مقابلة ومصابرة. ولا سيما إذا كان الأذى الذي ينال الإنسان بسبب جهاده في الله عز وجل وبسبب طاعته؛ لأن أذية الناس لك لها أسباب متعددة متنوعة. فإذا كان سببها طاعة الله عز وجل، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإن الإنسان يثاب على ذلك من وجهين: الوجه الأول: من الأذية التي تحصل له. والوجه الثاني: صبره على هذه الطاعة التي أوذي في الله من أجلها»(121).
الرابع: الفلاح في الدنيا والآخرة، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200].
قال البقاعي: «أي: ليكون حالكم حال من يرجى فلاحه وظفره بما يريد من النصر على الأعداء والفوز بعيش الشهداء»(122).
رابعًا: اجتناب الحزن والخوف:
قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].
وقال: ﴿إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [آل عمران: 153].
«ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيًّا عنه أو منفيًّا، وسر ذلك أن الحزن موقف غير مسر، ولا مصلحة فيه للقلب، وأحب شيء إلى الشيطان أن يحزن العبد؛ ليقطعه عن سيره، ويوقفه عن سلوكه، فالحزن ليس بمطلوب، ولا مقصود، ولا فيه فائدة، وقد استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحزن)(123).
فهو قرين الهمِّ، والفرق بينهما أنَّ المكروه الذي يرد على القلب، إن كان لما يستقبل أورثه الهمَّ، وإن كان لما مضى أورثه الحزن، وكلاهما مضعف للقلب عن السير، مفتر للعزم»(124).
و«الإيمان بالقدر فيه راحة النفس والقلب، وعدم الحزن على ما فات، وعدم الغمِّ والهمِّ لما يستقبل، قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢ لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾ [الحديد: 22-23]. والذي لا يؤمن بالقدر لا شكَّ أنه سوف يتضجر عند المصائب ويندم، ويفتح الشيطان له كلَّ باب، وأنه سوف يفرح ويبطر ويغتر إذا أصابته السراء، لكن الإيمان بالقدر يمنع هذا كله»(125).
ويبين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ ١٦٩ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 169-171].
أن طريق المؤمنين في اجتناب الحزن أن يحتسبوا تضحياتهم، ويثقوا أنها محفوظة لهم عند ربهم، ومن قتل منهم فلن يضيع عمله، وعليهم ألا يحسبوا أنَّ القتلى في سبيل الله أمواتًا، بل هم أحياء عند ربهم يرزقون، وأن يوقنوا أن ما عند الله خير لهم وأبقى(126).
ومن تدبير الإسلام في علاج الحزن والخوف:
«أولًا: هوَّنَ على المؤمنين خطب الموت، وذلك بإيمانهم بالحياة الآخرة إيمانًا يشعرون معه أنَّ الموت ليس إلا انتقالًا من عالم إلى عالم أرحب وأفسح، ومن هنا فلا ينظرون إلى الموت على أنه فناء أبدي للميت، وضياع لا نهائي لمن يموت، كما ينظر إلى ذلك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.
وثانيًا: أنه وعد المؤمنين المجاهدين في سبيل الله درجات عالية عند الله سبحانه، حيث ينزلون منازل الأنبياء والصديقين، وإنما تتجلى طاعة الله ورسوله على أتمِّ وجه وأكمله في ميدان الجهاد في سبيل الله.
وثالثًا: أنه توعد الذين ينتظمون في صفوف المجاهدين، ثمَّ إذا التحم القتال، وتساقطت الرؤوس، وتناثرت الأشلاء، وسالت الدماء ركبهم الفزع، واستبدَّ بهم الجزع، والتمسوا وجوه النجاة في الفرار من الميدان، أو النكوص على الأعقاب، أو الدعوة إلى السلم والاستسلام، توعد الإسلام من كان في المجاهدين المقاتلين، ثم أخذ هذا الموقف المتخاذل توعده بغضب من الله، وبعذاب أليم في نار جهنم»(127).
خامسًا: التوكل على الله:
قال تعالى: ﴿إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٢٢ وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [آل عمران: 122-123].
تبين الآيات أنَّ التوكل على الله، يحول بين المؤمنين وأن يقعوا في الوهن، فولاية هاتين الطائفتين لله وتوكلهما عليه، جَنَّبْتُهُمَا الفشل، وهو الجبن والخور والرعب. قال البيضاوي: «﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ أي: فليتوكلوا عليه ولا يتوكلوا على غيره؛ لينصرهم كما نصرهم ببدر»(128).
قال البغوي: « ﴿إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا﴾ أي: تجبنا وتضعفا وتتخلفا، والطائفتان بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد في ألف رجل، وقيل: في تسعمائة وخمسين رجلًا، فلمَّا بلغوا الشوط انسحب عبد الله بن أبي بثلث الناس ورجع في ثلاثمائة، وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو جابر السُّلَمي، فقال: أنشدكم الله في نبيكم وفي أنفسكم، فقال عبد الله بن أبي: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم، وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أبي، فعصمهم الله، فلم ينصرفوا فذكرهم الله عظيم نعمته، فقال عز وجل: ﴿إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ﴾ ناصرهما وحافظهما عن الانصراف من القتال، ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾»(129).
وقال القرطبي: «والتوكل في اللغة: إظهار العجز والاعتماد على الغير. واختلف العلماء في حقيقة التوكُّلِ، فسئل عنه سهل بن عبد الله فقال: قالت فرقة: الرضا بالضمان، وقطع الطمع من المخلوقين. وقال قوم: التوكل ترك الأسباب والركون إلى مسبب الأسباب، فإذا شغله السبب عن المسبب زال عنه اسم التوكُّل. قال سهل: من قال: إن التوكل يكون بترك السبب فقد طعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ﴾ [الأنفال: 69]. فالغنيمة اكتساب. وقال تعالى: ﴿فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ﴾ [الأنفال: 12]، فهذا عمل. وقال غيره: وهذا قول عامة الفقهاء، وأنَّ التوكُّلَ على الله هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماضٍ، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في السعي فيما لا بد منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرز من عدوٍّ وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة. وإلى هذا ذهب محققو الصوفية، لكنه لا يستحق اسم التوكل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب والالتفات إليها بالقلوب، فإنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًّا، بل السبب والمسبب فعل الله تعالى، والكلُّ منه وبمشيئته، ومتى وقع من المتوكل ركون إلى تلك الأسباب فقد انسلخ عن ذلك الاسم»(130).
قال ابن رجب: «وتحقيق التوكُّلِ لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله سبحانه المقدورات بها، وجرت سنته في خلقه بذلك، فإنَّ الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب عليه إيمان به، كما قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ﴾ [النساء: 71].
وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ﴾ [الأنفال: 60].
وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ﴾ [الجمعة: 10]»(131).
وقال تعالى: ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160].
قال أبو السعود: «تقديم الجار والمجرور على الفعل؛ لإفادة قصره عليه تعالى، والفاء؛ لترتيبه أو ترتيب الأمر به على ما مرَّ من غلبة المخاطبين على تقدير نصرته تعالى لهم، ومغلوبيتهم على تقدير خذلانه تعالى إياهم، فإنَّ العلم بذلك مما يقتضي قصر التوكل عليه تعالى لا محالة، والمراد بالمؤمنين إما الجنس، والمخاطبون داخلون فيه دخولًا أوليًّا، وإما هم خاصة بطريق الالتفات. وأيا ما كان ففيه تشريف لهم بعنوان الإيمان اشتراكًا أو استقلالًا، وفيه تعليل لتحتم التوكل عليه تعالى، فإن وصف الإيمان مما يوجبه قطعًا»(132).
سادسًا: الجهاد بالنفس والمال:
جاء في الحديث: (لئن تركتم الجهاد، وأخذتم بأذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، ليلزمنكم الله مذلةً في رقابكم، لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله وترجعوا على ما كنتم عليه)(133).
فيبين أن التوبة إلى الله بالرجوع إلى الجهاد، وإقامة الدين، وعدم مخالفة الله ورسوله، هو الطريق لنزع الذلِّ من الرقاب.
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢١٦ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [البقرة: 216-217].
جاء في فتاوى الشيخ ابن باز: «الواجب على المسلمين أن يطالبوا بالقدس، وأن يردوها إلى أهلها، وأن يجتهدوا في ذلك؛ لأن أهلها مظلومون، ونصر المظلوم لازم وواجب، ولأن القدس للمسلمين وليست للكفار، فيجب أن ترد إلى أهلها، فالرسول عليه السلام يقول: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا)(134).
فهؤلاء مظلومون ونصرهم واجب، والظالم نصره منعه من الظلم، فالواجب على الدول الإسلامية أن ينصروا المظلوم، وأن يستعيدوا هذه البلاد، وأن يفعلوا مع ذلك ما يلزمهم من طاعة الله ورسوله، والاستقامة على دين الله ورسوله، حتى يعانوا، وحتى يوفقوا لما أرادوا من الخير، وحتى تحصل لهم النصرة من ربهم عز وجل، وتسهيل أمورهم وإجلاء الأعداء، وتمكين المسلمين من استرداد حقهم السليب»(135).
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ ٥٩ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: 59-60].
قال السعدي: «﴿وَأَعِدُّواْ﴾ لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم. ﴿مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ﴾ أي: كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة، والآلات من المدافع والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأي والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شرُّ أعدائهم، وتعلم الرمي، والشجاعة والتدبير.
ومن ذلك: الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال. وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته. فإذا كان شيء موجود أكثر إرهابًا منها، كالسيارات البرية والهوائية، المعدة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد، كانت مأمورًا بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها، حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلم الصناعة، وجب ذلك؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
﴿تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ ممن تعلمون أنهم أعداؤكم. ﴿وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ﴾ ممن سيقاتلونكم بعد هذا الوقت الذي يخاطبهم الله به، ﴿ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ﴾ فلذلك أمرهم بالاستعداد لهم. ومن أعظم ما يعين على قتالهم بذلك النفقات المالية في جهاد الكفار.
ولهذا قال تعالى مرغبًا في ذلك: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ قليلًا كان أو كثيرًا ﴿يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ﴾ أجره يوم القيامة مضاعفًا أضعافًا كثيرة، حتى إن النفقة في سبيل الله، تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ﴿وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ﴾، أي: لا تنقصون من أجرها وثوابها شيئًا»(136).
وقد جعل الله الإنفاق في سبيل الله من الجهاد، وفي القرآن الكريم غالبًا ما يقترن الجهاد بالنفس مع المال، قال ابن باز: «قدم الله سبحانه الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في غالب الآيات. فالمقصود أن الجهاد في سبيل الله له شأن عظيم، فهو بالمال أفضل في بعض الوجوه، وبالنفس أفضل في بعض الوجوه؛ فالنفس أغلى شيء عند الإنسان، فالجهاد بالنفس هذا أفضل الجهاد؛ لأنه مجاهد بنفسه، لكن قدم الله المال؛ لأن المال ينفع في جهات كثيرة، يستطاع أن يستأجر به المجاهد، ويستطاع أن يجهز به المجاهد، ويستطاع أن يشترى به السلاح، ويشترى به الطعام والشراب، وتشترى به الكسوة، وتشترى به المئونة والذخيرة، فنفع المال متنوع»(137).
ومن العلاج أيضًا: تعبئة الأمة بروح الجهاد، وبث حياة العزة والكرامة في أوصالها، حتى لا يدب إليها الوهن. وقد أمر الله رسوله بالتحريض على القتال، فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ٦٥ ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الأنفال: 65-66].
قال أبو السعود(138): «أي: بالغ في حثهم عليه وترغيبهم فيه بكل ما أمكن من الأمور المرغبة، التي أعظمها تذكير وعده تعالى بالنصر وحكمه بكفايته تعالى أو بكفايتهم». «ولا بد من إذكاء الروح الجهادية في النفوس، وتبصير القاصي والداني من أبناء الأمة بأهمية الجهاد في سبيل الله، وبأنه طريق العزة، وطريق الأمة في تحرير نفسها وأرضها ومقدساتها»(139).
سابعًا: طاعة الله ورسوله:
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الأنفال: 45-46].
فجعل طاعة الله ورسوله من العلاجات التي تقي المؤمنين من الانزلاق إلى الوهن، والتنازع، والفشل. قال السعدي: «﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ في استعمال ما أمرا به، والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال. ﴿وَلَا تَنَٰزَعُواْ﴾ تنازعًا يوجب تشتت القلوب وتفرقها، ﴿فَتَفۡشَلُواْ﴾ أي: تجبنوا ﴿وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ﴾ أي: تنحل عزائمكم، وتفرق قوتكم، ويرفع ما وعدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله»(140).
وفي التفسير الحديث: «في الآيات نداء موجه للمسلمين يؤمرون به بالثبات في القتال حينما يلتحمون مع فئة من أعدائهم ويلقونها، وبذكر الله كثيرًا آنذاك، حيث يضمن لهم ذلك الروحانية والتأييد والفلاح،. ويحثون به على طاعة الله ورسوله في كل موقف ويحذرون به من التنازع والاختلاف؛ لأن فيهما فشلهم وإدبار أمرهم، ويؤمرون فيه بالصبر؛ لأن ذلك يضمن لهم نصر الله وتأييده، وينهون به عن أن يكونوا مثل الكفار الذين خرجوا من مكة يملؤهم الفخر والزهو والبطر وحبُّ التظاهر، وهم يصدون عن سبيل الله، والله محيط بهم ومحبط لأعمالهم»(141).
وطاعة الله ورسوله هي عاصم الأمة من التفرق، وطريقها إلى الوحدة القائمة على هوية دينها، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 59].
وقال تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ﴾ [آل عمران: 103].
وأما طاعة الله ورسوله، فلكي يدخل المؤمنون المعركة مستسلمين لله ابتداء، فتبطل أسباب النزاع التي أعقبت الأمر بالطاعة: ﴿وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ﴾ فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه، وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار.
فإذا استسلم الناس لله ورسوله انتفى السبب الأول الرئيسي للنزاع بينهم -مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة-، فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر، إنما هو الهوى الذي يجعل كلَّ صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها! وإنما هو وضع (الذات) في كفة، والحق في كفة وترجيح الذات على الحق ابتداء! ومن ثم هذا التعليم بطاعة الله ورسوله عند المعركة إنه من عمليات (الضبط) التي لا بد منها في المعركة، إنها طاعة القيادة العليا فيها، التي تنبثق منها طاعة الأمير الذي يقودها. وهي طاعة قلبية عميقة لا مجرد الطاعة التنظيمية في الجيوش التي لا تجاهد لله، ولا يقوم ولاؤها للقيادة على ولائها لله أصلًا والمسافة كبيرة كبيرة.
فلن يوحد أمة الإسلام إلا طاعة الله ورسوله، والاعتصام بحبل الله، فتربطهم رابطة الدين، وينتمون إليه، وليس إلى عصبيات أو لغات أو أعراق، ويوالون بعضهم بعضًا، كما أمرهم ربهم فقال: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ﴾ [التوبة: 71].
ويجتنبون موالاة اليهود والنصارى، التي تمزقهم وتفرقهم وتوهنهم، كما قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا﴾ [النساء: 144].
وقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾[المائدة: 51].
| موضوعات ذات صلة: |
| الحزن، الذل، الضعف، العزم، القوة |
الحواشي
- مقاييس اللغة، 6/149. ↩
- العين، الفراهيدي، 4/92، تهذيب اللغة، الأزهري، 6/234. ↩
- العين، الفراهيدي 4/92. ↩
- المفردات، ص887.
وانظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 5/287. ↩ - المصباح المنير، 2/674.
وتابع المعاصرون الفيومي، انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، 2/1060، معجم الرائد، جبران مسعود، ص874.
وقد غلب الاستخدام المصطلحي للفظ (الوهن) في الطب والتشريح، وأطلق الأطباء العرب قديما مصطلح »الوهن» على حالة هي أقل من خلع المفصل. انظر: القانون في الطب، لابن سينا، 3/245.
واليوم كثر استخدام اللفظ مصطلحًا، في علوم عديدة، ومن ذلك: وهن الرحم، ووهن الصوت، ووهن البصر، والوهن العضلي، والوهن العصبي، والوهن النفسي. ↩ - المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، محمد حسن جبل، 4/2327. ↩
- من ألفاظ القوة ومقابلاتها في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي ص15. ↩
- انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله إبراهيم جلغوم، ص 1433. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 6/149. ↩
- الصحاح، 4/1390. ↩
- المفردات، ص507. ↩
- الفروق اللغوية، ص115. ↩
- من ألفاظ القوة ومقابلاتها في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي ص22. ↩
- مقاييس اللغة، ابن فارس، 5/36. ↩
- المفردات، الراغب 694، بتصرف. ↩
- انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر، ص383. ↩
- من ألفاظ القوة ومقابلاتها في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي ص21. ↩
- مقاييس اللغة، ابن فارس 5/178. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 5/239. ↩
- المصباح المنير، الفيومي، 2/408. ↩
- المفردات، الراغب، ص565. ↩
- انظر: التناسق الهرموني في أوائل سورة مريم، مجلة الإعجاز العلمي. ↩
- مفاتيح الغيب 21/508. ↩
- جامع البيان 18/143.
وانظر: الكشاف، الزمخشري 3/4، فتح القدير، الشوكاني 3/379، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص489. ↩ - تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/211. ↩
- الكشاف 3/4.
وتابعه عامة المفسرين، انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/77، البحر المحيط، أبو حيان 7/239، نظم الدرر، البقاعي 12/168، إرشاد العقل السليم، أبو السعود 5/253، فتح القدير، الشوكاني 3/379. ↩ - أضواء البيان 3/360. ↩
- التحرير والتنوير 16/64. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 21/507. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 21/509. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/212. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص489. ↩
- المصدر السابق ص644. ↩
- إرشاد العقل السليم، أبو السعود 7/177. ↩
- غرائب القرآن، النيسابوري 4/282، بتصرف. ↩
- الشيخوخة تنكيس في الخلق، محمد دودح، مجلة الإعجاز العلمي. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 20/137، معاني القرآن، الزجاج 4/196، الكشاف، الزمخشري 3/494. ↩
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 4/348، البحر المحيط، أبو حيان 8/413- 414. ↩
- المحرر الوجيز، ابن عطية 4/348. ↩
- البحر المحيط، أبو حيان 8/414. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص648. ↩
- تفسير الشعراوي 19/11641. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص781. ↩
- لا للشيخوخة المبكرة، سامي محمود ص61. ↩
- التناسق الهرموني في أوائل سورة مريم، د. زهير رابح قرامي، موقع مجلة الإعجاز. ↩
- قراءة علمية وإعجازية في وهن العظام عند الرجال، د. محمد الديب، موقع هيئة الإعجاز العلمي. ↩
- التناسق الهرموني في أوائل سورة مريم، زهير رابح قرامي، موقع مجلة الإعجاز. ↩
- انظر: حملته أمه وهنا على وهن، عبد المحسن صالح، 88- 95. ↩
- أخرجه أبو داوود في سننه، من حديث ثوبان، رقم 4297، كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على الإسلام. وأخرجه أحمد، رقم 8698، وحسنه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه لمسند أحمد 8/396، وحسنه الشيخ الأرناءوط في تحقيقه لسنن أبي داوود 6/355. وصححه الألباني، انظر: صحيح الجامع الصغير، رقم 8183، 2/1359. ↩
- تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة 3/313. ↩
- أنوار التنزيل، البيضاوي 5/125. ↩
- فتح القدير 5/49. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 28/62. ↩
- التحرير والتنوير 26/132. ↩
- الكشاف 2/271. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/153. ↩
- معالم التنزيل، البغوي 1/513. ↩
- الوهن في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي 45. ↩
- جامع البيان، الطبري 7/269. ↩
- النكت والعيون، الماوردي 1/428. ↩
- الكشاف 1/424. ↩
- التفسير البسيط 7/65. ↩
- الوهن في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي 49. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/390. ↩
- أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك، رقم 6363، كتاب الدعوات، باب التعوذ من غلبة الرجال. ومسلم، رقم 2706، كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من العجز والكسل. واللفظ للبخاري. ↩
- أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، رقم 2664، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز. ↩
- شرح صحيح مسلم 16/215. ↩
- جامع البيان، الطبري 20/38. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/279. ↩
- الكشاف 2/312. ↩
- مدارج السالكين 1/455. ↩
- جامع البيان، الطبري 18/125. ↩
- معالم التنزيل، البغوي 5/244. ↩
- التفسير القرآني للقرآن 2/629. ↩
- أخرجه أبو داوود عن أنس، رقم 5090، والنسائي، رقم 10330، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم 227، 1/499. ↩
- أنوار التنزيل، البيضاوي 3/238. ↩
- تفسير القرآن الكريم ابن كثير 4/599. ↩
- تيسير الكريم الرحمن 447. ↩
- فتح القدير 1/327. ↩
- تيسير الكريم الرحمن 141. ↩
- الفروسية 506. ↩
- الكشاف 2/208، وانظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 2/512. ↩
- انظر: الكيد في القرآن الكريم، يحيى محمد يحيى، 11. ↩
- معاني القرآن 4/420. ↩
- التفسير البسيط 10/74. ↩
- الوهن في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي ص65. ↩
- المصدر السابق 63-64. ↩
- تيسير الكريم الرحمن 150. ↩
- عبد الكريم الخطيب 2/606. ↩
- النكت والعيون، الماوردي 1/428. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/131. ↩
- أخرجه أبو داوود من حديث ابن عمر، رقم 3462، أبواب الإجارة، باب في النهي عن العينة، وأخرجه أحمد واللفظ له، رقم 5007، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم 11، 1/42. ↩
- نيل الأوطار 5/246. ↩
- التحرير والتنوير 10/197. ↩
- من ألفاظ القوة ومقابلاتها في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي 49. ↩
- أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، رقم 438، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف. ↩
- مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ ابن عثيمين 13/54. ↩
- التفسير البسيط 7/160. ↩
- العين، مادة: ك س ل 5/310. وتابعه جمهور اللغويين، ولفظه عند الأزهري في تهذيب اللغة، مادة: ك س ل 10/37: «الكسل: التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه»، وانظر: المفردات، الراغب، مادة: ك س ل 711، وبصائر ذوي التمييز، للفيروز آبادي 4/352. ↩
- التحرير والتنوير 5/239. ↩
- سبق تخريجه. ↩
- محمد أشرف بن أمير 11/273. ↩
- تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة 3/313. ↩
- لسان العرب، ابن منظور، مادة: غ ث ا 15/116. ↩
- الوهن في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي 73. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/72. ↩
- إرشاد العقل السليم، أبو السعود 4/25. ↩
- محمد أشرف بن أمير 11/273. ↩
- التحرير والتنوير 5/187. ↩
- تفسير الجلالين 90. ↩
- تيسير الكريم الرحمن 156. ↩
- التفسير الوجيز 235. ↩
- الواحدي 6/42. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/129. ↩
- تيسير الكريم الرحمن 199. ↩
- زاد المعاد 3/199، 201. ↩
- الوهن في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي 112. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 4/183. ↩
- معالم التنزيل، البغوي 1/502. ↩
- تيسير الكريم الرحمن 146، بتصرف. ↩
- شرح رياض الصالحين 1/182. ↩
- نظم الدرر 5/169. ↩
- أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك، رقم 2893، كتاب الجهاد والسير، باب من غزا بصبي للخدمة. ↩
- مدارج السالكين 1/501. ↩
- مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد صالح العثيمين 2/86. ↩
- الوهن في القرآن الكريم، عبد المجيد الغيلي 108. ↩
- التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس الخطيب 13/381، وما بعدها، بتصرف. ↩
- أنوار التنزيل، البيضاوي 2/36. ↩
- معالم التنزيل، البغوي 1/500. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 4/190. ↩
- جامع العلوم والحكم 2/498. ↩
- إرشاد العقل السليم، أبو السعود 2/105. ↩
- سبق تخريجه. ↩
- أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك، رقم 2443، كتاب المظالم والغصب، باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا، ومسلم من حديث جابر بن عبد الله، رقم 2584، كتاب البر والصلة، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا. ↩
- فتاوى نور على الدرب 18/252. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص324. ↩
- فتاوى نور على الدرب 18/264. ↩
- إرشاد العقل السليم، أبو السعود 4/34. ↩
- الوهن كما حددته السنة وأثره في تخلف الأمة، د. هاني طعيمات ص630. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص322. ↩
- التفسير الحديث، محمد عزت 7/66. ↩
