تنزيل PDF

مدين

المجلد الخامس عشر الطوائف والأعلام والأماكن حرف م ٦٥ قراءة · ٣٠٦ تنزيلاً

التعريف بمدين

أولًا: المكان:

اتفق المفسرون على أن مدين التي ذكرت في القرآن الكريم هي: اسمٌ لقوم شعيب عليه السلام، وهم قبيلة من العرب، وكانوا يسكنون في شمال غرب الجزيرة العربية وجنوبي الشام، بالقرب من مدينة معان، وتبوك، وبحر القلزم (الأحمر حاليا)، وأن الله تعالى أرسل إليهم شعيبا عليه السلام، وهم من بني مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام على ما ذكره جمهور المفسرين والمؤرخين(1).

ولكن اختلف المفسرون وغيرهم من الجغرافيين والمؤرخين في تحديد الموقع الجغرافي لــ(مدين) على ثلاثة أقوال:

القول الأول: ذهب الإمام ابن كثير وابن عاشور وبعض المفسرين إلى أن مدين مدينة تقع بالقرب من مدينة معان في شرقي الأردن، من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز، وقريبًا من بحيرة قوم لوط (2).

ومدينة معان حاليًا هي: مدينة في المملكة الأردنية الهاشمية، تقع جنوب العاصمة عمان، وتبعد عنها بحوالي (216) كيلومترًا، وهي أكبر محافظات الأردن مساحة، وأول منطقة دخلها الإسلام في بلاد الشام (3).

القول الثاني: إن مدين تقع شمال خليج العقبة في بلاد فلسطين في قرية تسمى: (كفر مندا)، وهي قرية عربية فلسطينية، تقع في الجليل الأسفل، وتبعد (16) كيلومترًا شمال غربي الناصرة المحتلة من قبل الصهاينة (4).

وذلك وفقا لما ذكره المؤرخ الشهير ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان تحت اسم «كفر مندا»، والذي مر بالمكان سنة (1230م)، حيث ذكر أنه يوجد في القرية بعض الدلائل التي تشير لذلك، وأهمها البئر الموجودة في ساحة القرية، وقبر بنات شعيب، ولكن يرجح الحموي أن تكون مدين: قرية على بحر القلزم بمحاذاة تبوك (5).

القول الثالث: ذهب الجغرافيون المسلمون في تحديد بلاد مدين بوضوح وبلا اختلاف بينهم، وكذلك جمهور المؤرخين إلى أن: مدين تقع في شمال غرب الجزيرة العربية بين تبوك وبحر القلزم (البحر الأحمر)، على بعد (132) كيلًا من تبوك، مما يلي جهة الشام قريبًا من مدينة معان وخليج العقبة، من أطراف الشام، وهي كذلك قريبة من بحيرة قوم لوط عليه السلام(6).

وتعرف مدين اليوم باسم: (البدع)، وهي بلدة بين تبوك وساحل البحر الأحمر على بعد (132) كيلًا غرب تبوك، وشرق رأس الشيخ حميد - على البحر - بمسافة (70) كيلًا، وهي تابعة لمنطقة تبوك التي تقع شمال غرب المملكة العربية السعودية(7).

ومن خلال الاطلاع والبحث عن موقع مدينة مدين عند المفسرين والجغرافيين القدماء والمعاصرين يمكن القول بأن مدين على الصحيح: كانت تمثل إقليمًا كبيرًا وواسعًا، وكانت تقع في شمال غرب الجزيرة العربية بين تبوك والبحر الأحمر، على بعد (132) كيلًا غرب تبوك، وكانت عاصمتها ومركزها الرئيس في مدينة البدع السعودية حاليًا، وكان لها منفذ بحري على البحر الأحمر، وكانت ممتدة إلى معان في الأردن، وبئر السبع وكفر مندا في فلسطين، وكانت في فترات ازدهارها تصل إلى طور سيناء في حدود مصر.

ويؤيد هذا ما ترجح لدى الجغرافيين وعلماء الآثار المعاصرين: أن أرض مدين كان مركزها في بلدة «البدع» بين تبوك والساحل، وهي في واد بين الجبال، ويسمى واديها: «عفال»، وأنها كانت ممتدة في أصقاع واسعة، قد تصل إلى معان في شرقي الأردن مما يلي ناحية الحجاز(8).

ومما يؤيد ذلك أيضا أن (مغاير شعيب) وآثارهم وبيوتهم وقبورهم تقع حاليا في محافظة البدع، وهي إحدى محافظات منطقة تبوك السعودية، وتبعد عن تبوك (132) كيلًا إلى الشمال الغربي منها (9).

ثانيًا: التسمية:

سمى الله تعالى قوم شعيب عليه السلام باسمين الأول منهما: وهو مدين، والآخر بأصحاب الأيكة كما يأتي على هذا التفصيل:

أولًا: سمى الله تعالى قوم شعيب عليه السلام بمدين في مواضع في القرآن الكريم.

قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۗ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ﴾ [الأعراف: 85]، وقوله سبحانه: ﴿۞ وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ﴾ [هود: 84].

وقوله عز وجل: ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦﴾ [العنكبوت: 36].

بالإضافة إلى تسمية مدين في قصة موسى عليه السلام من دون ذكر النبي شعيب عليه السلام: قال سبحانه: ﴿فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ﴾ [طه: 40].

وقال تقدست أسماؤه: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلۡقَآءَ مَدۡيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يَهۡدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ٢٢﴾ [القصص: 22].

وقال عز وجل: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ ٢٣﴾ [القصص: 23].

وقال جل شأنه لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ﴾ [القصص: 45].

وفي تسمية قوم شعيب بمدين قولان:

أحدهما: لأنهم بنو مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام، فقيل مدين، والمراد بنو مدين، كما يقال مضر والمراد بنو مضر.

الثاني: أن مدين اسم مدينتهم، فنسبوا إليها، ثم اقتصر على اسم المدينة تخفيفًا، وعلى اعتبار أنها اسم مدينة فهل هو اسم أعجمي أو عربي، فيه وجهان: أحدهما: أنه اسم أعجمي، والثاني: أنه اسم عربي، وهل هو اسم مشتق أو جامد، فقد ذكر المفسرون أنه اسم مشتق، واختلفوا في مادة اشتقاقه على وجهين: أحدهما: أنه من قولهم مدن بالمكان، إذا أقام فيه، والياء زائدة، وهذا قول من زعم أنه اسم مدينة، والثاني: أنه مشتق من قولهم دينت، أي ملكت والميم زائدة، وهذا قول من زعم أنه اسم رجل (10).

وأما شعيب فتصغير شعب، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الطريق في الجبل، والثاني: أنه القبيلة العظيمة، والثالث: أنه مأخوذ من شعب الإناء المكسور (11).

ثانيًا: سمى الله تعالى قوم شعيب عليه السلام بأصحاب الأيكة في عدة مواضع من كتابه فقال سبحانه: ﴿وَإِن كَانَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ لَظَٰلِمِينَ ٧٨﴾ [الحجر: 78].

وقال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧٦ إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَيۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٧٧ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٧٨﴾ [الشعراء: 176-178].

وقوله تعالى:﴿كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ ذُو ٱلۡأَوۡتَادِ ١٢ وَثَمُودُ وَقَوۡمُ لُوطٖ وَأَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَحۡزَابُ ١٣﴾ [ص:12-13].

وقوله سبحانه: ﴿وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤﴾ [ق:14].

والأيكة عند أهل اللغة هي: الشجر الكثير الملتف، وتسمى أيضا الغيضة، وجمعها أيك، وكل شجر ملتف فهو عند العرب أيكة، وقيل: هي الغيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر (12).

ولكن تسمية قوم شعيب عليه السلام بأصحاب الأيكة محل خلاف بين المفسرين على أقوال:

القول الأول: ذهب أكثر المفسرين على أن أصحاب الأيكة هم قوم شعيب عليه السلام.

القول الثاني: ذكر بعض المفسرين عن قتادة: إن شعيبًا عليه السلام أرسل مرتين إلى مدين وإلى أصحاب الأيكة، فأما أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة، وأما أهل مدين فأخذتهم الصيحة، صاح بهم جبريل صيحة فهلكوا جميعًا(13).

القول الثالث: هناك من المفسرين من يجعل أصحاب الأيكة فريقًا من قوم شعيب غير أهل مدين: فأهل مدين عندهم هم سكان الحاضرة، وأصحاب الأيكة هم باديتهم، وقيل: من ساحل البحر إلى مدين، وكان شعيب رسولًا إليهم جميعًا، وفيهم قال تعالى:﴿كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧٦ إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَيۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٧٧ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٧٨﴾ [الشعراء: 176-178].

وفي آية أخرى: ﴿وَإِن كَانَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ لَظَٰلِمِينَ ٧٨ فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٖ مُّبِينٖ ٧٩﴾[الحجر: 78-79].(14).

قال الإمام ابن كثير: « وأصحاب الأيكة: هم أهل مدين على الصحيح،.، والصحيح أنهم أمة واحدة، وصفوا في كل مقام بشيء، ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء، فدل ذلك على أنهما أمة واحدة» (15).

وقد كان نبي الله شعيب عليه السلام من أنفسهم، وإنما لم يقل هاهنا: أخوهم شعيب؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجر كثير ملتف، كانوا يعبدونها، فلهذا لما قال: ﴿كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾، لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، وإنما قال: ﴿إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَيۡبٌ﴾، فقطع نسب الأخوة بينهم، للمعنى الذي نسبوا إليه من عبادة الأيكة، وإن كان أخاهم نسبًا، وبعض المفسرين لم يفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيبًا عليه السلام بعثه الله إلى أمتين، ومنهم من قال: ثلاث أمم(16).

وأما موقع الأيكة ومكانها الجغرافي هو ضمن موقع مدين، وعلى وجه التحديد يمكن الاستئناس بما ذكره علامة الجزيرة في التاريخ حمد الجاسر في كتابه: في شمال غربي الجزيرة: « أن الأيكة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هي قبل تبوك التي غزاها الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر غزواته، وأهل تبوك يقولون ذلك ويعرفونه، ولم أجد هذا في كتب التفسير، بل يقولون الأيكة الغيضة الملتفة بالأشجار، والجمع أيك، والمراد بأصحاب الأيكة أهل مدين، قلت: ومدين وتبوك متجاورتان، وأقول: لا يزال يطلق اسم الأيكة على واد من روافد عفال في المنطقة المعروفة ببلاد مدين، والتي فيها مغاير شعيب عليه السلام»(17).

ثالثًا: الزمان:

لقد بين القرآن الكريم الزمن الذي كانت فيه مدين وعاش فيه النبي شعيب عليه السلام، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ ٨٩﴾ [هود: 89].

والمراد بالبعد في الآية هو: بعد الزمن والمكان والنسب، فزمن لوط عليه السلام غير بعيد من زمن شعيب عليه السلام، وكان مدين بن إبراهيم عليه السلام وهو جد قبيلة شعيب المسماة باسمه، وقد ذكر بعض المفسرين أن مدين كان متزوجًا بابنة لوط عليه السلام (18)، وقيل: إن المراد بالبعد هو أنهم غير بعيدين في الصفات والأفعال المستقبحات، من قطع الطريق، وأخذ أموال الناس جهرة وخفية، بأنواع الحيل والشبهات، والجمع بين هذه الأقوال ممكن، فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم لا زمانًا، ولا مكانًا، ولا صفاتٍ(19).

ويعتقد بعض المفسرين أن شعيبًا عليه السلام قد عاش بعد إبراهيم الخليل، وبعد يوسف عليهما السلام(20)، قال ابن كثير: «كان شعيب قبل زمان موسى عليه السلام بمدة طويلة؛ لأنه قال لقومه: ﴿وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ﴾، وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه السلام بنص القرآن، وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى عليهما السلام مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد» (21).

رابعًا: تاريخ مدين:

يعتقد بعض علماء الآثار المعاصرين أن آثار بلدة قرية البدع التي تقع في شمال تبوك ترجع إلى قوم مدين، وأن مدين كانت معاصرة لعهد موسى عليه السلام، ويرون في هذا دليلًا على قدم وجودها وإمكان نسبتها إلى ما قبل القرن الثالث عشر ق. م على أقل تقدير عندهم.

ويعتقدون أن النبي شعيبًا عليه السلام الذي ذكر في القرآن الكريم رسولٌ لأهل مدين، بأنه يحتمل

توقيت عهده بأوائل فترات ازدهار تاريخها القديم(22).

ويرجح بعض الباحثين المعاصرين من علماء الآثار والتاريخ: أن عصر شعيب عليه السلام إنما كان قبل عصر موسى، معتمدين في ذلك على أن الله تعالى قد ذكر شعيبًا في القرآن الكريم - كما في سورة الأعراف وهود والحج والشعراء والعنكبوت- بعد نوح وهود وصالح ولوط، وقبل موسى(23).

ومن خلال تقديرهم لعصر الخليل عليه السلام، والذي كان بين: (1940- 1765ق. م)، وأن لوطا عليه السلام وقومه إنما كانوا معاصرين لأبي الأنبياء عليه السلام، قال بعض الباحثين المعاصرين: «إن شعيبًا وقومه إنما كانوا يعيشون بعد القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وخاصة أن المصادر التاريخية تذكر أن مدين هو من ولد إبراهيم الخليل عليه السلام، فقدر هؤلاء - حدسًا عن غير يقين- أن القوم إنما كانوا يعيشون في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، على صحة فرض ما ذهب إليه بعضهم من أن يثرون كاهن مدين وصهر موسى، إنما هو شعيب نبي مدين العربي، وذلك لأنهم يقدرون رحلة خروج موسى من مصر متوجهًا إلى مدين، إنما كانت في هذا القرن الثالث عشر ق. م» (24).

ويمكن القول: إن هذا التقدير ربما قد يكون صحيحا أو يقارب الصحة الى حد كبير؛ لأن بعض المفسرين يذكرون أن بين الخليل عليه السلام وموسى عليه السلام أربعمائة عام، وكذلك بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام(25)، بالإضافة الى ما يذكر من أن شعيبا عليه السلام كان من المعمرين، فقد ذكرت بعض المصادر أن شعيبًا عليه السلام عمر (240) عامًا (26).

ذكر مدين في القرآن الكريم

ورد ذكر مدين في القرآن الكريم (10) مرة في (7) سورة، وقد ذكروا بلفظ (أصحاب الأيكة) (4) مرات.

وأما قصتهم فقد وردت في السور الآتية:

السورةالآيات
الأعراف85-93
هود84-95
العنكبوت36-37
الفتح29

رسول الله إلى مدين ورسالته

أولًا: رسول الله إلى مدين:

ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أن الرسول الذي أرسله إلى مدين هو شعيب عليه السلام.

قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۗ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨٥﴾ [الأعراف: 85].

وقال تعالى: ﴿۞ وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ﴾ [هود: 84].

وقوله تعالى أيضًا: ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦﴾ [العنكبوت: 36].

و كذلك قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧٦ إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَيۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٧٧﴾ [الشعراء: 176-177]. (27).

واختلف المفسرون في نسب نبي الله شعيب عليه السلام على أقوال:

الأول: أنه شعيب بن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل عليه عليه السلام، وإن أمه بنت نبي الله لوط، وقال ابن إسحاق هو: شعيب بن ميكائيل بن يزجر بن مدين بن إبراهيم وأم ميكائيل بنت لوط.

الثاني: ما قاله عطاء بأنه: شعيب بن توبة بن مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام.

الثالث: شعيب بن يثرون بن مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام (28).

قال الإمام ابن عاشور معلقًا على الاختلاف في نسب النبي شعيب: « وشعيب عليه السلام هو رسول الله لأهل مدين، وهو من أنفسهم، اسمه في العربية شعيب عليه السلام واسمه في التوراة: (يثرون)، ويسمى أيضا (رعوئيل)، وهو ابن (نويلى أو نويب) بن (رعويل) بن (عيفا) بن (مدين)، ثم قال: وقد خبط في نسب مدين، ونسب شعيب عليه السلام جمع عظيم من المفسرين والمؤرخين، فما وجدت مما يخالف هذا فانبذه»(29).

ويلاحظ من أقول المفسرين أنهم متفقون على أن شعيبًا عليه السلام من ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام (30).

وقد ذكر جمهور المفسرين أن شعيبًا عليه السلام من الأنبياء الأربعة العرب اعتمادًا منهم على حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له عند ذكر الأنبياء والرسل:(وأربعة من العرب، هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر)(31).

وكان النبي شعيب مشهورًا بالفصاحة وعلو العبارة، وببلاغته في دعوة قومه إلى الإيمان والإسلام، فقد روى ابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبًا قال: (ذاك خطيب الأنبياء)(32)، يعني: لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الإيمان برسالته (33).

[انظر شعيب: نبذة عن شعيب عليه السلام ومكانته]

ثانيًا: رسالة النبي شعيب عليه السلام:

قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۗ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨٥ وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨٦﴾ [الأعراف: 85-86].

وقال سبحانه: ﴿۞ وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۚ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ ٨٤ وَيَٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٨٥ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ٨٦﴾ [هود: 84-86].

وقال عز وجل: ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦﴾ [العنكبوت: 36].

فهذه الآيات السابقة تبين المحاور الرئيسة لدعوة النبي شعيب عليه السلام وهي: الأمر بتوحيد الله في العبادة، والنهي عن أشد الرذائل فُشُوًّا فيهم، والأمر بالفضيلة التي تقابلها(34)، وهذه المحاور هي:

1. الأمر بعبادة الله وتوحيده وتقواه.

إن الأنبياء عليهم السلام يشرعون في أول الأمر بالدعوة إلى التوحيد، ويأمرون بعبادة الله وحده، وينهون عن عبادة غير الله، وهذا أصل معتبر في شرائع جميع الأنبياء، وعليه مدار دعوة الرسل عليهم السلام كلهم، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ﴾ [النحل: 2].

كما قال تعالى بخصوص أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب:؛ ﴿كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧٦ إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَيۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٧٧ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٧٨ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٧٩﴾ [الشعراء: 176-179].

لأن معرفة الله تعالى وتوحيده في صفات العظمة التي هي صفات الألوهية، وعبادته وحده لا شريك له، فهي التي أنزل الله بها كتبه وأرسل رسله، وجعل الشرائع كلها تدعو إليها، وتجاهد من حاربها وقام بضدها.

وهذا هو منهج جميع الأنبياء عليهم السلام: فقد قال الله تعالى عن نوح عليه السلام: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣﴾ [المؤمنون: 23].

وقال الله تعالى عن هود عليه السلام: ﴿۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۗ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٦٥﴾ [الأعراف: 65].

وقال الله تعالى عن صالح عليه السلام: ﴿۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ ٦١﴾ [هود: 61](35).

وكان أهل مدين على دين إبراهيم عليه السلام الذي هو الإسلام، هو دين جميع الأنبياء، ولكنه لم يطل بهم العهد حتى غيروا دينهم الحق، وكفروا بالله، وعبدوا غير الله، وانحرفوا عن الصراط المستقيم، فغرتهم الحياة الدنيا ومتاعها الفاني، فقد كانوا أصحاب تجارة وسلع.

وكانوا على الطريق التجارية الكبيرة بين اليمن والشام، وبين العراق ومصر على ساحل البحر الأحمر، ولكن حب المال سيطر على قلوبهم وأعماهم عن اتباع الحق، فقد كانوا يعبدون الأيكة، وزيادة على كفرهم وضلالهم فقد كانوا ينقصون المكيال والميزان ويطففون فيهما، أي: يأخذون مع الزيادة، ويدفعون مع النقصان، ويأكلون المال الحرام.

ولم يكتفوا بهذه المعاملة السيئة، بل كانوا يقطعون الطريق على المارة، ويتعرضون للقوافل، فيتوعدونها ويخيفونها ويعيثون في الأرض فسادًا(36).

2. الأمر بالفضائل والنهي عن أشد الرذائل فُشُوًّا فيهم.

  • دعوته إلى الفضيلة.

وذلك من خلال دعوته إلى الخير والمعروف، فقد أخذ نبي الله شعيب عليه السلام يبسط لقومه في الكلام وهو يدعوهم للمعروف وينهاهم عن المنكر والفساد، فأراد أن يخرجهم من التعلق بالدنيا وزخارفها ويبين لهم أن أخذ المال وجمعه بالحلال خير لهم من أخذه بالظلم والخيانة وبطرق الحرام، فقال لهم برفق وحكمة: ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨٥ وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ﴾ [الأعراف: 85-86].

وقال: ﴿بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ٨٦﴾ [هود: 86].

و﴿بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ﴾ أي: أي ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم إن كنتم مؤمنين من أخذ أموال الناس بالتطفيف والظلم والخيانة، ويقال ﴿بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ﴾، أي: مراقبة الله خير لكم(37).

وقال الراغب هو: « ما يبقى ثوابه للإنسان من الأعمال، والصحيح أنها كل عبادة يقصد بها وجه الله تعالى»(38).

والقليل من الحلال الطيب خير من الكثير من الحرام الخبيث، وذلك لأن الحلال مبارك فيه وإن قل، والحرام ممحوقٌ لا بركة فيه وإن كثر، كما قال تعالى: ﴿يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ﴾ [البقرة: 276].

وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الربا وإن كثر، فإن عاقبته تصير إلى قُلٍّ) (39).

  • النهي عن أشد الرذائل فُشُوًّا فيهم.

كانت هناك بعض المنكرات التي يمارسها قوم النبي شعيب عليه السلام والتي نهاهم عنها وهي:

الأول: النهي عن التلاعب بالمكاييل والموازيين في الأخذ والعطاء.

من خلال الآيات يلاحظ أن النبي شعيبًا عليه السلام أمر قومه بالوفاء بالمكاييل والموازيين أولًا، وذلك يكون بالاستقامة في الأخذ والإعطاء، ثم نهاهم عن نقصان المكاييل والموازيين زيادة في التأكيد على ذلك، وكانت هذه المعصية قد فشت فيهم في ذلك الزمن وفحشت مع كفرهم الذي نالتهم الرجفة بسببه.

الثاني: النهي عن بخس الناس أشياءهم.

والبخس في المعاملة هو: النقص والظلم والتقليل، ومعناه لا تظلموا الناس حقوقهم التي يجب عليكم أن توفوهم إياها، و﴿أَشۡيَآءَهُمۡ﴾ أي: أموالهم وأمتعتهم مما يكال أو يوزن، وحقوقهم (40).

والنهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ﴾، عام يتناول كل حق يدخله البخس والنقص سواء أكان ذلك من الأشياء المادية أو المعنوية (41).

وقد فشا كلٌّ من هذا النوع في هذا العصر، مما أدى الى انهيار الاقتصاد، فكثير من التجار باخسون، مطففون فيما يبيعون وما يشترون، وكثير من المشتغلين بالعلوم والآداب والسياسة بخاسون لحقوق بنى جلدتهم، مُدَّعونَ للتفوق عليهم، منكرون لما خص الله به سواهم من المزايا والخصائص حسدًا عليهم وبغيًا، فيدخلون في عموم حكم الآية وهو تحريم بخس الناس أشياءهم بمختلف أنواعها (42).

الثالث: النهي عن الفساد في الأرض والعتو فيها.

ذكر الله تعالى على لسان شعيب عليه السلام أنه نهى قومه عن الفساد في الأرض بقوله: ﴿وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [الأعراف: 85].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٨٥ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ٨٦﴾ [هود: 85-86].

وقوله عز وجل: ﴿وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ﴾ [العنكبوت: 36].

﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ﴾ لفظ عام يتناول جميع أنواع الفساد دقيقه وجليله، وهو نهي شامل لكل ما يمس نظام المجتمع بالظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وإفساد الأخلاق والآداب: بارتكاب الإثم والفواحش، وإفساد العمران بالجهل وعدم النظام (43).

وكذلك الإصلاح لفظ عام: والمفسرون نَصُّوا على أن الإشارة إلى الكفر بالفساد، وإلى النبوءات والشرائع بالإصلاح (44).

والمعنى: ولا تعملوا في أرض الله بمعاصيه، وما كنتم تعملونه قبل أن يبعث الله إليكم نبيه، من عبادة غير الله، والإشراك به، وبخس الناس في الكيل والوزن (بعد إصلاحها)، يقول: بعد أن أصلح الله الأرض بالأمر بالعدل وإرسال الرسل وابتعاث النبي شعيب فيكم، ينهاكم عما لا يحل لكم، وما يكرهه الله لكم (45).

﴿ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾، فيه إشارة إلى كل ما تقدم من أمر ونهي، أي: هو خير لكم في دينكم ودنياكم، لا تكليف إعنات، فربكم لا يأمركم إلا بما هو نافع لكم، ولا ينهاكم إلا عما هو ضار بكم، وهو على كل حال غني عنكم، ولو شاء لأعنتكم، ولكنه رحيم لا يفعل ذلك، ومعنى الخيرية إما الزيادة مطلقًا أو في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال، وإنما تتحقق لكم خيرية ما ذكر إن كنتم مؤمنين بوحدانيته وصفاته تعالى، وبرسوله وما جاءكم به عنه سبحانه من الدين والشرع، وسيأتي تعليل ذلك بعد بيان ما قيل في هذا الإيمان (46).

الرابع: النهي عن قطع الطريق.

قال عليه السلام: ﴿وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ﴾ [الأعراف: 86].

نهى النبي شعيب عليه السلام قومه عن قطع الطريق الحِسِّيِّ والمعنوي؛ لأنهم كانوا يتوعدون الناس بالقتل، إن لم يعطوهم أموالهم؛ لأنهم كانوا عشارين، وذلك من قبيل بخسهم ونقصهم الكيل والوزن، وهذا نهي للعشارين ونحوهم من أخذ أموال الناس بالباطل، والسلب وقطع الطريق.

كما أنه نهاهم عن القعود على الطرقات التي توصل إليه، مخوفين من يجيئه، ليرجع عنه قبل أن يراه ويسمع دعوته، وصدهم من وصل إليه وآمن به بصرفه عن الثبات على الإيمان والاستقامة على الطريق الموصلة إلى سعادة الدارين، وابتغاؤهم جعل سبيل الله المستقيمة معوجة بالطعن وإلقاء الشبهات المشككة فيها أو المشوهة لها، وهم بعلمهم هذا ارتكبوا ضلالتين: التقليد والعصبية للآباء والأجداد، وضلالة الغلو في الحرية الشخصية التي أباحت لهم الطعن في الأديان حتى بلغوا في ذلك حد الطغيان(47).

3. دعوته إلى الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي.

قام النبي شعيب بدعوة قومه إلى عبادة الله وتوحيده الذي هو الأساس للإصلاح الاجتماعي والاقتصادي؛ ذلك أن إصلاح الحياة الاجتماعية والاقتصادية يكون بإقامة القسط والعدل في الموازين والمكاييل، والحفاظ على الحقوق، والقيام بحق الأمانة في التعامل، وترك الإفساد في الأرض، واستئصال سبب المنازعات والخلافات بين الناس، وإشاعة المحبة والمودة بينهم(48).

بينه النبي شعيب عليه السلام في قوله تعالى: ﴿قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ﴾.

ذهب جمهور المفسرين إلى أن الله تعالى قد أقام الحجج والبينات على صدق ما جاءهم به شعيب، مما يتبين به الحق من الباطل، ومن المفسرين من فسر البينة بالحجة والبرهان والمعجزة المحسوسة ذهابًا إلى أن النبي لما كان يدعو إلى شرع يوجب قبوله، فلا بد من دليل يعلم صدقه به، وما ذاك إلا المعجزة- قال: إن معجزة شعيب لم تذكر في القرآن، وليست كل آيات الأنبياء مذكورة في القرآن، يعني: دعوته وإرشاده.

لأنه لا بد لمدعي النبوة من معجزة تشهد له وتصدقه، وإلا لم تصح دعواه، وكان متنبئًا لا نبيًا، غير أن معجزته لم تذكر في القرآن الكريم، كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيه (49).

يؤيد هذا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثلها آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليًّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة)(50).

أي: إن كل نبي مرسل أعطاه الله من الآيات الدالة على صدقه وصحة دعوته ما شأنه أن يؤمن البشر على مثله (51).

وقال بعض المفسرين: عني بالبينة مجيء شعيب، وأنه لم تكن له آية إلا النبوة، ولا يخفى أن البينة أعم من المعجزة بعرفهم، فكل من أبطلت شبهة ضلاله، وأظهرت له حجة الحق الذي يدعى إليه فقد جاءته البينة؛ لأن حقيقة البينة كل ما يبين الحق، فتشمل المعجزات الكونية والبراهين العقلية، والأمم القديمة لم تكن تذعن إلا لخوارق العادات (52).

ولا يذكر السياق نوع هذه البينة-كما ذكرها في قصة صالح-ولا نعرف لها تحديدًا من مواضع القصة في السور الأخرى، ولكن النص يشير إلى أنه كانت هناك بينة جاءهم بها، تثبت دعواه أنه مرسل من عند الله، ويرتب على هذه البينة ما يأمرهم به نبيهم من توفية الكيل والميزان، والنهي عن الإفساد في الأرض، والكف عن قطع الطريق على الناس.

[شعيب: معالم نصح شعيب عليه السلام لقومه]

موقف مدين من رسولهم عليه السلام

أولًا: جواب مدين وكيف واجهوا دعوته:

تبين الآيات الآتية جواب قوم شعيب شعيبًا عليه السلام، وكيف واجهوا دعوته.

قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۗ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ﴾، إلى قوله: ﴿۞ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ ٨٨ قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ ٨٩ وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٩٠﴾ [الأعراف: 85-90].

وقال تعالى: ﴿۞ وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ٨٧ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨ وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ ٨٩ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ ٩٠ قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ ٩١ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيٓ أَعَزُّ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٩٢ وَيَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَمَنۡ هُوَ كَٰذِبٞۖ وَٱرۡتَقِبُوٓاْ إِنِّي مَعَكُمۡ رَقِيبٞ ٩٣﴾ [هود: 84-93].

وقال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧٦ إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَيۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٧٧ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٧٨﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٨٥ وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ١٨٦ فَأَسۡقِطۡ عَلَيۡنَا كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٨٧ قَالَ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨٨﴾ [الشعراء: 176-188].

ومن خلال هذه الآيات يتبن أن رد أهل مدين على شعيب عليه السلام عما أمرهم به كان متنوعًا بين رد خطاب بخطاب والرد بالاستهزاء والإهانة والتكذيب، والرد بالتهديد بالطرد والتهجير، والرد بالتهديد بالقتل على النحو الآتي:

1. رد خطاب بخطاب.

يبين القرآن الكريم أن قوم شعيب ردُّوا خطاب النبوة والرحمة والهداية بخطاب فيه السخرية والاستهزاء والتكذيب بما لا يليق بنبي مرسل لقومه على النحو الآتي:

أما ردهم على أمرهم بعبادة الله وحده، فقالوا:﴿قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ﴾، أي: هل صلاتك التي تكثر منها تأمرك بترك عبادة آبائنا وأجدادنا، وهي عبادة الأوثان والأصنام، وهذا منهم على سبيل الاستهزاء والسخرية، فهم مصرون على تقليد أسلافهم في الوثنية.

وأما الرد على ترك البخس (النقصان) في الكيل والميزان فقالوا:﴿أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ﴾، أي: وهل صلاتك تأمرك أن نترك فعل ما نريد فعله؟، ومقصودهم أن مطلبه بالعدل وأداء الزكاة منافٍ لسياسة تنمية المال وتكثيره، وهو حَجْرٌ وتقييد لحريتهم الاقتصادية.

واختلف في معنى «الصلاة» هنا، فقالت فرقة: أرادوا الصلوات المعروفة، وروي أنَّ شعيبًا عليه السلام كان أكثر الأنبياء صلاة، وقال الحسن: لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة، وقيل: أرادوا قراءتك، وقيل أرادوا: أمساجدك؟ وقيل: أرادوا: أدعواتك، وقيل: دينك الذي تدين به وأمرت باتباعه؛ لأن أصل الصلاة الاتباع، ومنه أخذ المَصْلِي في الخيل.

قال القاضي أبو محمد: وأقرب هذه الأقوال الأول والرابع، وجعلوا الأمر من فعل الصلوات على جهة التجوز، وذلك أن كل من حصل في رتبة من خير أو شر ففي الأكثر تدعوه رتبته إلى التزيد من ذلك النوع، فمعنى هذا: ألما كنت مصليا تجاوزت إلى ذم شرعنا وحالنا؟ فكأن حاله من الصلاة جَسَّرَتْهُ على ذلك فقيل: أمرته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ﴾ [العنكبوت: 45](53).

﴿تَأۡمُرُكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تدعوك إلى أمرنا، الثاني فيها: أن تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا يعني من الأوثان والأصنام.

﴿أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ﴾، فيه ثلاثة تأويلات:

أحدها: ما كانوا عليه من البخس والتطفيف.

الثاني: الزكاة، كان يأمرهم بها فيمتنعون منها، قاله زيد بن أسلم وسفيان الثوري.

الثالث: قطع الدراهم والدنانير؛ لأنه كان ينهاهم عنه، قاله زيد بن أسلم (54).

ولقد كانت الجاهليات- كما هي اليوم- تفصل بين العقيدة والعبادات، وبين الشرائع والمعاملات من ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن قوم شعيب: ﴿قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ﴾ ومن ثم يربط السياق القرآني بين قواعد التعامل في المال والتجارة والبيع والشراء، وبين هذا المعرض الخاص بالعقيدة، للدلالة على طبيعة هذا الدين، وتسويته بين العقيدة والشريعة، وبين العبادة والمعاملة، في أنها كُلَّها من مقومات هذا الدين، المرتبطة كلها في كيانه الأصيل.

أجابهم شعيب بما يحسم أطماعهم بقوله: ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨ وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ ٨٩ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ ٩٠﴾ [هود: 88-90].

أخبروني يا قوم إن كنت على بصيرة من ربي فيما أدعو إليه، ورزقني منه رزقا حسنا، وهو النبوة والحكمة، ولا أنهاكم عن الشيء وأقع في المنهي عنه، ولا أريد إلا إصلاحكم بمقدار استطاعتي، وليس توفيقي في إصابة الحق فيما أريده إلا بالله وهدايته وعونه، وعليه توكلت في جميع أموري، ومنها تبليغ رسالتي، وإليه أنيب وأرجع. وهذا دليل على ثبات شعيب على المبدأ وإخلاص الدعوة، دون أن يخشى من قومه سوءًا.

2. الرد بالاستهزاء والتكذيب.

قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ٨٧﴾ [هود: 87].

﴿إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾، فيه ثلاثة أوجه:

أحدها: أنهم قالوا ذلك استهزاء به، قاله قتادة.

الثاني: معناه أنك لست بحليم ولا رشيد على وجه النفي، قاله ابن عباس.

الثالث: أنهم اعترفوا له بالحلم والرشد على وجه الحقيقة وقالوا أنت حليم رشيد فلم تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ والحلم والرشد لا يقتضي منع المالك من فعل ما يشاء في ماله(55).

﴿قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ﴾ [هود: 91]، أي: ما نفهم ما تقول، ومنه سمي علم الدين فقهًا؛ لأنه مفهوم، وفيه وجهان: أحدهما: ما نفقه صحة ما تقول من البعث والجزاء، الثاني: أنهم قالوا ذلك إعراضًا عن سماعه واحتقارًا لكلامه(56).

ولم ينفعهم هذا الأسلوب أيضا، فلجئوا إلى الإهانة والتهديد، قائلين: يا شعيب، ما نفهم كثيرًا من قولك، مع أنه خطيب الأنبياء، وأنت واحد ضعيف، ولولا رهطك أو عشيرتك وقرابتك لرجمناك بالحجارة، وليس لك معزة ولا تكريم.

ويشبه هذا الذي ردوا به على نبيهم ما قال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيٓ أَكِنَّةٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ وَفِيٓ ءَاذَانِنَا وَقۡرٞ وَمِنۢ بَيۡنِنَا وَبَيۡنِكَ حِجَابٞ فَٱعۡمَلۡ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ ٥﴾ [فصلت: 5].

﴿وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ﴾ [هود: 91].

﴿وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ﴾ فيه سبعة تأويلات:

أحدها: ضعيف البصر، قاله سفيان.

الثاني: ضعيف البدن، حكاه ابن عيسى.

الثالث: أعمى، قاله سعيد بن جبير وقتادة.

الرابع: قليل المعرفة وحيدًا، قاله السدي.

الخامس: ذليلًا مهينًا، قاله الحسن.

السادس: قليل العقل.

السابع: قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها.

ويلاحظ من خلال تعبيرهم بالضعف أنه يحتمل هذه المعاني كلها في نظرهم.

﴿وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ﴾ فيه وجهان:

أحدهما: عشيرتك، وهو قول الجمهور.

الثاني: لولا شيعتك، حكاه النقاش.

﴿لَرَجَمۡنَٰكَۖ﴾ فيه وجهان:

أحدهما: لقتلناك بالرجم.

الثاني: لشتمناك بالكلام.

﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ﴾ فيه وجهان:

أحدهما: بكريم.

الثاني: بممتنع لولا رهطك (57).

وتلك سنة متبعة درجت عليها الأمم مع أنبيائها عليهم السلام، فقد استهزأ قوم نوح به عليه السلام.

قال تعالى: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ﴾ [هود: 38].

واستهزأت عاد بهود: عليه السلام ﴿فَأَسۡقِطۡ عَلَيۡنَا كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٨٧﴾ [الشعراء: 187].

واستهزأت ثمود بصالح، عليه السلام.

قال تعالى: ﴿قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي سَفَاهَةٖ﴾ [الأعراف: 66].

واستهزؤوا بشعيب: ﴿قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ٨٧﴾ [هود: 87].

واستهزأ فرعون بموسى عليه السلام.

قال سبحانه: ﴿أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ٥٢﴾ [الزخرف: 52](58).

أما التكذيب فهو ما جاءت به الآيات الآتية:

قال تعالى:﴿قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٨٥ وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ١٨٦﴾ [الشعراء: 185-186].

وقال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٣٧﴾ [العنكبوت: 36-37](59).

3. الرد بالتهديد بالطرد والتهجير.

فقد هدد الملأ وهم كبار القوم من قومه شعيبًا عليه السلام بالطرد والتهجير من بلده: ﴿۞ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ ٨٨ قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ ٨٩﴾ [الأعراف: 88-89].

وهذا النوع من التهديد يفعل مع جميع الأنبياء، ومن بعدهم الدعاة المخلصون، كما قال تعالى عن نبي الله لوط عليه السلام: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٨٢﴾ [الأعراف: 82].

وقال تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠﴾ [التوبة: 40](60).

4. الرد بالتهديد بالقتل.

هدد قوم شعيب النبي شعيبًا بالقتل بالرجم، والرجم من شر القتلات، قال الله تعالى إخبارًا عن قوم شعيب: ﴿قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ ٩١﴾ [هود: 91].

فلم يكتفوا باستكبارهم عن اتباع الحق الذي جاء به نبيهم، بل واجهوه بأنهم لولا عشيرته وقبيلته لرجموه بالحجارة حتى القتل وتخلصوا منه.

فقال لقومه: ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيٓ أَعَزُّ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٩٢﴾ [هود: 92].

أي: أتخافون من قبيلتي وعشيرتي وتراعونني بسببهم وخوفًا منهم ولا تخافون عذاب الله، وجعلتم أمر الله وراء ظهوركم لجهلكم وتكبركم، والله سبحانه عليم بما تعملونه لا يخفى عليه شيء، محيط بذلك كله وسيجزيكم عليه يوم القيامة(61)..

والرهط: الجماعة من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: يقال إلى الأربعين، قال: ﴿تِسۡعَةُ رَهۡطٖ يُفۡسِدُونَ﴾ [النمل: 48] والمراد لولا عشيرتك وقالوا لولا رهطك على سبيل التقليل والاحتقار (62).

ثانيًا: إنذار شعيب قومه بالعذاب ووقوعه بالفعل:

لم تجد وسائل الإصلاح اللينة والكلمة الطيبة بقوم شعيب، فتحول أسلوبه من لين القول إلى الإنذار بالعذاب، وطلب المغفرة من الله والتوبة إليه، فازداد تعنتهم وإعراضهم، وأمهلهم ليصلحوا شأنهم أو يترقبوا إنزال العقاب بهم، فلم يبدلوا حالهم، فكانت النتيجة عقابهم بالصيحة التي دمرتهم، وإنجاء المؤمنين، وهذا ما سجله القرآن الكريم في الآيات الآتية:

﴿وَيَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَمَنۡ هُوَ كَٰذِبٞۖ وَٱرۡتَقِبُوٓاْ إِنِّي مَعَكُمۡ رَقِيبٞ ٩٣ وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩٤ كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ ٩٥﴾ [هود: 93-95](63).

ولما يئس شعيب عليه السلام من إجابتهم دعوته، حسم الموقف قائلا: يا قوم، اعملوا على طريقتكم، واعملوا كل ما في وسعكم وطاقتكم من إلحاق الشر بي، فإني عامل أيضا على طريقتي بما آتاني الله من القدرة، أي: فأنتم ثابتون على الكفر والضلال، وأنا ثابت على الدعوة إلى عبادة الله والثقة بقدرته، ولسوف تعلمون من ينزل به عذاب يخزيه ويذله في الدنيا والآخرة، ومن هو كاذب في قوله مني ومنكم، وانتظروا ما أقول لكم من إيقاع العذاب، إني معكم رقيب منتظر، وهذا وعيد وتهديد لمن يفهم ويدرك المقال(64).

نعم الله على مدين وموقفهم منها

أنعم الله تعالى على قوم شعيب عليه السلام بمختلف النعم بصفة عامة، شأنهم في ذلك شأن سائر الأمم السابقة واللاحقة بهم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ﴾ [النحل: 53].

وقوله تعالى: ﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ ٣٤﴾ [إبراهيم: 34].

وقوله سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨﴾ [النحل: 18](65).

وذلك لأن نعم الله تعالى على عبيده لا يمكن عدها وحصرها؛ لأن كل ما أودع الله في السماء والأرض والأجسام من المنافع واللذات التي ننتفع بها، وكذلك الجوارح والأعضاء التي نستعملها، وما خلق الله تعالى في العالم هو من نعم الله تعالى (66).

أما نعم الله الخاصة على قوم شعيب عليه السلام فهي ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ [الأعراف: 86]وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦﴾ [الأنفال: 26](67).

فقد ذكرهم نبيهم شعيب عليه السلام بنعم الله عليهم الخاصة بهم حين كانوا قلة فكثروا، وفقراء فاغتنوا، وضعفاء فتقووا، ولفت نظرهم إلى ضرورة الاتعاظ بأحوال من سبقهم أو جاورهم من الأمم والشعوب الخالية، فإنهم حين كذبوا الرسل وكفروا بالله، دمرهم الله واستأصلهم وأبادهم وجعلهم عبرة لمن جاء بعدهم(68).

وقد حكى الإمام الزجاج في قوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ﴾ ثلاثة أوجه:

«أحدها: كثر عددكم بعد القلة، قال ابن عباس رضي الله عنه: وذلك أن مدين بن إبراهيم تزوج زينا بنت لوط وولد آل مدين منها.

والثاني: كثركم بالغنى بعد الفقر.

والثالث: كثركم بالقوة بعد الضعف.

وذكر بعض المفسرين وجهًا رابعًا: أنه كثرهم بطول الأعمار بعد قصرها من قبل»(69).

قال أبو حيان أثير الدين الأندلسي: «المراد مجموع الأقوال الأربعة، فإنه تعالى كثر عددهم وأرزاقهم، وطول أعمارهم، وأعزهم بعد أن كانوا على مقابلاتها»(70).

وصيغة الأمر في قوله: ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ﴾ في الآية المذكورة تدل على وجوب ذكر النعمة على سبيل الشكر والاعتراف بنعم الله تعالى بأن كثر جماعتهم بعد أن كانوا قليلا عددهم، وأن رفعهم من الذلة والخساسة، وأغناهم بعد أن كانوا فقراء، وقواهم بعد أن كانوا ضعفاء، وما يستوجب ذلك من الإيمان بالله تعالى وطاعته، وكأنه يقول لهم: فاشكروا الله الذي أنعم عليكم بذلك، وأخلصوا له العبادة، واتقوا عقوبته بالطاعة، واحذروا نقمته بترك المعصية(71).

والتذكير بنعمة الله تعالى طريق من طرق مواعظ الرسل.

قال تعالى حكاية عن هود عليه السلام: ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ قَوۡمِ نُوحٖ﴾ [الأعراف: 69].

وقال عن شعيب عليه السلام: ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ﴾ [الأعراف: 86].

وقال الله لموسى عليه السلام: ﴿وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ﴾ [إبراهيم: 5].

وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦﴾ [الأنفال: 26](72).

ويكون المراد من التذكير بالنعم ما يأتي:

  • أن في جملة النعم ما يشهد بصدق النبي شعيب وبرسالته التي جاء بها.
  • أن كثرة النعم توجب عظم المعصية، فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بالله ورسوله.
  • أن التذكير بالنعم الكثيرة يوجب الحياء من الله تعالى عن إظهار المخالفة.
  • أن التذكير بالنعم الكثيرة يفيد أن المنعم خصهم من بين سائر الناس بها، ومن خصَّ أحدًا بنعم كثيرة فالظاهر أنه لا يزيلها عنهم لما قيل: إتمام المعروف خير من ابتدائه، فكأن تذكير النعم السالفة يطمع في النعم الآتية، وذلك الطمع مانع من إظهار المخالفة والمخاصمة (73).

عاقبة قوم مدين

لما وصل النبي شعيب عليه السلام مع قومه إلى طريق مسدود، ويئس من إجابتهم، فوض أمره إلى الله تعالى، الذي يعتمد عليه الإنسان في أموره كلها؛ لأنه الكافي لمن توكل عليه قائلًا: ﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ﴾ [الأعراف: 89].

ثم فزع عليه السلام إلى ربه بالدعاء على قومه بالهلكة وتعجيل النقمة، إذ أيس من فلاحهم، وانقطع رجاؤه من إذعانهم لله بالطاعة والإقرار له بالرسالة، وخاف على نفسه وعلى من اتبعه من مؤمني قومه من فسقهم، فقال: ﴿رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ﴾ [الأعراف: 89].

أي: احكم بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم، وأنت خير الفاتحين، أي: خير الحاكمين، فإنك العدل الذي لا يجور أبدًا، فاستجاب الله دعاءه، فأهلكهم بالرجفة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [البقرة: 89].

وقوله: ﴿إِن تَسۡتَفۡتِحُواْ فَقَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡفَتۡحُۖ﴾ [الأنفال: 19].

والاستفتاح هو: الإنصاف في الدعاء، والاستنصار، وطلب الحكم بالحق(74).

ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿قَٰلَ رَبِّ ٱحۡكُم بِٱلۡحَقِّۗ وَرَبُّنَا ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١١٢﴾ [الأنبياء: 112].

وهذا الدعاء كانت تقوله الأنبياء لما أخرجه ابن جرير وابن كثير عن قتادة أنه قال: كانت الأنبياء عليهم السلام يقولون: ﴿رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ﴾ [الأعراف: 89].

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك، وأخرجوا كذلك عن مالك عن زيد بن أسلم: كان رسول الله عليه السلام إذا شهد قتالا قال رب احكم بالحق(75).

فأجابهم شعيب عليه السلام على سبيل التهديد والوعيد لهم بعذاب الله: ﴿وَيَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَمَنۡ هُوَ كَٰذِبٞۖ وَٱرۡتَقِبُوٓاْ إِنِّي مَعَكُمۡ رَقِيبٞ ٩٣ وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا﴾ [هود: 93-94].

وفي الشعراء قال لهم: ﴿قَالَ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨٨﴾ [الشعراء: 188].

يعني: هو عالم بأعمالكم، فإن أراد أن يبقيكم، وإن أراد أن يهلككم أهلككم، وإن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره إلى أجل معلوم، وما علي إلا البلاغ، وأنا مأمور به، فلم أنذركم من تلقاء نفسى، ولا أدعي القدرة على عذابكم(76).

وقد ذكر تعالى صفة عاقبة أهل مدين، وكيف كان هلاكهم في ثلاثة مواطن من كتاب الله تعالى، وذكر تعالى أنهم عذبوا بأنواع مختلفة من العذاب في كل موطن من المواطن الثلاثة بصفة تناسب ذلك السياق الذي وردت فيه، كما تناسب الموقف الصادر من قوم شعيب تجاه نبيهم عليه السلام، ويمكن تفصيل هذه الأنواع من العذاب فيما يأتي:

أولًا: العذاب بالرجفة:

قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٩٠ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩١ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٢ فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٩٣﴾ [الأعراف: 90-93].

وقال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٣٧﴾ [العنكبوت: 36-37].

أي: رجفت بهم أرضهم وزلزلت -بمشيئة الله وقدرته- زلزالًا شديدًا، أزهقت أرواحهم فأصبحت جثثهم جاثيةً، لا أرواح فيها، ولا حركات ولا حواس، فأصبحوا في دارهم جاثمين، أي: ساقطين على ركبهم ووجوههم، وذلك لأنهم قالوا لنبيهم: ﴿لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ﴾ [الأعراف: 88].

فأرجفوا نبي الله عليه السلام ومن اتبعه، فأخذتهم الرجفة، فكانت جزاء على إرجافهم(77).

والرجفة في اللغة: الزلزلة الشديدة، قال الطبري: والرجفة مَيْدُ الأرض بهم وزلزلتها عليهم وتداعيها بهم، وذلكَ نحوٌ من الخسف، ومنه الإرجاف بالأخبار، و «الجثوم» في هذا الموضع تشبيه، أي: كان همودهم على الأرض كالجثوم الذي هو للطائر والحيوان(78).

وقد وصف الله تعالى عذاب قوم شعيب بما وصف به يوم القيامة.

قال تعالى: ﴿يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ٦ تَتۡبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ٧ قُلُوبٞ يَوۡمَئِذٖ وَاجِفَةٌ ٨﴾ [النازعات: 6-8].

وكذلك قوله تعالى: ﴿يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِيبٗا مَّهِيلًا ١٤﴾ [المزمل: 14](79).

ثانيًا: العذاب بالصيحة:

قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩٤ كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ ٩٥﴾ [هود: 94-95].

والصيحة: هي الصوت المدوي العالي، الذي يصم الآذان من شدته وعلوه، وهذه الصيحة ناتجة عن الرجفة والزلزلة، فلما انشقت الأرض، حدث انفجار بركاني كبير مدوٍّ، وسمعوا صوت ذلك الانفجار، فأصيبوا بالفزع والهلع(80).

وذلك لأنهم استهزؤوا بنبي الله شعيب عليه السلام في قولهم: ﴿أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ٨٧﴾ [هود: 87].

قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم عن آخرهم(81).

ثالثًا: عذاب يوم الظلة:

قال تعالى: ﴿قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٨٥ وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ١٨٦ فَأَسۡقِطۡ عَلَيۡنَا كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٨٧ قَالَ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨٨ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمِ ٱلظُّلَّةِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ١٨٩ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٩٠ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٩١﴾ [الشعراء: 185-191].

وهاهنا قالوا: ﴿فَأَسۡقِطۡ عَلَيۡنَا كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ الآية، على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحقق عليهم ما استبعدوا وقوعه فأخذهم عذاب يوم الظلة (82).

قوله تعالى: ﴿كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: جانبًا من السماء، قاله الضحاك، الثاني: قطعا، قاله قتادة، الثالث: عذابا، قاله السدي(83).

والظلة: سحابة أظلتهم، فاجتمعوا تحتها مستجيرين بها مما نالهم من حر ذلك اليوم، ثم أطبقت عليهم، فكان أعظم يوم في الدنيا عذابا، وذلك معنى قوله: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ١٨٩ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٩٠﴾ [الشعراء: 189-190](84).

قال ابن عطية: «ويوم الظلة هو يوم عذابهم وصورته فيما روي أن الله امتحنهم بِحَرٍّ شديد، فلما كان في ذلك اليوم غشي بعض قُطْرِهِمْ سحابٌ فجاء بعضهم إلى ظله فأحس فيه بردًا وروحًا فتداعوا إليه، حتى تكاملوا فيه فاضْطَرَمَتْ عليهم تلك السحابة نارًا فأحرقتهم من عند آخرهم، وللناس في حديث يوم الظلة تطويلات لا تثبت، والحق أنه عذاب جعله الله ظلة عليهم، وذكر الطبري عن ابن عباس أنه قال: من حدثك ما عذاب يوم الظلة فقد كذب، وباقي الآية بين.

ويحتمل أن فرقة من قوم شعيب أهلكت بالرجفة وفرقة بالظلة ويحتمل أن الظلة والرجفة كانتا في حين واحد، وروي أن الله تعالى بعث شعيبا إلى أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة، وقيل هما طائفتان وقيل واحدة وكانوا مع كفرهم يبخسون الكيل والوزن فدعاهم فكذبوه فجرت بينهم هذه المقاولة المتقدمة، فلما عتوا وطالت بهم المدة فتح الله عليهم بابا من أبواب جهنم فأهلكهم الحر منه فلم ينفعهم ظل ولا ماء، ثم إنه بعث سحابة فيها ريح طيبة فوجدوا برد الريح وطيبها فتنادوا، عليكم الظلة، فلما اجتمعوا تحت الظلة، وهي تلك السحابة انطبقت عليهم فأهلكتهم»(85).

وهذا من جنس ما سألوه من إسقاط الكسف عليهم، فإن الله تعالى جعل عقوبتهم أن أصابهم حر عظيم مدة سبعة أيام، لا يكنهم منه شيء، ثم أقبلت إليهم سحابة أظلتهم، فجعلوا ينطلقون إليها يستظلون بظلها من الحر، فلما اجتمعوا كلهم تحتها، أرسل الله تعالى عليهم منها شررا من نار ولهبا ووهجا عظيما، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ﴾ (86).

قال الحافظ ابن كثير: « ذكر تعالى صفة إهلاكهم في ثلاثة مواطن، كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق، ففي (الأعراف) ذكر أنهم ﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩١﴾ [الأعراف: 91].

وذلك لأنهم قالوا: ﴿لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ﴾ [الأعراف: 88].

فأرجفوا نبي الله ومن اتبعه فأخذتهم الرجفة وفي سورة هود قال: ﴿وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ﴾ [هود: 94].

ذلك لأنهم استهزءوا بنبي الله في قولهم: ﴿أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ٨٧﴾ [هود: 87].

قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم فقال: ﴿وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ﴾ وههنا قالوا: فأسقط علينا كسفا من السماء الآية، على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحقق عليهم ما استبعدوا وقوعه فأخذهم عذاب يوم الظلة(87).

ومن هنا يعلم أن هناك سببا مشتركا في عقاب الأمم المتقدمة وإهلاكهم، وهو الكفر بالله كفر تحد وعناد، مع الإفساد، في الأرض بالمعاصي الكبائر.

فقوم مدين: « رفضوا دعوة نبيهم شعيب عليه السلام الذي قال لهم: إن الله تعالى واحد فاعبدوه، والحشر كائن، فارجوه، والفساد بالكفر والظلم والمعصية محرم فلا تقربوه، فكذبوه فيما دعاهم إليه وأخبرهم به»(88). فعاقبهم الله كما ذكر هنا، وفي الأعراف بالرجفة، وفي هود بالصيحة، والأمر واحد، فإن الصيحة كانت سببا للرجفة، أي زلزلة الأرض، إما بسبب صيحة جبريل، وإما بسبب رجفة الأفئدة التي ارتجفت منها، ولما كانت الصيحة عظيمة أحدثت الزلزلة في الأرض، فأصبحوا جاثمين ميتين في ديارهم.

وأما ثمود قوم صالح عليه السلام فكذبوا رسولهم، وأعلنوا كفرهم، وهددوا نبيهم بالطرد والإخراج من بلدهم، وعقروا الناقة التي أرسلها الله إليهم معجزة لنبيهم صالح، وكان عقابهم كعقاب أهل مدين بالصيحة أو الزلزلة أو الطاغية، وبقيت آثار ثمود وعاد بالحجر والأحقاف شاهدة على ظلمهم، وآية بينة مؤثرة للمعتبرين المتعظين (89).

أما عاد قوم هود عليه السلام فقد أهلكهم الله تعالى بظلمهم حين فقالوا: ﴿مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ﴾ [فصلت: 15]؟ فأنكروا وجود الإله الخالق القادر، وعتوا وبغوا وتعالوا على الناس، فدمر الله ديارهم بمن فيها: ﴿بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ ٦ سَخَّرَهَا عَلَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَيَالٖ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومٗا﴾ [الحاقة: 6-7].

وفي إسناد الأخذ إلى الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظلة تهويل لما أنزله الله بالكافرين المكذبين رسلهم وكيف كان عقابهم، ومبالغة في تصوير المعنى الذي لا يخفى أثره في النفوس (90).

اقتران مدين وثمود في القرآن

إن من حكم اقتران مدين وثمود في السياق القرآني هو: في التشابه في الجنس حيث إنهم من العرب وفي أنهم متجاورون في البلدان وفي التشابه في الهلاك، واللعنة والمصير الواحد.

قال تعالى في قصة قوم شعيب عليه السلام: ﴿وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ ٨٩ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ ٩٠ قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ ٩١ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيٓ أَعَزُّ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٩٢ وَيَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَمَنۡ هُوَ كَٰذِبٞۖ وَٱرۡتَقِبُوٓاْ إِنِّي مَعَكُمۡ رَقِيبٞ ٩٣ وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩٤ كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ ٩٥﴾ [هود: 89-95].

وقال تعالى في قصة قوم صالح عليه السلام: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا صَٰلِحٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَمِنۡ خِزۡيِ يَوۡمِئِذٍۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ٦٦ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٦٧ كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّثَمُودَ ٦٨﴾ [هود: 66-68]. (91).

وأوجه التشابه بينهم فيما يأتي:

1. التشابه في الجنس والكفر، وقطع الطريق.

إن الله تعالى قرن بين ثمود قوم صالح، ومدين قوم شعيب لأنهم كانوا من جنس واحد وهو أنهم من العرب، وكانوا جيرانهم في البلدان، ويشبهونهم في الكفر وقطع الطريق.

قال الإمام ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ ٩٥﴾ [هود: 95].

أي: كأن لم يعيشوا في دارهم قبل ذلك، ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود، وكانوا جيرانهم قريبا منهم في الدار، وشبيها بهم في الكفر، وقطع الطريق وكانوا عربا مثلهم»(92).

2. التشابه في الهلاك والسحق والبعد.

قال تعالى في قصة قوم شعيب عليه السلام: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩٤ كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ ٩٥﴾ [هود: 94-95].

وقال تعالى في قصة قوم صالح عليه السلام: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا صَٰلِحٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَمِنۡ خِزۡيِ يَوۡمِئِذٍۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ٦٦ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٦٧ كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّثَمُودَ ٦٨﴾ [هود: 66-68].

وأما قوله: ﴿كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ﴾ فهو تشبيه: البعد الذي هو انقراض مدين بانقراض ثمود، ووجه الشبه: التماثل في سبب عقابهم بالاستئصال، وهو عذاب الصيحة، ويجوز أن يكون المقصود من التشبيه: الاستطراد بذم ثمود لأنهم كانوا أشد جرأة في مناوأة رسل الله، فلما تهيأ المقام لاختتام الكلام في قصص الأمم البائدة ناسب أن يعاد ذكر أشدها كفرا وعنادا فشبه هلاك مدين بهلاكهم لأن هذه تربية لقوم نبي في حضرته، وتلك صاعقة كانت عذاب خزى لمشركين ظالمين معاندين أنجى الله نبي كل منهما ومؤمنيهما قبلها (93).

روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح، فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم(94).

والبعد أكثر ما يقال في الهلاك، نحو: ﴿بَعِدَتۡ ثَمُودُ﴾ [هود: 95].

وكذلك يكون البعد بمعنى اللعنة، فيكون أبعده الله في معنى لعنه الله، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المؤمنون: 41].

وقوله تعالى ﴿فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 44].

وقوله سبحانه: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ فِي ٱلۡعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلۡبَعِيدِ﴾ [سبأ: 8].

أي: الضلال الذي يصعب الرجوع منه إلى الهدى تشبيها بمن ضل عن محجة الطريق بعدا متناهيا، فلا يكاد يرجى له العود إليها، وقوله عز وجل: ﴿وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ﴾ [هود: 89].

أي: تقاربونهم في الضلال، فلا يبعد أن يأتيكم ما أتاهم من العذاب(95)، والظاهر من السياق الكريم أن المراد الزمن وبعد المسافة، وهكذا قال قتادة: (إنما كانوا حديثي عهد قريب بعد نوح وثمود).

وقال الطبري: « ويحتمل وما دار قوم لوط منكم ببعيد، ولا مانع من إرادة ذلك كله»(96).

3. التشابه في المصير.

قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٢﴾[الأعراف: 92].

أي: أهلك الذين كذبوا شعيبا فلم يؤمنوا به، فأبادهم، فصارت قريتهم منهم خاوية خلاء كأن لم يغنوا فيها، أي: الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها، أي: لم يعيشوا ولم ينزلوا ولم يقيموا ولم ينعموا، وأصله من قولهم: غنية بالمكان إذا أقمت به والمغاني: المنازل(97).

قال الماوردي عند تفسير قوله عز وجل: ﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ﴾ «فيه أربعة تأويلات:

أحدها: كأنهم لم يقيموا فيها، قاله ابن قتيبة.

والثاني: كأن لم يعيشوا فيها، قاله الأخفش.

والثالث: كأن لم ينعموا فيها، قاله قتادة.

والرابع: كأن لم يعمروا فيها، قاله ابن عباس»(98).

موسى عليه السلام في مدين

تناول القرآن الكريم قصة موسى في مدين من خلال المحاور الآتية:

أولًا: خروج موسى عليه السلام إلى مدين وأسبابه:

ذكر القرآن الكريم قصة خروج موسى عليه السلام من مصر إلى مدين هاربا من فرعون وملائه بسبب قتل القبطي، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ ١٥ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي فَٱغۡفِرۡ لِي فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ١٦ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِيرٗا لِّلۡمُجۡرِمِينَ ١٧ فَأَصۡبَحَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسۡتَنصَرَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ يَسۡتَصۡرِخُهُۥۚ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰٓ إِنَّكَ لَغَوِيّٞ مُّبِينٞ ١٨ فَلَمَّآ أَنۡ أَرَادَ أَن يَبۡطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوّٞ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقۡتُلَنِي كَمَا قَتَلۡتَ نَفۡسَۢا بِٱلۡأَمۡسِۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٩ وَجَآءَ رَجُلٞ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ يَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِيَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢٠ فَخَرَجَ مِنۡهَا خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢١﴾ [القصص: 15-21].

يقول تعالى مخبرًا عن موسى عليه السلام لما قتل ذلك القبطي، إنه أصبح في المدينة خائفا من معرة ما فعل يترقب، أي: ينتظر ويتوقع ما يكون من ذلك الأمر، ثم إنهم طلبوه وبعثوا وراءه ليحضروه لذلك، فخرج موسى من مدينة فرعون خائفا من قتله النفس أن يقتل به بعد ما أخبره ذلك الرجل بما تمالئ عليه فرعون ودولته في أمره، وخرج من مصر وحده، ولم يألف ذلك قبله بل كان في رفاهية ونعمة ورئاسة، فخرج منها خائفا يترقب أي: يتلفت، ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أي: من فرعون وملئه (99).

واتجه موسى عليه السلام جهة مدين تاركا مدينة فرعون؛ لأنه كما وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة؛ لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم عليه السلام، وهو كان من بني إسرائيل من ولد يعقوب بن إبراهيم(100).

خرج موسى عليه السلام فارا بنفسه منفردا حافيا لا شيء معه، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر، ولما رأى حاله وعدم معرفته بالطريق وخلوه من الزاد وغيره، فأسند أمره إلى الله تعالى وقال: ﴿عَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يَهۡدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [القصص: 22].

فقد كان عارفا بالله تعالى عالما بالحكمة والعلم الذي آتاه الله تعالى، وتوجه ناحية مدين، ولم تكن في سلطان فرعون، وبينها وبين مصر مسيرة ثمان أيام وكان موسى لا يعرف إليها الطريق(101).

قوله تعالى:﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلۡقَآءَ مَدۡيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يَهۡدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ شخصية موسى عليه السلام فريدا وحيدا مطاردا في الطرق الصحراوية في اتجاه مدين في جنوبي الشام وشمالي الحجاز. مسافات شاسعة، وأبعاد مترامية، لا زاد ولا استعداد، فقد خرج من المدينة خائفا يترقب، وخرج منزعجا بنذارة الرجل الناصح، لم يتلبث، ولم يتزود ولم يتخذ دليلا. ونلمح إلى جانب هذا نفسه متوجهة إلى ربه، مستسلمة له، متطلعة إلى هداه: «عسى ربي أن يهديني سواء السبيل».

وكانت هذه هجرة نبوية تشبه هجرة إبراهيم الخليل عليه السلام إذ قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ﴾ [العنكبوت: 26].

وقد ألهم الله موسى عليه السلام أن يقصد بلاد مدين إذ يجد فيها نبيئا يبصره بآداب النبوءة، ولم يكن موسى يعلم إلى أين يتوجه ولا من سيجد في وجهته كما دل عليه قوله ﴿عَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يَهۡدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾(102).

ثانيًا: موسى عليه السلام عند ماء مدين وقصته مع الفتاتين:

بين القرآن الكريم قصة موسى عليه السلام عند ماء مدين، وقصته مع الفتاتين في الآيات الآتية:

قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ ٢٣ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ ٢٤ فَجَآءَتۡهُ إِحۡدَىٰهُمَا تَمۡشِي عَلَى ٱسۡتِحۡيَآءٖ قَالَتۡ إِنَّ أَبِي يَدۡعُوكَ لِيَجۡزِيَكَ أَجۡرَ مَا سَقَيۡتَ لَنَاۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيۡهِ ٱلۡقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥﴾ [القصص: 23-25].

وجد موسى جماعة كثيرة من الناس على ماء مدين وهم يصفون حال المجتمع الذي يعيشون فيه، يشرب الأقوياء أولًا من الماء الصافي ويسقون أنعامهم ومواشيهم، ثم يشرب الضعيف بقية الماء وهذا شأن الضعيف مع القوي دائما (103).

ووجد في مكان أسفل من مكانهم امرأتين تمنعان غنمهما من ورود الماء مع الرعاة الآخرين، لئلا يؤذيا وتختلط أغنامهما مع غيرها، فلما رآهما موسى عليه السلام رق لهما ورحمهما، فسألهما: ما شأنكما وما خبركما لا تردان الماء مع هؤلاء؟ قالتا: لا نسقي غنمنا، أي: لا نتمكن من سقي الغنم إلا بعد فراغ هؤلاء القوم من السقي، وأبونا شيخ كبير هرم لا يستطيع الرعي والسقي بنفسه، مما ألجأنا إلى الحال التي ترى، وفي هذا اعتذار لموسى عن مباشرتهما السقي بأنفسهما وتنبيه على أن أباهما لا يقدر على السقي لشيخوخته وكبره، واستعطاف لموسى في إعانتهما.

فسقى لهما غنمهما لأجلهما من بئر مغطى بصخرة، لا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، ثم انزوى إلى ظل شجرة للراحة، فناجى ربه قائلا: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ﴾ أي: إني لمحتاج إلى الخير القليل أو الكثير وهو الطعام، لدفع غائلة الجوع، وفي الآية دلالة على أنه: سقى لهما في حر من الشمس، وعلى كمال قوة موسى عليه السلام، وعلى أنه رغم نعومة عيشه في بلاط فرعون كان مخشوشنًا جلدًا صابرًا.

ويؤيد هذا ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة بسنده عن عمر بن الخطاب: رضي الله عنه « أن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم» (104).

ثم فرج الله عن موسى عليه السلام بعد الشدة التي عاناها والرحلة الطويلة التي قطعها: فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا أي: لما رجعت المرأتان سريعا بالغنم إلى أبيهما استغرب وسألهما عن خبرهما، فقصتا عليه ما فعل موسى عليه السلام، فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها، فجاءت إحداهما تمشي مشي الحرائر، مستحية، متخمرة بخمارها، ساترة وجهها بثوبها، ليست جريئة على الرجال، فقالت في أدب وحياء: إن أبي يطلبك ليكافئك على إحسانك لنا، ويعطيك أجر سقيك لغنمنا(105).

ولما وصل موسى عليه السلام إلى الشيخ الكبير، وأخبره عن قصته مع فرعون وقومه في كفرهم وطغيانهم، وظلمهم بني إسرائيل، وتآمرهم على قتله وسبب خروجه من بلده مصر، أمنه ودفع عنه الخوف، وقال له: ﴿لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أي: لا تخف واطمئن وطب نفسا، فإنك نجوت من سطوة الظالمين، وخرجت من مملكتهم، ولا سلطان لهم في بلادنا، فاطمأن موسى وهدأت نفسه من القلق والخوف، وبدأ موسى عليه السلام حياة جديدة في مجتمع جديد (106).

ثالثًا: مكث موسى عليه السلام في مدين سنين وأسبابه:

بين القرآن الكريم المدة التي مكث فيها موسى أنها ثمان أو عشر سنين وسبب ذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ ٢٦ قَالَ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَيۡكَۚ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧ قَالَ ذَٰلِكَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَۖ أَيَّمَا ٱلۡأَجَلَيۡنِ قَضَيۡتُ فَلَا عُدۡوَٰنَ عَلَيَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٢٨﴾ [القصص: 26-28].

ولكن بينت السنة المدة التي مكث فيها موسى في مدين في ما رواه سعيد بن جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري، حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت، فسألت ابن عباس، فقال: « قضى أكثرهما، وأطيبهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل»(107).

وقال وهب بن منبه: لبث موسى عليه السلام عند شعيب عليه السلام ثمانيا وعشرين سنة منها عشر سنين مهر امرأته.

والآية تدل على أنه عليه السلام لبث عنده عشر سنين وليس فيها ما ينفي الزيادة على العشر، واعلم أن قوله: ﴿فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ﴾ بعد قوله: ﴿وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ﴾كالدلالة على أن لبثه في مدين من الفتون، وكذلك كان، فإنه عليه السلام تحمل بسبب الفقر والغربة محنا كثيرة، واحتاج إلى أن آجر نفسه(108).

أما سبب مكث موسى عليه السلام في مدين فهناك سبب رئيسي هو: هروبه من مصر بسبب قتله للقبطي، بالإضافة إلى أنه عمل أجيرا مع شعيب عليه السلام وارتبط بعقد عمل مع أبي الفتاتين عندما طلبت إحدى الفتاتين ذلك: ﴿قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ ٢٦﴾ [القصص: 26]؛ لأنه القوي على حفظ الماشية والقيام بشؤونها، المؤتمن الذي لا تخاف خيانته، ومصدر هاتين الصفتين ما شاهدت من حاله، قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت له: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإني لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال لي: كوني من ورائي، فإذا اختلف علي الطريق، فاقذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدي إليه.

مصاهرة موسى لشعيب: قال: ﴿إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَيۡكَۚ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ أي: إن شعيب اقتنع بأن موسى رجل قوي أمين، فقال له: أريد مصاهرتك وتزويجك إحدى هاتين البنتين، فاختر ما تشاء، وهما صفوريا وليا، والمهر: أن ترعى غنمي ثماني سنين، فإن تبرعت بزيادة سنتين، فهو إليك، وإلا ففي الثماني كفاية.

وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل من هو؟ على أقوال:

أحدها: أنه شعيب النبي عليه السلام الذي أرسل إلى أهل مدين.

وقد ذهب إلى ذلك الجمهورمن المفسرين - وهو المشهور عند كثير من العلماء- على أن الداعي أباهما هو شعيب عليه السلام الذي أرسل إلى أهل مدين، وهما ابنتاه، وليس في ذلك شيء يأباه الدين، كما قال الإمام الرازي(109).

وقال القرطبي: «وأكثر الناس على أنهما ابنتا شعيب عليه السلام وهو ظاهر القرآن»(110).

وروى ابن أبي حاتم بسنده عن مالك بن أنس أنه بلغه أن: شعيبًا هو الذي قص عليه موسى القصص، قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين(111).

وروى الطبراني عن سلمة بن سعد العنزي رضي الله عنه أنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: (مرحبًا بقوم شعيب وأختان موسى)(112)(113).

ورجح ابن عاشور بأنه شعيب النبي عليه السلام بقوله: « واسم المرأتين (ليا) و(صفورة)، وفي سفر الخروج: أن أباهما كاهن مدين، وسماه في ذلك السفر أول مرة رعويل ثم أعاد الكلام عليه فسماه يثرون ووصفه بحمي موسى، فالمسمى واحد.

وقال ابن العبري في «تاريخه»: يثرون بن رعويل له سبع بنات خرج للسقي منهما اثنتان، فيكون شعيب هو المسمى عند اليهود يثرون، والتعبير عن النبي بالكاهن اصطلاح؛ لأن الكاهن يخبر عن الغيب، ولأنه يطلق على القائم بأمور الدين عند اليهود، وللجزم بأنه شعيب الرسول عليه السلام جعل علماؤنا ما صدر منه في هذه القصة شرعا سابقا، ففرعوا عليه مسائل مبنية على أصل: أن شرع من قبلنا من الرسل الإلهيين شرع لنا ما لم يرد ناسخ» (114).

القول الثاني: إنه كان ابن أخي شعيب، وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب، وعن ابن عباس هو يثري صاحب مدين، رواه ابن جرير وذكر أن رجاله ثقات إلا شيخه سفيان بن وكيع، وعن الحسن: هو سيد أهل مدين، وعن ابن إسحاق: أنه حبر أهل مدين وكاهنهم، وعن أبي عبيدة: أنه يترون ابن أخي شعيب (115)..

القول الثالث: كان شعيب قبل زمان موسى عليه السلام بمدة طويلة؛ لأنه قال لقومه: ﴿وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ﴾، وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه السلام بنص القرآن، وهذا ما رجحه الإمام ابن كثير بقوله: وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى عليهما السلام مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد، وما قيل إن شعيبا عاش مدة طويلة، إنما هو- والله أعلم- احتراز من هذا الإشكال، ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن ههنا، وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده، كما سنذكره قريبا إن شاء الله، ثم من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه ثيرون، والله أعلم»(116).

وممن رجح أن أبا المرأتين صاحب مدين المذكور في سورة القصص ليس شعيبًا الشيخ عبد الرحمن السعدي حيث قال: «وهذا الرجل أبو المرأتين صاحب مدين، ليس بشعيب النبي المعروف كما اشتهر عند كثير من الناس، فإن هذا قول لم يدل عليه دليل وغاية ما يكون أن شعيبا عليه السلام قد كانت بلده مدين وهذا قضية جرت في مدين، فأين الملازمة بين الأمرين، وأيضا فإنه غير معلوم أن موسى عليه السلام أدرك زمان شعيب عليه السلام فكيف بشخصه ولو كان ذلك الرجل شعيبًا لذكره الله تعالى، ولسمته المرأتان، وأيضًا فإن شعيبًا عليه السلام قد أهلك الله قومه بتكذيبهم إياه، ولم يبق إلا من آمن به، وقد أعاذ الله المؤمنين أن يرضوا لبنتي نبيهم بمنعهما عن الماء وصد ماشيتهما حتى يأتيهما رجل غريب فيحسن إليهما ويسقي ماشيتهما، وما كان شعيب ليرضى أن يرعى موسى عنده، ويكون خادما له وهو أفضل منه وأعلى درجة، إلا أن يقال هذا قبل نبوة موسى فلا منافاة، وعلى كل حال لا يعتمد على أنه شعيب النبي بغير نقل صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم» (117).

القول الرابع: التوقف عن الجزم بأنه شعيب أو غيره.

وهذا ما ذهب إليه ابن جرير الطبري حين ذكر الاختلاف المذكور في الرجل الذي قص عليه موسى القصص، بعد أن ذكر الخلاف في أسماء بنات شعيب عليه السلام بقوله: « وكان اسم إحداهما صفورا، واسم الأخرى ليا، وقيل: شرفا كذلك، قال: اسم الجاريتين ليا، وصفورا، وامرأة موسى صفورا ابنة يثرون كاهن مدين، والكاهن: حبر عن ابن إسحاق، قال: إحداهما صفورا ابنة يثرون وأختها شرفا، ويقال: ليا، وهما اللتان كانتا تذودان.

وأما أبوهما ففي اسمه اختلاف، فقال بعضهم: كان اسمه يثرون، وعن أبي عبيدة، قال: الذي استأجر موسى يثرون ابن أخي شعيب عليه السلام، وقال آخرون: بل اسمه: يثرى، قال ذلك ابن عباس قال: الذي استأجر موسى: يثرى صاحب مدين، وقال آخرون: بل اسمه شعيب، وقالوا: هو شعيب النبي صلى الله عليه وسلم.

قال أبو جعفر: وهذا مما لا يدرك علمه إلا بخبر، ولا خبر بذلك تجب حجته، فلا قول في ذلك أولى بالصواب (118).

ويستدل بعض الفقهاء والمفسرين بهذه القصة على جواز مباشرة المرأة الأعمال والسعي في طرق المعيشة، ووجوب استحيائها، وولاية الأب في النكاح، وجعل العمل البدني مهرا، وجمع النكاح والإجارة في عقد واحد، ومشروعية الإجارة(119).

قال ابن عاشور: «وفي أدلة الشريعة الإسلامية غنية عن الاستنباط مما في هذه الآية إلا أن بعض هذه الأحكام لا يوجد دليله في القرآن ففي هذه الآية دليل لها من الكتاب عند القائلين بأن شرع من قبلنا شرع لنا.

وفي إذنه لابنتيه بالسقي دليل على جواز معالجة المرأة أمور مالها، وظهورها في مجامع الناس، إذا كانت تستر ما يجب ستره، فإن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكاه شرعنا ولم يأت من شرعنا ما ينسخه، وأما تحاشي الناس من نحو ذلك فهو من المروءة والناس مختلفون فيما تقتضيه المروءة والعادات متباينة فيه وأحوال الأمم فيه مختلفة وخاصة ما بين أخلاق البدو والحضر من الاختلاف»(120).

رابعًا: قصة موسى عليه السلام في مدين من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم:

إن الآيات التي تبين أن قصة موسى عليه السلام في مدين من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هي قوله تعالى:﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٤٤ وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٤٥ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٦﴾ [القصص: 44-46].

والثاوي هو: المقيم أي: ماكنت مقيما في أهل مدين (121).

وهذه الآيات تبين الأحوال الثلاثة العظيمة التي اتفقت لموسى عليه السلام:

وأولها: إنزال التوراة عليه حتى تكامل دينه واستقر شرعه.

والثاني: مكثه وإقامته في مدين.

ثالثها: ليلة المناجاة.

ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الأحوال حاضرًا لهذه الأحوال، وبين الله تعالى أنه بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم وعرفه هذه الأحوال فكان الإخبار بها وبتفاصيلها من الدلائل الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم ومعجزة من معجزاته الشاهدة بصدق رسالته من غير أن يكون حاضرًا أو مشاهدًا أو مقيمًا في مدين مع موسى صلى الله عليه وسلم (122).

قال الإمام ابن كثير في تفيسر هذه الآيات: « يقول تعالى منبها على برهان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بالغيوب الماضية خبرا كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم، وهو رجل أمي لا يقرأ شيئا من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك، وقال ههنا بعد ما أخبر عن قصة موسى من أولها إلى آخرها، وكيف كان ابتداء إيحاء الله إليه وتكليمه له وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر، يعني: ما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي الذي كلم الله موسى من الشجرة التي هي شرقية على شاطئ الوادي، وما كنت من الشاهدين لذلك، ولكن الله تعالى أوحى إليك ذلك، وأرسلك إلى الناس رسولا؛ ليكون حجة وبرهانا على قرون قد تطاول عهدها، ونسوا حجج الله عليهم وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين» (123).

فالإخبار عن الغيب من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومن معجزاته الباهرة الدالة على صدق نبوته، لأنه صلى الله عليه وسلم ما طالع الكتب، ولم يتتلمذ لأحد، ولم يكن حاضرا معهم، فإخباره بهذه القصة الطويلة من غير تحريف ولا غلط، إعجاز، ومن أوضح الأدلة على أنه صلى الله عليه وسلم رسول كريم، وإن كانت المعجزات الباهرة الدالة على ذلك أكثر من الحصر؛ ليبين بذلك صدق نبوته، لأنه أمي لا يكتب، ولا يقرأ الكتب، ولم يتعلم أخبار الأمم وقصصهم، فلولا أن الله أوحى إليه ذلك لما علمه، كما قال تعالى عن إخباره بغيب آخر يتعلق بمريم وما حصل لها في قوله: ﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٤٤﴾ [آل عمران: 44].

أي: فلولا أن الله أوحى إليك ذلك لما كان لك علم به، وقوله تعالى بعد ذكر الإخبار بالغيب عن الأنبياء والمرسلين: ﴿تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِينَ ٤٩﴾ [هود: 49].

وقوله أيضا: ﴿وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ﴾ [هود: 120].

وقوله تعالى بعد تمام قصة يوسف بطولها وأحداثها: ﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۖ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ أَجۡمَعُوٓاْ أَمۡرَهُمۡ وَهُمۡ يَمۡكُرُونَ ١٠٢﴾ [يوسف: 102].

وقوله سبحانه: ﴿نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٣﴾ [يوسف: 3].

إلى غير ذلك من الآيات(124).

وفي الإخبار بالغيب من قصص الأنبياء السابقين عليهم السلام إيناس لصاحب الرسالة المحمدية بأخبار إخوانه من المصطفين الأخيار، فقد كانت تلك الأخبار الصادقة غيبًا لم يشاهدها محمد ولا يعلمها هو ولا قومه، ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم مقيما بين أصحابها حتى يخبر قومه بها ولم يتعلمها من غيره ولكن الله تعالى هو الذي أوحى بها لمحمد صلى الله عليه وسلم وأرسله إلى الناس رسولا، وجعل هذه الإخبار دليلا على صدق نبوته، فقد جاءت هذه الأحداث التي جاء القرآن الكريم بقصصها، صادقة وثابتة في الصادق من أخبار النبيين في كتبهم التي يتداولها أهل الكتاب، ولم يتناولها التحريف(125).

الدروس المستفادة من قصة مدين

يمكن بيان الدروس المستفادة من قصة مدين في القرآن من خلال النقاط الآتية:

  • إن دعوة الرسل عليهم السلام واحدة في العقيدة؛ إذ كلها تقوم على أساس التوحيد لله تعالى والطاعة الخالصة له سبحانه، وأن ذلك أول ما يبدؤون به أولًا، ثم بعد ذلك الأهم فالأهم.
  • إن وظيفة الرسل عليهم السلام، وسنتهم في إرادة الإصلاح العام والشامل بحسب القدرة والإمكان، فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها، أو بتحصيل ما يقدر عليه منها وبدفع المفاسد وتقليلها ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة.
  • إن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح، لم يكن ملوما ولا مذموما في عدم فعله ما لا يقدر عليه، فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه وبذلك يكون قد أدى الواجب الذي عليه (126).
  • حرمة نقص الكيل والوزن، وأن نقص المكاييل والموازين من كبائر الذنوب، وتخشى العقوبة العاجلة على من تعاطى ذلك، وأن ذلك من سرقة أموال الناس، وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين، موجبة للوعيد، فسرقتهم - على وجه القهر والغلبة بقطع الطريق وأخذ العشور- من باب أولى وأحرى.
  • حرمة بخس الناس في جميع حقوقهم المادية: كالكيل والوزن وأجور العمال، وأسعار البضائع ونحو ذلك، وحرمة بخس الناس في حقوقهم المعنوية: كحق التأليف والمبتكرات والشهادات العلمية ونحوها.
  • حرمة السعي بالفساد في الأرض، بأي نوع من الفساد، وأعظمه تعطيل شرائع الله تعالى والصد عن سبيل الله بمنع الناس من التدين والالتزام بالشريعة ظاهرا وباطنا، والسعي في الأرض بالمعاصي، لاسيما البلاد التي طهرها الله بالإسلام وأصلحها بشرائعه.
  • حرمة التلصص وقطع الطرق وتخويف المارة.
  • أن على العبد أن يقنع بما آتاه الله، ويقنع بالحلال عن الحرام وبالمكاسب المباحة عن المكاسب المحرمة، وأن ذلك خير له لقوله: ﴿بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ﴾ ففي ذلك، من البركة، وزيادة الرزق ما
  • ليس في التكالب على الأسباب المحرمة من المحق، وضد البركة (127).
  • لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض، كما لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض ما أنزل الله تعالى على رسله ويكفر ببعض.
  • مشروعية الدعاء وسؤال الله تعالى الحكم بين أهل الحق وأهل الباطل؛ لأن الله تعالى يحكم بالحق وهو خير الحاكمين.
  • التحذير من الطغيان، وهو الإسراف في الشر والفساد، فإنه موجب للهلاك والدمار في الدنيا، والعذاب في الآخرة.
  • تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والتخفيف عنه إذ كذبت قبل قريش ثمود وغيرها من الأمم كأصحاب مدين وقم لوط وفرعون.
  • بيان سنة بشرية وهي: أن الظلمة والمتكبرين يجادلون بالباطل حتى إذا أعياهم الجدال وأفحموا بالحجج بدل أن يسلموا بالحق ويعترفوا به ويقبلوه، فيستريحوا ويريحوا، يفزعون إلى القوة بطرد أهل الحق ونفيهم أو إكراههم على قبول الباطل بالعذاب والنكال.
  • الجزاء من جنس العمل، فمن بخس أموال الناس، يريد زيادة ماله، عوقب بنقيض ذلك، وكان سببا لزوال الخير الذي عنده من الرزق لقوله: ﴿إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ﴾ أي: فلا تسببوا إلى زواله بفعلكم.
  • المال الذي يرزقه الله الإنسان - وإن كان الله قد خوله إياه - فليس له أن يصنع فيه ما يشاء، فإنه أمانة عنده، عليه أن يقيم حق الله فيه بأداء ما فيه من الحقوق، والامتناع من المكاسب التي حرمها الله ورسوله، لا كما يزعمه الكفار، ومن أشبههم، أن أموالهم لهم أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون، سواء وافق حكم الله، أو خالفه.
  • الترهيب بأخذات الأمم، وما جرى عليهم، وأنه ينبغي أن تذكر القصص التي فيها إيقاع العقوبات بالمجرمين في سياق الوعظ والزجر كما أنه ينبغي ذكر ما أكرم الله به أهل التقوى عند الترغيب والحث على التقوى.
  • الحياء من الرجال الأجانب، وأن ذلك سنة المؤمنات من عهد قديم، وليس كما يقول المبطلون هو عادة جاهلية، فبنتا شعيب عليه السلام نشأتا في دار النبوة والطهر والعفاف وغطت إحداهما وجهها عن موسى حياء وتقوى.
  • تجلى كرم شعيب عليه السلام ومروءته وشهامته في تطمين موسى وإكرامه وإيوائه.
  • بيان أن الكفاءة شرط في العمل، ولا أفضل من القوة وهي القدرة البدنية والعلمية والأمانة.
  • مشروعية عرض الرجل ابنته على من يرى صدقه وأمانته ليزوجه بها.
  • مشروعية إشهاد الله تعالى على العقود بمثل: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ﴾.
  • فضيلة موسى عليه السلام بإيجار نفسه على شبع بطنه وإحصان فرجه (128).
  • قصة موسى عليه السلام في مدين من دلائل نبوة محمد لأن الإخبار بالغيب من أوجه الإعجاز في القرآن الكريم، لأن الله نفى أن يكون النبي محمد في مدين حتى يخبر بهذه القصة بتفاصيلها مما يدل على أن القرآن كلام الله تعالى.
موضوعات ذات صلة:
شعيب عليه السلام، موسى عليه السلام، عاد، ثمود

الحواشي

  1. انظر: جامع البيان، الطبري 18/652، النكت والعيون، الماوردي 2/494، التفسير الوسيط، الواحدي 2/509، المحرر الوجيز، ابن عطية 3/57، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/401، التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/240. ↩
  2. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/401، التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/240، معجم البلدان، ياقوت الحموي 5/77، الإشارات إلى معرفة الزيارات، الهروي ص81، آثار البلاد وأخبار العباد، القزويني ص 249، مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، القطيعي 3/1246، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، المقريزي 1/345. ↩
  3. انظر: معجم البلدان، ياقوت 5/153، معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية، عاتق البلادي ص 300. ↩
  4. انظر: معجم البلدان 4/471، التفسير القرآني للقرآن، الخطيب 10/331، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 614، التفسير المنير، الزحيلي 20/83. ↩
  5. انظر: معجم البلدان 4/471، تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة، عبدالعزيز بن صالح ص 135، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، جواد علي 1/455، دراسات في تاريخ العرب القديم، محمد بيومي مهران ص171. ↩
  6. انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي 4/471، آثار البلاد وأخبار العباد، زكريا القزويني ص 249، المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، محمد حسن شراب ص243، أطلس القرآن، شوقي أبو خليل ص71. ↩
  7. انظر: معجم المعالم الجغرافية في السيرة، عاتق البلادي ص 284، أطلس تاريخ الأنبياء والرسل، سامي الملغوث ص139. ↩
  8. انظر: المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، محمد حسن شراب ص 243، معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية، عاتق البلادي ص 284. ↩
  9. انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي 5/77، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، المقريزي 1/345. ↩
  10. انظر: الكشف والبيان، الثعلبي 7/243، النكت والعيون، الماوردي 2/494، معالم التنزيل، البغوي 2/214، المحرر الوجيز، ابن عطية 2/426، مفاتيح الغيب، الرازي 14/313، التحرير والتنوير، ابن عاشور 10/261. ↩
  11. انظر: جامع البيان، الطبري 12/554، الكشف والبيان، الثعلبي 7/243، معالم التنزيل، البغوي 2/214، المحرر الوجيز، ابن عطية 2/426، مفاتيح الغيب، الرازي 14/313، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/247، التحرير والتنوير، ابن عاشور 10/261. ↩
  12. انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة ص 320، مقاييس اللغة، ابن فارس 1/165، لسان العرب، ابن منظور 10/394. ↩
  13. انظر: الكشف والبيان، الثعلبي 4 /260، المحرر الوجيز، ابن عطية 2/429، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/85. ↩
  14. انظر: جامع البيان، الطبري 17/124، التفسير الوسيط، الواحدي 3 /50، النكت والعيون، الماوردي 3 /168، الكشف والبيان، الثعلبي 4 /260، المحرر الوجيز، ابن عطية 2/429، البحر المحيط، أبو حيان 5/104، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/85، لباب التأويل، الخازن 2/226، التحرير والتنوير، ابن عاشور 14/71. ↩
  15. انظر: تفسير القرآن العظيم 6/143. ↩
  16. انظر: جامع البيان، الطبري 19/390، النكت والعيون، الماوردي 3/168، مفاتيح الغيب، الرازي 19/157، التحرير والتنوير، ابن عاشور 14/71. ↩
  17. انظر: أطلس تاريخ الأنبياء والرسل، سامي الملغوث ص141. ↩
  18. ذكر جمهور المؤرخين والمفسرين أن شعيبًا يتصل نسبه بمدين بن إبراهيم الخليل، ولا يعني ذلك أن لإبراهيم ولدان فقط وهو إسماعيل وإسحاق فقط، إذ لا يوجد دليل شرعي يحصر أبناء إبراهيم في اثنين.
    انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ابن الجوزي 1/324، البداية والنهاية، ابن كثير 1/428، جامع البيان، الطبري 14/345، النكت والعيون، الماوردي 2/494، التفسير الوسيط، الواحدي 2/387، الكشاف، الزمخشري 2/128، المحرر الوجيز، ابن عطية 2/426، البحر المحيط، أبو حيان 5/108، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/401 فتح القدير، الشوكاني 2/589. ↩
  19. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 18/389، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/297، فتح القدير، الشوكاني 2/589، التفسير الوسيط، طنطاوي 7/262، التفسير المنير، الزحيلي 8/288. ↩
  20. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 18/389، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/297، فتح القدير، الشوكاني 2/589. ↩
  21. انظر: تفسير القرآن العظيم 6/205. ↩
  22. انظر: تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة، عبدالعزيز بن صالح ص 135، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي 1/455، دراسات في تاريخ العرب القديم، محمد بيومى مهران ص 171. ↩
  23. انظر: دراسات في تاريخ العرب القديم، محمد بيومى مهران ص 172. ↩
  24. انظر: تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة، عبد العزيز بن صالح ص 135، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي 1/455، دراسات في تاريخ العرب القديم، محمد بيومي مهران ص 171. ↩
  25. انظر: الكشاف، الزمخشري 2/138، البحر المحيط، أبو حيان 5/129، مدارك التنزيل، النسفي 1/591، التفسير المنير، الزحيلي 9/37. ↩
  26. انظر: البداية والنهاية، ابن كثير 1/214، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/205. ↩
  27. انظر: جامع البيان، الطبري 12/554، لباب التأويل، الخازن 2/226. ↩
  28. انظر: جامع البيان، الطبري 12/567، الكشف والبيان، الثعلبي 4/260، التفسير الوسيط، الواحدي 2/387، معالم التنزيل، البغوي 2/214، المحرر الوجيز، ابن عطية 3/201، محاسن التأويل، القاسمي 5/156. ↩
  29. انظر: التحرير والتنوير 8/241. ↩
  30. ويلاحظ هذا الاتفاق من خلال ذكر نسب مدين في كتبهم.
    انظر: جامع البيان، الطبري 12/567، الكشف والبيان، الثعلبي 10/186، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/274، المحرر الوجيز، ابن عطية 3/201، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/418، الدر المنثور، السيوطي 2/748، تفسير المنار، محمد رشيد رضا 8/466. ↩
  31. أخرجه ابن حبان في صحيحه، رقم 361، 2/76.
    قال ابن كثير في تفسيره 2/418: وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي في كتابه الأنواع والتقاسيم، وقد وسمه بالصحة، وخالفه أبو الفرج بن الجوزي فذكر هذا الحديث في كتابه الموضوعات، واتهم به إبراهيم بن هشام هذا، ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث والله أعلم.
    وقال السيوطي في الدر المنثور 2/746: أخرجه ابن حبان في صحيحه، وابن الجوزي في الموضوعات، وهما في طرفي نقيض، والصواب أنه ضعيف لا صحيح ولا موضوع. ↩
  32. أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، رقم 4071، 2/620، والطبري في تفسيره 12/567. ↩
  33. انظر: جامع البيان، الطبري 12/567، الكشف والبيان، الثعلبي 10/186، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/274، المحرر الوجيز، ابن عطية 3/201، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/418، الدر المنثور، السيوطي 2/748، تفسير المنار، محمد رشيد رضا 8/466. ↩
  34. انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا 12/116. ↩
  35. انظر: معاني القرآن، الفراء 2/25، غريب القرآن، ابن قتيبة ص 208، جامع البيان، الطبري 12/555، التفسير الوسيط، الواحدي 2/387، تفسير السمعاني 2/197، الكشاف، الزمخشري 2/127. ↩
  36. انظر: جامع البيان، الطبري 12/558، مفاتيح الغيب، الرازي 14/314، المحرر الوجيز، ابن عطية 2/426، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/251. ↩
  37. انظر: جامع البيان، الطبري 12/555، التفسير الوسيط، الواحدي 2/387، تفسير السمعاني 2/197، الكشاف، الزمخشري 2/127. ↩
  38. انظر: المفردات ص 139 ↩
  39. أخرجه أحمد في مسنده رقم 3754، 6/297، عن ابن مسعود، والحاكم المستدرك على الصحيحين رقم 2262، 2/43.
    قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ولم يتعقبه الذهبي. ↩
  40. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 18/384، المحرر الوجيز، ابن عطية 2/426. ↩
  41. انظر: جامع البيان، الطبري 15/446، التفسير الوسيط، الواحدي 2/387، تفسير السمعاني 2/197. ↩
  42. انظر: تفسير المراغي 8/210. ↩
  43. انظر: المصدر السابق 8/207. ↩
  44. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 2/426. ↩
  45. انظر: جامع البيان، الطبري 12/555، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 2/354 التفسير الوسيط، الواحدي 2/387، تفسير السمعاني 2/189، المحرر الوجيز، ابن عطية 2/426. ↩
  46. انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 3/23 البحر المحيط، أبو حيان 5/105 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/401، تفسير المنار، محمد رشيد رضا 8/470. ↩
  47. تفسير المراغي 8/212.
    وانظر: التفسير الوسيط، الواحدي 2/387، الكشاف، الزمخشري 2/127، المحرر الوجيز، ابن عطية 2/426، مفاتيح الغيب، الرازي 14/314. ↩
  48. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/401، التفسير الوسيط، الزحيلي 1/690. ↩
  49. انظر: جامع البيان، الطبري 12/555، التفسير الوسيط، الواحدي 2/387، الكشاف، الزمخشري 2/127، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/401، محاسن التأويل، القاسمي 5/146 التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/239، أضواء البيان، الشنقيطي 6/95. ↩
  50. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي، وأول ما نزل، رقم 4981، 6/182. ↩
  51. انظر: الكشاف، الزمخشري 2/127. ↩
  52. انظر: تفسير المراغي 8/209. ↩
  53. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 3/200. ↩
  54. انظر: الكشاف، الزمخشري 2/419، فتح القدير، الشوكاني 2/588، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 387. ↩
  55. انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/496، الكشاف، الزمخشري 2/419، المحرر الوجيز، ابن عطية 3/200، تفسير السمعاني 2/453 معالم التنزيل، البغوي 4/197، فتح القدير، الشوكاني 2/588، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 387. ↩
  56. انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/499. ↩
  57. انظر: النكت والعيون الماوردي 2/499، تفسير السمعاني 2/453، معالم التنزيل، البغوي 4/197. ↩
  58. انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/496، الكشاف، الزمخشري 2/419 المحرر الوجيز، ابن عطية 3/200، تفسير السمعاني 2/453 معالم التنزيل، البغوي 4/197، فتح القدير، الشوكاني 2/588، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 387. ↩
  59. انظر: الكشاف، الزمخشري 2/419، المحرر الوجيز، ابن عطية 3/200، تفسير السمعاني 2/453، فتح القدير، الشوكاني 2/588. ↩
  60. انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/496، الكشاف، الزمخشري 2/419 المحرر الوجيز، ابن عطية 3/200، تفسير السمعاني 2/453، معالم التنزيل، البغوي 4/197، فتح القدير، الشوكاني 2/588، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 387. ↩
  61. انظر: التفسير الوسيط، الواحدي 2/587، النكت والعيون، الماوردي 2/496، المحرر الوجيز، ابن عطية 3/200، تفسير السمعاني 2/453، معالم التنزيل، البغوي 4/197. ↩
  62. انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/496، الكشاف، الزمخشري 2/419 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 367، المحرر الوجيز، ابن عطية 3/200، تفسير السمعاني 2/453. ↩
  63. انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/496، الكشاف، الزمخشري 2/419 المحرر الوجيز، ابن عطية 3/200، تفسير السمعاني 2/453، معالم التنزيل، البغوي 4/197. ↩
  64. انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/496، الكشاف، الزمخشري 2/419 المحرر الوجيز، ابن عطية 3/200، تفسير السمعاني 2/453 معالم التنزيل، البغوي 4/197، فتح القدير، الشوكاني 2/588، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 387. ↩
  65. انظر: جامع البيان، الطبري 12/560، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 2/355، تفسير السمعاني 2/198، مفاتيح الغيب، الرازي 14/315، البحر المحيط، أبو حيان 5/108. ↩
  66. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 3/475. ↩
  67. انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/239، البحر المحيط، أبو حيان 5/108، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/402، لباب التأويل، الخازن 2/227، محاسن التأويل، القاسمي 5/148، التفسير الوسيط، طنطاوي 5/322، التفسير المنير، الزحيلي 8/296. ↩
  68. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 2/355. ↩
  69. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 2/355، النكت والعيون، الماوردي 2/239، البحر المحيط، أبو حيان 5/108، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/402. ↩
  70. انظر: البحر المحيط، أبو حيان 5/108. ↩
  71. انظر: جامع البيان، الطبري 12/560، النكت والعيون، الماوردي 2/239، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/402، البحر المحيط، أبو حيان 5/108، أضواء البيان، الشنقيطي 4/392. ↩
  72. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 4/32، أيسر التفاسير، الجزائري 2/202. ↩
  73. انظر: جامع البيان، الطبري 12/560، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 2/355، تفسير السمعاني 2/198، مفاتيح الغيب، الرازي 14/315، البحر المحيط، أبو حيان 5/108. ↩
  74. انظر: جامع البيان، الطبري 10/319، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 2/357، النكت والعيون، الماوردي 2/240، الكشف والبيان، الثعلبي 4/262، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/402. ↩
  75. انظر: جامع البيان 18/554، تفسير القرآن العظيم 5/340. ↩
  76. انظر: تفسير السمعاني 4/65، الوجيز الواحدي ص 786، تفسير المراغي 19/101. ↩
  77. انظر: جامع البيان، الطبري 12/566. ↩
  78. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 4/316. ↩
  79. انظر: معاني القرآن، النحاس 3/49، المفردات، الراغب ص 344. ↩
  80. القرآن ونقض مطاعن الرهبان، صلاح الخالدي 1/491.
    انظر: معاني القرآن، النحاس 3/377، المفردات، الراغب الأصفهاني ص 496. ↩
  81. انظر: جامع البيان، الطبري 12/559. ↩
  82. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/144، أضواء البيان، الشنقيطي 2/36. ↩
  83. انظر: النكت والعيون، الماوردي 4/186. ↩
  84. انظر: جامع البيان، الطبري 19/393، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 4/98. ↩
  85. انظر: المحرر الوجيز 4/242. ↩
  86. انظر: جامع البيان، الطبري 10/322، مفاتيح الغيب، الرازي 14/319. ↩
  87. انظر: تفسير القرآن العظيم 3/402، التحرير والتنوير، ابن عاشور 20/247، التفسير القرآني للقرآن 5/433. ↩
  88. مفاتيح الغيب، الرازي 14/319. ↩
  89. انظر: جامع البيان، الطبري 10/322، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/402، التحرير والتنوير، ابن عاشور 20/247، التفسير القرآني للقرآن 5/433، التفسير المنير، الزحيلي 20/241. ↩
  90. انظر: خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، عبد العظيم المطعني 2/356. ↩
  91. انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 6/1194. ↩
  92. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/298.
    وانظر: جامع البيان، الطبري 15/465، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 3/76. ↩
  93. انظر: جامع البيان، الطبري 15/465، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 3/76، مفاتيح الغيب، الرازي 18/392، أنوار التنزيل، البيضاوي 3/147، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/298، مفاتيح الغيب، الرازي 18/392، تفسير المراغي 12/78. ↩
  94. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 18/392، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/298. ↩
  95. انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة ص 209، غريب القرآن، السجستاني ص 123، المفردات، الراغب الأصفهاني ص 133. ↩
  96. جامع البيان، الطبري 12/569. ↩
  97. انظر: جامع البيان، الطبري 12/569، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 3/60، الكشف والبيان، الثعلبي 4/263. ↩
  98. انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/241. ↩
  99. انظر: جامع البيان، الطبري 19/548، معالم التنزيل، البغوي 6/199، الكشاف، الزمخشري 3/399، المحرر الوجيز، ابن عطية 4/281، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 13/266، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/203. ↩
  100. انظر: جامع البيان، الطبري 19/548، تفسير السمعاني 4/130، معالم التنزيل، البغوي 3/528، أنوار التنزيل، البيضاوي 4/174، المحرر الوجيز، ابن عطية 4/283، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/203، لباب التأويل، الخازن 3/361، محاسن التأويل، القاسمي 7/517. ↩
  101. انظر: جامع البيان، الطبري 19/548، تفسير السمعاني 4/130، معالم التنزيل، البغوي 3/528، أنوار التنزيل، البيضاوي 4/174، المحرر الوجيز، ابن عطية 4/283، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/203، لباب التأويل، الخازن 3/361. ↩
  102. انظر: الكشف والبيان، الثعلبي 7/239، الكشاف، الزمخشري 3/400. ↩
  103. انظر: جامع البيان، الطبري 19/548، معالم التنزيل، البغوي 6/199، الكشاف، الزمخشري 3/399، المحرر الوجيز، ابن عطية 4/281، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 13/266، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/203. ↩
  104. انظر: صنف ابن أبي شيبة، رقم 31842، 6/334.
    قال ابن كثير في تفسيره 6/204: إسناد صحيح. ↩
  105. انظر: جامع البيان، الطبري 19/548، المحرر الوجيز، ابن عطية 4/281، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 13/266، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/203. ↩
  106. انظر: جامع البيان، الطبري 19/548، معالم التنزيل، البغوي 6/199، المحرر الوجيز، ابن عطية 4/281، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/203. ↩
  107. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد، رقم 2684، 3/181. ↩
  108. انظر: معالم التنزيل، البغوي 3/262، مفاتيح الغيب، الرازي 22/50. ↩
  109. انظر: جامع البيان، الطبري 19/561، الكشاف، الزمخشري 3/400، مفاتيح الغيب، الرازي 22/50، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/206، البحر المحيط، أبو حيان 8/298، روح المعاني، الألوسي 8/506. ↩
  110. الجامع لأحكام القرآن 13/270. ↩
  111. انظر: تفسير ابن أبي حاتم 9/2966. ↩
  112. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، رقم 6364، 7/55.
    وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، رقم 6229، 13/497. ↩
  113. وانظر: الدر المنثور، السيوطي 6/407، فتح القدير، الشوكاني 4/197. ↩
  114. انظر: التحرير والتنوير 20/101. ↩
  115. انظر: جامع البيان، الطبري 19/561، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/205، التحرير والتنوير، ابن عاشور 20/101، التفسير القرآني للقرآن، الخطيب 10/331، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 614. ↩
  116. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/206. ↩
  117. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 615. ↩
  118. انظر: جامع البيان، الطبري 19/561. ↩
  119. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 20/101، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 614، التفسير القرآني للقرآن، الخطيب 10/331. ↩
  120. انظر: التحرير والتنوير 20/101. ↩
  121. انظر: جامع البيان، الطبري 19/585، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 4/147، التفسير الوسيط، الواحدي 3/401، مفاتيح الغيب، الرازي 24/603. ↩
  122. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 24/604، أنوار التنزيل، البيضاوي 4/179، لباب التأويل، الخازن 3/366. ↩
  123. انظر: تفسير القرآن العظيم 6/215. ↩
  124. انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 4/94. ↩
  125. انظر: المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة ص 140. ↩
  126. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 389. ↩
  127. انظر: المصدر السابق. ↩
  128. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 389، أيسر التفاسير، الجزائري 4/68. ↩
البحث السابقالمدح