تنزيل PDF

الرياح

المجلد التاسع الكون حرف ر ١٠٣ قراءة · ٣٠٩ تنزيلاً

مفهوم الرياح

أولًا: المعنى اللغوي:

إن أصل الياء في كلمة الريح واوٌ (روح)، ثم قلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، وأصل مادة (ر و ح) تدل على سعة وفسحة واطراد(1).

والريح: نسيم الهواء، وكذلك نسيم كل شيء(2)، وهي مؤنثة وتصغيرها رويحة، والريح مفرد، ويجمع تكسيرًا في الكثرة على رياح، وفي القلة على أرواح(3).

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف معناها الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، الذي يعني: الهواء المتحرك(4).

الرياح في الاستعمال القرآني

وردت (الريح) في القرآن الكريم (29) مرة(5).

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغةعدد المراتالمثال
مفرد19﴿وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ﴾ [سبأ: 12]
جمع10﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ﴾ [الأعراف: 57]

وجاءت الريح في القرآن على ثلاثة أوجه (6):

أحدها: الشدة والقوة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ﴾ [الأنفال: ٤٦]، يعني: قوتكم وشدتكم.

الثاني: ريح العذاب: ومنه قوله تعالى:﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا﴾ [القمر: ١٩]، يعني: عذابًا.

الثالث: ريح الخير والرحمة، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ﴾ [يونس: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ﴾ [الروم: ٤٦].

الألفاظ ذات الصلة

الهواء:

الهواء لغة:

هو الجو ما بين السماء والأرض، والجمع الأهوية(7).

الهواء اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي، ويمكن أن يعرف تعريفًا علميًّا ويقال: غاز يغلف الكرة الأرضية ويتكون من الأزوت والأكسجين وغازات قليلة أخرى والجو(8).

الصلة بين الهواء والريح:

الهواء أصل الرياح؛ إلا أنه ساكن في مكانه فمتى ما تحرك صار رياحًا أو ريحًا.

الإعصار:

الإعصار لغة:

قال الزجاج: «الإعصار الرياح التي تهب من الأرض وتثير الغبار فترتفع كالعمود إلى نحو السماء، وهي التي تسميها الناس الزوبعة، وهي ريح شديدة لا يقال لها إعصار حتى تهب كذلك بشدة»(9).

الإعصار اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي، يقول الزمخشري عن معنی لفظ الإعصار: «هي الريح التي تستدير في الأرض، ثم تسطع نحو السماء کالعمود»(10). ويقول الطوسي أيضًا: «الإعصار: غبار يلتف بين السماء والأرض کالتفاف الثوب في العصير»(11).

الصلة بين الإعصار والريح:

الإعصار نوع من أنواع الرياح القوية، وليس كل ريح إعصارًا.

الرياح آية من آيات الله

لله عز وجل في هذا الكون آيات كثيرة لا تعد ولا تحصى، تدل دلالةً واضحةً على وحدانيته وقدرته وعظمته وحكمته، ومن هذه الآيات آية الريح، وهي خاضعة لأمر الله وتقديره، فهو المتصرف في أحوالها، ومن تلك الأحوال:

1. إرسال الرياح.

قال عز وجل: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ﴾ [الروم: 46].

أي: ومن دلالات بديع قدرته إرسال الرياح مبشرات بالمطر لأنها تتقدمه(12).

ويذكر تعالى نعمه على خلقه في إرسال الرياح مبشرات بين يدي رحمته بمجيء الغيث عقبها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ﴾، أي: المطر الذي ينزّله فيحيي به العباد والبلاد(13).

ومن الأدلة الدالة على رحمته وبعثه الموتى وأنه الإله المعبود والملك المحمود، ﴿أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ﴾ أمام المطر ﴿مُبَشِّرَٰتٖ﴾ بإثارتها للسحاب ثم جمعها فتبشّر بذلك النفوس قبل نزوله(14).

قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٥٧﴾ [الأعراف: 57].

وقال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨﴾ [الفرقان: 48].

وقال تعالى: ﴿أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٣﴾ [النمل: 63].

2. إسكان الرياح.

قال عز وجل: ﴿إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظۡلَلۡنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ ٣٣﴾ [الشورى: 33].

فمن آياته الدالة على قدرته الباهرة وسلطانه، تسخيره البحر؛ لتجري فيه الفلك بأمره وهي: الجواري في البحر كالأعلام، أي: كالجبال، قاله مجاهد والحسن والسدي والضحاك، أي: هذه في البحر كالجبال في البر، ﴿إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ﴾ أي: التي تسير في البحر بالسفن لو شاء لسكنها حتى لا تتحرك السفن، بل تبقى راكدة لا تجيء ولا تذهب، بل واقفة ﴿عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓۚ﴾، أي: على وجه الماء، ﴿ظَهۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ﴾ أي: إن في تسخيره البحر وإجرائه الهوى بقدر ما يحتاجون إليه لسيرهم لدلالات على نعمه تعالى على خلقه، ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٖ﴾ أي: في الشدائد، ﴿شَكُورٍ﴾ في الرخاء(15).

وإنها لتركد أحيانا فتهمد هذه الجواري، وتركد كما لو كانت قد فارقتها الحياة! ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ﴾ في إجرائهن وفي ركودهن على السواء آيات لكل صبار شكور، والصبر والشكر كثيرًا ما يقترنان في القرآن، الصبر على الابتلاء والشكر على النعماء وهما قوام النفس المؤمنة في الضراء والسراء.

فما شاء الله كان، وسبحان من جعل في ذلك آيةً، وما يذكر إلا من وفقه الله.

3. تصريف الرياح.

قال عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٦٤﴾ [البقرة: 164]، وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٣ وَفِي خَلۡقِكُمۡ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٤ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزۡقٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٥﴾[الجاثية: 3-5].

وزعم بعض أهل العربية أنّ معنى قوله: ﴿وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ﴾، أنها تأتي مرّة جنوبًا وشمالً وقبولًا ودبورًا، ثم قال: وذلك تصريفها(16)، وهذه الصفة التي وصف الرياح بها، صفة تصرّفها لا صفة تصريفها، لأن (تصريفها) تصريف الله لها، (وتصرّفها) اختلاف هبوبها.

وقد يجوز أن يكون معنى قوله: ﴿وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ﴾، تصريف الله تعالى ذكره هبوب الريح باختلاف مهابّها... فأما معنى قوله:﴿لَأٓيَٰتٖ﴾، فإنه علامات ودلالاتٌ على أن خالق ذلك كلّه ومنشئه، إله واحدٌ لمن عقل مواضع الحجج، وفهم عن الله أدلته على وحدانيته، فأعلم تعالى ذكره عباده، بأنّ الأدلة والحجج إنما وضعت معتبرًا لذوي العقول والتمييز، دون غيرهم من الخلق، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمر والنهي، والمكلفين بالطاعة والعبادة، ولهم الثواب، وعليهم العقاب(17).

﴿وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ﴾ فهذه العبارة الموجزة في كلماتها وراءها حقائق علمية رائعة، فهذه الرياح التى هي الهواء المتحرك فوق غلاف الأرض الجوي إنما تتحرك بتأثير حرارة الشمس التي تجعله يخف ويرتفع ويحل محله هواء بارد ثقيل يندفع نحو منطقة الضغط المنخفض بنظام دقيق، فيه تصريف للرياح وتوجيه لها في هبوبها من مكان إلى مكان معين، وينشأ عن حركة الرياح نتائج لها أهميتها في حياة الناس فهي تسوق السحاب المطرة إلى الأرض المجدبة، وتساعد السفن الشراعية في سيرها، وتحمل اللقاح إلى النباتات النامية وتوزع الحرارة والبرودة في دورات منتظمة على الأرض وغير ذلك من حكمة الله في تصريف الرياح... وقد أثبت العلم الدورة الهوائية على سطح الكرة الأرضية وكيف يكون تصريفها من جهة إلى أخرى(18).

ويرشد تعالى خلقه إلى التفكر في آلائه ونعمه، وقدرته العظيمة... وما أنزل الله تعالى من السحاب من المطر في وقت الحاجة إليه، وسماه رزقا لأن به يحصل الرزق فأحيا به الأرض بعد موتها أي بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء(19).

وذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة، من أول سورة الجاثية ستة براهين، من براهين التوحيد الدالة على عظمته وجلاله، وكمال قدرته:

الأول: منها خلقه السماوات والأرض.

الثاني: خلقه الناس.

الثالث: خلقه الدواب.

الرابع: اختلاف الليل والنهار.

الخامس: إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به.

السادس: تصريف الرياح.

وذكر أن هذه الآيات والبراهين، إنما ينتفع بها المؤمنون، الموقنون الذين يعقلون عن الله حججه، وآياته؛ فكأنهم هم المختصون بها دون غيرهم؛ ولذا قال: ﴿لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾، ثم قال: ﴿ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾، ثم قال: ﴿ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ﴾.

وهذه البراهين الستة المذكورة في أول هذه السورة الكريمة، جاءت موضحة في آيات كثيرة جدًا كما هو معلوم(20).

وهذا يدل دلالةً واضحةً على أن الرياح آية عظيمة وجند قوي من جنود الله تعالى.

وفي الرياح من العبر: هبوبها وسكونها ولينها وشدتها واختلاف طبائعها وصفاتها ومهابّها وتصريفها وتنوع منافعها وشدة الحاجة إليها... وهي مع غاية قوتها ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة التأثّر والتأثير، لطيفة المسارق بين السماء والأرض، إذا قطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلك كبحر الماء الذي إذا فارقه حيوان الماء هلك، يحبسها الله سبحانه إذا شاء ويرسلها إذا شاء، تحمل الأصوات إلى الآذان والرائحة إلى الأنف والسحاب إلى الأرض الجزر، وهي من روح الله تأتي بالرحمة، ومن عقوبته تأتي بالعذاب، وهي أقوى خلق الله كما رواه الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما خلق الله الأرض جعلت تميد؛ فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت؛ فعجبت الملائكة من شدة الجبال وقالوا: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم الماء، قالوا: يا رب فهل من خلقك أشد من الماء؟ قال: نعم الريح، قالوا: يا رب فهل من خلقك أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها عن شماله)(21)... والمقصود أن الرياح من أعظم آيات الرب الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته(22).

صفات الرياح

ذكر العلماء كما تقدم معنا حالات للرياح إذا كانت ملازمةً لها سميت باسمها، وقد وردت في ثنايا القرآن الكريم صفات خاصة بعضها للرياح و البعض الآخر للريح، ويمكن أن نتحدث عنها كما يلي:

أولًا: صفات الرياح:

1. المبشرات.

وأصل البشارة الخبر السار والبشور من الرياح التي تبشر بالمطر(23)، فهو الخبر الصدق السار الذي ليس عند المخبر به علمه، ووجود المبشر به وقت البشارة ليس بلازم(24).

وقد مر معنا ذلك كقوله عز وجل: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦﴾ [الروم: 46].

وقوله عز وجل: ﴿أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٣﴾ [النمل: 63].

فالبشر جمع البشير؛ لأن الريح تبشر بإتيان المطر بعدها فهي بشير المطر... فإجراء الريح وانتشارها من ههنا وهاهنا أمام المطر مبشرة به من غرائب صنعه وعجائبه، ومن عظائم نعمه على خلقه(25).

2. الذاريات.

وذرّته الريح تذروه وتذريه(26)، يعني: الرياح تذرو التربة وغيره(27).

وقد ورد ذكرها في قوله عز وجل: ﴿وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا ١﴾ [الذاريات: 1].

والمراد بالذاريات: هي الرياح التي تذروا، في هبوبها ﴿ذَرۡوٗا﴾ بلينها، ولطفها، ولطفها وقوتها، وإزعاجها(28).

وبيّن أن هذا الذّرو من فعل الرياح فقال عز وجل: ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا ٤٥﴾ [الكهف: 45].

﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم﴾ يا محمد للناس ﴿مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ في زوالها وفنائها وانقضائها، ﴿كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ﴾، أي: ما فيها من الحب، فشبّ وحسن، وعلاه الزهر والنور والنضرة، ثم بعد هذا كله أصبح هشيمًا يابسًا ﴿تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ﴾، أي: تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال(29).

ثانيًا: صفات الريح:

1. صرصر.

وريح صرصر شديدة البرد وشديدة الصوت معًا(30).

وقد جاء ذكرها في قوله عز وجل: ﴿فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ ١٦﴾ [فصلت: 16].

واختلف أهل التأويل في معنى الصرصر، فقال بعضهم: عني بذلك أنها ريح شديدة... وقال آخرون: بل عني بها أنها باردة... وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد، وذلك أن قوله: ﴿صَرۡصَرٗا﴾ إنما هو صوت الريح إذا هبت بشدة، فسمع لها(31).

وكذلك قوله عز وجل: ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ ١٩﴾ [القمر: 19]، أي: شديدةً جدًّا(32).

وقوله عز وجل: ﴿وَأَمَّا عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ ٦﴾ [الحاقة: 6]، أي: شديدة العصوف والبرد عاتية أي: متجاوزة الحد المعروف في الهبوب والبرودة(33)، فظهر أن أهم معنى لهذه الصفة هو الشدة.

2. عاصف.

عصفت الريح تعصف عصوفًا وأعصفت وهي عاصف وعاصفة: اشتدت(34).

وورد ذكر الريح بهذه الصفة في قوله عز وجل: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡۙ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٢٢﴾ [يونس: 22].

أخبر تعالى أنه ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ﴾، أي: يحفظكم ويكلؤكم بحراسته، ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا﴾، أي: بسرعة سيرهم رافقين فبينما هم كذلك؛ إذ ﴿جَآءَتۡهَا﴾ أي: تلك السفن، ﴿رِيحٌ عَاصِفٞ﴾، أي: شديدة، ﴿وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ﴾(35).

وقوله عز وجل: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٨﴾ [إبراهيم: 18].

ومشهد الرماد تشتد به الريح في يوم عاصف مشهود معهود، يجسم به السياق معنى ضياع الأعمال سدى، لا يقدر أصحابها على الإمساك بشيء منها، ولا الانتفاع به أصلًا، يجسمه في هذا المشهد العاصف المتحرك، فيبلغ في تحريك المشاعر له ما لا يبلغه التعبير الذهني المجرد عن ضياع الأعمال وذهابها بددًا.

وكذلك قوله عز وجل: ﴿وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ ٨١﴾ [الأنبياء: 81]والمعنى: وسخّرنا لسليمان الريح عاصفةً أي: شديدة الهبوب تجري بأمره يعني: بأمر سليمان إلى الأرض الّتي باركنا فيها وهي أرض الشام... والمعنى: أنها كانت تسير به إلى حيث شاء، ثم تعود به إلى منزله بالشام(36).

3. قاصف.

انقصف الشيء انكسر وبان(37)، والقاصف الريح الشديدة التي تقصف الشجرة وتكسرها، وكذلك البناء وغيره(38).

وقد ورد ذكر هذه الصفة للريح في قوله عز وجل: ﴿أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨ أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡۙ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا ٦٩﴾ [الإسراء: 68-69].

أي: يقوي دواعيكم لركوب البحر تارة أخرى؛ فيرسل عليكم قاصفا من الريح، أي: ريحا شديدة لا تمر بشيء إلا قصفته؛ فتكسر السفينة وسط البحر فيغرقكم بما كفرتم(39).

4. مصفرًّا.

الصّفرة: لونٌ من الألوان التي بين السّواد والبياض، وهي إلى السّواد أقرب، ولذلك قد يعبّر بها عن السّواد(40).

ووردت هذه الصفة للريح في قوله عز وجل: ﴿وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ ٥١﴾ [الروم: 51].

يقول تعالى: ولئن أرسلنا ريحا يابسة على الزرع الذي زرعوه ونبت وشب واستوى على سوقه، فرأوه مصفرا، أي قد اصفر وشرع في الفساد لظلوا من بعده، أي بعد هذا الحال، يكفرون، أي يجحدون ما تقدم إليهم من النعم(41).

5. عقيم.

العقيم: التي لا يستفاد منها، وهو ضد اللقاح(42)، والريح العقيم: التي لا يكون معها لقح، أي لا تأتي بمطر، إنما هي ريح الهلاك(43)، فلا تلقح سحابا ولا شجرا(44).

ووردت هذه الصفة للريح في قوله عز وجل: ﴿وَفِي عَادٍ إِذۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلۡعَقِيمَ ٤١ مَا تَذَرُ مِن شَيۡءٍ أَتَتۡ عَلَيۡهِ إِلَّا جَعَلَتۡهُ كَٱلرَّمِيمِ ٤٢﴾ [الذاريات: 41-42].

وهي وإن ذكرت معرفة، فالمعرّف نكرة؛ لأن تلك الريح منكّرة كأنه يقول: وأرسلنا الريح التي لم تكن من الرياح التي تقع ولا وقع مثلها فهي لشدتها منكرة(45)، يعني التي لا خير فيها ولا بركة، فلا تلقح شجرًا ولا تحمل مطرًا(46).

6. السكون.

وهو ثبوت الشيء بعد تحرك(47)، ومنه قوله عز وجل: ﴿إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظۡلَلۡنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓۚ﴾ [الشورى: 33]، أي: يسكن الريح التي تجري بها السفن، فيظللن أي: السفن، رواكد أي: سواكن ثوابت على ظهر البحر(48).

ثالثًا: صفات أخرى:

1. سموم.

والسّموم: الرّيح الحارّة التي تؤثّر تأثير السّمّ(49)، والسموم بالنهار، وقد تكون بالليل(50)، وهي: الريح الحارة... تكون غالبًا بالنهار والحر الشديد النافذ في المسام(51).

وقد ذكرت كصفة للريح التي تأتي من حر جهنم أعاذنا الله برحمته منها، وذلك في قوله عز وجل: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ٢٧ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ٢٨﴾ [الطور: 27-28].

وقد تستعمل السموم في لفح البرد، وهي في لفح الحر والشمس أكثر(52)، أي: العذاب الحار الشديد حرّه(53)، و أصله: اسم للريح التي تهبّ من جهة حارّة جدًا فتكون جافّة شديدة الحرارة، وهي معروفة في بلاد العرب تهلك من يتنشّقها، وأطلق هنا على ريح جهنم على سبيل التقريب بالأمر المعروف(54).

2. حرور.

الحرور الريح الحارة وهي بالليل كالسموم بالنهار(55).

وقد ذكرت هذه الصفة في قوله عز وجل: ﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ ١٩ وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ ٢٠ وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلۡحَرُورُ ٢١﴾ [فاطر: 19-21].

والحرور الريح الحارة بالليل، وقد تكون بالنهار(56)، والقول في ذلك: أن الحرور يكون بالليل والنهار، غير أنه في هذا الموضع... أشبه مع الشمس؛ لأن الظل إنما يكون في يوم شمس، فذلك يدل على أنه أريد بالحرور: الذي يوجد في حال وجود الظل(57).

منافع الرياح

جعل الله عز وجل في الريح بعض المنافع للناس، ومن تلك المنافع:

1. الرياح سبب حمل المطر لإحياء الأرض الميتة.

قال عز وجل: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ﴾ [الأعراف: 57].

قرأه أكثر السبعة: ﴿يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ﴾ بالجمع، وقرأه بعض السبعة: ﴿يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ﴾ بالإفراد، وعلى قراءة الإفراد فالمراد الجنس، فلا تنافي قراءة الإفراد قراءة الجمع(58).

ومعنى هذه القراءات يرجع إلى النّشر، الذي هو خلاف الطي، فكأن الريح مع سكونها كانت مطوية ثم ترسل من طيها فتصير كالمنفتحة(59).

أي: إن ربكم المدبّر لأمور الخلق، هو الذي يرسل الرياح بين يدي رحمته، أي: بين الأمطار وأمامها حال كونها مبشرات بها، فينشئ بها سحابًا ثقالًا لكثرة ما فيها من الماء، حتى إذا أقلتها ورفعتها إلى الهواء ساقها لإحياء بلد ميت قد عفت مزارعه، ودرست مشاربه، وأجدب أهله(60).

يضاف إلى ذلك قوله عز وجل: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨ لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا ٤٩ وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٥٠﴾ [الفرقان: 48-50].

وهذا أيضًا من قدرته التامة وسلطانه العظيم، وهو أنه تعالى يرسل الرياح مبشرات، أي : بمجيء السحاب بعدها، والرياح أنواع في صفات كثيرة من التسخير، فمنها ما يثير السحاب، ومنها ما يحمله، ومنها ما يسوقه، ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشراً، ومنها ما يكون قبل ذلك يقم الأرض، ومنها ما يلقح السحاب ليمطر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا﴾ [الفرقان: 48] أي : آلة يتطهر بها كالسحور والوقود وما جرى مجراهما، فهذا أصح ما يقال في ذلك(61).

وكذلك قوله عز وجل: ﴿وَٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ٩﴾ [فاطر: 9].

فالإثارة: رفع الشيء المستقر وقلبه بعد استقراره، أي: تسوقه وتدفعه من مكان إلى مكان، وأطلقت الإثارة هنا على قلب تراب الأرض بجعل ما كان باطنًا ظاهرًا وهو الحرث(62).

وإذ قد كان القصد من الاستدلال هو وقوع الإحياء وتقرّر وقوعه جيء بفعل الماضي في قوله: ﴿أَرۡسَلَ﴾، وأما تغييره إلى المضارع في قوله: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابٗا﴾ فلحكاية الحال العجيبة التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وهي طريقة للبلغاء في الفعل الذي فيه خصوصية بحال تستغرب وتهم السامع(63).

وجاء به على جهة المضارعة والاستقبال بين فعلين ماضيين، وهما قوله: ﴿أَرۡسَلَ﴾ ﴿فَسُقۡنَٰهُ﴾، والسر في مثل هذا، هو أن الفعل المستقبل يوضح الحال، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن الإنسان يشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضي إذا عطف؛ لأنه لا يعطي هذا المعنى ولا يدل عليه، فإذا قال ﴿فَتُثِيرُ﴾، على جهة الاستقبال بعد ما مضى قوله: ﴿أَرۡسَلَ﴾. فإنما يكون دالاً على حكاية الحال التي تقع فيها إثارة الريح للسحاب، واستحضار لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة(64).

فكانت الرياح التي تؤثر في هذا المطر معينة له في إحياء الأرض بعد موتها، حيث قال عزوجل: ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَنشَرۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١١﴾ [الزخرف: 11]، وقال: ﴿وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ ٩ وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ ١٠ رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ ١١﴾ [ق:9-11].

2. الرياح سبب لجريان الفلك في البحر وغيره.

من النعم العظيمة التي منّ الله عز وجل بها على عباده نعمة جريان الفلك في المياه بأمره(65).

والفلك: السّفينة، ويستعمل ذلك للواحد والجمع(66)، وجاء عن مجاهد أنها السفن في البحار(67).

ومن الآيات التي تحدثت عن ذلك صراحة ، قوله عز وجل: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡۙ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٢٢﴾ [يونس: 22].

وهذه نعمة عظيمة أن كانت الريح سبباً لجريان الفلك، فإن الإنسان إذا ركب السفينة ووجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود، حصل له الفرح التام والمسرة القوية(68)؛ فالذي أجرى الفلك في البحر لنيل الخير هو الريح الطيب، ولو اشتد بهم لكان به الهلاك.

وكذلك قوله عز وجل: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦﴾ [الروم: 46]، أي: ﴿وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ﴾ بهذه الرياح(69).

وقد وردت آيات أخرى امتن الله عز وجل بها على عباده؛ بأن جعل الفلك تجري بهم؛ لينالوا منافعهم في البر والبحر، ويعلم بها أن الفلك لا تجري إلا بمساندة الريح لها وذلك في قوله عز وجل: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ ٣٢﴾ [إبراهيم: 32]. ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: المزن ﴿مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ﴾ أي : تعيشون به، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ﴾ أي: السفن ﴿لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ﴾ أي بإرادته ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ﴾ أي: فتجري حيث تشاؤون من شرب وسقي وسواهما(70).

وقوله عز وجل: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٤﴾ [النحل: 14].

﴿وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ﴾ أي: السفن والمراكب ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ أي: تمخر في البحر العجاج الهائل بمقدمها حتى تسلك فيه من قطر إلى آخر، تحمل المسافرين وأرزاقهم وأمتعتهم وتجاراتهم التي يطلبون بها الأرزاق وفضل الله عليهم(71).

وقوله عز وجل: ﴿رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٦٦﴾ [الإسراء: 66].

وقوله عز وجل: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنۡ ءَايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٣١ وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ ٣٢﴾ [لقمان: 31-32].

أي: ليريكم بعض آياته، وهو جري السفن في البحر بالريح(72)، وقوله عز وجل:﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢﴾ [فاطر: 12]؛ لأن المصلحة تقتضي أن تكون الأنهار عذبةً فراتاً، سائغاً شرابها، لينتفع بها الشاربون والغارسون والزارعون، وأن يكون البحر ملحاً أجاجاً، لئلا يفسد الهواء المحيط بالأرض بروائح ما يموت في البحر من الحيوانات ؛ ولأنه ساكن لا يجري، فملوحته تمنعه من التغير، ولتكون حيواناته أحسن وألذ(73).

وقوله عز وجل: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمَ لِتَرۡكَبُواْ مِنۡهَا وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٩ وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَلِتَبۡلُغُواْ عَلَيۡهَا حَاجَةٗ فِي صُدُورِكُمۡ وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٨٠﴾ [غافر: 79-80].

وعلى الأنعام، وعلى السفن تحملون على هذه في البر، وعلى هذه في البحر(74)، وقوله عز وجل: ﴿۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡبَحۡرَ لِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ فِيهِ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢﴾ [الجاثية: 12].

يذكر تعالى نعمه على عبيده فيما سخر لهم من البحر ﴿لِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ﴾ وهي السفن فيه بأمره تعالى؛ فإنه هو الذي أمر البحر بحملها ﴿وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ﴾ أي: في المتاجر والمكاسب، ﴿وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾أي : على حصول المنافع المجلوبة إليكم من الأقاليم النائية والآفاق القاصية(75).

وقد ثبت علمياً أن كل المراكب التي تستخدم كافة أنواع الوقود، وتتحرك بالمراجل البخاري، يمكن أن تتوقف تماماً؛ إذا توقفت الريح؛ لأن وسيلة احتراق هذا النوع من الطاقة هي غاز الأوكسجين الموجود في الريح(76).

3. الرياح سبب لتلقيح السحاب والنبات.

من المنافع التي ذكرها القرآن الكريم في حديثه عن الرياح، تلقيح السحاب لإنزال المطر وتلقيح النبات لإخراج الثمر، وذلك كما في قوله عزوجل: ﴿وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ﴾ [الحجر: 22].

واختلف أهل العربية في وجه وصف الرياح باللقح، وإنما هي ملقحة لا لاقحة، وذلك أنها تلقح السحاب والشجر، وإنما توصف باللقح الملقوحة لا الملقح... والصواب من القول في ذلك عندي: أن الرياح لواقح كما وصفها به جلّ ثناؤه من صفتها، وإن كانت قد تلقح السحاب والأشجار، فهي لاقحة ملقحة، ولقحها: حملها الماء ، وإلقاحها السحاب والشجر: عملها فيه(77).

ومعنى الإلقاح: أن الرياح تلقح السحاب بالماء بتوجيه عمل الحرارة والبرودة متعاقبين ، فينشأ عن ذلك البخار الذي يصير ماءً في الجو ثم ينزل مطرًا على الأرض؛ وأنها تلقح الشجر ذي الثمرة بأن تنقل إلى نوره غبرة دقيقة من نور الشجر الذكر فتصلح ثمرته أو تثبت، وبدون ذلك لا تثبت أو لا تصلح... ومن بلاغة الآية إيراد هذا الوصف لإفادة كلا العملين اللّذين تعملهما الرياح، وقد فسرت الآية بهما، واقتصر جمهور المفسرين على أنها لواقح السحاب بالمطر(78).

وقد أثبت العلم الحديث أن من وسائل تلقيح النبات الرياح؛ لأنها تنقل الملقحات من عضو التذكير النباتي إلى عضو التأنيث النباتي(79).

ومن الآيات الدالة على ذلك قوله عز وجل: ﴿وَٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ﴾ [فاطر: 9].

وقوله عز وجل: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٨﴾ [الروم: 48].

إن الحقائق التي ذكرتها آيات القرآن الكريم عامةً وما يتعلق منه بتأثير الرياح في إنشاء السحب وتلقيحها وتشكيلها، ثم نزول المطر أو البرد منها، هذه الحقائق من أعجب الأمور وأدقها... والأصل في تكوين السحب على اختلاف أنواعها وأشكالها إنما هي الرياح.

وحقيقة أخرى أشارت إليها الآية الكريمة: ﴿وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ﴾ [الحجر: 22].

فقد حملها كثير من المفسرين على أن الرياح اللواقح تلقح النباتات فتحمل الطّلع من الذكر إلى الأنثى فتلقح بويضاتها، والحقيقة أن هذا الأمر مما يتحقق بواسطة الرياح، إلا أن سياق الآية في هذا المقام لا يحتمل ذلك بل يشير إلى حقيقة أخرى أدق وهي تلقيح السحب.

وقد توصل العلم الحديث إلى أن نمو السحب ونزول المطر يتطلب أن تلقّح الرياح هذه السحب... وعلى هذا النحو عرف الناس الآن أن الآية الكريمة إنما تشير إلى تلقيح الرياح للسحب ببخار الماء... لكي تجود بالمطر(80).

فتأمل كم سخر للسحاب من ريح حتى أمطر، فسخرت له المثيرة أولاً فتثيره بين السماء والأرض، ثم سخرت له الحاملة التي تحمله على متنها كالجمل الذي يحمل الراوية، ثم سخرت له المؤلفة فتؤلف بين كسفه وقطعه، ثم يجتمع بعضها إلى بعض فيصير طبقاً واحداً، ثم سخرت له اللاقحة بمنزلة الذكر الذي يلقح الأنثى فتلقحه بالماء ولولاها لكان جهاماً لا ماء فيه، ثم سخرت له المزجية التي تزجيه وتسوقه إلى حيث أمر فيفرغ ماءه هنالك، ثم سخرت له بعد إعصاره المفرقة التي تبثه وتفرقه في الجو فلا ينزل مجتمعاً ولو نزل جملةً لأهلك المساكن والحيوان والنبات، بل تفرقه فتجعله قطرًا، وكذلك الرياح التي تلقح الشجر والنبات ولولاها لكانت عقيمًا.

وكذلك الرياح التي تسير السفن ولولاها لوقفت على ظهر البحر، ومن منافعها أنها تبرد الماء وتضرم النار التي يراد إضرامها، وتجفف الأشياء التي يحتاج إلى جفافها، وبالجملة فحياة ما على الأرض من نبات وحيوان بالرياح؛ فإنه لولا تسخير الله لها لعباده لذوي النبات ومات الحيوان وفسدت المطاعم وأنتن العالم وفسد.

ألا ترى إذا ركدت الرياح كيف يحدث الكرب والغم الذي لو دام لأتلف النفوس، وأسقم الحيوان وأمرض الأصحاء وأنهك المرضى وأفسد الثمار وعفن الزرع وأحدث الوباء في الجو؛ فسبحان من جعل هبوب الرياح تأتي بروحه ورحمته ولطفه ونعمته(81).

4. تسخير الرياح لسليمان عليه السلام.

من المنافع المهمة التي ذكرت في القرآن الكريم عن الرياح، المنفعة العظيمة التي كانت لنبي الله سليمان عليه السلام وذلك من تمام النعمة والملك الذي وهبه الله عز وجل إياه.

وسليمان عليه السلام هو: سليمان بن داود... بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، ورث عن أبيه الملك والنبوة(82).

وقد ميّزه الله عز وجل بملك خاص عن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يوضح ذلك حديث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن عفريتاً من الجن تفلت علي البارحة - أو كلمة نحوها - ليقطع علي الصلاة، فأمكنني الله منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي)، قال روح: «فرده خاسئًا»(83).

ومن ما جاء في حديث القرآن الكريم عن الريح التي سخرها الله عز وجل لنبيه سليمان عليه السلام قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ ٨١﴾ [الأنبياء: 81].

أي: وسخرنا لسليمان الريح في حال كونها عاصفةً، أي: شديدة الهبوب... تطيعه وتجري إلى المحل الذي يأمرها به(84).

فإذا أراد الإسراع في السير سارت عاصفة وإذا أراد اللين سارت رخاء، والمقام قرينة على أن المراد المواتاة لإرادة سليمان(85).

و﴿تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ﴾ يعني: الشام بيت المقدس، وذلك أنها كانت تجري لسليمان وأصحابه حيث شاء سليمان، ثم تعود إلى منزله بالشام(86).

وقوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَيۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ وَمِنَ ٱلۡجِنِّ مَن يَعۡمَلُ بَيۡنَ يَدَيۡهِ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَمَن يَزِغۡ مِنۡهُمۡ عَنۡ أَمۡرِنَا نُذِقۡهُ مِنۡ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ١٢﴾ [سبأ: 12].

غدوها إلى انتصاف النهار مسيرة شهر، ورواحها من انتصاف النهار إلى الليل مسيرة شهر(87)، فهي تسير في اليوم الواحد مسيرة شهرين(88).

﴿فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ ٣٦﴾ [ص:36]، ليست بالعاصف ولا باللينة بين ذلك، ومطيعة له حيث أراد(89).

وسخّر له الريح بدلًا من الأفراس، فلا يحتاج في إمساكها إلى العلف والمؤن(90).

تنبيه: اعلم أن في هذه الآيات التي ذكرنا سؤالين معروفين:

الأول: أن يقال: إن الله وصف الريح المذكورة في سورة الأنبياء بأنها عاصفة، أي: شديد الهبوب، ووصفها في سورة (ص) بأنها تجري بأمره رخاء، والعاصفة غير التي تجري رخاء.

والسؤال الثاني: هو أنه في سورة الأنبياء خص جريها به بكونه إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين، وفي سورة (ص) قال: ﴿تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ﴾، وقوله: ﴿حَيۡثُ أَصَابَ﴾، يدل على التعميم في الأمكنة التي يريد الذهاب إليها على الريح، فقوله: ﴿حَيۡثُ أَصَابَ﴾ أي : حيث أراد.

أما الجواب عن السؤال الأول فمن وجهين:

الوجه الأول: أنها عاصفة في بعض الأوقات، ولينة رخاء في بعضها بحسب الحاجة، كأن تعصف ويشتد هبوبها في أول الأمر حتى ترفع البساط الذي عليه سليمان وجنوده، فإذا ارتفع سارت به رخاءً حيث أصاب.

الوجه الثاني: هو ما ذكره الزمخشري قال: «فإن قلت: وصفت هذه الريح بالعصف تارة بالرخاء أخرى، فما التوفيق بينهما ؟ قلت: كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة، على ما قال: ﴿غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ﴾، فكان جمعها بين الأمرين: أن تكون رخاء في نفسها، وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان، وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم»(91).

وأما الجواب عن السؤال الثاني: فهو أن قوله: ﴿حَيۡثُ أَصَابَ﴾ يدل على أنها تجري بأمره حيث أراد من أقطار الأرض، وقوله: ﴿تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ﴾؛ لأن مسكنه فيها وهي الشام، فترده إلى الشام، وعليه فقوله: ﴿حَيۡثُ أَصَابَ﴾في حالة الذهاب، وقوله: ﴿إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ﴾ في حالة الإياب إلى محل السكنى؛ فانفكت الجهة فزال الإشكال(92).

والأصل أنها ريح عاصف شديدة؛ ولما كانت مسخرة لسليمان عليه السلام كان زمام أمرها بيده، فلا تراها تسير إلا في أمور الخير.

الرياح جند من جنود الله تعالى

من المعاني التي جاءت في القرآن الكريم مختصة بالريح، معنيان مهمان:

الأول: نصرة عباد الله المؤمنين بمساعدة الرياح لهم.

والثاني: هلاك الكافرين بتسليط الريح عليهم.

وبيان ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: الرياح نصرة للمؤمنين:

وذلك في قوله عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ﴾ [الأحزاب: 9].

يقول تعالى ذكره: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ﴾ التي أنعمها على جماعتكم ، وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق ﴿إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ﴾: جنود الأحزاب: قريش، وغطفان، ويهود بني النضير ، ﴿فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا﴾ وهي فيما ذكر: ريح الصبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق، حتى كفأت قدورهم على أفواهها؛ فضرب الله وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم الله بالريح(93).

ثم أرسل الله عز وجل على الأحزاب ريحا شديدة الهبوب قوية حتى لم يبق لهم خيمة ولا شيء، ولا توقد لهم نار ولا يقر لهم قرار، حتى ارتحلوا خائبين خاسرين(94).

والريح المذكورة هنا : هي ريح الصّبا، وكانت باردة وقلعت الأوتاد والأطناب، وسفت التراب في عيونهم ، وماجت الخيل بعضها في بعض وهلك كثير من خيلهم وإبلهم وشائهم(95).

وبسبب تلك الريح وتلك الجنود ردّهم الله عز وجل بغيظهم وكفى الله عز وجل المؤمنين القتال(96).

ولذا جاء عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور)(97).

فالمسلمون إذا استمسكوا بالدين غلبوا الأعداء، وهذا الذي ذكر الله يوم الخندق شيئاً ما كان في حسبانهم، وما كانوا يظنونه، فهو أمر إلهي من الله... فالحاصل: أن القرآن لا يأمر بالتكاسل والتواكل، بل إنما يأمر بالقوة والاستعداد لكل هجوم، والمتمسك به أيضًا لو بوغت قبل أن يستعد، أو في حالة ضعف فإن الله يقوّيه وينصره على عدوه بالطرق التي يعلمها هو وحده، وإن لم تكن في حسبان المسلمين، كما نصر أهل الأحزاب بالريح وبجنود لم يروها، نصرهم بالريح، كلما نصبوا -أي: جنود الكفر- خباءً في البر نسفته الريح، وكلما وضعوا قدرًا ليطبخوا فيه نسفته الريح، فبقوا مثلًا لا قرار لهم، لا كنّ يكنهم، ولا طعام يأكلونه، فاضطروا للفرار، حتى قال رئيسهم أبو سفيان بن حرب: ارتحلوا وأنا أول مرتحل(98).

ثانيًا: الرياح عذاب للكافرين:

جاءت الريح في القرآن الكريم تحمل معنى العذاب الذي عذّب الله عز وجل به الكافرين، وذلك كما في قوله عز وجل: ﴿فَلَمَّا رَأَوۡهُ عَارِضٗا مُّسۡتَقۡبِلَ أَوۡدِيَتِهِمۡ قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٞ مُّمۡطِرُنَاۚ بَلۡ هُوَ مَا ٱسۡتَعۡجَلۡتُم بِهِۦۖ رِيحٞ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٤﴾ [الأحقاف: 24].

وهذا الحديث في شأن قوم عاد ﴿وَٱذۡكُرۡ أَخَا عَادٍ﴾ يعني هودًا، ﴿إِذۡ أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ﴾ جمع حقف، وهو الرمل المستطيل المرتفع، كذبوا نبيهم؛ فلما جاءهم عذاب الله الذي استعجلوه، فرأوه عارضًا في ناحية من نواحي السماء، متجها نحو مزارعهم ﴿قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٞ﴾ أي: سحاب ﴿عَارِضٞ مُّمۡطِرُنَاۚ﴾ أي: بغيث نحيا به، ﴿بَلۡ هُوَ﴾ أي: قال هود: بل هو ﴿مَا ٱسۡتَعۡجَلۡتُم بِهِۦۖ﴾ أي: من العذاب ﴿رِيحٞ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾(99).

والريح التي عذّبوا بها؛ نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، وخرج هود من بين أظهرهم... قال ابن عباس: أول ما رأوا العارض قاموا فمدوا أيديهم، فأول ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح ما بين السماء والأرض مثل الريش، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمر الله الريح فأمالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمال سبع ليال وثمانية أيام حسوما، ولهم أنين، ثم أمر الله الريح فكشف عنهم الرمال واحتملتهم فرمتهم في البحر، فهي التي قال الله تعالى فيها: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا﴾ أي: كل شيء مرت عليه من رجال عاد وأموالها(100).

وقوله عز وجل: ﴿فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ ١٦﴾ [فصلت: 16].

﴿فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا﴾ قال بعضهم: وهي الشديدة الهبوب، وقيل: الباردة، وقيل: هي التي لها صوت، والحق أنها متصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحا شديدة قوية ؛ لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم ، وكانت باردة شديدة البرد جدا، ابتدءوا العذاب في يوم نحس عليهم واستمر بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية أيام حسوما حتى أبادهم عن آخرهم، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة(101).

إنها العاصفة الهوجاء المجتاحة الباردة في أيام نحس عليهم، وإنه الخزي في الحياة الدنيا، الخزي اللائق بالمستكبرين المتباهين المختالين على العباد.

وقوله عز وجل: ﴿وَفِي عَادٍ إِذۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلۡعَقِيمَ ٤١﴾ [الذاريات: 41].

أي: ﴿وَفِي عَادٍ﴾ القبيلة المعروفة آية عظيمة، ﴿إِذۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلۡعَقِيمَ﴾ أي: التي لا خير فيها، حين كذبوا نبيهم هودا عليه السلام(102).

ووصفت بالعقم؛ لأنها أهلكتهم، وقطعت دابرهم، أو لأنّها لم تتضمن خيرًا ما، من إنشاء مطرٍ أو إلقاح شجرٍ(103).

وقوله عز وجل: ﴿وَأَمَّا عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ ٦﴾ [الحاقة: 6].

﴿فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ﴾ أي: باردة، قال قتادة والسدي والربيع بن أنس والثوري: عاتية أي: شديدة الهبوب، وقال قتادة: عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم، وقال الضحاك: صرصر باردة عاتية عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة، وقال علي وغيره: عتت على الخزنة فخرجت بغير حساب.

فسخرها عليهم ، أي: سلطها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما أي: كوامل متتابعات مشائيم(104).

وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أنهما قالا: إنه لم ينزل من السماء قطرة ماء إلا بمكيال على يد ملك ولا هبت ريح إلا كذلك إلا ما كان من طوفان نوح وريح عاد، فإن الله أذن لهما في الخروج دون إذن الخزان(105).

والريح في القرآن الكريم ما ذكرت أنها جاءت كعذاب أليم شديد متتابع إلا على قوم عاد، وذلك -والله أعلم- لأن الله عز وجل ذكر صفتهم في القرآن بأجمع وصف فقال عز وجل: ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ ٧ ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٨﴾ [الفجر: 6-8].

يعني: مثل عاد، والهاء عائدة على عاد، وجائز أن تكون عائدة على إرم، وهي: بلدة كانت عاد تسكنها ، وإنما عني بقوله : ﴿لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا﴾ في العظم والبطش والأيد، وبنحو ذا قال أهل التأويل(106).

فلم يصنع مثلها في البلاد؛ لأنها قوية ومحكمة، وهذا هو الذي غرهم وقالوا: من أشد منا قوة؟(107).

فكانوا من أشد الناس كفرًا، وأقواهم جحودًا، فأهلكهم الله عز وجل ليعتبر بذلك ويتعظ من كان دونهم.

فاستكبروا، أي: بغوا وعتوا وعصوا، ﴿وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ﴾ أي: منوا بشدة تركيبهم وقواهم واعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله، ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ﴾ أي: أفما يتفكرون فيمن يبارزون بالعداوة فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها وإن بطشه شديد؛ فبارزوا الجبار بالعداوة وجحدوا بآياته وعصوا رسوله(108).

و أخبر الله تعالى عن عبده ورسوله هود عليه السلام، أنه دعا قومه عاداً، وكان قومه يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل قريباً من حضرموت، من جهة بلاد اليمن، وكان زمانهم بعد قوم نوح، كما قال عز وجل: ﴿أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ قَوۡمِ نُوحٖ وَزَادَكُمۡ فِي ٱلۡخَلۡقِ بَصۜۡطَةٗۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٦٩﴾ [الأعراف: 69].

وذلك أنهم كانوا في غاية من قوة التركيب والقوة والبطش الشديد، والطول المديد،والأرزاق الدارة،والأموال والجنات والأنهار، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله معه، فبعث الله هودا عليه السلام إليهم ، رجلا منهم رسولا وبشيرا ونذيرا، فدعاهم إلى الله وحده، وحذرهم نقمته وعذابه في مخالفته وبطشه... استمروا على تكذيب نبي الله هود ومخالفته وعناده، فأهلكهم الله وقد بين سبب إهلاكه إياهم في غير موضع من القرآن(109).

ويكفي في وصفها قوله عز وجل: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُواْ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٥﴾ [الأحقاف: 25].

ولما كانوا مكذبين لرسولهم، صاروا بذلك مكذبين لجميع الرسل؛ واستحقوا هذا النوع من العذاب الأليم.

الرياح في المثل القرآني

ضرب الله تعالى أمثالا كثيرة في القرآن الكريم، بآيات كثيرة ومخلوقات عظيمة، تختلف بحسب سياقها في القرآن الكريم.

والمثل: والمثل عبارة عن قولٍ في شيء يشبه قولًا في شيء آخر بينهما مشابهة، ليبيّن أحدهما الآخر ويصوّره، وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأمثال، فقال:﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21](110).

وإذا نظرنا وجدنا أن القصد من ضرب الأمثال هي العظة والعبرة، واعتبار الإنسان بما يعرف ويشاهد أبلغ في العظة والخوف(111).

وقد جاءت الريح في أمثال القرآن الكريم، كما سنجمله في النقاط الآتية:

أولا: الرياح:

1. ضرب الرياح مثلًا للحياة الدنيا.

وذلك كما ورد في قوله عز وجل: ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ﴾ [الكهف: 45].

أي: فالتفّ بسببه وتكاثف، حتى خالط بعضه بعضًا، فشبّ وحسن وعلاه الزهر والنور والنضرة ﴿فَأَصۡبَحَ﴾ أي : بعد ذلك الزّهو ﴿هَشِيمٗا﴾ أي : جافّا يابسا مكسورا ﴿تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ﴾ أي : تفرقه وتنسفه ذات اليمين وذات الشمال كأن لم يكن، وهكذا حال الدنيا وحال مجرميها، فإن ما نالهم من شرف الحياة كالذي حصل للنبات من شرف النموّ، ثم يزولون زوال النبات، ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا﴾ أي: على كل من الإنشاء والإفناء كامل القدرة(112).

وعبّر عن هذا المعنى بـ﴿تَذۡرُوهُ﴾، لما في ذرا، يذرو من معنى الارتفاع، والسرعة. يقال: ذرا فلان يذرو: ارتفع، ومرّ مرًّا سريعًا، ومنه سمّيت الرياح بالذاريات. قال تعالى: ﴿وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا ١﴾ [الذاريات: 1]، وإنما سميت بذلك؛ لأنها تحمل التراب، أو الهشيم عاليًا، وتفرقه بسرعة في كل جهة؛ بحيث يستحيل إعادته كما كان(113).

وتدل الآية على زينة الدنيا الخادعة من الأموال والضياع والجاه والرئاسة والملك وأن الإنسان ينخدع ويغتر بها مع أنها كما يرى دائمًا من نبات الأرض الذي لا يدوم فإما الموت أو الآفات وتنغيص الحياة(114).

والنبات لا ينمو ولا ينضج، ولكنه يصبح هشيما تذروه الرياح، وما بين ثلاث جمل قصار، ينتهي شريط الحياة، ولقد استخدم النسق اللفظي في تقصير عرض المشاهد، بالتعقيب الذي تدل عليه الفاء: ﴿فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ﴾ فما أقصرها حياة! وما أهونها حياة!

2. ضرب الرياح مثلًا للبعث بعد الموت.

وذلك كما في قوله عز وجل: ﴿وَٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ٩﴾ [فاطر: 9].

فيخبر تعالى عن كمال اقتداره، وسعة جوده، وأنه ﴿أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ﴾؛ فأنزله الله عليها ﴿فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ﴾؛ فحييت البلاد والعباد، وارتزقت الحيوانات، ورتعت في تلك الخيرات،﴿كَذَٰلِكَ﴾ الذي أحيا الأرض بعد موتها، ينشر الله الأموات من قبورهم، بعدما مزقهم البلى، فيسوق إليهم مطرا، كما ساقه إلى الأرض الميتة، فينزله عليهم فتحيا الأجساد والأرواح من القبور، ويأتون للقيام بين يدي الله ليحكم بينهم، ويفصل بحكمه العدل(115).

فإن قلت: لم جاء فتثير على المضارعة دون ما قبله، وما بعده؟ قلت: ليحكى الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصور البديعة الدالة على القدرة الربانية، وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها: لما كانا من الدلائل على القدرة الباهرة قيل: فسقنا، وأحيينا، معدولا بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدلّ عليه(116).

ومن الأغراض البلاغية: إخبار عن ماض بمستقبل لإبراز صورة معينة يريدها المتحدث، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ٩﴾ [فاطر: 9].

فإنما قال تعالى: ﴿فَتُثِيرُ﴾ مستقبلًا وما قبله وما بعده ماض ﴿أَرۡسَلَ﴾ ﴿فَسُقۡنَٰهُ﴾ أفعال ماضية وتثير فعلًا مضارعًا، لذلك المعنى المراد وهو حكاية الحال التي يقع فيها إثارة الريح السحاب، واستحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة(117).

وهذه آية احتجاج على الكفرة في إنكار البعث من القبور، فدلهم تعالى على المثال الذي يعاينونه وهو سواء مع إحياء الموتى، و «البلد الميت» هو الذي لا نبت فيه قد اغبر من القحط فإذا أصابه الماء من السحاب اخضر وأنبت فتلك حياته(118).

وهبوب الرياح دليل ظاهر على الفاعل المختار وذلك لأن الهواء قد يسكن، وقد يتحرك وعند حركته قد يتحرك إلى اليمين، وقد يتحرك إلى اليسار، وفي حركاته المختلفة قد ينشئ السحاب، وقد لا ينشئ، فهذه الاختلافات دليل على مسخر مدبر ومؤثر مقدر... و وجه التشبيه بقوله: ﴿كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ﴾ فيه وجوه: أحدها: أن الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها كذلك الأعضاء تقبل الحياة، وثانيها: كما أن الريح يجمع القطع السحابية كذلك يجمع بين أجزاء الأعضاء وأبعاض الأشياء، وثالثها: كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت نسوق الروح والحياة إلى البدن الميت(119).

وكثيرا ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها؛ ليعتبر المرتاب في هذا، فإنه من أظهر الآيات وأوضحها(120).

ثانيًا: الريح :

1. ضرب الريح مثلًا لإنفاق الكافرين.

وذلك كما في قوله عز وجل: ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٧﴾ [آل عمران: 117].

يعني بذلك جل ثناؤه: شبه ما ينفق الذين كفروا، أي: شبه ما يتصدق به الكافر من ماله، فيعطيه من يعطيه على وجه القربة إلى ربّه وهو لوحدانية الله جاحد، ولمحمد صلى الله عليه وسلم مكذب، في أن ذلك غير نافعه مع كفره، وأنه مضمحلّ عند حاجته إليه، ذاهبٌ بعد الذي كان يرجو من عائدة نفعه عليه، كشبه ريح فيها برد شديد، أصابت هذه الريح التي فيها البرد الشديد ﴿حَرۡثَ قَوۡمٖ﴾، يعني: زرع قوم قد أمّلوا إدراكه، ورجوا ريعه وعائدة نفعه، ﴿ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ﴾، يعني: أصحاب الزرع، عصوا الله، وتعدّوا حدوده ﴿فَأَهۡلَكَتۡهُۚ﴾، يعني: فأهلكت الريح التي فيها الصرّ زرعهم ذلك، بعد الذي كانوا عليه من الأمل ورجاء عائدة نفعه عليهم.

و﴿كَمَثَلِ رِيحٖ﴾ فيه حذف مضاف، تقديره : كمثل مهلك ريح ، أي: ما ينفقون هالك، فريح مجرورة بالإضافة أيضًا، للدلالة على أن هذا الإنفاق لا يجدي(121).

فكذلك فعل الله بنفقة الكافر وصدقته في حياته، حين يلقاه، يبطل ثوابها ويخيب رجاؤه منها، وخرج المثل للنفقة، والمراد بـ «المثل» صنيع الله بالنفقة، فبيّن ذلك قوله:﴿كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ﴾، فهو كما قد بيّنا في مثله قوله: ﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا﴾[البقرة: 17].

فتأويل الكلام،: مثل إبطال الله أجر ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا، كمثل ريح فيها صر؛ وإنما جاز ترك ذكر إبطال الله أجر ذلك، لدلالة آخر الكلام عليه، وهو قوله:﴿كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ﴾، ولمعرفة السامع ذلك معناه(122).

ومعنى الآية: مثل نفقة الكافرين في بطلانها وذهابها وعدم منفعتها، كمثل زرع أصابه ريح باردة أو نار؛ فأحرقته وأهلكته، فلم ينتفع أصحابه بشيء بعد ما كانوا يرجون فائدته ونفعه(123).

وما ينفق الكفرة قربة ، أو مفاخرة وسمعة ، أو المنافقون رياء أو خوفًا، ﴿فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ﴾ برد شديد والشائع إطلاقه للريح الباردة كالصّرصر، فهو في الأصل مصدر نعت به، أو نعت وصف به البرد للمبالغة كقولك برد بارد، ﴿أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ﴾ بالكفر والمعاصي أهلكته عقوبة لهم لأن الإهلاك عن سخط أشد، والمراد تشبيه ما أنفقوا في ضياعه بحرث كفار ضربته صرٌّ؛ فاستأصلته ولم يبق لهم فيه منفعة ما في الدنيا والآخرة، وهو من التشبيه المركب ولذلك لم يبال بإيلاء كلمة التشبيه للريح دون الحرث، ويجوز أن يقدر كمثل مهلك ريح وهو الحرث(124).

2. ضرب الريح مثلًا لأعمال الكافرين.

وذلك كما في قوله عز وجل: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٨﴾ [إبراهيم: 18].

هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا معه غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح، فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها، فقال تعالى: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ﴾أي : مثل أعمالهم يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى، لأنهم كانوا يحسبون أنهم كانوا على شيء فلم يجدوا شيئا ، ولا ألفوا حاصلا إلا كما يتحصل من الرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة.

﴿فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ﴾ أي : ذي ريح شديدة عاصفة قوية، فلم يقدروا على شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد في هذا اليوم(125).

وعبر بالرماد، الذي هو أدق الأشياء وأخفها، إذا اشتدت به الريح في يوم عاصف شديد الهبوب، فإنه لا يبقى منه شيئا ، ولا يقدر منه على شيء يذهب ويضمحل(126)، وهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار، يريد: أنهم لا ينتفعون بأعمالهم التي عملوها في الدنيا لأنهم أشركوا فيها غير الله كالرماد الذي ذرته الريح لا ينتفع به(127).

وقوله تعالى:﴿ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ﴾ كناية عن سرعة هذه الريح وقوتها، يقال: اشتدّت الريح. أي: أسرعت بقوة. وتعدية الفعل بالباء، دون تعديته بـ (على) يفيد أن هذه الريح حملت الرماد، وأسرعت الذهاب به، وبددته في جهات هبوبها؛ بحيث لا يقدر أحد على الإمساك بشيء منه، بخلاف قولنا: اشتدت عليه؛ فقد تشتد الريح عليه، وهو ثابت في مكانه، لا يتبدد.

ومشهد الرماد تشتد به الريح في يوم عاصف مشهود معهود، يجسم به السياق معنى ضياع الأعمال سدىً، لا يقدر أصحابها على الإمساك بشيء منها، ولا الانتفاع به أصلًا، يجسمه في هذا المشهد العاصف المتحرك، فيبلغ في تحريك المشاعر له ما لا يبلغه التعبير الذهني المجرد عن ضياع الأعمال وذهابها بددًا.فكما تعصف الريح الشديدة بالرماد، وتذهب به في جهات هبوبها؛ كذلك تعصف رياح الكفر والنفاق بالأعمال، التي تكون لغير الله جل وعلا، وعلى غير طاعة الرسل عليهم الصلاة والسلام(128).

ومشهد الرماد تشتد به الريح في يوم عاصف مشهود معهود، يجسم به السياق معنى ضياع الأعمال سدىً، لا يقدر أصحابها على الإمساك بشيء منها، ولا الانتفاع به أصلًا... وهكذا يلتقي المشهد المصور مع الحقيقة العميقة، وهو يؤدي المعنى في أسلوب مشوق موح مؤثر، ويلتقي معهما التعقيب: ﴿ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ﴾.

3. ضرب الريح مثلًا في بيان حال المشرك بالله تعالى.

وذلك كما في قوله عز وجل: ﴿حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ ٣١﴾ [الحج: 31].

بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة: أن من أشرك بالله غيره ، أي : ومات ولم يتب من ذلك فقد وقع في هلاك، لا خلاص منه بوجه ولا نجاة معه بحال؛ لأنه شبهه بالذي خر، أي: سقط من السماء إلى الأرض، فتمزقت أوصاله، وصارت الطير تتخطفها وتهوي بها الريح فتلقيها في مكان سحيق: أي محل بعيد لشدة هبوبها بأوصاله المتمزقة، ومن كانت هذه صفته فإنه لا يرجى له خلاص ولا يطمع له في نجاة، فهو هالك لا محالة، لأن من خر من السماء إلى الأرض لا يصل الأرض عادة إلا متمزق الأوصال، فإذا خطفت الطير أوصاله وتفرق في حواصلها، أو ألقته الريح في مكان بعيد فهذا هلاك محقق لا محيد عنه، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من هلاك من أشرك بالله وأنه لا يرجى له خلاص، جاء موضحًا في مواضع أخر(129).

فإنه من يشرك بالله شيئًا من دونه، فمثله في بعده من الهدى وإصابة الحقّ وهلاكه وذهابه عن ربه، مثل من خرّ من السماء فتخطفه الطير فهلك، أو هوت به الريح في مكان سحيق، يعني من بعيد... فهكذا مثل المشرك بالله في بعده من ربه ومن إصابة الحقّ، كبعد هذا الواقع من السماء إلى الأرض، أو كهلاك من اختطفته الطير منهم في الهواء(130).

وأشارت الآية إلى أن الكافرين قسمان: قسم شركه ذبذبة وشكّ، فهذا مشبّه بمن اختطفته الطير فلا يستولي طائر على مزعة منه إلاّ انتهبها منه آخر، فكذلك المذبذب متى لاح له خيال اتبعه وترك ما كان عليه، وقسم مصمّم على الكفر مستقر فيه، فهو مشبّه بمن ألقته الريح في واد سحيق، وهو إيماء إلى أن من المشركين من شركه لا يرجى منه خلاص كالذي تخطفته الطير، ومنهم من شركه قد يخلص منه بالتوبة إلا أن توبته أمر بعيد عسير الحصول(131).

موضوعات ذات صلة:
الإهلاك، البشرى، الرحمة، السحاب، الماء، النبات

الحواشي

  1. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 2/454. ↩
  2. لسان العرب، ابن منظور 2/455. ↩
  3. انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 5/139. ↩
  4. المفردات، الراغب الأصفهاني ص 421. ↩
  5. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص 326، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص 595. ↩
  6. انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 232. ↩
  7. لسان العرب، ابن منظور 15/370. ↩
  8. المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/1001. ↩
  9. انظر: لسان العرب، ابن منظور 4/578. ↩
  10. الكشاف 1/341. ↩
  11. التبيان في تفسير القرآن 2/342. ↩
  12. فتح القدير، الشوكاني 4/264، محاسن التأويل، القاسمي 8/19. ↩
  13. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/289. ↩
  14. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص643. ↩
  15. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/191، وانظر: محاسن التأويل، القاسمي 7/371. ↩
  16. انظر: ما قاله الفراء في معاني القرآن 1/97. ↩
  17. جامع البيان، الطبري 3/276. ↩
  18. انظر: القرآن وإعجازه العلمي، محمد إسماعيل إبراهيم 1/95، موسوعة الإعجاز العلمي، النابلسي 2/70. ↩
  19. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/243. ↩
  20. أضواء البيان، الشنقيطي 7/179. ↩
  21. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير، الباب الأخير، 5/314، رقم 3369.
    وضعفه الألباني في مشكاة المصابيح، رقم 1923. ↩
  22. التبيان في أقسام القرآن، ابن القيم ص 173. ↩
  23. المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 1/58. ↩
  24. الكليات، الكفوي ص355. ↩
  25. العذب النمير، الشنقيطي 3/415. ↩
  26. المفردات، الراغب الأصفهاني ص327. ↩
  27. الكليات، الكفوي ص731. ↩
  28. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص808. ↩
  29. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/145. ↩
  30. انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص482، الكليات، الكفوي ص894. ↩
  31. جامع البيان، الطبري 21/444. ↩
  32. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص826. ↩
  33. محاسن التأويل، القاسمي 9/309. ↩
  34. انظر: المخصص، ابن سيده 2/415، الكليات، الكفوي ص1048. ↩
  35. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/226. ↩
  36. زاد المسير، ابن الجوزي 3/204. ↩
  37. المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/740. ↩
  38. انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 8/290، لسان العرب، ابن منظور 9/283. ↩
  39. انظر: فتح القدير، الشوكاني 3/291، محاسن التأويل، القاسمي 6/476. ↩
  40. المفردات، الراغب الأصفهاني ص487. ↩
  41. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/290. ↩
  42. لسان العرب، ابن منظور 2/579. ↩
  43. انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 1/189. ↩
  44. المفردات، الراغب الأصفهاني ص576. ↩
  45. مفاتيح الغيب، الرازي 28/148. ↩
  46. انظر: لباب التأويل، الخازن 4/196، زاد المسير، ابن الجوزي 4/172، معالم التنزيل، البغوي 4/376. ↩
  47. المفردات، الراغب الأصفهاني ص417. ↩
  48. فتح القدير، الشوكاني 4/616. ↩
  49. المفردات، الراغب الأصفهاني 1/242. ↩
  50. انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 12/224، لسان العرب، ابن منظور 12/302. ↩
  51. المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 1/451. ↩
  52. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 17/70. ↩
  53. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص815. ↩
  54. التحرير والتنوير، ابن عاشور 27/57. ↩
  55. انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 3/275، المفردات، الراغب الأصفهاني ص224، لسان العرب، ابن منظور 4/177. ↩
  56. محاسن التأويل، القاسمي 8/165. ↩
  57. جامع البيان، الطبري 20/457. ↩
  58. العذب النمير، الشنقيطي 1/23.
    وانظر: إتحاف فضلاء البشر، الدمياطي ص277. ↩
  59. فتح القدير، الشوكاني 2/277. ↩
  60. تفسير المراغي 8/182. ↩
  61. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/104. ↩
  62. التحرير والتنوير، ابن عاشور 21/57. ↩
  63. المصدر السابق 22/268. ↩
  64. الطرّاز لأسرار البلاغة، يحيى بن حمزة 2/74. ↩
  65. وهذا الأمر: أمر قدري كوني.
    انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص643. ↩
  66. المفردات، الراغب الأصفهاني ص645. ↩
  67. انظر: تفسير ابن أبي حاتم 9/3093. ↩
  68. مفاتح الغيب، الرازي 17/232. ↩
  69. معالم التنزيل، البغوي 6/275. ↩
  70. محاسن التأويل، القاسمي 6/317. ↩
  71. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص437. ↩
  72. فتح القدير، الشوكاني 4/218. ↩
  73. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص868. ↩
  74. جامع البيان، الطبري 19/24. ↩
  75. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/244. ↩
  76. انظر: إيجاز البيان في إعجاز القرآن، فؤاد البنّا ص114. ↩
  77. انظر: جامع البيان، الطبري 17/85، أضواء البيان، الشنقيطي 2/267. ↩
  78. التحرير والتنوير، ابن عاشور 18/34. ↩
  79. انظر: مباحث في علوم القرآن، القطان ص281. ↩
  80. انظر: مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى مسلم ص195-196. ↩
  81. مفتاح دار السعادة، ابن القيم 1/217. ↩
  82. انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير 2/284. ↩
  83. صحيح البخاري 1/99، كتاب الصلاة، باب الأسير أوالغريم يربط في المسجد،رقم 461. ↩
  84. أضواء البيان، الشنقيطي 4/234.
    وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/321. ↩
  85. التحرير والتنوير، ابن عاشور 17/123. ↩
  86. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/212، معالم التنزيل، البغوي 5/335. ↩
  87. انظر: جامع البيان، الطبري 20/362، محاسن التأويل، القاسمي 8/183. ↩
  88. زاد المسير، ابن الجوزي 3/492. ↩
  89. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 4/93. ↩
  90. لطائف الإشارات، القشيري 3/257. ↩
  91. الكشاف، 3/130. ↩
  92. انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 4/235. ↩
  93. انظر: جامع البيان، الطبري 20/214، معالم التنزيل، البغوي 6/321، الكشاف، الزمخشري 3/526. ↩
  94. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/344. ↩
  95. التحرير والتنوير، ابن عاشور 21/279. ↩
  96. انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 6/235. ↩
  97. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستسقاء، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم نصرت بالصبا، 2/34، رقم 1035. ↩
  98. انظر: العذب النمير، الشنقيطي 2/550. ↩
  99. انظر: محاسن التأويل، القاسمي 8/449. ↩
  100. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 16/206. ↩
  101. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/154. ↩
  102. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص118. ↩
  103. إرشاد العقل السليم، أبو السعود 8/42. ↩
  104. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/225. ↩
  105. المحرر الوجيز، ابن عطية 5/357. ↩
  106. انظر: جامع البيان، الطبري 24/407. ↩
  107. انظر: تفسير جزء عم، ابن عثيمين ص 171، تفسير جزء عم، مساعد الطيار ص88. ↩
  108. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/154. ↩
  109. انظر: المصدر السابق 6/138. ↩
  110. المفردات، الراغب الأصفهاني ص759. ↩
  111. المحرر في أسباب النزول، المزيني 1/545. ↩
  112. محاسن التأويل، القاسمي 7/38. ↩
  113. الإعجاز اللغوي والبياني، علي الشحوذ 1/47. ↩
  114. الفرقان في بيان إعجاز القرآن، عبد الكريم الحميد 1/35. ↩
  115. تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص685. ↩
  116. الكشاف، الزمخشري 3/601. ↩
  117. الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم، مناهج الجامعة الإسلامية ص463. ↩
  118. المحرر الوجيز، ابن عطية 4/430. ↩
  119. مفاتيح الغيب، الرازي 26/225. ↩
  120. محاسن التأويل، القاسمي 8/161. ↩
  121. انظر: التبيان في إعراب القرآن أبو البقاء العكبري 1/147. ↩
  122. جامع البيان، الطبري 7/143. ↩
  123. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 4/178. ↩
  124. أنوار التنزيل، البيضاوي 2/34. ↩
  125. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/418. ↩
  126. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص424. ↩
  127. معالم التنزيل، البغوي 4/343. ↩
  128. الإعجاز اللغوي والبياني في القرآن الكريم، علي الشحوذ ص42. ↩
  129. أضواء البيان، الشنقيطي 5/256. ↩
  130. جامع البيان، الطبري 18/620. ↩
  131. التحرير والتنوير، ابن عاشور 17/255. ↩
البحث السابقالرياء