مفهوم الرحمة
أولًا: المعنى اللغوي:
تدور مادة (ر ح م) حول الرقّة، والعطف.
قال ابن فارس: «الرّاء والحاء والميم أصل واحد، يدل على: الرقة والعطف والرأفة. يقال من ذلك: رحمه يرحمه إذا رقّ له وتعطّف عليه، والرّحم والمرحمة والرّحمة بمعنًى»(1).
وقال ابن منظور رحمه الله: «الرحمة: الرقة والتعطف، والرحمة في بني آدم: رقة القلب وعطفه»(2).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
ذكر أهل العلم في تعريف الرحمة في الاصطلاح عدة تعريفات مأخوذة من دلالة المعنى اللغوي للكلمة، ومن هذه التعريفات:
قول الراغب الأصفهاني رحمه الله: «الرحمة رقة تقتضـي الإحسان إلى المرحوم، وقد تستعمل تارةً في الرقة المجردة، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة نحو رحم الله فلانًا»(3).
وقال الكفوي رحمه الله: «الرحمة حالة وجدانية تعرض غالبًا لمن به رقة القلب، وتكون مبدأً للانعطاف النفساني الذي هو مبدأ الإحسان»(4).
وعرفها بعض الباحثين بقوله: «رقة يجدها المخلوق في قلبه تحمله على العطف والإحسان إلى سواه ومواساته، وتخفيف آلامه» (5).
والرحمة هي السبب الذي بين الله وبين عباده؛ بها أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبها هداهم، وبها أسكنهم دار ثوابه، وبها رزقهم وعافاهم، وبها أنعم عليهم (6).
فالمعنى الاصطلاحي للرحمة لا يبعد عن معناه اللغوي، إلا أنه خص برحمة الله لعباده، ولا ينافي معنى الرحمة أن يكون في بعض التكاليف مشقة.
الرحمة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (رحم) في القرآن الكريم (339) مرة(7).
والصيغ التي وردت هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| الفعل الماضي | 8 | ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ﴾ [هود: 43] |
| الفعل المضارع | 15 | ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ ٢١﴾ [العنكبوت: 21] |
| المصدر | 116 | ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٨﴾ [آل عمران: 8] |
| اسم الفاعل | 6 | ﴿وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٦٤﴾ [يوسف: 64] |
| صيغة المبالغة | 172 | ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣﴾ [الفاتحة: 3] |
| اسم التفضيل | 4 | ﴿وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٩٢﴾ [يوسف: 92] |
| الاسم | 13 | ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ﴾ [النساء: 1] |
وأطلقت الرحمة في الاستعمال القرآني على عدة أمور(8):
الأول: الإسلام والإيمان: ومنه قوله تعالى: ﴿يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ﴾ [الإنسان: ٣١]، أي: في دينه الإسلام. وقوله تعالى: ﴿وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ﴾ [هود: ٢٨]، أي: الإيمان.
الثاني: الجنة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فَفِي رَحۡمَةِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، أي: في جنته.
الثالث: المطر: ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ﴾ [الأعراف: ٥٧]، أي: المطر.
الرابع: النبوة: ومنه قوله تعالى: ﴿أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡوَهَّابِ﴾ [ص: ٩]، أي: مفاتيح النبوة.
الخامس: القرآن: ومنه قوله تعالى: ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨]، أي: القرآن.
السادس: الرزق: ومنه قوله تعالى: ﴿قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ﴾ [الإسراء: ١٠٠]، أي: رزق ربي.
السابع: النصر والفتح: ومنه قوله تعالى: ﴿قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةٗۚ﴾ [الأحزاب: ١٧]، أي: النصر والفتح.
الثامن: العافية: ومنه قوله تعالى: ﴿قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ﴾ [الزمر: ٣٨]، أي: عافية.
التاسع: المودة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗ﴾ [الحديد: ٢٧]، أي: مودة.
العاشر: التوفيق: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ﴾ [النساء: ٨٣]، أي: توفيقه.
الحادي عشر: العصمة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ﴾ [يوسف: ٥٣].
الألفاظ ذات الصلة
الرأفة:
الرأفة لغة:
أصل مادة (ر أ ف) تدل على رقّة ورحمة، وهي الرّأفة (9).
الرأفة اصطلاحًا:
قال الكفويّ: «الرّأفة مبالغة فى رحمة مخصوصة، هي رفع المكروه وإزالة الضرّ»(10).
الصلة بين الرأفة والرحمة:
الرّأفة أخص من الرحمة؛ فالرّأفة: أشد الرحمة (11)، أو الرّأفة: أعلى معاني الرحمة(12)، أو الرّأفة: ألطف الرحمة وأرقها(13).
قال الزجاج رحمه الله: «الرّأفة هي المنزلة الثانية، يقال: فلان رحيم، فإذا اشتدت رحمته فهو رءوف»(14).
القسوة:
القسوة لغةً:
القسوة: الصّلابة في كلّ شيءٍ، والقسوة في القلب تعني ذهاب اللّين والرّحمة والخشوع منه(15).
القسوة اصطلاحًا:
قال الراغب: «القسوة: غلظ القلب»(16).
الصلة بين القسوة والرحمة:
العلاقة بينهما التضاد، فالقسوة ضد الرحمة.
الرحمة في حق الله تعالى
الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان: رحمة ذاتية موصوف بها سبحانه على الوجه اللائق به، وإضافتها إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف كقوله تعالى: ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ﴾ [الكهف: ٥٨].
والرحمة الأخرى: رحمة مخلوقة، وهي من أثر صفة الرحمة الذاتية، وإضافتها إليه سبحانه من إضافة المخلوق إلى خالقه كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ﴾ [الأعراف: ٥٧].
وكما جاء في الحديث: (فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي)(17)(18).
ورحمة الله وردت في القرآن الكريم صفة له سبحانه، واشتق منها اسمان عظيمان هما الرحمن والرحيم، وسأعرض لما تقدم من خلال النقاط الآتية:
أولًا: ورود الرحمة مفردة صفة لله تعالى:
جاءت رحمة الله في مواضع من القرآن الكريم موصوفة بصفة معينة، ككتابة الله لها على نفسه وكالسعة، والقرب من المحسنين، وسأعرض لهذه الأوصاف والدلالات من خلال الآتي:
1. الرحمة مما كتبه الله سبحانه على نفسه.
ليس لأحد أن يلزم الله شيئًا، ولكن الله يلزم نفسه ما شاء، ومعنى إلزامه أن يـخبر به، ووعده جل وعلا صادق لا يتخلف، فما وعد الله به فهو واجب الوقوع لازمه محتوم؛ لأن الله لا يخلف الميعاد(19).
ومما أخبر الله به سبحانه عن نفسه أنه كتب على نفسه الرحمة، أي: أوجبها على نفسه الكريمة تفضلًا منه وإحسانًا؛ وهذه الكتابة كونية قدرية لم يوجبها عليه أحد(20).
قال ابن حجر رحمه الله: « قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۖ﴾ [الأنعام: 54].
ليس معناه أن ذلك لازم له؛ لأنه لا آمر له، ولا ناهي يوجب عليه ما يلزمه المطالبة به، وإنما معناه إنجاز ما وعد به من الثواب، وهو لا يخلف الميعاد »(21).
وقد ورد إخبار الله سبحانه عن نفسه أنه كتب على نفسه الرحمة في موضعين من سورة الأنعام:
الأول: قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢﴾ [الأنعام: 12].
بيّن تعالى كمال إلاهيته وقدرته ونفاذ تصرفه في عالم المخلوقات بالكلية، ثم أردفه بكمال رحمته وإحسانه إلى الخلق فقال: ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ﴾ (22).
فقضى أنّه بعباده رحيم، لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة، وهذا منه تعالى استعطاف للمعرضين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة(23).
و ﴿ٱلرَّحۡمَةَۚ﴾ هنا الظاهر أنها عامّة، فتعم المحسن والمسـيء في الدنيا، وهي عبارة عن الاتصال بهم والإحسان إليهم، ولم يذكر متعلق الرحمة لمن هي فتعم(24).
قال ابن سعدي رحمه الله: «وقوله: ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ﴾، أي: العالم العلوي والسفلي تحت ملكه وتدبيره، وهو تعالى قد بسط عليهم رحمته وإحسانه، وتغمدهم برحمته وامتنانه، وكتب على نفسه كتابًا أن رحمته تغلب غضبه، وأن العطاء أحب إليه من المنع، وأن الله قد فتح لجميع العباد أبواب الرحمة، إن لم يغلقوا عليهم أبوابها بذنوبهم، ودعاهم إليها، إن لم تمنعهم من طلبها معاصيهم وعيوبهم»(25).
وقد أورد العلاّمة ابن عاشور رحمه الله عدة معانٍ بديعة في وقوع جملة ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ﴾معترضة، حيث قال: «وفي هذا الاعتراض معان: أحدها: أنّ ما بعده لـمّا كان مشعرًا بإنذار بوعيد قدّم له التذكير بأنّه رحيم بعبيده، عساهم يتوبون ويقلعون عن عنادهم، على نحو قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۖ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [الأنعام: 54].
والشرك بالله أعظم سوءٍ وأشدّ تلبّسًا بجهالة، والثاني: أنّ الإخبار بأنّ لله ما في السماوات وما في الأرض يثير سؤال سائل عن عدم تعجيل أخذهم على شركهم بمن هم ملكه. فالكافر يقول: لو كان ما تقولون صدقًا لعجّل لنا العذاب، والمؤمن يستبطىء تأخير عقابهم، فكان قوله: ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ﴾جوابًا لكلا الفريقين بأنّه تفضّل بالرحمة، فمنها رحمة كاملة: وهذه رحمته بعباده الصالحين، ومنها رحمة موقّتة وهي رحمة الإمهال والإملاء للعصاة والضّالّين، والثالث: أن ما في قوله: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ﴾ من التمهيد لما في جملة ﴿لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ﴾ من الوعيد والوعد. ذكرت رحمة الله تعريضًا ببشارة المؤمنين وبتهديد المشركين»(26).
والثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۖ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [الأنعام: 54].
جاءت هذه الآية إرشادًا من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في شأن فريق من الناس، وهم الذين يجيئون الرسول آنًا بعد آنٍ مؤمنين بآيات الله المثبتة للتوحيد والرسالة، فيدخلون في الإسلام مذعنين لأمر الله ورسوله(27).
ثم بين سبحانه أن المراد بالرحمة في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۖ﴾ غفرانه ما يعمـلون من سوء إذا تابوا وأصلحوا، فقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۖ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾، فقوله: ﴿أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا﴾ مفسر لتلك الرحمة مبين لها(28).
والتوبة لا بد فيها من ترك الذنوب، والنـدم عليها، وإصلاح العمـل، وأداء ما أوجب الله، وإصلاح ما فسد من الأعمال الظاهرة والباطنة، فإذا وجد ذلك كله ﴿فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ يصب عليهم من مغفرته ورحمته، بحسب ما قاموا به، مما أمرهم به(29).
وقريب من هذه الآية(30) قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا﴾ [النساء: 17].
فمدلول هذه الآية أن الله ليس عليه حق بقبول توبة أحد من المذنبين، وليس الله براجع لأحد منهم إلى ما يحبه من العفو عنه والصفح عن ذنوبه التي سلفت منه، إلا للذين يزاولون المعاصي عن جهل منهم، وهم من عذاب ربهم مشفقون، فيتوبون من ذنوبهم ويراجعون طاعة الله التي ترضيه، ويلازمون الاستغفار والندم على ما فات عازمين على ترك العودة إليه(31).
ومما يجدر الإشارة إليه في ختام الكلام على الآيتين الكريمتين أن ما أخبر الله من أنه سبحانه بأنه كتب على نفسه الرحمة هو الذي دلت عليه السنة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الله جل وعلا كتب في كتاب فهو عنده فوق عرشه: (إن رحمتي غلبت غضبي)(32).
وهذا المعنى هو الذي دلت عليه آيات أخرى من كتاب الله، وهو الذي سيكون عنه الحديث في الفقرة الآتية.
2. سبق رحمة الله غضبه.
بسط الله سبحانه على عباده رحمته وإحسانه، وتغمدهم برحمته وامتنانه، وكتب على نفسه كتابًا أن رحمته تغلب غضبه، وأن العطاء أحب إليه من المنع، وأن الله قد فتح لجميع العباد أبواب الرحمة(33).
وقد جاء هذا المعنى في عدة آيات من كتاب الله تعالى، ومنها:
قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣].
الله سبحانه هو الغني: في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه، الغني عن عباده والكل مفتقر إليه؛ فلا ينفعه إيمان المؤمنين، ولا طاعة الطائعين، كما قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].
كما لا يضره كفر الكافرين، أو معصية العاصين، كما قال تعالى: ﴿إِن تَكۡفُرُوٓاْ أَنتُمۡ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨](34).
وفي الحديث القدسي، الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما يرويه عن ربه، أن الله جل وعلا يقول: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا)(35).
والنكتة في الآية: أن الله بما قدّم قبل هذه الآية من آيات أمر ونهي، وبين ما يدخل الجنة وما يدخل النار، ثم نبه خلقه، فكأنه يقول: يا عبادي: لا تظنوا أنني آمركم وأنهاكم لأجل أن أجر بذلك لنفسي نفعًا أو أصرف عنها ضرا ً، لا، أنا الغني بذاتي الغنى المطلق، وإنما النفع لكم لا لي(36).
ثم تليت هذه الصفة بقوله تعالى: ﴿ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ﴾ فأردف الاستغناء بالتفضل وهذا أجمل تناسق(37)، والوصف بذي الرحمة يساوي وصف الرحيم؛ لأن ذو تقتضي رسوخ النسبة بين موصوفها وما تضاف إليه(38)، وقوله: ﴿ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ﴾، أي: أنه صاحب الرحمة وحده، فهو الرحيم رحمة مطلقة بعباده، ورحمة غيره رحمة نسبية، تليق بالمخلوقات، أما الله تعالى فرحمته واسعة، وسعت كل شيء، خلق الكون والناس برحمته، وخلق العقلاء وكفلهم برحمته، وأنزل من السحاب ماءً مدرارًا برحمته، وخلق من الماء كل شيء حي برحمته، وجعل الأرض مهادًا والجبال أوتادًا برحمته، وخلق الموت والحياة برحمته، وخلق البعث والنشور برحمته، وأنشأ السمع والأبصار والأفئدة برحمته (39).
والمقصود من الوصف بذي الرحمة، تمهيد لمعنى الإمهال الذي في قوله: ﴿إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ﴾ أي: فلا يقولنّ أحد لماذا لم يذهب هؤلاء المكذبين، أي: أنه لرحمته أمهلهم إعذارًا لهم(40)؛ فلو شاء لعجل لهم العقاب وسارع إلى إهلاكهم واستخلاف غيرهم، كما أهلك أسلافهم الذين خرجوا من أصلابهم، لكنه تعالى يمهلهم لعلهم يرجعون، ويؤخرهم فعساهم يتوبون(41).
ومن الآيات الدالة على سبق رحمة الله غضبه قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا﴾ [الكهف: ٥٨].
الله واسع المغفرة، يغفر الذنوب، ويتوب على من يتوب، فيتغمده برحمته، ويشمله بإحسانه، وأنه لو آخذ العباد على ما قدمت أيديهم من الذنوب، لعجل لهم العذاب، ولكنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل ولا يهمل، والذنوب لا بد من وقوع آثارها، وإن تأخرت عنها مدة طويلة(42).
وفي معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة(43)، كقوله تعالى: ﴿وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ﴾ [النحل: ٦١].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهۡرِهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ﴾ [فاطر: ٤٥].
فإنه لو عاجل الخلق بالعقوبة لأهلك جميع من في الأرض، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة؛ لأن العجلة من شأن من يخاف فوات الفرصة، ورب السماوات والأرض لا يفوته شيء أراده(44).
ذكر الله تعالى الكفار بالصفات الموجبة للخزي والخذلان(45) في قوله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُۚ إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا﴾ [الكهف: ٥٧].
ولما كان هذا مقتضيًا لأخذهم أتبعه بقوله(46): ﴿وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ﴾ جريًا على عادة القرآن في تعقيب الترهيب بالترغيب والعكس؛ فلما رماهم بقوارع التهديد والوعيد عطف على ذلك التعريض بالتذكير بالمغفرة؛ لعلهم يتفكرون في مرضاته، ثم التذكير بأنه يشمل الخلق برحمته في حين الوعيد، فيؤخر ما توعدهم به إلى حد معلوم، إمهالًا للناس لعلهم يرجعون عن ضلالهم، ويتدبرون فيما هم فيه من نعم الله تعالى فلعلهم يشكرون(47).
ومن استمر منهم ﴿لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا﴾ وهو يحتمل أن يكون المراد ما سيكون عليهم من القتل بأيدي المؤمنين في الدنيا، أو ما سيكون عليهم يوم القيامة الذي لا مفر منه(48)، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿قُلۡ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَٰلَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ﴾ [مريم: ٧٥].
أي: فليهمله الرحمن إمهالًا فيما هو فيه حتى يستدرجه بالإمهال ويموت على ذلك ولا يرجع عنه، بل يستمر على ذلك حتى يرى ما يوعده الله، وهو: إما عذاب في الدنيا بأيدي المسلمين، كقوله: ﴿قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ﴾ [التوبة: 14]، أو بغير ذلك، وإما عذاب الآخرة إن ماتوا وهم على ذلك الكفر(49).
وهذه سنة الله في الأولين والآخرين، أن لا يعاجلهم بالعقاب، بل يستدعيهم إلى التوبة والإنابة، فإن تابوا وأنابوا، غفر لهم ورحمهم، وأزال عنهم العقاب، وإلا فإن استمروا على ظلمهم وعنادهم، وجاء الوقت الذي جعله موعدًا لهم، أنزل بهم بأسه(50)؛ ولهذا قال: ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا﴾ [الكهف: ٥٩].
وهذا استشهاد على ما فعل بقريش من تعيين الموعد؛ ليتنبهوا لذلك، ولا يغتروا بتأخر العذاب(51).
3. سعة رحمة الله.
الله سبحانه واسع الرحمة، له كمال الرحمة، ورحمته قد ملأت العالم العلوي والسفلي وجميع المخلوقات، وشملت الدنيا والآخرة(52).
وهذه الرحمة الواسعة التي عمت البر والفاجر، وجميع المخلوقات، دلّ عليها عدة آيات من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمۡ ذُو رَحۡمَةٖ وَٰسِعَةٖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُهُۥ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٧].
جمع جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة، بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين، هما جلب النفع ودفع الضر(53)، والله سبحانه قرن في عدة آيات من كتابه بين الترغيب في رحمته، والترهيب من عذابه، كقوله: ﴿نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٤٩ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ ٥٠﴾ [الحجر: 49-50].
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
أي: فإن كذبك مخالفوك من المشـركين واليهود ومن شابههم(54)، فقل: ﴿رَّبُّكُمۡ ذُو رَحۡمَةٖ وَٰسِعَةٖ﴾ تسع جميع خلقه، المحسن والمسيء، لا يعاجل من كفر به بالعقوبة، ولا من عصاه بالنّقمة، ولا يدع كرامة من آمن به وأطاعه، ولا يحرمه ثواب عمله، رحمةً منه بكلا الفريقين(55).
فالله سبحانه أمهلهم، وأغدق عليهم نعمه، وأعطاهم العافية والإمهال، وهم يكذبون رسله، ويرتكبون مساخطه، ويتمردون عليه، فسبحانه ما أرحمه(56)!
إلا أنه سبحانه مع سعة رحمته؛ فإن سطوته وعذابه لا يردّه إذا أحله عند غضبه على المجرمين، فقال: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُهُۥ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾(57).
وقرن سبحانه بين سعة رحمته وشدة بأسه؛ ليكون الخوف والرجاء جناحين يطير بهما الإنسان إلى امتثال أمر الله، هذا الملك الجبار الذي أدعوكم إليه رحيم عظيم الرحمة الواسعة لمن أطاعه، شديد النكال والبأس لمن عصاه، فعليكم أن تخافوا بأسه ونكاله، وتطمعوا في رحمته فتطيعوه(58).
ومن الآيات الدالة على سعة رحمته قوله تعالى عن حملة العرش ومن حوله: ﴿ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧].
وسعتها عموم تعلقها بكل شيء؛ كما أن سعة علمه تعالى عموم تعلقه بكل معلوم(59).
فما من موجود في الدنيا إلا وقد نالته قسمة من رحمة الله، سواء في ذلك المؤمن والكافر والإنسان والحيوان(60)؛ لأن الله قرن الرحمة مع العلم، فكل ما بلغه علم الله، وعلم الله بالغ لكل شيء، فقد بلغته رحمته، فكما يعلم الكافر، يرحم الكافر أيضًا؛ لكن رحمته للكافر رحمة جسدية بدنية دنيوية قاصرة غاية القصور بالنسبة لرحمة المؤمن، فالذي يرزق الكافر هو الله الذي يرزقه بالطعام والشراب واللباس والمسكن والمنكح وغير ذلك، أما المؤمنون، فرحمتهم رحمة أخص من هذه وأعظم، لأنها رحمة إيمانية دينية دنيوية(61).
وسعة رحمته تتضمن أنّه لا يهلك عليه أحد من المؤمنين به أهل توحيده ومحبته، فإنّه واسع الرحمة، لا يخرج عن دائرة رحمته إلاالأشقياء، ولا أشقى ممن لم تسعه رحمته التي وسعت كلّ شيء(62).
ومن الآيات الدالة على سعة رحمته قوله تعالى: ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وهذه الآية قال عنها ابن كثير رحمه الله: « آية عظيمة الشمول والعموم؛ كقوله إخبارًا عن حملة العرش ومن حوله أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا﴾ [غافر: ٧]»(63).
فرحمته سبحانه وسعت العالم العلوي والسفلي، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه(64)، فالعموم في الرحمة عموم كامل صادق، وقال تعالى: ﴿كُلَّ شَيۡءٖۚ﴾ ولم يقل كل شخص، للإشارة إلى أن الرحمة شاملة عامة للأشياء والأشخاص، فشريعته عدل ورحمة، وإرساله الرسل عدل ورحمة، وخلقه الكون وما فيه من شمس مشرقة مضيئة للكون، وقمر منير، ونجوم ذات بروج، وسحاب ورياح مرسلات رحمة، وهكذا كل ما سخره الله تعالى للإنسان، وما مكنه منه رحمة به(65).
ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: ﴿فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾(66).
فعموم الرحمة في الآية الكريمة قد ورد ما يخصصه وهو قوله: ﴿فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾(67).
قال ابن عادل رحمه الله: «﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ﴾أي: أن رحمته في الدنيا تعم الكل، وأمّا في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين؛ لقوله هنا: ﴿فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، وهذا من العام الذي أريد به الخاص كقوله: ﴿وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ﴾ [النمل: 23]»(68).
فنعيم الجنة رحمة من الله، وقد كتبها الله تعالى للذين يؤمنون بالله وبالآخرة، ولذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ﴾ (69).
وإن كان المتقون هم أهل الرحمة، والرحمة مرصدة لهم؛ فقد دل القرآن الكريم أيضًا على قربها منهم، وهو ماسيكون الكلام عنه في الفقرة الآتية.
4. قرب رحمة الله من المحسنين.
الله يرحم أهل توحيده المؤمنين به، وكتب رحمته ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
والذين يتبعون رسوله فهؤلاء هم أهل الرحمة، كما أنهم هم المحسنون، وكما أحسنوا جوزوا بالإحسان و ﴿هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ﴾ [الرحمن: 60] (70).
فالرحمة مرصدة للمحسنين، الذين يتبعون أوامر الله ويتركون زواجره(71)، وقد قرّب الله تعالى رحمته لعباده(72)فقال: ﴿إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
وأوضح في موضع آخر صفات عبيده الذين سيكتبها لهم في قوله: ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [الأعراف: ١٥٦](73).
جاء ذكر قرب رحمة الله من المحسنين عقب جملة من آداب الدعاء هي: الإخلاص فيه لله وحده، وأن يكون القلب خائفًا طامعًا لا غافلًا ولا آمنًا، ولا غير مبال بالإجابة(74) فقال تعالى: ﴿ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٥٥ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦﴾ [الأعراف: 55-56].
ولما كان قوله: ﴿وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ﴾ مشتملًا على جميع مقامات الإيمان والإحسان، وهي الحب والخوف والرجاء، عقّبها بقوله: ﴿إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾، أي: إنما تنال من دعاه خوفًا وطمعًا، فهو المحسن، والرحمة قريب منه؛ لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة.
وقوله: ﴿إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾، فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور هو الإحسان المطلوب منكم، ومطلوبكم أنتم من الله رحمته، ورحمته قريب من المحسنين، الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه تضرعًا وخفيةً، وخوفًا وطمعًا فقرر مطلوبكم منه، وهو الرحمة بحسب أدائكم لمطلوبه، وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة؛ لأنها إحسان من الله عز وجل أرحم الراحمين، وإحسانه تبارك وتعالى إنما يكون لأهل الإحسان؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وكلما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته، وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة، بعدٌ ببعدٍ، وقربٌ بقرب، فمن تقرب إليه بالإحسان تقرب الله إليه برحمته، ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته، والله سبحانه يحب المحسنين، ويبغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه، ومن أبغضه الله فرحمته أبعد شيء منه(75).
فكان في بيان قربه سبحانه من المحسنين من التحريض على الإحسان واستدعائه من النفوس وترغيبها فيه غاية حظ وأشرفه وأجله على الإطلاق، وهو أفضل إعطاء أعطيه العبد، وهو قربه تبارك وتعالى من عبده الذي هو غاية الأماني، ونهاية الآمال، وقرة العيون، وحياة القلوب، وسعادة العبد كلها(76).
ثانيًا: اسما الله تعالى الرحمن والرحيم:
ورد اسما الله تعالى الرحمن والرحيم منفردين في مواضع من كتاب الله، واقترنا في مواضع أخر من كتاب الله، كما اقترن اسم الرحيم بغيره من الأسماء الحسنى، كما اعتبر بعض أهل العلم الأسماء المضافة مثل: أرحم الراحمين، وعدّها من ضمن الأسماء الحسنى(77).وسأعرض لما تقدم من خلال الآتي:
1. ورود كل من الاسمين الكريمين منفردًا كل منهما عن الآخر.
الحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون بجمعه إلى غيره فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمالٌ فوق كمال(78).
وقد ورد اسما الله ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ و﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ منفردين في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى، ومنها قوله تعالى: ﴿وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ﴾ [الرعد: ٣٠].
وأما اسم الله ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ فلم يرد في القرآن منفردًا إلا في ثلاثة مواضع هي:
قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا﴾ [النساء: ٢٩].
وقوله تعالى: ﴿رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا﴾ [الإسراء: ٦٦].
وقوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
و﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ و﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ اسمان مشتقان من الرحمة، ورحمان أبلغ من رحيم، و ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ خاص لله لا يسمى به غيره ولا يوصف، و﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ يوصف به غير الله تعالى، فيقال: رجل رحيم، ولا يقال: رحمان(79).
والمعنى الذي حمل عليه أكثر أهل العلم الاسمين الكريمين سواءً وردا منفردين أو مقترنين هو: أن ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة، و﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة. وهذا القول نسبه الشنقيطي رحمه الله إلى أكثر العلماء واختاره(80).
قال ابن كثير رحمه الله: «وقال تعالى: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ﴾ [طه: 5].
فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته، وقال: ﴿وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
فخصهم باسمه الرحيم، قالوا: فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه، والرحيم خاصة بالمؤمنين»(81).
وذكر الشنقيطي رحمه الله قول ابن كثير المتقدم وزاد عليه بقوله: «ومثله قوله تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ فَوۡقَهُمۡ صَٰٓفَّٰتٖ وَيَقۡبِضۡنَۚ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱلرَّحۡمَٰنُۚ﴾ [الملك: ١٩]، أي: ومن رحمانيته: لطفه بالطير وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء، ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ ١ عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ ٢﴾ [الرحمن: 1-2].
إلى قوله: ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 13] .
وقال: ﴿وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. فخصهم باسمه الرحيم »(82).
2. ورود الاسمين الكريمين مقترنين.
ورد هذان الاسمان مقترنين في أكثر من موضع من كتاب الله ومنها قوله تعالى في أول آية من كتاب الله تعالى: ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1].
وعن سر الجمع بينهما واقترانهما في آية واحدة رأيان لأهل العلم:
الرأي الأول: أن الرحمن والرحيم بمعنىً واحد، وجمع بينهما تأكيدًا.
قال النحاس: «قال قطرب: يجوز أن يكون جمع بينهما للتوكيد(83)؛ وهذا قول حسن، وفي التوكيد أعظم الفائدة، وهو كثير في كلام العرب يستغني عن الاستشهاد»(84).
وقال ابن العربي: «والصحيح أنهما بمعنىً واحد للتأكيد، كندمان ونديم»(85).
الرأي الثاني: التفريق بين الرحمن والرحيم في المعنى، والجمع بينهما ليس للتأكيد.
وأشهر الأقوال التي ذكرت في معناهما قولان:
القول الأول: أن ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة، و﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة.
وهذا القول نسبه الشنقيطي رحمه الله إلى أكثر العلماء واختاره(86).
قال الخطابي: «﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم وأسباب معايشهم ومصالحهم، وعمت الجميع المؤمن والكافر، وأما الرحيم فخاص للمؤمنين كما قال: ﴿وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا﴾ [الأحزاب: ٤٣](87)».
وقد أورد بعض أهل العلم على هذا القول إشكالًا؛ وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [البقرة: ١٤٣](88)؛ فلفظ الناس يشمل المؤمنين والكفار جميعًا.
وأجاب عنه ابن عثيمين رحمه الله بقوله: «هذه هي الرحمة العامة التي بها يعيش الناس في دنياهم برزق الله من طعام، وشراب، وكسوة، وغيرها؛ وأما الرحمة الخاصة فهي للمؤمنين خاصة؛ وبها يحصل سعادة الدنيا، والآخرة، كالعلم والإيمان المثمرين لطاعة الله، ورسوله»(89).
القول الثاني: أن ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ دال على صفة ذاتية، و﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ دال على صفة فعلية.
وهذا القول: هو اختيار: القرطبي، وابن القيم، وابن عاشور، وابن عثيمين رحمهم الله(90).
قال القرطبي: «وروي عن أبي عبيدة أنه قال: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ ذو الرحمة، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ هو الراحم(91). قال ابن الحصّار: يشير -والله أعلم- إلى ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ صفة الخالق سبحانه، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ يدل على أفعاله التي يرحم بها عباده، ولله درّه في هذا القول»(92).
إن التفريق بين الرحمن والرحيم في المعنى أولى من القول أنهما بمعنى واحد والجمع بينهما للتأكيد، وهو الذي تعضده قاعدة من قواعد الترجيح عند المفسرين وهي: قاعدة: التأسيس أولى من التأكيد(93).
قال الطاهر ابن عاشور: «وينسب إلى قطرب: أن ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ و﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ يدلان على معنى واحد من الصفة المشبهة، فهما متساويان، وجعل الجمع بينهما في الآية من قبيل التوكيد اللفظي، ومال إليه الزجاج(94)، وهو وجه ضعيف؛ إذ التوكيد خلاف الأصل والتأسيس خير من التأكيد، والمقام هنا بعيد عن مقتضى التوكيد »(95).
3. اقتران اسم الله الرحيم ببقية الأسماء الحسنى.
اقترن اسـم الله الرحيم بستة أسماء غير اسم الرحمن، وسأذكرها مرتبة حسب الأكثر ورودًا في القرآن، وهي:
الأول: الغفور:
اقترن الاسمان الغفور والرحيم في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كلها تقدّم فيها الغفور على الرحيم إلافي موضع واحد وهو قوله تعالى: ﴿يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۚ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢]
والغفور: هو الذي يستر الذنوب عن الخلق، ولا يظهرها (96).
والله سبحانه يقرن بين الاسمين الكريمين ﴿ٱلۡغَفُورُ﴾ و﴿ٱلرَّحِيمُ﴾؛ لأنهما دالان على معنىً متشابه؛ ففي المغفرة زوال المكروب وآثار الذنب، وفي الرحمة حصول المطلوب(97).
وقد أشار إلى هذا المعنى ابن القيم بقوله: «فيجلب لهم الإحسان والنفع على أتم الوجوه برحمته، ويعفو عن زلتهم ويهب لهم ذنوبهم، ولا يؤاخذهم بها بمغفرته، فقال: ﴿وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢]»(98).
وعن سر تقديم الغفور على الرحيم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢].
يقول ابن القيم رحمه الله: «وأما قوله: ﴿وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ﴾ في سبأ، فالرحمة هناك متقدمة على المغفرة فإما بالفضل والكمال، وإما بالطبع؛ لأنها منتظمة بذكر أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم من الحيوان، فالرحمة تشملهم، والمغفرة تخصهم والعموم بالطبع قبل الخصوص، كقوله: ﴿فَٰكِهَةٞ وَنَخۡلٞ وَرُمَّانٞ﴾[الرحمن: ٦٨]»(99).
الثاني: العزيز:
اقترن الاسمان العزيز والرحيم في أكثر من موضع من كتاب الله، ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩].
والعزيز: هو الذي له العزة كلها: عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات، وقهر جميع الموجودات، ودانت له الخليقة وخضعت لعظمته(100).
وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين ﴿ٱلۡعَزِيزُ﴾ و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ فللإشارة إلى أن العزة على من لم يؤمن منهم، والرحمة لمن آمن(101).
قال أبو حيان رحمه الله: « ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩]، أي: الغالب القاهر، ولما كان الموضع موضع بيان القدرة، قدم صفة العزة على صفة الرحمة. فالرحمة إذا كانت عن قدرة، كانت أعظم وقعًا، والمعنى: أنه عز في نقمته من الكفار، ورحم مؤمني كل أمة»(102).
وقال ابن جرير رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: « ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الدخان: ٤٢].
وقوله: ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ يقول جلّ ثناؤه واصفًا نفسه: إن الله هو العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه، وأهل طاعته»(103).
الثالث: التـواب:
اقترن الاسمان التواب والرحيم في أكثر من موضع من كتاب الله، ومنها قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧].
والتواب من أسمائه تعالى، وهو الكثير القبول لتوبة العبد، أو الكثير الإعانة عليها(104).
وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين ﴿ٱلتَّوَّابُ﴾ و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾: أن الرحيم يدل على تفضله سبحانه على عبده مع التوبة بالرحمة، ورحمته إياه إقالة عثرته، وصفحه عن عقوبة جرمه، فقبول التوبة سبب رحمة الله لعبده(105).
قال ابن سعدي رحمه الله: «وختمه كثيرًا من الآيات بهذين الاسمين ﴿ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ بعد ذكر ما يدعو به العبد إلى التعرض من رحمته ومغفرته، وتوفيقه وحلمه، فمناسبته جليلة لكل أحد، وأنه لما كان هو ﴿ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أقبل بقلوب التائبين إليه، ووفقهم للأخذ بالأسباب التي يتوب عليهم ويرحمهم بها، ثم يغفر لهم ويرحمهم، فتاب عليهم أولًا بتوفيقهم للتوبة وأسبابها، وتاب عليهم ثانيًا حين قبل متابهم وأجاب سؤالهم لطفًا منه ورحمةً بهم»(106).
الرابع: الرؤوف.
اقترن الاسمان الرؤوف والرحيم في أكثر من موضع من كتاب الله، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [البقرة: ١٤٣].
الرءوف: مأخوذ من الرّأفة، وهي أشد الرحمة، وألطف الرحمة(107).
قال الزجاج رحمه الله: «الرّأفة هي المنزلة الثانية، يقال: فلان رحيم، فإذا اشتدت رحمته فهو رءوف»(108).
وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين ﴿لَرَءُوفٞ﴾ و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾: فللإفادة أنه تعالى يرحم الرحمة القوية لمستحقها، ويرحم مطلق الرحمة من دون ذلك(109).
قال ابن عثيمين رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: «﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [البقرة: ١٤٣]: الرءوف: مأخوذ من الرّأفة، وهي أشد الرحمة، وألطف الرحمة، والرحيم: هو ذو الرحمة التي يكون بها الإحسان إلى خلقه، والإنعام عليهم »(110).
الخامس: الودود.
اقترن الاسمان الودود والرحيم في موضع واحد من كتاب الله، هوقوله تعالى: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ﴾ [هود: 90].
والودود من أسمائه تعالى: هو الذي يحب أنبياءه ورسله وأولياءه وعباده المؤمنين فهو الودود بمعنى الوّاد، وهو المودود، أي: المحبوب الذي يستحق أن يحب الحب كله، وأن يكون أحب إلى العبد من سمعه وبصره وجميع محبوباته(111).
وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين ﴿ٱلۡوَدُودُ﴾ و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ يقول ابن القيم رحمه الله: «وما ألطف اقتران اسم الله الودود بالرحيم؛ فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولايحبّـه، وكذلك قد يرحم من لايحبّ، والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب إليه، ويرحمه ويحبّه مع ذلك فإنه يحب التوابين، وإذا تاب إليه عبده أحبّه ولو كان منه ما كان»(112).
السادس: البر.
اقترن الاسمان البر والرحيم في موضع واحد من كتاب الله، هوقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الطور: 28].
والبـّر: هو العطوف على عباده، المحسن إليهم، عم ببره جميع خلقه، فلم يبخل عليهم برزقه(113).
وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين ﴿ٱلۡبَرُّ﴾و﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ فلأن كليهما عطاء من الله وتكرم، فالرحيم: المريد إكرام عباده المؤمنين في الدنيا بالرزق والعطف والإحسان، وفي الآخرة بالجنة، والبـّر: هو المحسن إلى خلقه؛ عمهم برزقه، وخص من شاء منهم بولايته، ومضاعفة الثواب له على طاعته والتجاوز عن معصيته، وكلا الاسمين فيهما إحسان وإكرام وعطاء وتفضل، وكلا الاسمين نعمة، وهذا كله رحمة(114).
4. الأسماء المضافة.
ذهب جمع من أهل العلم إلى اعتبار الأسماء المضافة وعدّها من ضمن الأسماء الحسنى(115)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكذلك أسماؤه المضافة مثل: أرحم الراحمين... وغير ذلك ممّا ثبت في الكتاب والسنّة، وثبت في الدّعاء بها بإجماع المسلمين»(116).
ومن الأسماء المضافة ولها تعلق بالرحمة: أرحم الراحمين، وخير الراحمين.
أما أرحم الراحمين: فقد ورد في دعاء أنبياء الله عليهم السلام.
قال تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِأَخِي وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَۖ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾[الأعراف: ١٥١].
وقال عن يوسف عليه السلام في موضعين: ﴿قَالَ هَلۡ ءَامَنُكُمۡ عَلَيۡهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمۡ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبۡلُۖ فَٱللَّهُ خَيۡرٌ حَٰفِظٗاۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾[يوسف: ٦٤].
وقال تعالى: ﴿قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢].
وقال عن أيوب عليه السلام: ﴿وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
وأرحم الراحمين، أي: الأشد رحمة من كل راحم (117)، ومن يرحم غاية الرحمة(118).
قال ابن جرير رحمه الله: « ﴿وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَۖ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾[الأعراف: ١٥١].
يقول: وارحمنا برحمتك الواسعة عبادك المؤمنين، فإنك أنت أرحم بعبادك من كل من رحم شيئًا»(119).
وقال ابن عاشور رحمه الله: «وكون الله تعالى أرحم الراحمين؛ لأن رحمته أكمل الرحمات لأن كل من رحم غيره فإما أن يرحمه طلبًا للثناء في الدنيا، أو للثواب في الآخرة، أو دفعًا للرقة العارضة للنفس من مشاهدة من تحق الرحمة له، فلم يخل من قصد نفع لنفسه، وأما رحمته تعالى عباده فهي خلية عن استجلاب فائدة لذاته العلية»(120).
وأما خير الراحمين: فقد ورد في موضعين من القرآن الكريم في سورة المؤمنون وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩].
وقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨].
وخير الراحمين، أي: أفضل من رحم(121)، وخير من رحم (122).
قال الواحدي رحمه الله: « ﴿خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾، أي: أفضل رحمة من الذين يرحمون»(123).
وقال ابن سعدي رحمه الله: « ﴿خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ فكل راحم للعبد، فالله خير له منه، أرحم بعبده من الوالدة بولدها، وأرحم به من نفسه »(124).
5. اقتران الفضل بالرحمة.
اقترن الفضل والرحمة في مواضع من كتاب الله، ومنها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤].
وقد ذكر بعض أصحاب الوجوه والنظائر أن الفضل إذا اقترن بالرحمة يكون بمعنى المنة أو النعمة.
قال ابن الجوزي رحمه الله: «ذكر أهل التفسير أن الفضل في القرآن على ثمانية أوجه... السادس: المنة والنعمة، ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [النساء: ٨٣]... وفي النور: ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠]»(125).
وقال الحيري رحمه الله: في بيان الوجوه التي ورد بها الفضل في القرآن الكريم: «أحدها: المنة كقوله في البقرة: ﴿فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤] وحيث كان»(126).
وقال ابن عثيمين رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ﴾ [النساء: 113]: «والفضل هو العطاء الزائد، والرحمة أعم؛ لأن الرحمة يكون فيها دفع المكروه وحصول المطلوب، والفضل حصول المطلوب »(127).
وفي كلام ابن جرير ما يدل للمعنى الذي ذكره ابن عثيمين رحمه الله؛ فقد قال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ﴾ [النساء: 175]: «يقول: فسوف تنالهم رحمته التي تنجيهم من عقابه، وتوجب لهم ثوابه ورحمته وجنته، ويلحقهم من فضله ما لحق أهل الإيمان به والتصديق برسله»(128).
من وصف بالرحمة في القرآن
الله أرحم الراحمين، جعل الرحمة صفةً له سبحانه، ووصف بها من شاء في كتابه، فوصف كتبه، وأنبياءه، وعباده المؤمنين، وبعض مخلوقاته بالرحمة، وسأعرض لمن وصفهم بها من خلال النقاط الآتية:
أولًا: الكتب السماوية:
نعمة إنزال الكتب من أجل النعم التي أنعم الله بها عباده.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥4].
قال الخازن: «قوله: ﴿وَرَحۡمَةٗ﴾ يعني: إنزاله عليهم رحمةً مني عليهم»(129)؛ وذلك لما يحصلون فيه من العلم الكثير، والخير الغزير، وتزكية القلوب والأرواح، وتطهير العقائد، وتكميل الأخلاق، والفتوحات الإلهية، والأسرار الربانية(130).
ومن أعظم الكتب المنزلة: القرآن، والتوراة؛ وجرت العادة أن الله ينوه بالتوراة والقرآن معا؛ لأنهما أعظم الكتب المنزلة؛ لأنه قبل نزول القرآن كانت التوراة أعظم الكتب المنزلة وأجمعها للأحكام، كما قال الله فيه: ﴿وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ﴾ [الأنعام: 154].
فلما نزل القرآن كان أشمل كتاب وأعظمه؛ لأنه جمع الله فيه علوم الأولين والآخرين، وزاد فيه أشياء لم تنزل على غيره؛ ولذا لما نزلت التوراة في قوله: ﴿ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنعام: 154].
نوّه بالقرآن العظيم بعده فقال: ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [الأنعام: 155].
ومثل هذا يتكرر في القرآن(131).
وقد ورد وصف كلا الكتابين بالرحمة كما تقدم في الآيتين من سورة الأنعام، كما اقترن وصف الرحمة في كليهما بأوصاف أخرى، كوصفهما بالهدى والبصائر.
قال الشنقيطي عند تفسير قوله تعالى: ﴿هَٰذَا بَصَٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢٠]: «وما تضمنته آية الجاثية من أن القرآن بصائر وهدى ورحمة، ذكر تعالى مثله في سورة القصص عن كتاب موسى الذي هو التوراة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 43]»(132).
وقد جاءت الرحمة بصيغة التنكير في وصف كلا الكتابين في جميع المواضع التي وردت فيها في القرآن الكريم؛ للدلالة على التعظيم والتفخيم؛ حيث لا يقدر قدرها ولا يدرك شأنها(133).
قال الشوكاني رحمة الله: «والرحمة ما يحصل لهم من الله عند عملهم بما فيها من الرحمة الواسعة»(134).
وقد قصر الله الرحمة التي تضمنتها تلك الكتب على المؤمنين فقط، فقال تعالى في التوراة: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154].
فليس كل أحد يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبل ذلك وينقاد له، ويتلقاه بالقبول الذين ﴿هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾ (135)، الذين هم يخافون الله؛ وخصهم لأنهم هم المنتفعون به(136).
وقال تعالى أيضًا عن التوراة: ﴿وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ﴾ [هود: ١٧].
أي: أنزل الله تعالى إلى تلك الأمة إمامًا لهم، وقدوةً يقتدون بها، ورحمةً من الله بهم؛ فمن آمن بها حق الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ﴾ [هود: ١٧](137).
وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].
فالهدى هو العلم بالحق والعمل به، والرحمة هي ما يحصل من الخير والإحسان، والثواب العاجل والآجل، لمن اهتدى به، فالهدى أجل الوسائل، والرحمة أكمل المقاصد والرغائب، ولكن لا يهتدي به، ولا يكون رحمة إلا في حق المؤمنين، وإذا حصل الهدى، وحلت الرحمة الناشئة عنه، حصلت السعادة والفلاح، والربح والنجاح، والفرح والسرور (138).
ومما يجدر الإشارة إليه أن التوارة رحمة لمن أنزلت إليهم قبل أن تنسخ بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فكانوا يرجعون إليها في أمور الدين والأحكام، فهداهم الله بها من الضلال؛ وهذا هو السبب للرحمة حتى نسخ الله منها ما نسخ(139)؛ فلا يستدل بالمطبوع من التوراة الذي يغيّر إلى الآن آنًا بعد آنٍ، تقرؤه تجد في ذاته دليل بطلانه، وبرهان بهتانه(140).
ثانيًا: الرسل:
الرحمة صفة الأنبياء والمرسلين، وقد جاء ذلك مصرحًا به في القرآن الكريم؛ فقال تعالى عن نبيه يحيـى عليه السلام ﴿وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗۖ وَكَانَ تَقِيّٗا﴾ [مريم: ١٣].
والحنان هو الرحمة، والعطف والشفقة(141)؛ وقد أعطاه الله هذه الصفة لا بتربية ولا تعليم، فهو مهدي حنون شفيق بمقتضى تكوينه الفطري، ولذا قال تعالى: ﴿مِّن لَّدُنَّا﴾ (142)، فأعطاه الله تلك الرحمة التي تيسرت بها أموره، وصلحت بها أحواله، واستقامت بها أفعاله (143)، ويجوز أن يكون المعنى أعطيناه رحمةً من لدنا كائنةً فى قلبه يتحنن بها على الناس؛ حتى يخلصهم من الكفر(144).
والمعنيان متلازمان؛ قال البغوي رحمه الله: «ومعنى الآية: وآتيناه رحمةً من عندنا وتحننًا على العباد، ليدعوهم إلى طاعة ربهم»(145).
والحنان صفةٌ ضرورية للنبي المكلف برعاية القلوب والنفوس، وتأليفها واجتذابها إلى الخير في رفق؛ ولذا قال تعالى في وصف نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك؛ لأن الأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص؛ فلذا كان من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، معاملة الناس بما يعاملهم به صلى الله عليه وسلم ، من اللين وحسن الخلق والتأليف، امتثالًا لأمر الله، وجذبًا لعباد الله لدين الله(146).
وقال تعالى عن نبيه عيسى عليه السلام ﴿وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا﴾ [مريم: ٢١].
رحمة من الله عز وجل لمريم؛ لما حصل لها من الفخر والثناء الحسن والمنافع العظيمة(147)؛ لأنها صارت به أم نبي، له وجاهته ومكانته في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥].
ورحمة من الله به حيث جعله نبيًا يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده في مهده وكهولته، كما قال تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥](148).
ورحمة لمن آمن به؛ لما ينالونه منه من الهداية والخير الكثير؛ لأن كل نبي رحمة لأمته(149).
وخاتم الأنبياء وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وصفه ربه بالرحمة في آيات عدة من كتاب الله، وأخبر صلى الله عليه وسلم عن نفسه بقوله: (إنما أنا رحمة مهداة)(150).
ومن الآيات التي وصف الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم بالرحمة قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
اشتملت هذه الآية بوجازة ألفاظها على مدح الرسول عليه الصلاة والسلام، ومدح مرسله تعالى، ومدح رسالته؛ بأن كانت مظهر رحمة الله تعالى للناس كافة، وبأنها رحمة الله تعالى بخلقه(151).
والرحمة على عمومها في الآية الكريمة، وهذا العموم يحتمل وجهين:
أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته(152)؛ لأن الناس كانوا ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر، ومنافق، وكان رحمةً للمؤمنين حيث هداهم طريق الجنة، ورحمةً للمنافقين حيث أمنوا القتل، ورحمةً للكافرين بتأخير العذاب(153).
الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنين قبلوا هذه الرحمة، فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمةً لهم لكن لم يقبلوها(154).
وضرب بعض أهل العلم لهذا مثلًا قال: لو فجر الله عينًا للخلق غزيرة الماء، سهلة التنازل، فسقى الناس زروعهم ومواشيهم بمائها، فتتابعت عليهم النعم بذلك، وبقي أناس مفرطون كسالى عن العمل، فضيعوا نصيبهم من تلك العين، فالعين المفجرة في نفسها رحمة من الله، ونعمة للفريقين. ولكن الكسلان محنة على نفسه حيث حرمها ما ينفعها(155)، ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨].
وقال الله تعالى في صفة القرآن: ﴿قُلۡ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدٗى وَشِفَآءٞۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٞ وَهُوَ عَلَيۡهِمۡ عَمًىۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ﴾ [فصلت: 44](156).
ومن الآيات التي وصف الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم بالرحمة قوله تعالى: ﴿وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [التوبة: ٦١].
كان النبي صلى الله عليه وسلم يسعى في إيصال الخير والرحمة إلى المنافقين مع كونهم في غاية الخبث والخزي، ثم إنهم بعد ذلك يقابلون إحسانه بالإساءة، وخيراته بالشرور(157)؛ وقد جرأهم على ذلك إغضاؤه صلى الله عليه وسلم عن إجرامهم وإمهالهم حتى يتمكن من الإيمان من وفقه الله للإيمان منهم(158)؛ فإنه لو أمره الله تعالى أن يعاملهم بما يخفون من الكفر لكان ذلك أمرًا بقطع رقابهم، وبقاؤهم خير لهم بالمعنى الذي يعتقدونه من لفظ الخير، وخير لهم في نفس الأمر؛ لأنه إمهال لهم يرجى أن يتوب بسببه من فيه استعداد للإيمان منهم بما يراه من آيات الله، وتأييده لرسوله وللمؤمنين(159).
وخص المؤمنين في قوله: ﴿وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ﴾ وإن كان رحمة للعالمين، لأن ما حصل لهم بالإيمان بسبب الرسول لم يحصل لغيرهم، وخصوا هنا بالذكر وإن كانوا قد دخلوا في العالمين لحصول مزيتهم(160).
وعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا: من اتبعه واهتدى بهداه، وصدّق بما جاء به من عند ربه، لأن الله استنقذهم به من الضلالة، وأورثهم باتّباعه جنّاته(161).
ولذا قال أبو الليث السمرقندي رحمه الله: «﴿لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ﴾ في السر والعلانية»(162).
ويؤيد هذا القول: قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ فهو مقابل قوله: ﴿وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ﴾، يدل على إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالقول أو الفعل ينافي الإيمان الذي هو سبب الرحمة، فجزاؤه ضد جزائه وهو العذاب الشديد الإيلام(163).
وقيل المراد بالذين آمنوا هنا: المتظاهرون بالإيمان المبطنون للكفر، وهم المنافقون(164).
وكونه رحمةً لهم؛ لأنه قبل منهم الإيمان الظاهر، لا تصديقًا لهم بل رفقًا بهم، ولم يكشف أسرارهم ولم يهتك أستارهم، وأنه رحمة لهم بقبول ظواهرهم ومعاملتهم بها معاملة المؤمنين(165).
ويؤيد هذا أن الله قال: ﴿لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فعبر عنهم بالفعل، ولم يقل المؤمنين بالوصف(166).
وهذا القول لم يرتضه عدد من أهل العلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث رحمة لمن آمن به حقًا، وأما غير المؤمنين فإنهم لم يقبلوا هذه الرحمة بل ردوها، فخسروا دنياهم وآخرتهم(167).
وأما قولهم: أن الله قال: ﴿لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فعبر عنهم بالفعل، ولم يقل المؤمنين بالوصف؛ فهذا القول ضعيف؛ لأن كثيرا ًما ناط التنزيل الجزاء على الإيمان بالتعبير عن أهله بالفعل الماضي(168).
وأما تفسيرهم كونه رحمةً بالمنافقين بستره عليهم وقبول الإيمان منهم ظاهرًا؛ فهو خطأ أيضًا؛ لأن ذلك يعتبر استدراجًا من الله لهم، وكيف يكون رحمةً لهم وهم يعيشون في الدنيا في أسوأ حال، وهم يتوقعون في كل يوم أن يوقع بهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا انكشفوا وظهرت حقيقتهم، وسيؤول أمرهم في الآخرة إلى أسوأ حال حيث يكونون في الدرك الأسفل من النار؟!(169).
ومن الآيات التي وصف الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم بالرحمة قوله تعالى: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: ١٢٨].
وصف الله رسوله بصفتين من صفاته العلى، وسماه باسمين من أسمائه الحسنى، فإنه قال: ﴿بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ وقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وهذا نهاية الكرامة(170).
وتقديم الرأفة باعتبار أن آثارها دفع المضار؛ وتأخير الرحمة باعتبار أن آثارها جلب المنافع والأول أهم من الثاني؛ فهو صلى الله عليه وسلم يسعى بشدة في إيصال الخير والنفع للمؤمنين، وفي إزالة كل مكروه عنهم(171).
ولما كانت الرأفة والرحمة خاصة جاء متعلقها خاصًا وهو قوله: ﴿بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ (172)؛ للاهتمام بالمؤمنين في توجه صفتي رأفته ورحمته بهم، وأما رحمته العامة الثابتة بقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
فهي رحمة مشوبة بشدة على غير المؤمنين فهو بالنسبة لغير المؤمنين رائف وراحم، ولا يقال: بهم رؤوف رحيم(173).
قال محمد رشيد رضا رحمه الله: «وتخصيص رأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين في مقابلة ما أمر به من الغلظة على الكفار والمنافقين، لا يعارض كون رسالته رحمة للعالمين، كما هو ظاهر، فإن هذه الرحمة مبذولة لجميع الأمم، لعموم بعثته صلى الله عليه وسلم ولكن منهم من قبلها ومنهم من ردّها، وقد بينّا في تفسير ﴿وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ﴾ [التوبة: ٧٣]، أنه إنما أمر بذلك صلوات الله تعالى عليه؛ لأن الغالب على طبعه الشريف الرقة والرحمة، والأدب في المقابلة والمعاشرة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران: ١٥٩]»(174).
ثالثًا: المؤمنون:
وصف الله عباده المؤمنين بالرحمة في عدة آيات من كتابه مدحًا وثناءً عليهم بهذه الصفة، ومنها قوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ﴾[الفتح: ٢٩].
ابتدأ الله سبحانه الآية الكريمة بوصف رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ﴾، وهو مشتمل على كل وصف جميل(175)؛ ومن الصفات الجميلة التي وصف الله بها نبيه أنه﴿رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: ١٢٨].
وارتضى لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بالتأسي به، ووصفهم بقوله: ﴿رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ﴾(176).
وفي وصف أصحابه بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، مدح عظيم لهم، وجمع بين الوصفين على سبيل الاحتراس، فهم ليسوا أشداء مطلقًا، ولا رحماء مطلقًا، وإنما شدتهم على أعدائهم، ورحمتهم لإخوانهم في العقيدة، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤](177).
وفي هذا إيماء إلى أصالة آرائهم وحكمة عقولهم، وأنهم يتصرفون في أخلاقهم وأعمالهم تصرف الحكمة والرشد، فلا تغلب على نفوسهم محمدة دون أخرى، ولا يندفعون إلى العمل بالجبلة وعدم الروية(178)؛ لأن الشدة في محل اللين هي من الحمق والخرق، واللين في محل الشدة هو من الضعف والخور، والسداد والحكمة أن تكون الشدة في محل الشدة، واللين في محل اللين(179).
قال ابن كثير رحمه الله: «وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا برًا بالأخيار، غضوبًا عبوسًا في وجه الكافر، ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن، كما قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 123].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسّهر)(180)، وقال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه)(181)»(182).
ومن الآيات التي وصف الله بها عباده المؤمنين بالرحمة، ما وصف به الحواريين في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗ﴾[الحديد: ٢٧].
ثناء من الله على أتباع عيسى عليه السلام، وهم الحواريين، الذين اتبعوا عيسى على منهاجه وشريعته(183)، كما قال تعالى: ﴿قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ﴾ [الصف: ١٤].
ووصف لهم بما وصف به صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ﴾[الفتح: ٢٩](184).
وعطف الرحمة على الرأفة من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الرأفة رحمة خاصة، تتعلق بدفع الأذى والضر، أما الرحمة فهي أشمل وأعم؛ لأنها عطف وشفقة على كل من كان في حاجة إليها (185).
ومعنى جعل الرأفة والرحمة في قلوب الذين اتّبعوه: أن تعاليم الإنجيل الذي آتاه الله عيسى أمرتهم بالتخلق بالرأفة والرحمة فعملوا بها، أو أن ارتياضهم بسيرة عيسى عليه السلام أرسخ ذلك في قلوبهم وذلك بجعل الله تعالى؛ لأنه أمرهم به ويسـّره عليهم، ذلك أن عيسى بعث لتهذيب نفوس اليهود، واقتلاع القسوة من قلوبهم التي تخلقوا بها في أجيال طويلة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ﴾ [البقرة: ٧٤](186).
بل إن الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم، إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ﴾ [المائدة: ٨٢](187).
ولكن بعد أن كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم صاروا أغلظ الناس، أو من أغلظ الناس، كما جرى بين المسلمين وبين النصارى في الحروب الصليبية(188)، وتمالؤهم مع اليهود ضد الإسلام والمسلمين منذ القدم إلى يومنا هذا تبين حقيقة عداوتهم للإسلام والمسلمين(189).
ومن الآيات التي وصف الله بها عباده المؤمنين بالرحمة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧].
التواصي بالصبر على الشدائد والطاعات، وعن المعاصي والسيئات، والتواصي بالتراحم، من شأنه أن يفتح الباب أمام سائر الفضائل، ويغلق الطريق دون سائر الرذائل، وهذا عنوان أهل الميمنة(190)؛ لأن هاتين الصفتين على رأس الصفات الفاضلة بعد الإيمان بالله(191).
فالصبر ملاك الأعمال الصالحة كلها؛ لأنها لا تخلو من كبح الشهوة النفسانية وذلك من الصبر، والمرحمة ملاك صلاح الجامعة الإسلامية، قال تعالى: ﴿رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ﴾[الفتح: ٢٩].
والتواصي بالرحمة فضيلة عظيمة، وهو أيضًا كناية عن اتصافهم بالمرحمة؛ لأن من يوصي بالمرحمة هو الذي عرف قدرها وفضلها، فهو يفعلها قبل أن يوصي بها(192).
وقد قرن الله بين الصبر والمرحمة في الآية الكريمة والناس أربعة أقسام: منهم من يكون فيه صبر بقسوة، ومنهم من يكون فيه رحمة بجزع، ومنهم من يكون فيه القسوة والجزع، والمؤمن المحمود الذي يصبر على ما يصيبه ويرحم الناس(193).
فالذين اتصفوا بالصبر والرحمة، هم الذين وفقهم الله لاقتحام العقبة التي ذكرها الله في الآيات التي تسبق هذه الآية(194).
قال تعالى: ﴿فَلَا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ ١١ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡعَقَبَةُ ١٢ فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣ أَوۡ إِطۡعَٰمٞ فِي يَوۡمٖ ذِي مَسۡغَبَةٖ ١٤ يَتِيمٗا ذَا مَقۡرَبَةٍ ١٥ أَوۡ مِسۡكِينٗا ذَا مَتۡرَبَةٖ ١٦﴾[البلد: 11-16].
ففكوا الرقاب، وأطعموا المساكين، وواسوا ذوي القربى في يوم المسغبة؛ ولذا كانوا هم السعداء الممتعون بجنات النعيم(195) ﴿أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ﴾ [البلد: 18] ؛ الذين يؤتون كتابهم يوم القيامة بأيمانهم، ومن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا، وينقلب إلى أهله مسرورًا(196).
رابعًا: الغيث:
المطر رحمة من الله يرحم بها عباده في الدنيا فيكونون في جدب وفي فقر، ومواشيهم على وشك الهلاك، فيغيثهم الله بالمطر، فتنبت زروعهم وثمارهم وتنعم مواشيهم فتكثر عندهم اللحوم والأسمان والأزباد، وتتوفر عندهم الأشعار والأصواف والأوبار، ينسجون منها اللباس وغيره من الفرش والخيام وما جرى مجرى ذلك. فهذا من غرائب آياته، وعظائم نعمه، فهذا هو أصل النعم الدنيوية على الخلق(197)؛ ولذا سماه الله رحمة في أكثر من موضع من كتابه كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨ لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا ٤٩﴾ [الفرقان: 48-49].
فالحياة على هذه الأرض كلها تعيش على ماء المطر إما مباشرة، وإما بما ينشئه من جداول وأنهار على سطح الأرض، ومن ينابيع وعيون وآبار من المياه الجوفية المتسربة إلى باطن الأرض منه، ولكن الذين يعيشون مباشرة على المطر هم الذين يدركون رحمة الله الممثلة فيه إدراكًا صحيحًا كاملًا، وهم يتطلعون إليه شاعرين بأن حياتهم كلها متوقفة عليه، وهم يترقبون الرياح التي يعرفونها تسوق السحب، ويستبشرون بها؛ ويحسون فيها رحمة الله إن كانوا ممن شرح الله صدورهم للإيمان.
فإذا انقطع عنهم المطر مدة وظنوا أنه لا يأتيهم، وأيسوا وعملوا لذلك الجدب أعمالًا، فينزل الله الغيث وينشر به رحمته من إخراج الأقوات للآدميين وبهائمهم، فيقع عندهم موقعًا عظيمًا، ويستبشرون بذلك ويفرحون(198)، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]
وقد أمرهم تعالى أن ينظروا نظرة تعقل واتعاظ واستبصار، إلى الآثار المترتبة على نزول المطر، وكيف أن نزوله حول النفوس من حالة الحزن إلى حالة الفرح، وجعل الوجوه مستبشرة بعد أن كانت عابسة يائسة(199)، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٨ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ ٤٩ فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾[الروم: 48-50].
فبعد أن بينّ استبشار الناس بنزوله بعد الإبلاس؛ اعترض بذكر الأمر بالنظر إلى أثر الرحمة وإغاثة الله عباده حين يحيي لهم الأرض بعد موتها بالجفاف، والأمر بالنظر للاعتبار والاستدلال(200)؛ فبعد ما كانت أرضهم مقشعرة هامدة أصبحت وقد اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج؛ ولهذا قال: ﴿فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ﴾، يعني: المطر، ﴿كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ﴾(201).
موجبات رحمة الله تعالى
إن رحمة الله جل وعلا تستجلب بأسباب ذكرها الله في كتابه، ومن هذه الأسباب:
1. الإيمان والهجرة والجهاد.
الإيمان الصحيح الذي يحشو قلوب أهله بحب الله وتعظيمه، ويجعلهم يتفانون في طاعة الله ورسوله ويفضلونها على الأهل والعشيرة والأوطان والمال والإخوان والجاه وكل متع الدنيا ولذاتها، فيهجرونها في سبيل الله، ويعرضون أنفسهم للمكابد؛ والمكائد، فيجاهدون ابتغاء وجهه الكريم(202)؛ فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله، لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة(203)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [البقرة: ٢١٨].
وبين جل وعلا في موضع آخر أن من قام بهذه الأعمال المذكورة، أنهم أعظم درجة عند الله من جميع الخلق(204)، فقال: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ﴾ [التوبة: 20].
ثم بين الدرجة العظيمة التي في قوله: ﴿أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ﴾ بقوله: ﴿يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢﴾ [التوبة: 21-22].
فتلك الدرجة: هي عناية الله تعالى بهم بإدخال المسرة عليهم، وتحقيق فوزهم، وتعريفهم برضوانه عليهم، ورحمته بهم، وبما أعد لهم من النعيم الدائم(205).
2. طاعة الله ورسوله؛ وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
انتظمت هذه الطاعات والعبادات التي جعلها الله من موجبات رحمته في آية من كتاب الله تعالى، أبان الله فيها حسن حال المؤمنين والمؤمنات في الحال والمآل فقال: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [التوبة: 71].
وابتدأها بالإشارة إلى أنّ اللحمة الجامعة بينهم هي ولاية الإسلام، فهم فيها على السواء ليس واحد منهم مقلّدًا للآخر، ولا تابعًا له على غير بصيرة؛ لما في معنى الولاية من الإشعار بالإخلاص والتناصر(206).
ثم بين الصفات التي أوجبت لهم رحمة الله.
ومنها: طاعة الله ورسوله التي هي سبب للرحمة(207) كما تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦].
فأمر الله المؤمنين أن يطيعوا اللّه في كل ما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن يكونوا في ذلك مطيعين للرسول صلوات الله وسلامه عليه، سالكين وراءه فيما به أمرهم، وتاركين ما عنه زجرهم، لعلكم بهذه الطاعة تكونون في رحمة من الله؛ ولا شك أن من فعل ذلك أن الله سيرحمهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ﴾ [التوبة: 71](208).
والمراد: أنه تعالى يتعهد المؤمنين والمؤمنات برحمته الخاصة المستمرة في مستقبل أمرهم في الدنيا والآخرة، باستمرارهم على طاعته وطاعة رسوله(209).
ومن الصفات التي أوجبت لهم رحمة الله: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦].
الصلاة والزكاة أكبر الطاعات وأجلهما، جامعتان لحقه وحق خلقه، للإخلاص للمعبود، وللإحسان إلى العبيد فمن أراد الرحمة، فهذا طريقها، ومن رجاها من دون إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطاعة الرسول، فهو متمنٍ كاذب، وقد منّته نفسه الأماني الكاذبة(210).
وخص الله الزكاة بكونها سببًا من أسباب الرحمة في قوله تعالى: ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وخصها دون ما عداها من الطاعات؛ لأن النفوس شحيحة ففتنته تقتضي أن يكون المانعون للزكاة أكثر من التاركين غيرها من الطاعات(211).
ويفهم من هذه الآية من مفهوم مخالفتها: أن الذين لا يتقون الشرك ولا المعاصي، ولا يؤتون الزكاة لا تكتب لهم هذه الرحمة، وقد بين تعالى ذلك في قوله: ﴿وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ ٦ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٧﴾ [فصلت: 6-7](212).
ومن الصفات التي أوجبت لهم رحمة الله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [التوبة: 71].
وهاتان الصفتان من أخص صفات المؤمنين التي يمتازون بها على المنافقين وعلى غيرهم من الكفار، هما سياج حفظ الفضائل، ومنع فشو الرذائل(213)، والمعروف اسم جامع، لكل ما عرف حسنه، من العقائد الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، وأول من يدخل في أمرهم أنفسهم، والمنكر كل ما خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة، والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة(214).
ومن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو بعيد عن رحمة الله، مستحق لغضب الله ولعنته، كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩﴾ [المائدة: 78]
فهذه الصفات الأربع استوجب بها المؤمنون رحمة الله.
وبعد أن بيّن صفاته ورحمته لهم إجمالًا بقوله: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ﴾؛ بين ما وعدهم به من الجزاء المفسر لرحمته تفصيلًا؛ للتنبيه على أنّ تلك الرحمة هي هذه الأشياء(215) فقال: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة: 72].
3. الصبر.
الصابرون المحتسبون على المصائب، عليهم من ربهم الرحمن الرحيم صلواته العامة ورحمته الخاصة(216)، كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٥ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ ١٥٧﴾ [البقرة: 155-157].
فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة؛ ثناء وتنويه بحالهم ورحمة عظيمة، أولها توفيقه إياهم للصبر الذين ينالون به الأجر، وجبرهم في مصيبتهم بأن يخلف عليهم خيرًا منها(217).
فالله تعالى لم يمن على عباده الصابرين بالمغفرة والرضوان فقط، وحسبهما جزاءً للصبر ولكن منّ بالرحمة، رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء، فرحمهم في الدنيا بالهداية والتوفيق لفعل الخير، ورحمهم في الآخرة بالنعيم المقيم(218).
وهذه الرحمة يحسدهم عليها الكافرون، فإن الكافر الذي حرم من هذه الرحمة، إذا نزلت به المصيبة تضيق به الأرض بما رحبت، حتى لقد يقضي على نفسه بيده إذا لم يجد وسيلةً للخلاص مما حلّ به(219)؛ فمن لم يصبر فهو محروم من صلوات الله ورحمته وهدايته(220).
4. العفو.
القصاص في النفس والجراح كان حتمًا في التوراة على اليهود، ولم يكن لهم أخذ الدية، وكان في شرع النصارى الدية ولم يكن لهم القصاص، فخير الله تعالى هذه الأمة بين القصاص وبين العفو عن الدية تخفيفًا منه ورحمة(221)، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [البقرة: 178].
فالإسلام قد جمع في تشريعه الحكيم لعقوبة القتل بين العدل والرحمة، فالأخذ بالقصاص عدل، والأخذ بالعفو رحمة(222).
وكان العفو والدية تخفيفًا من الله إذ فيه انتفاع الولي بالدّية، وحصول الأجر بالعفو استبقاء مهجة القاتل، وبذل ما سوى النفس هين في استبقائها(223).
وقد رغب الشارع في العفو بما يحرك عاطفة الرحمة والحنان(224)؛ بذكر الأخوة الرابطة التي لم يقطعها الاعتداء؛ لأنها برباط الله تعالى فلا يفكه العبد(225)، فقال: ﴿فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ﴾ ترقيق وحث على العفو إلى الدية، وأحسن من ذلك العفو مجانًا(226).
وإنما كانوا العفو رحمة؛ لأن من استبقى مهجتك بعد استحقاق إتلافها فقد رحمك؛ وأي رحمة أعظم من ذلك؟ ولعل القاتل المعفو عنه يستقل من الأعمال الصالحة في المدة التي عاشها بعد استحقاق قتله ما يمحو به هذه الفعلة الشنعاء، فمن الرحمة إمهاله لعله يصلح أعماله(227).
وكذلك العفو رحمة بالعافي إذ به يتخلص من الأحقاد، وأضغانها، ورحمة بالأمة لكونه بدل أن ينقص عددها اثنين ينقص إلى واحد، وبدل أن تتبادل الدماء تنتهي المعركة(228).
فبالعدالة والرحمة تسعد الأمم وتطمئن في حياتها؛ إذ العدالة هي التي تكسر شر النفوس، وتغسل غل الصدور، وتردع الجاني عن التمادي في الاعتداء، لأنه يعلم علم اليقين أن من وراء الاعتداء قصاصًا عادلًا، والرحمة هي التي تفتح الطريق أمام القلوب لكي تلتئم بعد التصدع وتتلاقى بعد التفرق، وتتواد بعد التعادي، وتتسامى عن الانتقام إلى ما هو أعلى منه وهو العفو؛ فلله هذا التشريع الحكيم الذي ما أحوج العالم إلى الأخذ به، والتمسك بتوجيهاته(229).
5. الموت في سبيل الله.
الموت في سبيل الله، وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني(230)، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ﴾ [آل عمران: 175].
في هذه الآية ترغيب للمؤمنين في الجهاد وأنه مما يجب أن يتنافس فيه المتنافسون؛ وتعزية لهم وتسلية مما أصابهم في سبيل الله تعالى(231)؛ لأنه سبحانه لا يختارهم لشيء أفضل مما عنده، ولا يختار الجزاء الدنيوي فقط مهما عظم وضخم؛ لأنه لا يساوي شيئًا مما في الآخرة، فبموت المؤمن أوقتله يتخلص من عدوه ويلحق بمحبوبه الرب العظيم، فكان جزاؤه منه سبحانه المغفرة والرحمة التي لا تعدلها الدنيا ثمنًا(232)؛ لأن الشيء يعظم بعظم باذله ﴿لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ﴾(233)؛ وجمع بينهما ليكمل للإنسان سعادته؛ إذ بالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب(234)، فالمغفرة تمحو ما كان من ذنوبه، والرحمة ترفع درجاته(235).
وذكر رحمة الله تعالى في هذا المقام؛ لكيلا تذهب نفوس المؤمنين حسرة على من ماتوا منهم، فإنهم ليسوا في شقاء بل هم في نعيم، ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169](236).
6. الاعتصام بالله.
وعد الله المؤمنين المعتصمين به بالرحمة والفضل والهداية، فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَيۡهِ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا﴾ [النساء: ١٧٥].
فالذين اعترفوا بوجوده واتصافه بكل وصف كامل، وتنزيهه من كل نقص وعيب، ولجأوا إليه واعتمدوا عليه، وتبرؤوا من حولهم وقوتهم واستعانوا بربهم(237)؛ ستنالهم الرحمة العاجلة والآجلة(238)، الرحمة العاجلة في الدنيا بأن يكونوا في سعادة واطمئنان وهدوء بال(239)؛ لأن أنعم الناس بالًا وأشدهم انشراحًا في الصدور هم المؤمنون المعتصمون بالله(240)، وأما الرحمة الآجلة فهي النعيم المقيم، وجنات عدن خالدين فيها أبدًا(241).
ومن لم يؤمن بالله ويعتصم به ويتمسك بكتابه، منعهم من رحمته، وحرمهم من فضله، وخلى بينهم وبين أنفسهم، فلم يهتدوا، بل ضلوا ضلالًا مبينًا، عقوبةً لهم على تركهم الإيمان فحصلت لهم الخيبة والحرمان، نسأله تعالى العفو والعافية والمعافاة(242).
7. التقوى.
تقوى الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه سبب لرحمة أرحم الراحمين(243)، كما قال تعالى: ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
فرحمته سبحانه وسعت العالم العلوي والسفلي، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: ﴿فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (244) [الأعراف: ١٥٦].
لأن الإقبال إلى الله عز وجل، واجتناب معصيته -الذي هو التقوى- سبب للرحمة(245)، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيكُمۡ وَمَا خَلۡفَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [يس: ٤٥].
أي: فيرحمكم ربكم إن أنتم حذرتم ذلك، واتقيتموه بالتوبة من شرككم والإيمان به، ولزوم طاعته فيما أوجب عليكم من فرائضه(246).
ولذا قال نبي الله نوح عليه السلام لقومه: ﴿أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [الأعراف: 63].
أي: لينذركم العذاب الأليم، وتفعلوا الأسباب المنجية من استعمال تقوى الله ظاهرًا وباطنًا، وبذلك تحصل عليهم وتنزل رحمة الله الواسعة(247).
قال الرازي رحمه الله: «وهذا الترتيب في غاية الحسن؛ فإن المقصود من البعثة الإنذار، والمقصود من الإنذار التقوى عن كل ما لا ينبغي، والمقصود من التقوى الفوز بالرحمة في دار الآخرة»(248).
بل جاء ما يدل على زيادة الرحمة لأهل التقوى فقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [الحديد: ٢٨].
فهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم أعطاهم الله﴿كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ﴾ لا يعلم وصفهما وقدرهما إلا الله تعالى: أجر على الإيمان، وأجر على التقوى، أو أجر على امتثال الأوامر، وأجر على اجتناب النواهي، أو أن التثنية المراد بها تكرار الإيتاء مرة بعد أخرى(249).
8. قراءة القرآن والاستماع والإنصات إليه.
الطريقة الموصلة لنيل الرحمة بالقرآن، والحصانة من نزغ الشيطان، هي الاستماع له إذا قرئ، والإنصات مدة القراءة (250) كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾[الأعراف: 204].
وقد جاء الأمر بالاستماع والإنصات بعد أن وصف القرآن بأنه بصائر وهدى ورحمة في قوله: ﴿وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأعراف: 204] ؛ لأنّ الذي اشتمل على هذه الأوصاف من البصائر والهدى والرحمة حريّ بأن يصغى إليه، حتى يحصل منه للمنصت هذه النتائج العظيمة وينتفع بها؛ فيستبصر من العمى ويهتدي من الضلال ويرحم بها(251).
والخطاب في قوله: ﴿فَٱسۡتَمِعُواْ﴾ إن كان للكفار فترجى لهم الرحمة باستماعه والإصغاء إليه بأن كان سببًا لإيمانهم، وإن كان للمؤمنين فرحمتهم هو ثوابهم على الاستماع والإنصات والعمل بمقتضاه، وإن كان للجميع فرحمة كلّ منهم على ما يناسبه(252).
فمن لازم الاستماع والإنصات؛ حين يتلى كتاب اللّه، فإنه ينال خيرًا كثيرًا وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًا متجددًا، وهدًى متزايدًا، وبصيرةً في دينه، ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما؛ فدل ذلك على أن من تلي عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خيركثير (253).
9. البراءة من عبادة غير الله.
اعتزال المؤمن قومه الكفار ومعبوديهم من أسباب لطف الله به ورحمته(254)، كما قال تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا﴾ [الكهف: ١٦].
فهؤلاء الفتية بعد تقريرهم لعقيدة التوحيد، وإبطالهم لعقيدة الشرك وبراءتهم من الكفر وأهله بينوا واجبهم الذي يتحتم عليهم فعله، وهو اعتزال قومهم، وما يعبدون من دون الله، والبراءة من شركهم(255).
فلما اعتزلوه أمرهم الله بالتوجه للكهف؛ وفي هذا دليل على ما كانوا عليه من التوكل حيث أووا إلى كهف، ورتبوا على مأواهم إليه نشر رحمة الله عليهم، وتهيئة رفقه تعالى بهم؛ لأن من أخرجهم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان لا يضيعهم(256).
وقبل هذا أخبر سبحانه أنهم دعوه بقولهم: ﴿إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا﴾ [الكهف: ١0].
فجمعوا بين التبري من حولهم وقوتهم، والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم، ودعائه بذلك، وبين الثقة بالله أنه سيفعل ذلك، لا جرم أن الله نشر لهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مرفقًا، فحفظ أديانهم وأبدانهم، وجعلهم من آياته على خلقه، ونشر لهم من الثناء الحسن، ما هو من رحمته بهم، ويسر لهم كل سبب، حتى المحل الذي ناموا فيه، كان على غاية ما يمكن من الصيانة(257).
وفي معنى هذه الآية أيضًا قوله تعالى في نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩ وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠﴾ [مريم: 50].
واعتزالهم إياهم هو مجانبتهم لهم، وفرارهم منهم بدينهم(258).
والرحمة تذكر هنا؛ لأنها هبة الله التي تعوض إبراهيم عن أهله ودياره، وتؤنسه في وحدته واعتزاله.
والأظهر أنها عامة لكل خير ديني ودنيوي أوتوه ممالم يؤت أحد من العالمين؛ وإن كان ذكرها بعد جعلهم أنبياء إيذانًا بأن النبوة من باب الرحمة التي يختص بها من يشاء(259).
قال ابن سعدي رحمه الله: «﴿مِّن رَّحۡمَتِنَا﴾ يشمل جميع ما وهب الله لهم من الرحمة، من العلوم النافعة، والأعمال الصالحة، والذرية الكثيرة المنتشرة، الذين قد كثر فيهم الأنبياء والصالحون»(260).
10. قيام الليل.
العابد لربه الطائع له، يقضي ساعات الليل في القيام والسجود لله، يخاف عذاب الآخرة، ويأمل رحمة ربه(261)، أي: حصولها(262)، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾[الزمر: ٩].
فوصفه الله بأفضل العبادات الظاهرة وهي الصلاة، في أفضل الأوقات وهو أوقات الليل، ووصف عمل قلبه بالخوف والرجاء، فهو بين الخوف من سيئاته وفلتاته، وبين الرجاء لرحمة ربه أن يثيبه على حسناته(263)، فيدخله الجنة(264).
11. الإصلاح بين المؤمنين.
من حقوق المؤمنين الإصلاح بينهم، وبه تحصل لهم الرحمة من الله عز وجل(265)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾[الحجرات: ١٠].
فالمؤمنون إخوة في الدين والعقيدة، يجمعهم أصل واحد وهو الإيمان، كما يجمع الإخوة أصل واحد وهو النسب، وكما أن أخوة النسب داعية إلى التواصل والتراحم والتناصر في جلب الخير، ودفع الشر، فكذلك الأخوة في الدين تدعوكم إلى التعاطف والتصالح(266)، ومن ذلك إذا وقع الاقتتال بينهم، الموجب لتفرق القلوب وتباغضها وتدابرها.
وقد رتب الله على الإصلاح بين المؤمنين وبتقوى الله، الرحمة(267)؛ وإنما اختيرت الرحمة لأن الأمر بالتقوى واقع إثر تقرير حقيقة الأخوة بين المؤمنين، وشأن تعامل الإخوة الرحمة، فيكون الجزاء عليها من جنسها(268).
وإذا حصلت الرحمة، حصل خير الدنيا والآخرة، ودل ذلك على أن عدم الاقتتال والتنازع بين المؤمنين، من أعظم حواجب الرحمة(269).
أسباب اليأس والقنوط من رحمة الله
عرض القرآن الكريم لعدد من أسباب اليأس والقنوط من رحمة الله؛ ومن هذه الأسباب:
1. الجهل بالله تعالى وسعة رحمته.
من أنعم الله عليه بالهداية والعلم العظيم، فلا سبيل إلى القنوط إليه لأنه يعرف من كثرة الأسباب والوسائل والطرق لرحمة الله شيئًا كثيرًا(270)؛ كما ذكر الله تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام لما بشرته الملائكة بالولد مع كبر سنه وحال زوجه التي يستبعد معها حصول الولد: ﴿قَالُواْ بَشَّرۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡقَٰنِطِينَ ٥٥ قَالَ وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ﴾[الحجر: ٥5-56].
فأجابهم بأنه ليس بقانط، ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كبر وأسنت امرأته؛ فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك(271)، لكنه قال ذلك على وجه التعجب والتفكر في عظيم قدرة الله ورحمته(272).
وإنما يقنط من رحمة الله القوم الذين أخطؤوا سبيل الصواب، وتركوا قصد السبيل في تركهم رجاء الله؛ لأنهم لا علم لهم بربهم، وكمال اقتداره فضلّوا بذلك عن دين الله(273).
وقد كان القانط من رحمة الله ضالًا؛ لأن من علم أن الله على كل شيء قدير لم يستبعد شيئًا على قدرة الله، ومن علم أن الله رحيم لا يستبعد أن يرحمه الله سبحانه(274).
قال الرازي رحمه الله: «القنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا عند الجهل بأمور: أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادرًا عليه، وثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالمًا باحتياج ذلك العبد إليه، وثالثها: أن يجهل كونه تعالى منزهًا عن البخل والحاجة والجهل؛ فكل هذه الأمور سبب للضلال، فلهذا المعنى قال: ﴿قَالَ وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ﴾[الحجر: ٥٦]»(275).
والمعنى الذي قاله إبراهيم عليه السلام ، قاله أيضًا يعقوب عليه السلام لبنيه في قوله: ﴿يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
فروح الله رحمته، وفرجه، وتنفيسه(276)، وقد كان اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين؛ إذ فيه: إما التكذيب بالربوبية؛ وإما الجهل بصفات الله تبارك وتعالى(277)، جهل بقدرته وسعة رحمته، وجهل لما لله فى عباده من حكم بالغة ولطف خفي، أما المؤمن حقًا فلا تقنطه المصايب ولا الشدائد من رحمة ربه وتفريجه لكربه(278).
2. إسراف العبد على نفسه في المعاصي والإفراط فيها.
فيصر عليها ويصمم على الإقامة على المعصية، ويقطع طمعه من رحمة الله؛ لأجل أنه مقيم على الأسباب التي تمنع الرحمة (279)؛ وهذا ما يلمح إليه قوله سبحانه: ﴿قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
الخطاب في قوله: ﴿ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ﴾ جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك؛ لأن الله عم بقوله: ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ﴾جميع المسرفين، فلم يخصص به مسرفًا دون مسرف(280)، وكلهم مظنة تطرق اليأس من رحمة الله إلى نفوسهم(281)؛ فأهل الشرك لما دعوا إلى الإيمان بالله قالوا: كيف نؤمن وقد أشركنا وزنينا، وقتلنا النفس التي حرّم الله، والله يعد فاعل ذلك النار، فما ينفعنا مع ما قد سلف منا الإيمان، وأهل المعاصي من أهل الإيمان يقولون: كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فيبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليهم الرحمن(282).
وفي نسبة عبوديتهم إلى الله تعالى إيماء إلى أن شأن الرب الرحمة بعباده(283)، ولكن لهذه الرحمة ونيلها أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى اللّه تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم أيها المسرف إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم(284).
3. عدم الصبرعند حصول المحن، والشكر عند حصول المنن.
الصبر خير كله، وهو أول صفات المؤمنين، ومن الصبر ألا يكفر عند النعمة، وألا ييأس عند النقمة(285)، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ ٩ وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّيٓۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ فَخُورٌ ١٠ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١١﴾ [هود: 9-11].
فإذا أعطي الإنسان نوعًا من أنواع النعم كرخاء عيش، وبسطة رزق، وصحة، وأمن، وولد بار، فكان شديد الاغتباط بها، ثم سلب تلك النعمة بما يحدث من الأسباب التي قدرها الله فى الخليقة كالمرض والموت والعسر، فإنه يظل فى هذه الحال شديد اليأس من الرحمة، قاطعا ً للرجاء من عود تلك النعمة، كثير الكفران لغيرها من النعم التي لا يزال يتمتع بها فضلًا عما سلف منها؛ فهو يجمع بين اليأس مما نزع منه، والكفر بما بقي له؛ لحرمانه من فضيلتي الصبر والشكر(286).
ولذا استثنى تعالى الصابرين على الضراء وعاملي الصالحات، ومنها: الشكر على النعماء(287) من هذا الجنس بقوله: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾؛ لأنهم إن نالتهم شدة صبروا، وإن نالوا نعمة شكروا(288)؛ فكان جزاؤهم﴿لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ﴾ غفران ذنوبهم التي يزول بها عنهم كل محذور، والفوز بجنات النعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين(289).
وما تضمنته هذه الآيات من أن عدم الصبر عند حلول المصايب، والشكر عند حلول النعم من أسباب اليأس والقنوط من رحمة الله دلت عليه آيات أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦۖ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا﴾ [الإسراء: 83].
فالنعمة تطغى وتبطر ما لم يذكر الإنسان واهبها فيحمد ويشكر، والشدة تيئس وتقنط ما لم يتصل الإنسان بالله، فيرجو ويأمل، ويطمئن إلى رحمة الله وفضله، فيتفاءل ويستبشر، ومن هنا تتجلى قيمة الإيمان، وما فيه من رحمة في السراء والضراء سواء.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦].
فهم يفرحون بها فرح البطر الأشر، الذي لا يقابل نعم اللّه تعالى بالشكر، ولا يستعملها فيما خلقت له؛ فالمراد بالفرح هنا: الجحود والكفران للنعم، وليس مجرد السرور بالحصول على النعم، وإن أصابتهم مصيبة بسبب شؤم معاصيهم، وإهمالهم لشكر اللّه تعالى على نعمه أسرعوا باليأس من رحمة اللّه، وقنطوا من فرجه، واسودت الدنيا في وجوههم، شأن الذين لا يعرفون سنن الله تعالى في خلقه، والذين يعبدون اللّه على حرف، فهم عند السراء جاحدون مغرورون، وعند الضراء قانطون يائسون(290).
من مظاهر رحمة الله وآثارها
ما يفتحه للناس من رحمته وإنعامه عليهم بجميع أنواع النعم، لا يقدر أحد كائنًا ما كان أن يمسكه عنهم، وما يمسكه عنهم من رحمته وإنعامه لا يقدر أحد كائنًا من كان أن يرسله إليهم، وهذا معلوم بالضرورة من الدين(291)، كما قال تعالى: ﴿مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢].
فخزائن الرحمات بيد الذي يقول للشيء: كن فيكون، يجود بها على من يشاء من عباده(292)، وعبر عن إرسالها بالفتح؛ إيذانًا بأنها أنفس الخزائن التي يتنافس فيها المتنافسون وأعزها منالًا(293).
والرحمة المذكورة في الآية عامة في كل ما يرحم الله به خلقه من الإنعام الدنيوي والأخروي، كفتحه لهم رحمة المطر، كما قال تعالى: ﴿فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾[الروم: 50].
ومن رحمته إرسال الرسل، وإنزال الكتب؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَرۡجُوٓاْ أَن يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبُ إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۖ﴾ [القصص: ٨٦](294).
وقد عرض القرآن الكريم لعدد من مظاهر رحمة الله في القرآن الكريم، ومنها:
1. إرسال الرسل وإنزال الكتب.
إرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلها القرآن رحمة من رب العباد بالعباد، فما رحم الله عباده برحمة أجل من هدايتهم بالكتب والرسل، وكل خير ينالونه في الدنيا والآخرة فإنه من أجل ذلك وسببه(295)؛ كما قال تعالى: ﴿أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٥ رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦﴾ [الدخان: ٦].
وقد جاء في القرآن الكريم إطلاق الرحمة على النبوة في غير موضع، كما في قوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ خَيۡرٖ مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥].
فالنبوة وما أيدها من الوحي والقرآن والنصر وهو المعبر عنه بالرحمة في قوله: ﴿وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ﴾(296)، وإنما جعل الله رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه، وهدايته من هدى من عباده، رحمة منه له ليصيره بها إلى رضاه ومحبته وفوزه بها بالجنة، واستحقاقه بها ثناءه؛ وكل ذلك رحمة من الله له(297).
ومن إطلاق النبوة على الرحمة ما ذكره الله عن هارون عليه السلام وأن نبوته رحمة في قوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥١ وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا ٥٢ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا ٥٣﴾ [مريم: 51-53].
فالهبة في قوله: ﴿وَوَهَبۡنَا﴾ هي في الحقيقة واقعة على رسالته لا على نفس هارون؛ لأن هارون أكبر من موسى(298)؛ كما جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته(299).
ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيًا، قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا﴾ [مريم: 53](300).
ومن إطلاق النبوة على الرحمة قوله تعالى عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦].
فبعثة الرسول بما أوحاه الله إليه من الوحي رحمة من الله له ولهم(301)؛ فثبت بالدليل القطعي صحة رسالته، ورحمة الله به للعباد(302).
ومن إطلاق النبوة على الرحمة قوله تعالى: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۖ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ٨ أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡوَهَّابِ﴾ [ص: 8-9].
فالنبوة عطية من الله عز وجل يتفضل بها على من يشاء من عباده المصطفين(303)، وليس الاختيار لهؤلاء المشركين المنكرين وحي الله إلى محمد؛ ولكنها بيد العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه، ما يشاء من ملك وسلطان ونبوة، فيمنعوك يا محمد، ما من الله به عليك من الكرامة، وفضّلك به من الرسالة(304).
ونظير هذه الآية قوله تعالى(305): ﴿أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢].
فالله يخص بالنبوة من يشاء من عباده على ما تقتضيه حكمته وإرادته، وليس ذلك بتدبير المخلوقين ولا بإرادتهم(306)، فإذا كانت معايش العباد وأرزاقهم الدنيوية بيد الله تعالى، وهو الذي يقسمها بين عباده، فيبسط الرزق على من يشاء، ويضيقه على من يشاء، بحسب حكمته، فرحمته الدينية، التي أعلاها النبوة والرسالة، أولى وأحرى أن تكون بيد الله تعالى، فالله أعلم حيث يجعل رسالته(307)؛ فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم بيتًا، وأطهرهم أصلًا(308).
وقد جاء في القرآن التنصيص على إن إرسال الرسل بالكتب إلى العباد رحمة من الله، كما قال تعالى: ﴿أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٥ رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦﴾ [الدخان: ٦].
فإرسال الرسل وإنزال الكتب التي أفضلها القرآن رحمة من رب العباد بالعباد، فما رحم الله عباده برحمة أجل من هدايتهم بالكتب والرسل، وكل خير ينالونه في الدنيا والآخرة فإنه من أجل ذلك وسببه(309)؛ لأن الإرسال بالإنذار رحمة بالناس ليتجنبوا مهاوي العذاب ويكتسبوا مكاسب الثواب، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (310).
وأنزل الله الكتاب على نبيه صلى الله عليه وسلم رحمة به وبالعباد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَرۡجُوٓاْ أَن يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبُ إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۖ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرٗا لِّلۡكَٰفِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦].
فالآية تذكير لنعمه تعالى على رسوله، وأنه تعالى رحمه رحمةً لم يتعلق بها رجاؤه(311)، فالاستثناء في ﴿إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۖ﴾ استثناء منقطع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يرجو أن يبعثه الله بكتاب من عنده، بل كان ذلك مجرد رحمة من الله تعالى به واصطفاء له(312)، فأرسله بهذا الكتاب، الذي رحم به العالمين، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، وزكاهم وعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين(313).
وقال تعالى أيضًا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] ؛ وذلك لما يحصلون فيه من العلم الكثير، والخير الغزير، وتزكية القلوب والأرواح، وتطهير العقائد، وتكميل الأخلاق، والفتوحات الإلهية، والأسرار الربانية(314).
2. رحمته بالرسل عليهم السلام.
الأنبياء عليهم السلام هم أكثر الخلق مسارعةً إلى الخيرات، وأصدقهم توجّهًا وتذلّلًا لله تعالى؛ وأعظمهم رغبةً ورهبةً؛ وفي ذكر رحمة الله لهم، وبأي سبب حصلت لهم، مما يدعو إلى محبة الله تعالى، والإكثار من ذكره ومعرفته، والسبب الموصل إليه(315).
ومن ذلك الرحمة التي رحم الله بها عبده زكريا عليه السلام حين أسرّ بدعائه إليه، كما قال تعالى: ﴿ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ ٢ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا ٣﴾ [مريم: ٣].
ثم فصّل كيفية دعائه بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا ٤ وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا ٥ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا ٦﴾ [مريم: 4-6](316).
فمن رحمة الله بعبده، أن يرزقه ولدًا صالحًا، جامعًا لمكارم الأخلاق ومحامد الشيم؛ فرحمه ربه واستجاب دعوته، فقال: ﴿يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا﴾ [مريم: 7](317).
فوهبه الله الولد الصالح مع كبر سنه وعقم زوجه، فكانت ولادة يحيى تكريمًا ورحمةً بهذا النبي العابد(318).
ومن ذلك أيضًا الرحمة التي رحم الله بها عبده أيوب عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ﴾ [الأنبياء: 83-84].
فقد ألطف أيوب في السؤال؛ حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب، ولم يعين الضر الذي مسه(319)؛ فأذهب الله عنه ما به من الأذى، ورد عليه أهله وماله، ومنحه الله العافية من الأهل والمال شيئًا كثيرًا (320)؛ وكل ذلك رحمةً بأيوب إذ قال: وأنت أرحم الراحمين(321).
ووصفت الرحمة بأنها من عند الله تنويهًا بشأنها بذكر العندية الدالة على القرب المراد به التفضيل(322)؛ فهي رحمة تليق بذاته الكريمة، وهو الرحمن الرحيم(323).
وكون كشف الضر عن أيوب رحمةً من الله به، فكذلك هو ذكرى؛ لنعتبر ونعلم أن رحمة الله قريب من المحسنين، وأن مع العسر يسرًا، وأن الإنسان لا يقنط من الفرج بعد الشدة(324).
3. قبول التوبة وغفران الذنوب.
التوبة لا بد فيها من ترك الذنوب، والنـدم عليها، وإصلاح العمـل، وأداء ما أوجب الله، وإصلاح ما فسد من الأعمال الظاهرة والباطنة، فإذا وجد ذلك فإن الله يصب عليهم من مغفرته ورحمته، بحسب ما قاموا به، مما أمرهم به(325) كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۖ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [الأنعام: 54].
فبين سبحانه أن المراد بالرحمة في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۖ﴾ غفرانه ما يعمـلون من سوء إذا تابوا وأصلحوا، فقوله: ﴿أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا﴾ مفسر لتلك الرحمة مبين لها(326).
فرحمة الله جل وعلا وسعت كل شيء، ولا يهلك على الله إلا هالك؛ ولا أحد أشنع قولا ًمن الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، ومع هذه الفريةالعظمى والوقوع في جناب الله جل وعلا بهذا الأمر الهائل العظيم، فالله مع هذا يستعطفهم ويتلطف بهم للتوبة والمغفرة(327)، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [المائدة: ٧٤].
فالآية فيها التعجب من افترائهم على الله وإصرارهم على ذلك بدون توبة من هذا الاعتقاد القبيح، وفيها التلطف بدعوتهم إلى التوبة، وأن الله عظيم المغفرة واسع الرحمة يقبل توبة التائبين، فلذلك ختمها بقوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾(328)، يغفر ذنوب التائبين، ولو بلغت عنان السماء، ويرحمهم بقبول توبتهم، وتبديل سيئاتهم حسنات(329).
4. عصمة الأنبياء والرسل عليهم السلام.
امتن الله على رسوله بحفظه وعصمته ممن أراد أن يضله(330)، فقال: ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا﴾ [النساء: ١١٣].
والفضل والرحمة هنا: نعمة إنزال الكتاب تفصيلًا لوجوه الحق في الحكم، وعصمته من الوقوع في الخطأ فيه(331)؛ فيحفظه ويعصمه من قبول تدليس المبطلين، فلا تنطلي تضليلاتهم عليه، بل يوفقه الله ويحفظه من مؤامرتهم، وينور بصيرته، ويعلمه ما لم يكن يعلمه صيانة لأحكامه أن يصدر منها تبرئة مجرم، أو ظلم بريء(332).
ثم كرر الامتنان عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال، وعصمته له(333)، فقال: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ﴾، وهذه نعمة كبيرة على رسوله صلى الله عليه وسلم تتضمن النعمة بالعمل، وهو التوفيق لفعل ما يجب، والعصمة له عن كل محرم(334).
5. إرسال الرياح اللينة بالغيث.
إجراء الريح وانتشارها من ههنا وهاهنا أمام المطر مبشرة به من غرائب صنعه وعجائبه، ومن عظائم نعمه على خلقه(335)، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧].
فإنه سبحانه لما ذكر قرب رحمته من المحسنين في قوله: ﴿إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾[الأعراف: ٥٦](336)، أتبعها بذكر أثر من آثار قدرته، ونفحة من نفحات رحمته، وهو إرسال الرياح المبشرات بالغيث، التي تثيره بإذن الله من الأرض، فيستبشر الخلق برحمة الله، وترتاح لها قلوبهم قبل نزوله(337).
6. إنجاء المؤمنين وإهلاك المجرمين.
نزول العقاب بالكافرين ونجاة المؤمنين يكون برحمة كريمة من الله، وحسبها شرفًا أنها من رب العالمين(338)؛ كما قال تعالى عن نبيه هود عليه السلام ﴿فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَقَطَعۡنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ وَمَا كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ﴾ [هود: ٥٨].
وقال عن نبيه صالح عليه السلام: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا صَٰلِحٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَمِنۡ خِزۡيِ يَوۡمِئِذٍۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ٦٦ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ﴾ [هود: 66-67].
وقال عن نبيه شعيب عليه السلام: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤].
فنجاتهم جميعًا هم ومن آمن معهم وإهلاك أعدائهم كان برحمة من الله؛ وقد جاءت الرحمة بصيغة التنكير في جميع المواضع التي وردت فيها؛ للتعظيم، ووصفها بأنها من الله للدلالة على كمالها(339).
والباء في ﴿بِرَحۡمَةٖ﴾ يحتمل أن تكون للسببية(340)؛ حيث جعل إيمانهم سببًا ينالون به رحمته فأنجاهم برحمته؛ ويجوز أن تكون للمصاحبة؛ حيث الرحمة مصاحبة لهم إذ كانوا بمحل اللطف والرفق حيثما حلوا إلى انقضاء آجالهم(341).
وفي هذا ما يدل على التشبث بعرى الإيمان ومتابعة المرسلين لينال العباد بذلك الرحمة والنجاة من العذاب الدنيوي والأخروي، والتحذير من مخالفة المرسلين، وبيان أن ذلك سبب العذاب في الدنيا والآخرة؛ وصدق الله إذ يقول: ﴿وَأَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [النمل: ٥٣].
ويقول: ﴿وَنَجَّيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [فصلت: ١٨](342).
7. حفظ الصالحين وأولادهم.
العبد المؤمن الصالح يتولاه الله حتى بعد مماته رحمة منه، وخاصة ما ترك من الذرية(343)؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا﴾ [الكهف: ٨٢].
فإنه تعالى من كمال تدبيره وحكمته وتمام لطفه ورحمته أن قيض موسى والخضر في مصلحة يتيمين(344)؛ حالهما تقتضي الرأفة بهما ورحمتهما، لكونهما صغيرين عدما أباهما، وحفظهما الله أيضًا بصلاح والدهما(345)؛ وكان الذي فعله الخضر لم يكن من تلقاء نفسه، ومجرد إرادته؛ وإنما ذلك من رحمة الله وأمره، الرحمة التي ليس بعدها رحمة، والحكمة التي ليس بعدها حكمة(346).
8. الوقاية من عداوة الشيطان ووسوسته.
الإنسان بطبعه ظالم جاهل، فلا تأمره نفسه إلا بالشر؛ فإذا لجأ إلى ربه واعتصم به واجتهد في ذلك، لطف به ربه ووفقه لكل خير، وعصمه من الشيطان الرجيم(347)، كما قال تعالى: ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [النساء: ٨٣].
فاتباع الشيطان هم المحرومون من فضل الله ورحمته، فقدوا عصمة الله لعنادهم، وركوبهم أهواءهم، وإيثارهم رغبات أنفسهم على فطامها عما حرم الله، وجعلهم الخيرة لأنفسهم في سلوك مراداتهم من السبل دون سبيل الله، أما القليل الرافضون لهمزات الشيطان على اختلاف أنواعها، والمتقبلون هداية الله، والمؤثرون لمرضاته وسلوك سبيله على مرادات أنفسهم وشهواتها فهم الحائزون على فضله بعصمتهم من أي شيطان، ورحمتهم بتثبيت قلوبهم، وهم الذين يأّس الله منهم بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ﴾ [الحجر: ٤٢].
وقد اعترف إبليس أنهم لا من جنده ولا أتباعه بقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣].
فعصمتهم من اتباع الشيطان هي بفضل الله ورحمته(348).
وهذه الآية كقوله تعالى(349): ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [النور: ٢١].
فالشيطان يأتي النفوس من قبل أهوائها وشهواتها، والنفس ميالة إلى السوء أمارة به، والنقص مستول على العبد من جميع جهاته، والإيمان غير قوي، ولكن الله تعالى لا يترك عباده جميعًا تحت غواية الشيطان الرجيم؛ فإن الزكاء يتضمن الطهارة والنماء، فهو يجتبي من عباده من يزكيه ويطهره في قلبه ولسانه ونفسه، ولا يشاء الله تعالى لعبده تلك الطهارة إلا إذا سلك سبيلها، واختارطريقها، فيأخذه إلى ما اختار(350).
9. المودة والرحمة بين الزوجين.
لا ألفة بين زوجين أعظم مما بين الزوجين(351)، ومحبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما؛ لأن الله قال في حقهما(352): ﴿وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ﴾ [الروم: ٢١].
فجعل بين كل زوجين مودةً ومحبةً، فالزوجان يكونان من قبل التزاوج متجاهلين فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وجعل بينهما رحمة فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما فيصبحان بعده متراحمين كرحمة الأبوة والأمومة(353).
وجعل بينهما محبةً ورأفةً، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق(354)؛ فلا تجد بين أحد في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة(355).
10. إمساك الطير حال الطيران.
من رحمانيته تعالى لطفه بالطير وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء(356)، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ فَوۡقَهُمۡ صَٰٓفَّٰتٖ وَيَقۡبِضۡنَۚ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱلرَّحۡمَٰنُۚ﴾ [الملك: ١٩].
فالذي يحفظ الطير من السقوط بما أودع فيها من خاصية الطيران بالقبض والبسط هو الرحمن، وخص ذكره دون لفظ الجلالة (الله)؛ للدلالة على أن هذا الحفظ من رحمته بهذه المخلوقات وبمن سخرت له، فرحمة الله بالمخلوقات بإمهالهم وعدم العجلة بعقابهم كرحمة الله بالطير في الهواء من السقوط والهلاك(357).
فمن نظر في حالة الطير واعتبر فيها، دلته على قدرة الباري، وعنايته الربانية، وأنه الواحد الأحد، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، المدبر لعباده بما يليق بهم، وتقتضيه حكمته(358).
موقف الخلق من رحمة الله
رحمة الله مبذولة لكل أحد، كما قال تعالى: ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
ولا يهلك على الله إلا هالك، وقد انقسم الناس تجاه هذه الرحمة إلى طرفين وواسطة، ولكل عرض القرآن الكريم.
أولًا: الآيسون القانطون من رحمة الله:
والإياس من رحمة الله من أعظم المحاذير، وهو نوعان:
1. إياس الكفار منها، وتركهم الأسباب التي تقربهم منها(359).
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [العنكبوت: ٢٣].
فأخبر عن يأسهم من رحمة الله بالفعل الماضي؛ تنبيهًا على تحقيق وقوعه، والمعنى: أولئك سييأسون من رحمة الله لا محالة(360)؛ لأنهم لم يعلموا سببًا واحدًا يحصلون به الرحمة، وإلا لو طمعوا في رحمته، لعملوا لذلك أعمالًا(361).
قال القرطبي رحمه الله: «اليأس من رحمة الله؛ فيه تكذيب القرآن؛ إذ يقول وقوله الحق: ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وهو يقول: لا يغفر له؛ فقد حجر واسعًا؛ هذا إذا كان معتقدًا لذلك؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧](362)».
2. إياس العصاة(363).
فيقوى خوف العبد بما جنت يداه من الجرائم، ويضعف علمه بما لله من واسع الرحمة والمغفرة، ويظن بجهله أن الله لا يغفر له ولا يرحمه ولو تاب وأناب، وتضعف إرادته، فييأس من الرحمة (364)؛ وهذا ما يلمح إليه قوله سبحانه: ﴿قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
ثانيًا: الذي يتكلون على عفو الله ومغفرته ورحمته:
الاتكال على رحمة الله يسبب مفسدةً عظيمةً هي الأمن من مكر الله(365)؛ فيسترسل في المعاصي ويتكل على رحمة الله من غير عمل (366)؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].
فإذا كان أمن العالم المدبر والصالح المتعبد من مكر الله تعالى جهلًا يورث الخسر، فكيف حال من يأمن مكر الله، وهو مسترسل في معاصيه اتكالًا على عفوه ومغفرته ورحمته؟(367)، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب(368).
وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ، على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنًا على ما معه من الإيمان، بل لا يزال خائفًا وجلًا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيًا بقوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)(369)، وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من الشر، عند وقوع الفتن، فإن العبد -ولو بلغت به الحال ما بلغت- فليس على يقين من السلامة(370).
ثالثًا: الذين جمعوا بين الخوف من عذاب الله، وبين الرجاء لرحمة الله:
وقد مدح الله أهل الخوف والرجاء بقوله: ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾[الزمر: ٩].
فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنًا، والخوف يستلزم الرجاء، ولولا ذلك لكان قنوطًا ويأسًا(371).
فللخوف مزيته من زجر النفس عما لا يرضي الله، وللرجاء مزيته من حثها على ما يرضي الله، وكلاهما أنيس السالكين(372).
وقد وصف الله عبده في الآية الكريمة بأفضل العبادات الظاهرة وهي الصلاة، ووصف عمل قلبه بالخوف والرجاء، فهو بين الخوف من سيئاته وفلتاته، وبين الرجاء لرحمة ربه أن يثيبه على حسناته(373).
فالمؤمن إذا خاف لا يقنط من رحمة الله، بل يرجوها مع العمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [البقرة: ٢١٨].
فذكر سبحانه أنهم يرجون رحمة الله مع الاجتهاد في الأعمال الصالحة(374)؛ لأن الرجاء يتبعه السعي لتحصيل المرجو، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا﴾ [الإسراء: ١٩]؛ فإن ترقب المرء المنفعة من غير أسبابها فذلك الترقب يسمى غرورًا(375).
ومن الآيات التي مدح الله فيها أهل الخوف والرجاء قوله تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا﴾ [الإسراء: ٥٧].
فابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب بحبه وطاعته، ثم ذكر الرجاء والخوف(376)؛ وذكر خوف العذاب بعد رجاء الرحمة للإشارة إلى أنهم في موقف الأدب مع ربهم؛ فلا يزيدهم القرب من رضاه إلا إجلالًا له وخوفًا من غضبه(377).
وهـذه الأمـور الثلاثة: الخوف والرجاء والمحبة التي وصـف الله بها هؤلاء المقـربين عنده هي الأصل والمادة في كل خير، فمن تمت له تمت له أموره وإذا خلا القلب منها ترحلت عنه الخيرات وأحاطت به الشرور(378).
ولذا جاء عن بعضهم قوله: من عبدالله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهوحروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد (379).
| موضوعات ذات صلة: |
| الجنة، الحساب، السعة، العذاب، العفو، الهداية، اليأس |
الحواشي
- مقاييس اللغة، 3/398. ↩
- لسان العرب 12/231. ↩
- المفردات ص 191. ↩
- الكليات ص471. ↩
- الرحمة في القرآن الكريم، موسى عسيري ص21-22. ↩
- انظر: مدارج السالكين، ابن القيم 1/35. ↩
- انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص 304-309. ↩
- انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان ص 39-42، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 224-227، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 331-334، الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري ص 227. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 2/471. ↩
- الكليات ص 378. ↩
- انظر: مجاز القرآن، أبو عبيدة 1/59، تفسير القرآن، السمعاني 5/379. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 2/18، المحرر الوجيز، ابن عطية 1/221. ↩
- انظر: مدارج السالكين، ابن القيم 1/518، تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمن، من سورة الحجرات وحتى الحديد ص428. ↩
- تفسير أسماء الله الحسنى ص62. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 15/180. ↩
- المفردات ص671. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، 4/2185، رقم 2846، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ↩
- انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم 2/408. ↩
- انظر: العذب النمير، الشنقيطي 1/340. ↩
- انظر: شرح العقيدة الواسطية، الفوزان ص35. ↩
- فتح الباري 13/413. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي12/137. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 11/273. ↩
- انظر: البحر المحيط، أبو حيان 4/86. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص 251. ↩
- التحرير والتنوير 7/151. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا 7/347. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 7/257، العذب النمير، الشنقيطي 1/341. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 258. ↩
- انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة النساء 1/139. ↩
- انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، عبدالرحمن الدوسري 5/172. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده)، 3/1166، رقم 3022، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى، 4/2107، رقم 2751، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 251. ↩
- انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين 3/562. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، 4/1994، رقم 2577، عن أبي ذر رضي الله عنه. ↩
- انظر: العذب النمير، الشنقيطي 2/303. ↩
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 5/355-354. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 15/357. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 5/2679. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/86. ↩
- انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين 3/562. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 480. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 4/193. ↩
- المصدر السابق3/348. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 21/476. ↩
- انظر: نظم الدرر، البقاعي 4/484. ↩
- انظر: التحرير والتنوير 15/356. ↩
- انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة الكهف ص106. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 4/450. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 480. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 5/231. ↩
- المواهب الربانية من الآيات القرآنية، السعدي ص116. ↩
- أضواء البيان، الشنقيطي 7/75. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/357. ↩
- جامع البيان، الطبري 12/206. ↩
- انظر: العذب النمير، الشنقيطي 2/407. ↩
- جامع البيان، الطبري 12/206. ↩
- العذب النمير، الشنقيطي 2/407. ↩
- انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم 2/410. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 24/91. ↩
- انظر: شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين ص 205. ↩
- انظر: الداء والدواء، ابن القيم ص271. ↩
- تفسير القرآن العظيم 3/481. ↩
- تيسير الكريم الرحمن السعدي ص 305. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 6/2966. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 305. ↩
- انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص392، زاد المسير، ابن الجوزي 3/271. ↩
- اللباب في علوم الكتاب9/238. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 6/2966. ↩
- بدائع الفوائد، ابن القيم 4/31. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/481. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 6/2870. ↩
- أضواء البيان، الشنقيطي 2/379. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 291. ↩
- انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 15/26-28. ↩
- بدائع الفوائد، ابن القيم 4/47. ↩
- انظر: معتقد أهل السنة الجماعة في أسماء الله الحسنى، محمد التميمي ص 188. ↩
- المصدر السابق ص 315. ↩
- انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 2/210. ↩
- أضواء البيان، الشنقيطي 1/48. ↩
- تفسير القرآن العظيم 1/126. ↩
- أضواء البيان1/48. ↩
- الزاهر في معاني كلمات الناس، الأنباري 1/58. ↩
- معاني القرآن 1/54. ↩
- انظر: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، القرطبي 1/406. ↩
- أضواء البيان 1/48. ↩
- الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، القرطبي ص 406. ↩
- النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، النجدي 1/78. ↩
- تفسير القرآن الكريم، ابن عثمين، سورة البقرة، 2/121.
وقال رحمه الله في شرح الواسطية ص28: «فيجتمع من الرحمن الرحيم: أن رحمة الله واسعة وأنها واصلة إلى الخلق، وهذا ما أومأ إليه بعضهم بقوله الرحمن: رحمة عامة، والرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين، ولما كانت رحمة الله للكافر رحمة خاصة في الدنيا فقط فكأنها لا رحمة لهم». ↩ - انظر: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، القرطبي ص 406، بدائع الفوائد، ابن القيم ص42. ↩
- مجاز القرآن، أبو عبيدة 1/21. ↩
- الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، القرطبي ص 406. ↩
- قواعد الترجيح عند المفسرين، الحربي 2/473. ↩
- تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص 29. ↩
- التحرير والتنوير1/172. ↩
- انظر: تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج28، الحجة في بيان المحجة، الأصبهاني 1/144. ↩
- شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين ص290. ↩
- بدائع الفوائد1/87. ↩
- المصدر السابق 1/112. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 946. ↩
- الإتقان في علوم القرآن، السيوطي 3/227. ↩
- البحر المحيط 7/7. ↩
- جامع البيان 22/42. ↩
- البحر المحيط، أبو حيان 1/320. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 1/548، البحر المحيط، أبو حيان 1/320. ↩
- انظر: القواعد الحسان ص53. ↩
- أحكام من القرآن الكريم، ابن عثيمين 1/381. ↩
- تفسير أسماء الله الحسنى ص62. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 2/25. ↩
- أحكام من القرآن الكريم، ابن عثيمين 1/381. ↩
- انظر: جلاء الأفهام، ابن القيم 4/144، فتح الرحيم الملك العلام، السعدي ص55. ↩
- التبيان في أقسام القرآن، ص57. ↩
- شأن الدعاء للخطابي ص 89. ↩
- رحمة الله أسبابها وآثارها، مسفر الغامدي، ص206. ↩
- انظر: معتقد أهل السنة الجماعة في أسماء الله الحسنى، التميمي ص188. ↩
- مجموع فتاوى ابن تيمية 22/485. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 9/118. ↩
- التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي 3/31. ↩
- جامع البيان13/133. ↩
- التحرير والتنوير17/127. ↩
- انظر: تفسير ابن أبي زمنين 3/213. ↩
- انظر: تفسير القرآن، السمعاني3/496. ↩
- الوسيط3/301. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص 560. ↩
- نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص472. ↩
- وجوه القرآن، الحيري ص417.وانظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص367. ↩
- انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة النساء 2/205. ↩
- جامع البيان، الطبري 9/429. ↩
- لباب التأويل 2/201. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 633. ↩
- انظر: العذب النمير، الشنقيطي 2/525، 524. ↩
- أضواء البيان 7/380. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 4/155، التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/15. ↩
- فتح القدير2/285. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 303. ↩
- انظر: العذب النمير، الشنقيطي 4/190. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/312. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 366. ↩
- انظر: الرحمة في القرآن الكريم، موسى عسيري ص143. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 7/3687. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 4/288. ↩
- انظر: زهرة التفاسير 9/4618. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 490. ↩
- انظر: فتح القدير، الشوكاني 3/326. ↩
- معالم التنزيل5/222. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 154. ↩
- انظر: المصدر السابق ص 491. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/222. ↩
- انظر: فتح القدير، الشوكاني 3/379. ↩
- أخرجه الحاكم في المستدرك 1/91، رقم 100، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/463. ↩ - انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 17/165. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 18/552. ↩
- انظر: تفسير السمرقندي 2/445. ↩
- انظر: جلاء الأفهام ص288.
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/385، أضواء البيان، الشنقيطي 4/288، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 532. ↩ - انظر: أضواء البيان4/288. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم 5/385، أضواء البيان 4/288. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي16/94. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور10/243. ↩
- البحر المحيط، أبو حيان 5/64. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا10/448. ↩
- انظر: جامع البيان 18/552. ↩
- تفسير السمرقندي 2/69. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا10/449. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور10/244. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري 2/271، إرشاد العقل السليم، أبو السعود 4/77، فتح القدير، الشوكاني 2/429، روح المعاني، الألوسي10/127. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا10/448. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا10/448، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 341. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا10/448. ↩
- انظر: المنافقون في القرآن الكريم، الحميدي ص419. ↩
- انظر: تفسير القرآن، السمعاني 2/363، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي10/442. ↩
- انظر: روح المعاني، الألوسي 11/52. ↩
- انظر: البحر المحيط، أبو حيان 5/120. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 11/73. ↩
- المنار 11/72. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/360. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا 2/119. ↩
- انظر: روح المعاني، الألوسي 26/123، التحرير والتنوير، ابن عاشور 26/205. ↩
- انظر: التحرير والتنوير26/205. ↩
- انظر: العذب النمير، الشنقيطي 2/152. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، 5/2238، رقم 5665، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، 4/1999، رقم 2586، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم، باب نصر المظلوم، 2/863، رقم 2314، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، 4/1999، رقم 2585، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ↩
- تفسير القرآن العظيم 7/360. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 29/213، التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي 4/100. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 23/202. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 27/421. ↩
- انظر: المصدر السابق. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/167. ↩
- انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، من سورة الحجرات وحتى الحديد ص427. ↩
- انظر: تنوير العقول والأذهان في تفسير مفصل القرآن، اللاحم 1/543. ↩
- انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم9/138. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي 15/407. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 30/361. ↩
- انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 10/47. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 31/170، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 924. ↩
- انظر: تفسير المراغي 30/163. ↩
- انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، جزء عم، ص218. ↩
- انظر: العذب النمير، الشنقيطي 3/416. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 758. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي11/98. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 21/123. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/323. ↩
- انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري 3/357. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 98. ↩
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 6/442. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 10/149. ↩
- انظر: المصدر السابق 10/262. ↩
- انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة آل عمران، 2/165. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/81. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا10/469. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 573. ↩
- انظر: تفسير المراغي 9/80. ↩
- انظر: العذب النمير، الشنقيطي 4/205. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا10/467. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 343. ↩
- انظر: البحر المحيط، أبو حيان 5/57. ↩
- انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري 2/469. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 75. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 1/475. ↩
- انظر: تفسير المراغي 1/256. ↩
- انظر: صفوة الآثار والمفاهيم الدوسري 2/469. ↩
- انظر: معالم التنزيل، البغوي 1/191. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 2/143. ↩
- انظر: البحر المحيط، أبو حيان 2/17. ↩
- انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري 3/42. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 1/536. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 84. ↩
- انظر: البحر المحيط، أبو حيان 2/17. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 1/537. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي 1/372. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/147. ↩
- انظر: روح المعاني، الألوسي 4/104. ↩
- انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري 4/384. ↩
- انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة آل عمران 2/359. ↩
- المصدر السابق2/360. ↩
- انظر: تفسير المراغي 4/110. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 3/1472، تفسير المراغي 4/110. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 217. ↩
- انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة النساء 2/533. ↩
- انظر: زهرة التفاسير 4/1994. ↩
- انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة النساء 2/533. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 4/1994. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 217. ↩
- انظر: تنوير العقول والأذهان في تفسير مفصل القرآن، اللاحم 1/43. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 305. ↩
- انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة يس ص161. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 20/526. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 292. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب 14/124. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 843. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا 9/461. ↩
- انظر: البحر المحيط، أبو حيان 4/448. ↩
- انظر: المصدر السابق. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 314. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 4/43. ↩
- انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين 4/310. ↩
- انظر: البحر المحيط، أبو حيان 6/103. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 314. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 4/43. ↩
- انظر: روح المعاني، الألوسي 16/103. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص 494. ↩
- انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين 6/483. ↩
- انظر: البحر المحيط، أبو حيان 7/402. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص720، التحرير والتنوير، ابن عاشور 23/346. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 21/268. ↩
- انظر: تنوير العقول والأذهان في تفسير مفصل القرآن، اللاحم 1/42. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي 13/309. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص800. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 26/245. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن ص800. ↩
- المصدر السابق ص 432. ↩
- انظر: تيسير العزيز الحميد، ابن محمد بن عبدالوهاب ص449. ↩
- انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، الفوزان ص72. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 17/113، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص432. ↩
- انظر: القول المفيد، ابن عثيمين 2/204. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 19/151. ↩
- انظر: البحر المحيط، أبو حيان 5/334. ↩
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 8/58. ↩
- انظر: تفسير المراغي13/30. ↩
- انظر: القول السديد ص122. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 21/310. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 24/41. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 21/310، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 727. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 24/41. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 727. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 1/467. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا 12/24. ↩
- انظر: البحر المحيط، أبو حيان 5/207. ↩
- انظر: معالم التنزيل، البغوي 4/164. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص727. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي 11/87. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 6/695. ↩
- انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين 6/243. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 7/142. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 6/695. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص771. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/653. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 2/471. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 4/303. ↩
- انظر: جامع البيان18/211. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/238. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 19/586. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص617. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 7/216. ↩
- انظر: جامع البيان21/155. ↩
- انظر: السراج المنير، الشربيني 3/326. ↩
- انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي 4/28. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص764. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/226. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 771. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 25/281. ↩
- انظر: البحر المحيط، أبو حيان 7/132. ↩
- انظر: التحرير والتنوير20/194. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص625. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص633. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن ص489، التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة من المؤلفين 4/413. ↩
- انظر: تفسير المراغي16/34. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص489. ↩
- انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة من المؤلفين 4/412. ↩
- انظر: البحر المحيط، أبو حيان 6/310. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن ص 528. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 17/128. ↩
- انظر: المصدر السابق. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 9/4907. ↩
- انظر: تفسير المراغي 23/126. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص258. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 7/257، العذب النمير، الشنقيطي 1/341. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/158. ↩
- انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري 9/194. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص239. ↩
- المصدر السابق ص 200. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 5/197. ↩
- انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري 6/258. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/410. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص200. ↩
- انظر: العذب النمير، الشنقيطي 3/415. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/178. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن ص292. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبوزهرة 7/3720. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/214. ↩
- انظر: البحر المحيط، أبو حيان 4/329، روح المعاني، الألوسي 12/92. ↩
- انظر: روح المعاني 12/92، التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/214. ↩
- انظر: الرحمة في القرآن الكريم، موسى عسيري ص148. ↩
- انظر: رحمة الله أسبابها وآثارها، مسفر الغامدي ص240. ↩
- انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة من المؤلفين 4/380. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص482. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي 8/561. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن ص190. ↩
- انظر: صفوة الآثار والمفاهيم، الدوسري 6/114. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا 5/245. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص563، وزهرة التفاسير، أبو زهرة 10/5167. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/525. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن ص61. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 21/71. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/309. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص639. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 1/48. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 29/40، التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، مجموعة مؤلفين 8/280. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص877. ↩
- انظر: المصدر السابق ص 629. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 20/234. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص629. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن6/265. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص629. ↩
- انظر: القول السديد، السعدي ص122. ↩
- انظر: القول المفيد، ابن عثمين 1/56. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6/265. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا 9/26. ↩
- انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز 2/456. ↩
- أخرجه أحمد في مسنده، 19/160، رقم 12107، والترمذي في سننه، 4/448، رقم 2140، عن أنس رضي الله عنه.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/1323. ↩ - انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص298. ↩
- انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز 2/457. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 23/347. ↩
- انظر: المصدر السابق 23/346. ↩
- انظر: تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبدالله ص449. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 23/347. ↩
- انظر: تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبدالله ص446. ↩
- انظر: التحرير والتنوير 15/140. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 460. ↩
- انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز 2/458. ↩
