تنزيل PDF

الذل

المجلد الثامن أعمال القلوب حرف ذ ٨٢ قراءة · ٢٨٧ تنزيلاً

مفهوم الذل

أولًا: المعنى اللغوي:

تدل مادة (ذلل) على الخضوع والاستكانة واللين(1).

والذُل: نقيض العز، يقال: ذَل يَذِل ذُلًا وذِلة وذِلَالة ومَذَلَة، وتذلل له، أي: خضع، والذِل بالكسر: اللين، وهو ضد الصعوبة(2).

وقال الراغب: «الذُل: ما كان عن قهر، والذِل بعد تصعب وشماس(3) من غير قهر، ذلت الدابة بعد شماس ذِلًا، وهي ذلولٌ، أي: ليست بصعبة»(4).

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال ابن عاشور: « الذلة: خضوع في النفس واستكانة من جراء العجز عن الدفع»(5).

من خلال هذا التعريف، يلاحظ أن ابن عاشور اقتصر على تعريف الذل المذموم، وهو المتبادر إلى الذهن.

وقال العسكري: « الذلة: الضعف عن المقاومة، ونقيضها العزة، وهي القوة على الغلبة، ومنه الذلول وهو المقود من غير صعوبة؛ لأنه ينقاد انقياد الضعيف عن المقاومة، وأما الذليل فإنه ينقاد على مشقة»(6).

الذل في الاستعمال القرآني

وردت مادة (ذلل) في القرآن الكريم (24) مرة، يخص موضوع البحث منها (18) مرة(7).

والصيغ التي وردت هي:

الصيغةعدد المراتالمثال
الفعل المضارع2﴿لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ مِن قَبۡلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخۡزَىٰ ١٣٤﴾ [طه: 134]
المصدر10﴿وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ﴾ [الإسراء: 24]
اسم التفضيل2﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ﴾ [المنافقون: 8]
الاسم4﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ﴾ [آل عمران: 123]

وجاءت كلمة الذل في القرآن على وجهين(8):

الأول: القلة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ﴾ [آل عمران: 123]، أي: قليلًا.

الثاني: التواضع، ومنه قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، أي: متواضعين على المؤمنين.

الألفاظ ذات الصلة

الصغار:

الصغار لغة:

الصَغار، بالفتح: الذل والضيم، وكذلك الصغر، بالضم، والمصدر الصغر، بالتحريك، يقال: قم على صغرك وصغرك، الليث: يقال صغر فلانٌ يصغر صغرًا وصغارًا، فهو صاغر، إذا رضي بالضيم وأقر به، قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ﴾ [التوبة: 29](9).

الصغار اصطلاحًا:

هو الاعتراف بالذل والإقرار به(10).

الصلة بين الذل والصغار:

الصغار زيادة في الإذلال والهوان(11).

الخزي:

الخزي لغة:

خزي خزيًا ومخزاة: ذل، وأخزاه الله، وهو من أهل المخازي والمخزيات، ورجل خز، وامرأة خزية. وخزوته: قهرته(12)، وخزي الرجل لحقه انكسار، إما من نفسه وإما من غيره(13).

وفي لسان العرب: «المخزى في اللغة، المذل المحقور بأمرٍ قد لزمه بحجة، وكذلك أخزيته ألزمته حجةً إذا أذللته بها»(14).

الخزي اصطلاحًا:

جميع الآيات التي ورد فيها مادة (خزي) تدور حول معنى الذل والهوان والفضيحة.

الصلة بين الذل والخزي:

الخزي ذلٌ مع افتضاح، وقيل: هو الانقماع لقبح الفعل، والخزاية الاستحياء؛ لأنه انقماع عن الشيء لما فيه من العيب، قال ابن درستويه: الخزي الإقامة على السوء، خزي يخزى خزيًا، وإذا استحيا من سوء فعله أو فعل به قيل: خزي يخزى خزاية؛ لأنهما في معنى واحد، وليس ذلك بشيء؛ لأن الإقامة على السوء والاستحياء من السوء ليسا بمعنى واحد(15).

الخضوع:

الخضوع لغة:

الانقياد والمطاوعة(16).

جاء في كتاب جمهرة اللغة مادة (خ ض ع) «خضع الرجل، يخضع خضوعًا إذا ذل، وكل ذليل خاضع»(17).

الخضوع اصطلاحًا:

إظهار الانقياد والطاعة لذي سلطان.

الصلة بين الذل والخضوع:

الذل: الانقياد كرهًا، ونقيضه العز، وهو الإباء والامتناع، والانقياد على كره، وفاعله ذليل، والذل والانقياد طوعًا، وفاعله ذلول(18).

أما الخضوع: فهو التطامن، والتطأطؤ، والخاضع المطأطئ رأسه وعنقه(19).

أنواع الذل

ينقسم الذل إلى نوعين من جهة أنه محمود ومذموم، ولقد ذكر القرآن الكريم كلا القسمين، فمن أشرف أنواع الذل المحمود الذي يكون مع الخالق عز وجل ثم مع الوالدين ثم مع المؤمنين، وفي المقابل الذل المذموم الذي يكون مع ما يعبد من دونه عز وجل، أو مع الحكام المستبدين، أو مع الشيطان.

أولًا: ذل محمود:

1. الذل مع الله.

من أشرف أنواع الذل المحمود هذا الذي يكون مع الخالق عز وجل، وهذا الذل عنوان العز والشرف والنصر في الدنيا والآخرة.

إن الحكمة من خلق الإنسان هي: عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

يقول ابن عطية في تفسير هذه الآية: «ما خلقت الإنس والجن إلا معدين ليعبدوني، وكأن الآية تعديد نعمه، أي: خلقت لهم حواسًا وعقولًا وأجسامًا منقادة نحو العبادة، وهذا كما تقول: البقر مخلوقة للحرث، والخيل للحرب، وقد يكون منها ما لا يحارب به أصلًا، فالمعنى أن الإعداد في خلق هؤلاء إنما هو للعبادة، لكن بعضهم تكسب وصرف نفسه عن ذلك»(20).

والعبادة هي: إظهار الخضوع والذل للمعبود عز وجل(21).

قال ابن القيم في النونية(22):

وعبادة الرحمن غاية حبه

مع ذل عابده هما قطبان

وعليهما فلك العبادة دائر

ما دار حتى قامت القطبان

وقال ابن القيم أيضًا: «والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع، والعرب تقول: طريق معبد، أي: مذلل، والتعبد: التذلل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له، لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له حتى تكون محبًا خاضعًا»(23).

فتحقيق الذل إذًا يكون بتحقيق العبودية لله تعالى وحده.

قال الذهبي: «من خصائص الإلهية العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل، هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين، فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه في خالص حقه»(24).

يحكى عن بعض العارفين، أنه قال: دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها، فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام، فلم أتمكن من الدخول، حتى جئت باب الذل والافتقار، فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه، ولا مزاحم فيه ولا معوق، فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته، فإذا هو سبحانه قد أخذ بيدي وأدخلني عليه(25).

2. الذل مع الوالدين.

قال تعالى: ﴿وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا﴾ الإسراء:24].

قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: وكن لهما ذليلًا رحمة منك بهما، تطيعهما فيما أمراك به مما لم يكن لله معصية، ولا تخالفهما فيما أحبا»(26).

وقال السعدي: «تواضع لهما ذلًا لهما ورحمة واحتسابًا للأجر؛ لا لأجل الخوف منهما أو الرجاء لما لهما، ونحو ذلك من المقاصد التي لا يؤجر عليها العبد»(27).

جاء في الحديث الذي يرويه عبدالله ابن مسعودٍ قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها. قال: ثم أيٌ؟ قال: بر الوالدين. قال: ثم أيٌ؟ قال: الجهاد في سبيل الله)(28).

فقرن الله بر الوالدين بعبادته وحده لا شريك له، وجعله في المنزلة الثانية من أحب الأعمال إليه بعد الصلاة لأكبر دليل على عظم هذا الأمر.

ولا نعمة تصل إلى الإنسان أعظم وأجل من نعمة الخالق عليه، ثم نعمة الوالدين، فمن أعظم الحقوق علينا بعد حق الله عز وجل حق الوالدين، وقد ذكر الله عز وجل بهذا الحق في جملة من آياته، وجعله مقرونًا بعبادته.

قال تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا﴾ [النساء: 36].

وقال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا﴾ [البقرة: 83].

وذكر الله بر الوالدين مقرونًا بتوحيده، وإخلاص العبادة له، يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين والإحسان إليهما إحسانًا تامًا في المعاملة(29).

[انظر التواضع: خفض الجناح للوالدين وللمؤمنين]

2. الذل مع المؤمنين.

وهو بمعنى التراحم والتواضع والعطف، وليس بمعنى التذلل والانكسار على وجه الضعف والخور.

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: 54]

قال الطبري: «﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾، أرقاء عليهم، رحماء بهم، ويعني بقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾، أشداء عليهم، غلظاء بهم»(30).

وقال ابن كثير: «قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه»(31).

وقوله تعالى:﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ هي الصفة مأخوذة من الطواعية واليسر واللين، فالمؤمن ذلول للمؤمن، غير عصي عليه ولا صعب، هين لين، ميسر مستجيب، سمح ودود وهذه هي الذلة للمؤمنين.

[انظر: التواضع: تواضع مع الخلق]

ثانيًا: ذل مذموم:

1. مع ما يعبد من دون الله.

ما يعبد من دون الله أشياء كثيرة منها:

  • الهوى.

قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 23].

أفرأيت من اتخذ دينه بهواه، فلا يهوى شيئًا إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله، ولا يحرم ما حرم، ولا يحلل ما حلل، إنما دينه ما هويته نفسه يعمل به، فأصبح هواه إله يعبد من دون عز وجل (32).

قال ابن القيم: (لكل عبد بداية ونهاية فمن كانت بدايته اتباع الهوى كانت نهايته الذل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع بحسب ما اتبع من هواه، بل يصير له ذلك في نهايته عذابًا يعذب به في قلبه)(33).

  • الآلهة من دون الله.

قال تعالى: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا﴾[الفرقان: 3].

في هذه الآية تقريع للمشركين بعبادتهم ما دون الله والتنبيه لهم على موضع خطأ فعلهم ببيان أن آلهتهم التي يعبدونها لا تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة ومع ذلك فهي لا تملك دفع ضر عن نفسها ولا جلب منفعة إليها، ولا تملك إماتة ولا إحياء ولا بعثًا، والعجيب أنك تراهم يتذللون لهذه الآلهة حتى تجلب لهم النفع(34).

وقد ذكر الله تعالى هذه الآيات بعد قوله: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1].

قال ابن جرير: «يقول تعالى ذكره: فأفردوا أيها الناس لربكم الذي نزل الفرقان على عبده محمد نبيه صلى الله عليه وسلم الألوهية، وأخلصوا له العبادة دون كل ما تعبدون من دونه من الآلهة والأصنام والملائكة والجن والإنس، فإن كل ذلك خلقه وفي ملكه، فلا تصلح العبادة إلا لله الذي هو ملك جميع ذلك»(35).

2. مع الحكام المستبدين.

لربما لم تعرف البشرية ذلًا أكثر من ذل الناس لفرعون وجنوده آنذاك، لدرجة أن فرعون قال للناس: أنا ربكم الأعلى.

ففرعون يعتبر نفسه الإله والحقيقة المؤكدة في الدين، ولذلك كان قلقًا من رسالة موسى عليه السلام، وتتضح مخاوفه في الآية القرآنية.

قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ﴾ [غافر: 26].

فمن مظاهر الذل الذي تعرض له بنو إسرائيل من فرعون يتضح من خلال قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ [القصص: 4].

بعد أن جعل فرعون أهل مملكته شيعًا وأحزابًا، اختص طائفة منهم بالإذلال والقهر والظلم، فصار يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم، أي: يذبح الذكور من بنى إسرائيل بمجرد ولادتهم، ويترك الإناث أحياء(36).

وحين كان بنو إسرائيل يؤدون ضريبة الذل لفرعون وهو يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم لم تتدخل يد القدرة لإدارة المعركة، فهم لم يكونوا يؤدون هذه الضريبة إلا ذلًا واستكانة وخوفًا، فأما حين استعلن الإيمان، في قلوب الذين آمنوا بموسى واستعدوا لاحتمال التعذيب وهم مرفوعوا الرؤوس يجهرون بكلمة الإيمان في وجه فرعون دون تلجلج و دون تحرج، و دون اتقاء للتعذيب، فأما عند ذلك فقد تدخلت يد القدرة لإدارة المعركة، وإعلان النصر الذي تم قبل ذلك في الأرواح والقلوب.

3. مع الشيطان.

قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ﴾ [آل عمران: ١٥٥].

من أقبح أنواع الذل هذا الذي يكون مع الشيطان، ففي الآية السابقة تجسيد لمشهد من مشاهد غزوة أحد، حيث طاوع بعض المسلمين الشيطان بعد أن وسوس لهم معصية النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت مخالفتهم لرسولهم وقائدهم طاعة للشيطان، فحرمهم الله تأييده وتقوية قلوبهم.

والمراد بالزلة هنا: ما حدث منهم من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد ترتب عليها هزيمتهم(37).

قال الراغب: «استزله إذا تحرى زلته، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ﴾ أي: استجرهم الشيطان حتى زلوا، فإن الخطيئة الصغيرة إذا ترخص الإنسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان على نفسه، والزلة في الأصل: استرسال الرجل من غير قصد»(38).

نخلص مما سبق أن أشرف أنواع الذل المحمود هذا الذي يكون مع الخالق عز وجل، فهذا النوع من الذل يترتب عليه أجر وثواب عظيم، بل إن عبادة الذل والافتقار إليه عز وجل من العبادات النادرة، ولذلك قال أحدهم: إنه دخل على الله من عبادة الصيام فوجد خلقًا كثيرًا ودخل على الله من عبادة الصلاة فوجد خلقًا كثيرًا، قال: ثم دخلت عليه من عبادة الذل والافتقار فلم أجد إلا القليل، في المقابل فإن من أخطر أنواع الذل المذموم هو الذل يكون مع الشيطان، فهذا النوع من الذل إن لم يحذر منه الإنسان قطعًا سيورده المهالك.

العقاب بالذل

العقاب بالذل في الدنيا والآخرة من أبشع أنواع العقاب التي تلحق بالمشركين والعصاة من المسلمين، فقد تعددت وتنوعت صور إذلال الله لهم في الدنيا والآخرة، هذا ما سنتعرف عليه من خلال النقاط الآتية:

أولًا: العقاب بالذل في الدنيا:

تنوعت صور إذلال الله تعالى للعصاة في الدنيا، ومن تلك الصور:

1. ضنك الحياة والعيش.

قد يعاقب الله بعض عباده بضنك العيش في الدنيا؛ قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ [طه: 124].

أي: فإن لهذا المعرض معيشة ضيقة مليئة بالهم والغم والأحزان وسوء العاقبة، حتى ولو ملك المال الوفير، والحطام الكثير.. فإن المعيشة الطيبة لا تكون إلا مع طاعة الله، وامتثال أمره، واجتناب نهيه(39).

2. الأسر والخوف والرعب.

ومن العصاة من أذلهم الله عز وجل بالرعب والقتل والأسر، وهم العصاة من أهل الكتاب.

قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا ٢٦ وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَهُمۡ وَدِيَٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُمۡ وَأَرۡضٗا لَّمۡ تَطَـُٔوهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢٧﴾ [الأحزاب26-27].

قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ﴾ أي: الخوف؛ وهو جندي من جنود الله تعالى، وهذا الرعب الذي ألقاه الله عز وجل في قلوب الكافرين هو الذي فرقهم، وأخرجهم من حصونهم المنيعة، ولم يجعل لكثرة عددهم قيمة، فألحق الله بهم الهزيمة والذل على أيدي المؤمنين، قوله: ﴿فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ﴾ وهم المقاتلون الذين يحملون السلاح، وقوله ﴿وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا﴾ وهم النساء والذراري، وغيرهم مما لا يحملون السلاح، وأعطاهم أرضهم وديارهم وأموالهم، بعد زوالهم وانهزامهم، ووعدهم الله تعالى بأماكن جديدة، لم يذهبوا إليها إمعانًا في ذل اليهود، وهي خيبر(40).

3. الخسف.

ومما يلحق العصاة من ذلٍ في الدنيا: الخسف.

قال تعالى: ﴿فَخَسَفۡنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلۡأَرۡضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٖ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُنتَصِرِينَ﴾ [القصص: 81].

أمر الله تعالى أن تبتلع قارون وداره وأمواله، انتقامًا منه لكفره ونفاقه، وبغيه وكبريائه، فلم تمنع ثروته ولا جاهه ولا أتباعه عذاب الله عنه، لما أراد الله خذلانه بخسف الأرض به وبداره، ومن فيها من أعوانه الظلمة المجرمين، ولا هو استطاع بجهده وقدرته أن يمنع العذاب عن نفسه(41).

ثانيًا: العقاب بالذل في الآخرة:

إن ميزان العدل الإلهي في غاية الوضوح والاعتدال، فأهل النار إنما يعاقبون في الآخرة ويلحق بهم الذل والصغار بسبب فسادهم وإشراكهم بالله وكفرهم بآياته ولقائه واتخاذهم آيات الله هزوًا وسخرية، وقد ذكر الحق عز وجل في غير موضع في كتابه العزيز حال أهل النار من أهل الكفر والعصيان، وما يسومهم من أصناف الذل والهوان، لذا كان من دعاء المؤمنين الصادقين.

قال تعالى: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ [آل عمران: 192].

ومن المواقف التي يتعرض فيها العصاة والكفار للذل في الآخرة:

1. عند قبض أرواحهم.

قال تعالى: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۙ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٥٠ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥٠-٥١].

والمعنى: لو عاينت وشاهدت أيها العاقل حال الذين كفروا حين يتوفى الله أرواحهم، لعاينت وشاهدت منظرًا مخيفًا، وأمرًا فظيعًا تقشعر من هوله الأبدان، ثم فصل الله سبحانه هذا المنظر المخيف بجملة مستأنفة فقال: ﴿ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ﴾ والمراد بوجوههم: ما أقبل منهم، وبأدبارهم: ما أدبر وهو كل الظهر، وخص سبحانه الضرب للوجوه والأدبار بالذكر، لأن الوجوه أكرم الأعضاء، ولأن الأدبار هي الأماكن التي يكره الناس التحدث عنها فضلًا عن الضرب عليها، أو لأن الخزي والنكال في ضربهما أشد وأعظم(42).

وقوله تعالى: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ﴾ [محمد: 27].

أي: فكيف حالهم، أو فكيف يعملون ويحتالون حينئذ؟ ﴿يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ﴾ هذا تصوير لتوفيهم، أي: يتوفونهم وهم يضربون وجوههم وظهورهم بمقامع من حديد، وفي هذا تخويف وتهديد، إذ يتعرضون عند التوفي إلى أهوال وفظائع شديدة(43).

2. عند الخروج من القبر.

قال تعالى: ﴿فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٤٢ يَوۡمَ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ سِرَاعٗا كَأَنَّهُمۡ إِلَىٰ نُصُبٖ يُوفِضُونَ ٤٣ خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۚ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ٤٤﴾ [المعارج: 42-44].

أي: فاتركهم يخوضوا في باطلهم، ويلعبوا في دنياهم حتى يلاقوا يوم القيامة الذي يوعدون فيه بالعذاب، يوم يخرجون من القبور مسرعين، كما كانوا في الدنيا يذهبون إلى آلهتهم التي اختلقوها للعبادة من دون الله، يهرولون ويسرعون، ذليلة أبصارهم منكسرة إلى الأرض، تغشاهم الحقارة والمهانة، ذلك هو اليوم الذي وعدوا به في الدنيا، وكانوا به يكذبون(44).

3. عندما يساقون إلى المحشر.

قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا﴾ [مريم: 86].

أي: ونسوق المجرمين الذين ارتكبوا الجرائم في دنياهم، نسوقهم سوقًا إلى جهنم كما تساق البهائم، حالة كونهم عطاشًا، يبحثون عن الماء فلا يجدونه(45).

ومن ألوان العذاب والذل لهؤلاء أنهم يحشرون عميًا.

قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ [طه: 124].

أي: فمن يتكبر عن عبادة الله عز وجل ويعرض عن ذكره فإن له معيشة ضنكًا في الحياة الدنيا، مليئة بالهم والغم والشقاء، حتى ولو ملك كنوز الدنيا؛ لأن المعيشة الطيبة لا تكون إلا مع طاعة، ويحشر يوم القيامة أعمى، قال ابن عباس رضي الله عنه: وذلك حين يخرج من القبر يخرج بصيرًا، فإذا سيق إلى المحشر عمي(46).

وقال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ سَبِيلٗا﴾ [الفرقان: 34]

يبين الله تعالى حال المكذبين يوم البعث، فهم يحشرون على وجوههم، تسحبهم ملائكة العذاب يجرونهم على وجوههم، وهذه صورة حسية في غاية الفظاعة والشناعة، تجمع بين العذاب الحسي، والتحقير المعنوي وتوحي بالذلة والمهانة(47).

وقد بَيَنَ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بحديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: (أن رجلًا قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا، قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة) (48).

كما يحشرون أيضًا زرق العيون من شدة الغم والهم الذي أصابهم من هول هذا الموقف.

قال تعالى: ﴿يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ زُرۡقٗا﴾ [طه: 102].

قال الإمام الطبري: «عنى بالزرق في هذا الموضع: ما يظهر في أعينهم من شدة العطش الذي يكون بهم عند الحشر لرأي العين من الزرق»(49).

وقيل: وصفوا بذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها عند العرب، لأن الروم كانوا أعدى أعدائهم، وهم زرق العيون(50).

وفي الحديث التالي سيتضح لنا مدى الذل والحقارة التي تلحق بالمتكبرين يوم الحشر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكانٍ، يساقون إلى سجن جهنم، يقال له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار: طينة الخبال)(51).

وقبل أن يدخلوا النار تراهم ينظرون لها وهم خائفون.

قال الله تعالى: ﴿وَتَرَىٰهُمۡ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِيّٖۗ﴾[الشورى: 45].

المراد بالخشوع في هذه الآية: ما يظهر عليهم من أثر الذلة والخزي، وهو شامل لسائر البدن بما فيه أصواتهم، وأبصارهم، لذا قال تعالى: ﴿يَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِيّٖۗ﴾ من ذله وصغاره، وذلك من هول ما يرونه من العذاب فهم يسارقون النظر إلى النار مسارقة شزرًا من هيبتها وخوفًا منها وذلةً في أنفسهم(52).

4. عندما يدخلون جهنم.

الذل الأعظم والهوان الأكبر عندما يدخلون إلى النار –عافانا الله منها- فهم منبوذون في النار.

قال تعالى: ﴿كَلَّاۖ لَيُنۢبَذَنَّ فِي ٱلۡحُطَمَةِ﴾ [الهمزة: 4].

النبذ: هو طرح ما هو خفيف هين، ويستخدم للتحقير والمهانة والذل (53).

ومن الذل الذي يلحق بهم أيضًا أنهم يصفدون في الأغلال والسلاسل.

قال تعالى: ﴿وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ﴾ [إبراهيم: 49].

لقد بينت الآية الكريمة ما أعد الله عز وجل لأهل النار جزاء كفرهم بالله وآياته، فهم ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ﴾ أي: مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى أعناقهم بالوثاق، قد قرن بعضهم مع بعض، أو قرنوا مع شياطينهم(54).

وزيادة في التنكيل والعذاب، فهم يسحبون في نار جهنم.

قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلۡكِتَٰبِ وَبِمَآ أَرۡسَلۡنَا بِهِۦ رُسُلَنَاۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٧٠ إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ ٧١ فِي ٱلۡحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسۡجَرُونَ ٧٢﴾ [غافر70-72].

وفي وصف السلسلة، قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ٣٠ ثُمَّ ٱلۡجَحِيمَ صَلُّوهُ ٣١ ثُمَّ فِي سِلۡسِلَةٖ ذَرۡعُهَا سَبۡعُونَ ذِرَاعٗا فَٱسۡلُكُوهُ ٣٢﴾ [الحاقة30-32].

فهي سلسلة من سلاسل الجحيم، كل حلقة منها قدر حديد الدنيا، طولها سبعون ذراعًا يسلوكونها(55).

ومن شدة الذل التي يلحق بهم ترى وجوههم مسودة تلفحها النار، قال تعالى: ﴿تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ﴾ [المؤمنون: 104].

«تحرقها، واللفح كالنفخ إلا أنه أشد تأثيرًا منه، وتخصيص الوجوه بذلك؛ لأنها أشرف الأعضاء، فبيان حالها أزجر عن المعاصي المؤدية إلى النار، وهو السر في تقديمها على الفاعل»(56).

ثم إن وجوههم تغشاها النار، وتسعر أجسامهم المسربلة بالقطران.

قال تعالى: ﴿وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ ٤٩ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٖ وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ بَلَٰغٞ﴾ [إبراهيم: 49-50].

نحن أمام مشهد من مشاهد العذاب المذل المخزي لأهل النار، فهم مقرونون في الأغلال والقيود، سرابيلهم وثيابهم من قطران، وتعلو وجوههم وتضربها النار، وخص «القطران» بالذكر؛ لأنه شديد القابلية للاشتعال، مع نتن رائحته، ففيه الذل والتحقير، وفيه الإيحاء بشدة الاشتعال(57).

وقال تعالى: ﴿يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠﴾ [الأحزاب: 66].

قال الزمخشري: «وقوله: تقلب بمعنى تتقلب، ومعنى تقليبها: تصريفها في الجهات، كما ترى البيضة تدور في القدر إذا غلت، فترامى بها الغليان من جهة إلى جهة، أو تغييرها عن أحوالها وتحويلها عن هيئاتها، أو طرحها في النار مقلوبة منكوسة»(58).

أسباب الوقوع في الذل

إن الوقوع في الذل من أعظم المصائب التي يقع بها كثير من الناس، وهذا الوقوع لا يكون عبثًا أو صدفةً، إنما ينتج عن أسباب كثيرة، نتعرف عليها من خلال النقاط الآتية:

أولًا: الشرك بالله تعالى والابتداع في الدين:

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116].

يبين الحق عز وجل مصير المشرك به بقوله ﴿وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا﴾ أي: ومن يشرك بالله تعالى بأن يعبد سواه، أو يجعل معه شريكًا في العبادة فقد سار في طريق الشرور والآثام سيرًا بعيدًا ينتهى به إلى الهلاك، ويفضي به إلى الذل والهوان(59).

ولقد حاربت الشريعة الإسلامية جميع أنواع الشرك بالله تعالى، وحاربت البدع والمحدثات التي تخرج الناس عن العقيدة السليمة وأحكام الشرع، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ)(60).

فالمبتدع يلقى عليه الذل في الدنيا، والغضب من الله تعالى، والطرد من رحمة الله عز وجل في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢].

أي: إن الذين كفروا بالله عز وجل واتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم، وسيصيبهم هوان وذلة عقوبة من الله في الدنيا قبل الآخرة(61).

وقد ذكر بعض المفسرين أن هذا خاصٌ بافتراء البدع، قال الحسن البصري: «إن ذل البدعة على أكتافهم، وإن هملجت(62) بهم البغلات(63)، وطقطقت(64) بهم البراذين(65)»، وقال سفيان بن عيينة: «كل صاحب بدعةٍ ذليلٌ»(66).

فالإيمان بالله تعالى القائم على التوحيد يجعل المؤمن يستمد عزته ومنعته وقوته من ربه عز وجل، ومن فقد الإيمان بالله عز وجل والاعتزاز بعزته، واعتمد على عزةٍ من الناس فهو ذليل؛ لأنه فقد الإذعان لأحكام الله تعالى، فحقت عليه كلمة الذلة»(67).

وقال تعالى: ﴿وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ﴾ [البقرة: 61].

وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ﴾ [آل عمران: 112].

أي: أحاطت بهم الذلة كما يحيط السرادق بمن فيه، وكما تحيط القبة بما في داخلها، أو ألصقت بهم، من ضرب الطين على الحائط، فهي محيطة بهم ولازمة لهم وملصقة بهم، فهم في نشاطهم وحركتهم في ذلة، لا ينتقلون من ذل إلا إلى ذل(68).

واستحقوا غضبًا من الله، بسبب كفرهم بآيات الله تعالى، وأدلته التي يقيمها عليهم، في كتبه وخلقه على ألسنة رسله، ولا يكتفون بجحود الحق وإنكاره، بل يعتدون على الداعي إليه، فيقتلون رسل الله عز وجل(69).

وكما أن الشرك بالله يودي بصحبه في الذل والمهانة، كذلك الابتداع في الدين، يقول الامام الشاطبي: «كل من ابتدع في دين الله، فهو ذليل حقير بسبب بدعته، وإن ظهر لبادي الرأي عزه وجبروته، فهم في أنفسهم أذلاء. وأيضًا فإن الذلة الحاضرة بين أيدينا موجودة في غالب الأحوال، ألا ترى أحوال المبتدعة في زمان التابعين، وفيما بعد ذلك؟ حتى تلبسوا بالسلاطين، ولاذوا بأهل الدنيا، ومن لم يقدر على ذلك، استخفى ببدعته، وهرب بها عن مخالطة الجمهور، وعمل بأعمالها على التقية»(70).

ثانيًا: التكبر عن طاعة الله تعالى:

ورد الكبر في القرآن في أكثر من موضع، وصرحت آيات عديدة بالمنع من التكبر مطلقًا، وبذمه وذم المتخلقين به، وبينت أنه سبب في هلاك الأمم ودمار القرى.

قال تعالى: ﴿إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ﴾ [النحل: 23].

فهذا وعيد من الله عز وجل لكل متكبر، إنه لا يحب المستكبرين، وقد يراد به المستكبرون عن التوحيد، ويجوز أن يعم كل مستكبر ويدخل هؤلاء تحت عمومه (71).

قال ابن القيم: «من تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء وتعليق القلب به خوفًا ورجاءً والتجاءً واستعانة، فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وألوهيته، وهو حقيق بأن يهينه غاية الهوان، ويذله غاية الهوان، ويذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه»(72).

والكبر يعتبر من أول الذنوب التي عصي الله تعالى بها، قال تعالى مبينًا سبب امتناع إبليس عن السجود لآدم، ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [النحل: 23].

قال الإمام الطبري: «وهذا، وإن كان من الله جل ثناؤه خبرًا عن إبليس، فإنه تقريع لضربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقياد لطاعته فيما أمرهم به، وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق»(73).

فكان مصيره الطرد من الجنة، وأصبح من أهل الصغار من الهوان على الله تعالى.

قال تعالى: ﴿قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ﴾ [الأعراف: 13].

يبين الله تعالى أن الإذلال والخزي هو مصير كل من يتكبر على أوامر الله تعالى، فعندما استكبر إبليس بإبائه السجود، كان مصيره الطرد من الجنة التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة، لأنها لا تقبل عاصيًا متكبرًا، فدلت هذه الآية على أن التكبر على الله يوجب العقاب الشديد، وهذه المعاملة بعكس ما يريد المتكبر، يريد لنفسه الرفعة والشرف والعظمة والتجبر، فعاقبه الله تعالى بالإذلال والهوان؛ لأنه لما أظهر الاستكبار ألبسه الله عز وجل ثوب الصغار(74).

ثالثًا: استمراء المعاصي والإصرار عليها:

إن استمراء المعاصي والتمادي في الباطل يورث في القلوب الجحود بالحق، لأن المعاصي تنكت في القلب نكتًا سوداء، فإذا استمر الشخص عليها وضعت عليه أغلفة من الظلمة تمنع أن يصل الحق إليه، ولذلك قال تعالى: ﴿مِّمَّا خَطِيٓـَٰٔتِهِمۡ أُغۡرِقُواْ فَأُدۡخِلُواْ نَارٗا فَلَمۡ يَجِدُواْ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارٗا﴾ [الأعراف: 13](75).

وقال ابن المبارك(76):

رأيت الذنوب تميت القلوب

وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب

وخيرٌ لنفسك عصيانها

وما حل في بني إسرائيل من ضرب الذلة والمسكنة، واستحقاق الغضب الإلهي؛ كان بسبب ما استمرأته نفوسهم من اقتراف المعاصي والإصرار عليها.

قال تعالى:﴿وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ﴾ [البقرة: 61].

وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ﴾ [آل عمران: 112].

رابعًا: محادة الله ورسوله:

إن من أسباب الوقوع في الذل محادة الله ورسوله، ومخالفة أوامره ونواهيه، فالكفار المعاندون الذين يحاربون الحق ويعادون الإسلام هم من أذل خلق الله تعالى، ولا يوجد أحدٌ أذل منهم.

قال تعالى:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: 20].

أي: أن الكفار المخالفون لأوامر الله عز وجل ونواهيه، المعادون يشاقون الله ورسوله ويجعلون أنفسهم في حد، وشرع الله ورسوله في حد آخر، فأصل المحادة: مخالفة حدود الله تعالى التي حدها لخلقه(77).

﴿أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ﴾ أي: من جملة من أذله الله من الأمم السابقة، فهم أذل خلق الله تعالى، وذلهم في الدنيا بالقتل أو الأسر أو الطرد من الديار، وفي الآخرة بالخزي والعذاب، كما قال تعالى:﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ [آل عمران: 192](78).

فهؤلاء الذين يحادون الله ورسوله ما كانوا ليتجرءوا على فعل ذلك إلا لكثرة أعوانهم وأتباعهم، فيظن من يراهم أنهم الأعزاء، الذين لا يوجد على الأرض من هو أعز منهم.

لذا نعتهم الله تعالى بقوله: ﴿فِي ٱلۡأَذَلِّينَ﴾ أي: الذين يعرفون أنهم أذل الخلق، بحيث يوصف كل منهم بأنه الأذل مطلقًا من غير مفضل عليه، وذلك في الدنيا والآخرة، فالجزاء من جنس العمل(79).

وهذا المعنى الذي تضمنته الآية الكريمة، من كون الذين يحادون الله ورسوله هم أذل خلق الله تعالى في الأولين والآخرين، بينه الله في غير موضع في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾ [المجادلة: 5].

يخبر تعالى عن المعادين لله ورسوله، الخارجين عن حدوده وفرائضه بأنهم ﴿كُبِتُواْ﴾ أي: أخزوا وذلوا وأهينوا ولعنوا، وقيل: صرعوا وكبوا على وجوههم(80)، وللتأكيد على تحقق وقوع الذل والخزي لهم عبر سبحانه عن المستقبل بلفظ الماضي(81).

فالذل والصغار واقع بهم، كما ذل الذين من قبلهم من كفار الأمم الماضية بسبب ما وقع منهم من معاندة ومعاداة لشرع الله عز وجل.

خامسًا: ترك الجهاد:

من أهم أسباب الوقوع في الذلة والمهانة: ترك الجهاد في سبيل الله، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)(82).

وسبب هذا الذل: أنهم تركوا الجهاد في سبيل الله الذي فيه عز الإسلام وإظهاره على كل دين، وأقبلوا على الزرع ونحوه، تسلط عليهم العدو لعدم تأهبهم له واستعدادهم لنزوله، فأولاهم ذلًا وهوانًا، لا يتخلصون منه حتى يرجعوا إلى ما هو واجب عليهم من جهاد الكفار، والإغلاظ عليهم، وإقامة دين الله، ونصرة الإسلام وأهله، وإعلاء كلمة الله، وإذلال الكفر وأهله(83).

إن للذل ضريبة كما أن للكرامة ضريبة، وضريبة الذل أفدح في كثير من الأحيان، ولكن أصحاب النفوس الضعيفة يخيل إليهم أن للكرامة ضريبة باهظة لا يطيقونها، فيختارون الذل والمهانة هربًا من تكاليف الكرامة، فيعيشون عيشة تافهة رخيصة.

قال تعالى﴿وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ﴾ [البقرة: 96].

يعيشون أذلاء يؤدون ضريبة أفدح من تكاليف الكرامة، ضريبة الذل والمهانة.

ففي الجهاد الفوز والسعادة، وفي تركه والتخلف عنه الهلاك والشقاوة في الدنيا والآخرة (84).

والناظر إلى أحوال المسلمين اليوم يرى أنهم قد فرطوا في دينهم تفريطًا عظيمًا، وركنوا إلى الدنيا، وتركوا الجهاد في سبيل الله، فألزمهم الله الذل في أعناقهم، فهم يلجئون إلى الشرق أو الغرب خاضعين ذليلين، يطلبون منهم العزة والنصر، وما عرف أولئك أن الذل لا يرفع عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم.

قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا﴾ [النساء: 139].

سادسًا: اتباع الهوى:

قال ابن القيم رحمه الله: «أن لكل عبد بداية ونهاية، فمن كانت بدايته اتباع الهوى، كانت نهايته الذل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع بحسب ما اتبع من هواه، بل يصير له ذلك في نهايته عذابًا يعذب به في قلبه، لو تأملت حال كل ذي حال سيئة زرية، لرأيت بدايته الذهاب مع هواه، وإيثاره على عقله، ومن كانت بدايته مخالفة هواه وطاعة داعي رشده، كانت نهايته العز والشرف والغنى والجاه عند الله عز وجل، وعند الناس»(85).

والعاقل ينهى نفسه عن لذة، يعقبها ألم، وشهوة تورث ذلًا وندمًا، فمخالفة الهوى توجب شرف الدين وشرف الآخرة، وعز الظاهر وعز الباطن(86).

قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ﴾[النازعات: 40].

أي: أما من تذكر مقامه للحساب بين يدي الله عز وجل، وأدرك مقدار عظمته وقهره، وجبروته وسطوته، وجنب نفسه الوقوع في محارمه، فالجنة مثواه وجزاؤه(87) .

وقد ورد ذم الهوى في آيات عديدة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43].

وقوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 23].

فالتعبير القرآني يرسم نموذجًا عجيبًا للنفس البشرية، حين تترك الأصل الثابت، وتتبع الهوى المتقلب، وحين تعبد هواها وتخضع له، وتقيمه إلهًا آمرًا مستوليًا عليها؛ تتلقى أوامره المتقلبة بالطاعة والتسليم والقبول.

وليس هناك أضل وأبعد عن طريق الرشاد ممن اتبع هواه.

قال تعالى:﴿وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [القصص: 50].

«أي: (ومن أضل) عن طريق الرشاد، وسبيل السداد ممن اتبع هوى نفسه بغير بيان من عند الله، وعهد من الله، ويترك عهد الله الذي عهده إلى خلقه في وحيه وتنزيله:﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ ومعنى الآية: إن الله لا يوفق لإصابة الحق وسبيل الرشد القوم الذين خالفوا أمر الله وتركوا طاعته، وكذبوا رسوله، وبدلوا عهده، واتبعوا أهواء أنفسهم إيثار منهم لطاعة الشيطان على طاعة الرحمن عز وجل(88).

وقد نهى الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن طاعة من اتبع هواه.

قال تعالى:﴿وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا﴾ [الكهف: 28].

أي: ولا تطع يا محمد صلى الله عليه وسلم من شغلنا قلبه -من الكفار الذين سألوك طرد المؤمنين الضعفاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي عنك- عن ذكرنا؛ بالكفر وغلبة الشقاء عليه، واتبع هوى نفسه، وترك اتباع أمر الله ونهيه، وآثر هواه على طاعة ربه، وكان أمره ضياعًا، فما كان لمثل هذا الهالك أن يطاع(89).

أسباب رفع الذل

بعدما تعرفنا في المبحث السابق أن الوقوع في الذل لا يكون صدفة، إنما من خلال أسباب يفعلها الانسان توقعه في الذل، كان لا بد أن نتعرف على الأسباب التي ترفع الذل عنه.

ومن تلك الأسباب:

1. الإيمان بالله والمداومة على العمل الصالح.

قال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [يونس: 26].

والمقصود بقوله: ﴿وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ﴾ الإخبار عن خلوص نعيمهم من كل ما يكدر الصفو، إثر بيان ما أعطاهم من رضوان، أي: ولا يغطي وجوههم يوم القيامة شيء مما يغطي وجوه الكفار، من السواد والهوان والصغار(90).

قال ابن كثير: «﴿وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ﴾ أي: قتام وسواد في عرصات المحشر، كما يعتري وجوه الكفرة الفجرة من القترة والغبرة، ﴿وَلَا ذِلَّةٌۚ﴾ أي: هوان وصغار، أي: لا يحصل لهم إهانة في الباطن ولا في الظاهر، بل هم كما قال تعالى في حقهم: ﴿فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُورٗا﴾ [الإنسان: 11](91).

2. الاعتزاز بالله، والتمسك بدينه، وتطبيق شريعته.

قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله»(92).

وقال الحسن بن علي رضي الله عنه: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر -وفيه-: (إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت)(93).

وقال تعالى:﴿وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103].

قال الطبري: «قال قتادة: في هذه الآية، كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلًا، وأشقاه عيشًا، وأبينه ضلالة، وأعراه جلودًا، وأجوعه بطونًا، مكعومين(94) على رأس حجر بين الأسدين: فارس، والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيًا، ومن مات ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلًا يومئذ من حاضر الأرض، كانوا فيها أصغر حظًا وأدق فيها شأنًا منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام، فورثكم به الكتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به من الرزق، وجعلكم به ملوكًا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد من الله تبارك وتعالى»(95).

3. الدعاء بارتفاع الذل وحصول العز.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك أن أظلم أو أظلم)(96).

قال الطيبي: «قوله: (والذلة) أي: من أن أكون ذليلًا في أعين الناس؛ بحيث يستخفونه ويحقرون شأنه، والأظهر أن المراد بها الذلة الحاصلة من المعصية، أو التذلل للأغنياء على وجه المسكنة، والمراد بهذه الأدعية تعليم الأمة»(97).

4. موالاة الله ورسوله وصالح المؤمنين.

قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8].

أي: يقول هؤلاء المنافقون -على سبيل التبجح وسوء الأدب- لئن رجعنا إلى المدينة بعد انتهاء هذه الغزوة، ليخرجن الفريق الأعز منا الفريق الأذل من المدينة، حتى لا يبقى فيها أحد من هذا الفريق الأذل، بل تصبح خالية الوجه لنا.

وقد رد الله تعالى على مقالتهم الباطلة هذه بما يخرس ألسنتهم فقال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ أي: لقد كذب المنافقون فيما قالوه، فإن لله تعالى وحده العزة المطلقة والقوة التي لا تقهر، فالعزة لله سبحانه ولرسوله وللمؤمنين، ومن والاهم وسار على هداهم ينتفي عنه ذل الدنيا والآخرة، ويحصل له عز الدنيا والآخرة(98).

5. طاعة الله ورسوله.

قال تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: 59].

جاء في الأدب النبوي: «لو أطاعوه -الرسول- لما أصابهم ما لحقهم من الذل والهوان بالفشل والهزيمة في الحرب تارة؛ والقتل والأسر تارة أخرى، وبالعجز المبين عن أن يقفوا في سبيل دعوته، ويمنعوا انتشارها في أقطار المعمورة، ويحولوا دون دخول الناس في دين الله أفواجًا، وما كان عنادهم ولا مجادلتهم عن يقين يعتقدونه، ولا شبه لم يجل الشك عنها، ولكن تكبرًا وعتوًا؛ مخافة أن تزول عنهم مناصب توارثوها، ومظاهر تخيلوا أن العز والمجد في المحافظة عليها»(99).

موضوعات ذات صلة:
التواضع، الخشوع، العبادة، العزة، الوهن

الحواشي

  1. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 2/345. ↩
  2. انظر: لسان العرب، ابن منظور 11/257. ↩
  3. شماس: شمست الدابة وهي شموس، أي: شردت وجمحت ومنعت ظهرها ولا تكاد تستقر.
    انظر: أساس البلاغة، الزمخشري، ص 401. ↩
  4. المفردات، الراغب الأصفهاني، ص330. ↩
  5. التحرير والتنوير، ابن عاشور، 9/119. ↩
  6. الفروق اللغوية، العسكري ص251. ↩
  7. انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص 275-276. ↩
  8. انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 220-221، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 300-301. ↩
  9. لسان العرب، ابن منظور، 4/ 459. ↩
  10. انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ص 249. ↩
  11. انظر: المصدر السابق. ↩
  12. انظر: أساس البلاغة، الزمخشري، 1/ 245، لسان العرب، ابن منظور 14/226. ↩
  13. انظر: غريب القرآن، الأصفهاني، 1/147. ↩
  14. لسان العرب، ابن منظور 14/ 226. ↩
  15. الفروق اللغوية، العسكري، ص248. ↩
  16. لسان العرب، ابن منظور 8/73. ↩
  17. جمهرة اللغة، ابن دريد 1/ 606. ↩
  18. الفروق اللغوية، العسكري، ص250. ↩
  19. انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي 3/19. ↩
  20. المحرر الوجيز، ابن عطية، 5/182. ↩
  21. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 27/26. ↩
  22. شرح نونية ابن القيم، محمد هراس ص99. ↩
  23. مدارج السالكين، ابن القيم، 1/ 95. ↩
  24. العرش، الذهبي ص121. ↩
  25. مدارج السالكين، ابن القيم، 1/ 429. ↩
  26. جامع البيان 17/418. ↩
  27. تيسير الكريم الرحمن ص 456. ↩
  28. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب البر والصلة، رقم 5970. ↩
  29. انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، 3/85. ↩
  30. جامع البيان 10/421. ↩
  31. تفسير القرآن العظيم 3/ 136. ↩
  32. جامع البيان، الطبري، 22/75. ↩
  33. روضة المحبين ص 483. ↩
  34. جامع البيان، الطبري، 19/ 237. ↩
  35. المصدر السابق 19/ 236. ↩
  36. انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي 10/ 375. ↩
  37. انظر: التفسير الوسيط، لطنطاوي 2/309. ↩
  38. المفردات، الراغب الأصفهاني ص214. ↩
  39. انظر: تفسير السمرقندي، 2/416، التفسير الوسيط، طنطاوي 9/ 164. ↩
  40. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/461، تفسير الشعراوي، 19/ 12003. ↩
  41. انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، 4/102. ↩
  42. انظر: فتح القدير، الشوكاني 2/263، التفسير المنير الزحيلي 10/ 35. ↩
  43. انظر: التفسير المنير الزحيلي 26/ 121. ↩
  44. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 29/181، التفسير الوسيط، طنطاوي، 15/107. ↩
  45. إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 5/ 281. ↩
  46. تفسير السمرقندي، 2/417. ↩
  47. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص583. ↩
  48. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقائق، باب كيف الحشر، رقم 6523. ↩
  49. جامع البيان، الطبري، 18/ 369. ↩
  50. انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، 4/38. ↩
  51. أخرج الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة، رقم 2492، 4/655.
    وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم 8040. ↩
  52. انظر: نظم الدرر، البقاعي، 17/343، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص761. ↩
  53. انظر: الكشاف، الزمخشري، 3/415. ↩
  54. انظر: جامع البيان، الطبري، 17/52، الكشاف، الزمخشري، 2/567. ↩
  55. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/416. ↩
  56. إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 6/151. ↩
  57. انظر: فتح القدير، الشوكاني، 3/168. ↩
  58. الكشاف، 3/562. ↩
  59. انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي 3/ 312. ↩
  60. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، رقم 2697، 3/184. ↩
  61. انظر: جامع البيان، الطبري، 13/134. ↩
  62. الهملجة: حسن سير الدابة في سرعة وبخترة.
    انظر: العين، الفراهيدي، ص1031. ↩
  63. جمع بغل، وهو الحيوان الشحاج صوت البغل الذي يركب.
    انظر: لسان العرب، ابن منظور، 2/120. ↩
  64. الطقطقة: صوت قوائم الخيل على الأرض الصلبة.
    انظر: لسان العرب، ابن منظور، 9/129. ↩
  65. البراذين: جمع البرذون: الدابة من الخيل.
    انظر: لسان العرب، ابن منظور، 2/58. ↩
  66. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/478. ↩
  67. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة، 6/2959. ↩
  68. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 1/432، زهرة التفاسير، أبو زهرة، 3/1363. ↩
  69. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة، 3/1365، تفسير المراغي، 1/132. ↩
  70. الاعتصام، الشاطبي 1/ 221. ↩
  71. انظر: الكشاف، الزمخشري، 2/601. ↩
  72. الداء والدواء، ابن القيم، ص 137. ↩
  73. جامع البيان، الطبري، 1/510. ↩
  74. انظر: نظم الدرر، البقاعي، 7/366، زهرة التفاسير، أبو زهرة، 5/2796. ↩
  75. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة، 3/1363. ↩
  76. انظر: الداء والدواء، ابن القيم، ص 59. ↩
  77. انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، 8/164. ↩
  78. انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 28/58، فتح القدير، الشوكاني، 5/230. ↩
  79. انظر: نظم الدرر، البقاعي، 8/423. ↩
  80. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/322، نظم الدرر، البقاعي، 19/355. ↩
  81. انظر: فتح القدير، الشوكاني، 5/222. ↩
  82. أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الإجارة، باب النهي عن العينة، رقم 3462، 3/274.
    وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم 423. ↩
  83. انظر: عون المعبود، العظيم آبادي، 9/242 ↩
  84. انظر: الأساس، سعيد حوى 4/233. ↩
  85. روضة المحبين، ابن القيم، ص 483. ↩
  86. انظر: غذاء الألباب، السفارييني، 2/459، ذم الهوى، ابن الجوزي، ص13. ↩
  87. انظر: تفسير المراغي، 30/34، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 910. ↩
  88. جامع البيان، الطبري، 19/592. ↩
  89. المصدر السابق 28/8. ↩
  90. انظر: الوجيز، الواحدي، ص 495، الدر المصون، السمين الحلبي، 6/ 181. ↩
  91. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 262. ↩
  92. أخرجه الحاكم في المستدرك، 1/130، رقم 207.
    قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ↩
  93. أخرجه الترمذي في سننه، باب ما جاء في القنوت في الوتر، رقم 464، 2/328.
    وصححه الألباني في إرواء الغليل، 2/172، رقم 429. ↩
  94. مكعوم: من كعم البعير إذا شد فاه في هياجه؛ لئلا يعض أو يأكل. لسان العرب، ابن منظور، 12/ 522. ↩
  95. جامع البيان، جامع البيان، الطبري، 13/478. ↩
  96. أخرجه أحمد في مسنده، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، 13/ 418، رقم 8053.
    وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/276، رقم 1287. ↩
  97. عون المعبود، العظيم آبادي، 4/ 282. ↩
  98. انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي، 3/ 2667، لباب التأويل، الخازن، 4/ 300. ↩
  99. الأدب النبوي، محمد الخولي، 1/291. ↩
البحث السابقالذكر