مفهوم العبادة
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس رحمه الله في مادة «عبد»: «العين والباء والدال أصلان صحيحان، كأنهما متضادان، فالأول يدل على لين وذل، والآخر على شدة وغلظ»(1).
وقال ابن سيده: «أصل العبادة في اللغة: التذليل، من قولهم: «طريق معبد» أي: مذلل، ومنه أخذ «العبد» لذلته لمولاه، والعبادة والخضوع والتذلل والاستكانة قرائب في المعاني، والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم، كالحياة والفهم والسمع والبصر»(2).
وقال الأزهري: ومعنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع »(3).
وقد استخلص ابن عاشور من كلام أهل اللغة معنى العبادة فقال: «إنها إظهار الخضوع للمعبود، واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضره ملكًا ذاتيًا مستمرًا، فالمعبود إله للعابد كما حكى الله قول فرعون: ﴿وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ﴾ [المؤمنون: 47]» (4).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تعريف العبادة: «والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة»(5).
وقال ابن كثير رحمه الله: «والعبادة في الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف»(6)؛ لأن الحب الكامل مع الذل التام يتضمن طاعة المحبوب، والانقياد له، فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، فطاعة العبد لربه تكون بحسب محبته وذله له(7).
وقال ابن عاشور: «والعبادة في الشرع تعرف بأنها فعل ما يرضي الرب من خضوع وامتثال واجتناب، أو هي فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه»(8)، فصارت في الشرع اسمًا لكل طاعة لله، أديت له على وجه التذلل والنهاية في التعظيم (9).
وقال الرازي: «العبادة تعظيم أمر الله والشفقة على الخلق، وهذا المعنى هو الذي اتفقت عليه الشرائع وإن اختلفوا في الوضع والهيئة والقلة والكثرة»(10).
فهي بهذا التفسير تشمل الامتثال لأحكام الشريعة كلها(11)، فهي في مفهومها العام تعني: «التذلل لله محبة وتعظيمًا، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، على الوجه الذي جاءت به شرائعه»(12).
وتعريف شيخ الاسلام ابن تيمية أدق وأشمل، فالدين كله داخل في العبادة، ومن خلال تعريف العلماء للعبادة في الاصطلاح الشرعي تبين أن لفظ العبادة يدور حول معنى الذل التام والخشوع الكامل لله تعالى، والالتزام بما شرعه، والانتهاء عما نهى عنه تعالى، والتمسك بكل ما يرضى الله تعالى، قولًا وعملًا وتركًا، وكل هذه التعريفات للعبادة معناها واحد ولا تختلف عن المعنى اللغوي.
العبادة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (عبد) في القرآن الكريم (275) مرة (13).
والصيغ التي وردت عليها هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| الفعل الماضي | 5 | ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ﴾ [النحل: 35] |
| الفعل المضارع | 81 | ﴿قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِنَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَحۡدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَاۖ﴾ [الأعراف: 70] |
| فعل الأمر | 37 | ﴿قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِنَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَحۡدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَاۖ﴾ [الأعراف: 70] |
| اسم فاعل | 12 | ﴿وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٞ مَّا عَبَدتُّمۡ ٤﴾ [الكافرون: 4] |
| اسم (مفرد، مثنى، جمع) | 131 | ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٩﴾ [سبأ: 9] |
| مصدر | 9 | ﴿وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠﴾ [الكهف: 110] |
وجاءت (العبادة) في الاستعمال القرآني على وجهين(14):
أحدهما: التوحيد: ومنه قوله تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ﴾ [النساء: ٣٦] أي: وحدوه.
الثاني: الطاعة: ومنه قوله تعالى: ﴿أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ﴾ [يس: ٦٠] أي: أن لا تعبدوا الشيطان فتطيعوه في معصية الله(15).
الألفاظ ذات الصلة
الطاعة:
الطاعة لغةً:
من طوع بمعنى الانقياد(16).
الطاعة اصطلاحًا:
امتثال أمر الله طوعًا(17).
الصلة بين الطاعة والعبادة:
قال الكفوي: «والطاعة أعم من العبادة؛ لأن العبادة غلب استعمالها في تعظيم الله غاية التعظيم، والطاعة تستعمل لموافقة أمر الله وأمر غيره، وتجوز الطاعة لغير الله في غير المعصية، ولا تجوز العبادة لغير الله تعالى»(18).
النسك:
النسك لغة:
قال الراغب: «النسك: العبادة، واختص بأعمال الحج»(19).
وقال الزبيدي: «والنسك: العبادة والطاعة وكل ما تقرب به إلى الله تعالى، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٢﴾ [الأنعام: 162](20).
النسك اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين النسك والعبادة:
جاءت لفظة النسك في القرآن الكريم بمعنى العبادة مطلقًا، كما جاءت بمعنى الذبائح التي يتقرب بها إلى الله سبحانه، وشعائر الحج، والأماكن التي تؤدى بها شعائر الحج، و«الموضع» الذي تقدم به الذبائح تقربًا إلى الله تعالى.
العبادة والاستعانة
أولًا: حكمة اقتران العبادة بالاستعانة:
ذكر أهل العلم رحمهم الله تعالى الحكمة من اقتران العبادة بالاستعانة، وتقديم العبادة على الاستعانة، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ [الفاتحة: 5].
ومن هذه الحكم ما ذكره أبو حيان حيث قال: «وقرنت الاستعانة بالعبادة للجمع بين ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى، وبين ما يطلبه من جهته»(21)؛ وليدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بعبادة الله إلا بإعانة الله وتوفيقه، ولا ينهض بها إلا بالتوكل عليه، فهو إقرار بالعجز عن حمل هذه الأمانة الثقيلة، إذا لم يعنه الله على ذلك، فالاستعانة بالله علاج لغرور الإنسان وكبريائه، وهما داءان قتالان (22).
ثانيًا: تقديم العبادة على الاستعانة:
ولتقديم العبادة على الاستعانة أسباب عديدة أشار إليها ابن القيم رحمه الله حيث قال: وتقديم العبادة على الاستعانة لما يلي:
- العبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، فكان ذلك من قبيل تقديم الغايات على الوسائل.
- قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ متعلق بألوهيته سبحانه ﴿وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ متعلق بربوبيته.
- تقديم العبادة على الاستعانة يتناسب مع تقديم اسم «الله» على لفظ «الرب» المذكورين في أول السورة، حيث إن ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ قسم الرب، فكان من الشطر الأول، الذي هو ثناء على الله تعالى، لكونه أولى به ﴿وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾قسم العبد فكان من الشطر الذي له وهو ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾إلى آخر السورة.
- العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس، فكل عابد لله عبودية تامة مستعين، ولا ينعكس الأمر؛ لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته، فكانت العبادة أكمل وأتم؛ ولهذا كان قسم الرب.
- الاستعانة جزء من العبادة من غير عكس فقدم الكل على الجزء.
- العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص، ومن غير مخلص.
- العبادة حق الله الذي أوجبه على العبد والاستعانة طلب العون على العبادة؛ فكان حق الله أولى بالتقديم.
- العبادة شكر لنعمته عليك، والله يحب أن يشكر، والإعانة فعله بك وتوفيقه لك، فإن التزمت عبوديته، ودخلت تحت رقها أعانك عليها، فكان التزامها والدخول تحت رقها سببا لنيل الإعانة، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة له من الله أعظم.
- قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ لله، ﴿وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾به، والذي له مقدم على ما به؛ لأن ما له متعلق بمحبته ورضاه والذي يكون به متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته، فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ (23).
وتضمنت هذه الآية إثبات مذهب أهل السنة والجماعة في القدر، وأن جميع الأشياء بقضاء الله وقدره، وأن العبد فاعل حقيقة، ليس مجبورًا على أفعاله، فلولا أن مشيئة العبد مضطر فيها إلى إعانة ربه وتوفيقه لم يسأل الاستعانة(24).
فائدة:
قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله عز وجل، وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَٱعۡبُدۡهُ وَتَوَكَّلۡ عَلَيۡهِۚ﴾ [هود: 123].
وقال تعالى: ﴿قُلۡ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ءَامَنَّا بِهِۦ وَعَلَيۡهِ تَوَكَّلۡنَاۖ﴾ [الملك: 29].
وقال تعالى: ﴿رَّبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا ٩﴾ [المزمل: 9](25).
أنواع العبادة
للعبادة معانٍ بحسب ما يتعلق بها، فالعبادة من حيث تعلقها بعموم الخلق وخصوصهم تنقسم إلى نوعين:
أولًا: عبادة عامة:
وهي عبودية أهل السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا ٩٣﴾ [مريم: 93].
قال ابن القيم: «فالعبودية العامة: عبودية أهل السماوات والأرض كلهم لله، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، فهذه عبودية القهر والملك، ويدخل فيه مؤمنهم وكافرهم»(26).
وتسمى كذلك بالعبادة الكونية.
قال ابن عثيمين: «فالعبادة الكونية: وهي الخضوع لأمر الله تعالى الكوني، وهذه شاملة لجميع الخلق لا يخرج عنها أحد، فهي شاملة للمؤمن والكافر، والبر والفاجر»(27).
فكل من في السماوات والأرض فهو خاضع لله تعالى كونا فلا يمكن أبدًا أن يضاد الله أو يعارضه فيما أراد تعالى بالإرادة الكونية، والعابدون بالعبودية الكونية لا يثابون عليها؛ لأنهم خاضعون لله تعالى شاؤوا أم أبوا، فالإنسان يمرض، ويفقر، ويفقد محبوبه من غير أن يكون مريدًا لذلك بل هو كاره لذلك لكن هذا خضوع لله عز وجل خضوعًا كونيًا(28)، فالخلق كلهم عبيد ربوبيته.
وأما وصف عبيد ربوبيته بالعبودية فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه:
فالأول: إما منكرًا، كقوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا ٩٣﴾ [مريم: 93].
والثاني: معرفًا باللام، كقوله تعالى: ﴿وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ﴾ [غافر: 31].
وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ حَكَمَ بَيۡنَ ٱلۡعِبَادِ﴾ [غافر: 48].
الثالث: مقيدًا بالإشارة أو نحوها، كقوله تعالى: ﴿ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ﴾ [الفرقان: 17].
الرابع: أن يذكروا في عموم عباده، فيندرجوا مع أهل طاعته في الذكر، كقوله تعالى: ﴿أَنتَ تَحۡكُمُ بَيۡنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ [الزمر: 46].
الخامس: أن يذكروا موصوفين بفعلهم، كقوله تعالى: ﴿۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ﴾ [الزمر: 53].
وقد يقال: إنما سماهم عباده إذ لم يقنطوا من رحمته، وأنابوا إليه، واتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم، فيكونوا من عبيد الإلهية والطاعة (29).
ثانيًا: عبادة خاصة:
وهي عبودية الطاعة والمحبة، وهي خاصة بالمؤمنين القائمين بأمره تعالى.
قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا ٦٣﴾ [الفرقان: 63].
قال ابن القيم: «فالعبودية الخاصة: هي عبودية الطاعة والمحبة، واتباع الأوامر.
قال تعالى: ﴿يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٦٨﴾ [الزخرف: 68].
وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرۡ عِبَادِ ١٧ ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ﴾ [الزمر: 17-18].
وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا ٦٣﴾ [الفرقان: 63].
وقال تعالى عن إبليس: ﴿وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٣٩ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠﴾ [الحجر: 39-40].
فقال تعالى عنهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ﴾ [الحجر: 42].
وأهل طاعته وولايته هم عبيد إلهيته، ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقا إلا لهؤلاء»(30).
وتسمى كذلك بالعبادة الشرعية.
قال ابن عثيمين: «وهي الخضوع لأمر الله تعالى الشرعي، وهذه خاصة بمن أطاع الله تعالى، واتبع ما جاءت به الرسل مثل قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا﴾ [الفرقان: 63]»(31).
فهي التذلل له تعالى شرعا فهذه خاصة بالمؤمنين بالله تعالى القائمين بأمره، ثم إن منها ما هو خاص أخص كعبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، مثل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ﴾ [الفرقان: 1].
وقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا﴾[البقرة: 23].
وقوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ﴾[ص:45].
وغير ذلك من وصف الرسل عليهم الصلاة والسلام بالعبودية (32).
مكانة العبادة في القرآن
أوجد الله تعالى الخلق لغاية سامية، وهي عبادته جل شأنه، فأرسل الرسل وأنزل الكتب، لدعوة الناس إلى عبادته وحده لا شريك له، فالعبادة شرف عظيم، من انتسب إليها أصبح من عباده المتقين.
وقد تحدث القرآن الكريم عن بعض مظاهر مكانة العبادة، نوجزها في النقاط الآتية:
أولًا: العبادة غاية الخلق:
والعبادة هي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦﴾ [الذاريات: 56].
قال السعدي في هذه الآية: «هذه الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله»(33)وقال ابن كثير: «ومعنى الآية: أنه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب»(34).
وقال ابن عاشور: «وفي هذه الآية خبر مستعمل في التعريض بالمشركين الذين انحرفوا عن الفطرة التي خلقوا عليها، فخالفوا سنتها اتباعا لتضليل المضلين، والجن: جنس من المخلوقات مستتر عن أعين الناس، وهو جنس شامل للشياطين، قال تعالى عن إبليس: ﴿كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ﴾ [الكهف: 50].
والإنس: اسم جمع واحده إنسي بياء النسبة إلى اسم جمعه»(35).
وما ذكر الله الجن هنا إلا لتنبيه المشركين بأن الجن غير خارجين عن العبودية لله تعالى، وقد حكى الله عن الجن في سورة الجن قول قائلهم: ﴿وَأَنَّهُۥ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطٗا ٤﴾ [الجن: 4].
وتقديم الجن في الذكر في قوله: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ للاهتمام بهذا الخبر الغريب عند المشركين الذين كانوا يعبدون الجن؛ ليعلموا أن الجن عباد لله تعالى، فهو نظير قوله: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦﴾ [الأنبياء: 26](36).
وقال الشوكاني: «ووجه تقديم الجن على الإنس ها هنا تقدم وجودهم »(37).
وفي اختصاص الجن والإنس من بين المخلوقات بالذكر إشارة إلى أنهما هما المخلوقان اللذان لهما إرادة عاملة، وهما بهذه الإرادة يعملان فيؤمنان أو يكفران، ويطيعان أو يعصيان، ومن هنا وقع عليهما التكليف، وحق عليهما الحساب والجزاء، بمقتضى ما يعملان من خير أو شر (38).
ثانيًا: العبادة رسالة الرسل:
فكما أن الله خلق الخلق لعبادته كذلك أرسل الرسل أيضًا لعبادته تعالى.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾ [النحل: 36].
قال الرازي في هذه الآية: «فبين تعالى أن سنته في عبيده إرسال الرسل إليهم، وأمرهم بعبادة الله ونهيهم عن عبادة الطاغوت»(39).
وأن شغل الأنبياء منحصر في أمرين: عبادة الله وهداية الخلق(40).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التي خلق الخلق لها وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه: ﴿ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ﴾ [الأعراف: 59].
وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم»(41).
فغايتهم العظمى، ووظيفتهم الكبرى، وهدفهم الأسمى: دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، وخلع عبادة ما سواه(42)، وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله تعالى(43).
وقال السعدي: «يخبر تعالى أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولا وكلهم متفقون على دعوة واحدة ودين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له ﴿أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾»(44).
والآية تضمنت التصريح بأن الله أمر جميع عباده بعبادته، واجتناب الشيطان، وكل ما يدعو إلى الضلال على ألسنة الرسل عليهم السلام.
ثالثًا: العبادة تشريف:
فالعبادة ذروة الشرف، ومقام عظيم، حيث جاءت تشريفًا لعباده المرسلين.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧١﴾ [الصافات: 171].
قال ابن عثيمين: «فوصفهم الله بالعبودية قبل الرسالة مع أن الرسالة شرف عظيم، لكن كونهم عبادًا لله عز وجل أشرف وأعظم، وأشرف وصف له وأحق وصف به»(45).
وقال ابن القيم رحمه الله: «والله تعالى جعل العبودية وصفًا لأكمل خلقه، وأقربهم إليه، فقال تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ﴾ [ص:17].
وقال تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ﴾ [ص:41].
وقال تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ﴾ [ص:45].
وقال عن سليمان: ﴿نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ﴾ [ص:30].
وقال عن المسيح: ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ﴾ [الزخرف: 59].
فجعل غايته العبودية لا الإلهية، كما يقول أعداؤه النصارى»(46).
وجاءت كذلك تشريفًا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
قال ابن كثير رحمه الله: «والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد لانتسابه إلى جناب الله تعالى، كما قال بعضهم:
لا تدعني إلا بيا عبدها
فإنه أشرف أسمائي
وقد سمى الله رسوله بعبده في أشرف مقاماته، فقال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ [الكهف: 1].
﴿وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ يَدۡعُوهُ﴾ [الجن: 19].
﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا﴾ [الإسراء: 1].
فسماه عبدًا عند إنزاله عليه، وقيامه في الدعوة، وإسرائه به »(47).
وقال ابن عاشور في قوله تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا﴾: « و (عبد) المضاف إلى ضمير الجلالة هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم كما هو مصطلح القرآن والإضافة إضافة تشريف »(48).
وقال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ﴾ [البقرة: 23].
ويبدأ هذا التحدي بلفتة لها قيمتها في هذا المجال يصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبودية لله: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا﴾ ولهذا الوصف في هذا الموضع دلالات منوعة متكاملة:
فهو أولًا: تشريف للنبي وتقريب بإضافة عبوديته لله تعالى، دلالة على أن مقام العبودية لله هو أسمى مقام يدعى إليه بشر ويدعى به كذلك.
وهو ثانيًا: تقرير لمعنى العبودية، في مقام دعوة الناس كافة إلى عبادة ربهم وحده، واطراح الأنداد كلها من دونه، فها هو ذا النبي في مقام الوحي -وهو أعلى مقام- يدعى بالعبودية لله، ويشرف بهذه النسبة في هذا المقام.
وقد جاءت تشريفًا للمؤمنين المتقين:
قال ابن عثيمين: «فأشرف وصف للإنسان أن يكون من عباد الله، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا﴾ [الفرقان: 63]»(49).
وقال الرازي في قوله تعالى: ﴿يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٦٨﴾ [الزخرف: 68] « وقد ذكرنا مرارًا أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين المطيعين المتقين، فقوله: ﴿يَٰعِبَادِ﴾ كلام الله تعالى، فكأن الحق يخاطبهم بنفسه ويقول لهم: ﴿يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ﴾ وفيه أنواع كثيرة مما يوجب الفرح:
أولها: أن الحق تعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة.
وثانيها: أنه تعالى وصفهم بالعبودية، وهذا تشريف عظيم »(50).
وجاءت تشريفًا لملائكته عليهم السلام:
قال ابن عاشور في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ ١٩﴾ [الزخرف: 19] «فالإضافة إلى اسم الرحمان تفيد تشريفهم قال تعالى: ﴿بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26].
والعبودية عبودية خاصة وهي عبودية القرب، كقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُواْ عَبۡدَنَا﴾ [القمر: 9]»(51).
وقال الرازي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسۡجُدُونَۤ۩ ٢٠٦﴾ [الأعراف: 206]: «أن هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى الله، من حيث إنه أسكنهم في المكان الذي كرمه وشرفه وجعله منزل الأنوار ومصعد الأرواح والطاعات والكرامات، وإنما قال تعالى في صفة الملائكة: الذين عند ربك؛ لأنهم رسل الله إلى الخلق كما يقال: إن عند الخليفة جيشا عظيمًا، وإن كانوا متفرقين في البلد، فكذا هاهنا، والله أعلم»(52).
أركان العبادة
لكل بناءٍ أركان يقوم عليه، وبغيرها يكون بناءً ناقصًا ومشوهًا، ولا يقي صاحبه من برد ولا حر، وهكذا هو بناء عبادة الله تعالى، له ركنان يقوم عليهما، ويصبح مقبولًا عند الله تعالى، وهذان الركنان هما:
أولًا: غاية الحب:
وهو تقديم محبة الله ورسوله على غيرهما.
قال تعالى: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ﴾ [التوبة: 24].
قال البغوي: «لما نزلت الآية الأولى ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣﴾ [التوبة: 23].
قال الذين أسلموا ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجاراتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا، فنزل قوله تعالى:﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ﴾»(53).
قال القرطبي: «وفي الآية دليل على وجوب حب الله ورسوله، ولا خلاف في ذلك بين الأمة، وأن ذلك مقدم على كل محبوب»(54).
وقال ابن عاشور: «فإذا حصل التعارض والتدافع بين ما أراده الله من المؤمنين وبين ما تجر إليه تلك العلائق، وجب على المؤمن دحضها وإرضاء ربه، وقد أفاد هذا المعنى التعبير «بأحب» لأن التفضيل في المحبة يقتضي إرضاء الأقوى من المحبوبين، ففي هذا التعبير تحذير من التهاون بواجبات الدين مع الكناية عن جعل ذلك التهاون مسببا على تقديم محبة تلك العلائق على محبة الله، ففيه إيقاظ إلى ما يؤول إليه ذلك من مهواة في الدين وهذا من أبلغ التعبير»(55).
والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعا له، لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له حتى تكون محبا خاضعا»(56).
ولا تنفع عبادة بواحد من هذين دون الآخر؛ ولذا قال من قال من السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد(57)، فـ جنس المحبة يكون لله ولرسوله كالطاعة فإن الطاعة لله ولرسوله(58).
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم تقديم محبة الله ورسوله على محبة غيرهما من خصال الإيمان، ومن علامات وجود حلاوة الإيمان في القلوب: ففي «الصحيحين » عن أنس رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار) (59).
ومحبة العبد لله ورسوله وطاعته لهما واتباعه أمرهما.
قال الله تعالى:﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١﴾[آل عمران: 31].
قال الحسن وابن جريج: نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا: نحن الذين نحب ربنا، وروي أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، والله إنا لنحب ربنا فأنزل الله هذه الآية(60).
قال ابن القيم: «فجعل اتباع رسوله مشروطا بمحبتهم لله، وشرطا لمحبة الله لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شرطه وتحققه بتحققه فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة، فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم، فيستحيل إذًا ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسوله»(61).
ثانيًا: غاية الذل والخضوع:
وهو الذل والخضوع لله تعالى.
قال جل شأنه: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ [الفاتحة: 5].
قال الطبري: «وتأويل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ لك اللهم نخشع ونذل ونستكين؛ إقرارًا لك يا ربنا بالربوبية لا لغيرك»(62).
وقد ذكر الطبري العلة في اختياره لهذا التأويل حيث قال: «لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة»(63).
وقال الماوردي: «وقوله: ﴿نَعۡبُدُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن العبادة الخضوع، ولا يستحقها إلا الله تعالى؛ لأنها أعلى مراتب الخضوع، فلا يستحقها إلا المنعم بأعظم النعم، كالحياة والعقل والسمع والبصر. والثاني: أن العبادة الطاعة. والثالث: أنها التقرب بالطاعة. والأول أظهرها؛ لأن النصارى عبدت عيسى عليه السلام، ولم تطعه بالعبادة، والنبي صلى الله عليه وسلم مطاع، وليس بمعبودٍ بالطاعة»(64).
والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارًا إليه وخضوعًا له كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله (65).
وفي الآية إعلام بما صدع به الإسلام من تحرير الأنفس لله تعالى وتخليصها لعبادته وحده، فإن كل ذلك إنما يستحقه فاطر الأرض والسموات وحده، وذلك أن لفظ العبادة يتضمن كمال الذل بكمال الحب. فلا بد أن يكون العابد محبًا للإله المعبود كمال الحب، ولا بد أن يكون ذليلًا له كمال الذل، وهما لا يصلحان إلا لله وحده(66).
ونستخلص مما سبق أن العبادة تتضمن ركنان أساسيان لا قوام للعبادة بدونهما وهما: غاية الحب مع غاية الذل والخضوع، ولا يستحقها إلا المنعم جل وعلا.
فائدة:
مراتب العبادة ثلاث:
الأولى: أن يعبد الله طمعًا في الثواب وخوفًا من العقاب وهي العبادة، وهي درجة نازلة ساقطة؛ لأنه جعل الحق وسيلة لنيل المطلوب.
الثانية: أن يعبد الله لأجل أن يتشرف بعبادته؛ والانتساب إليه بقبول تكاليفه؛ وهي أعلى من الأولى إلا أنها ليست كاملة؛ لأن المقصود بالذات غير الله.
الثالثة: أن يعبد الله لكونه إلهًا خالقًا مستحقًا للعبادة وكونه هو عبدًا له، وهذه أعلى المقامات وهو المسمى بالعبودية (67).
شروط العبادة
كما أن لكل عبادة في الإسلام أركان تقوم عليها، فكذلك لها شروط لا تصح إلا بها.
فأما شروط العبادة فهي:
أولًا: إخلاص النية:
فالإخلاص لله تعالى شرط أساسي لقبول العبادة.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾ [البينة: 5].
وقد اختلفت ألفاظ السلف في معنى قوله: ﴿مُخۡلِصِينَ﴾ قال بعضهم: مقرين له بالعبادة، وقال آخرون: قاصدين بقلوبهم رضا الله في العبادة، وقال الزجاج: أي يعبدونه موحدين له لا يعبدون معه غيره، ويدل على هذا قوله: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ﴾ [التوبة: 31](68).
قال القرطبي: «وفي الآية دليلٌ على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص من عمل القلب وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره»(69).
ففي الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)(70).
فمن لم يخلص لله في عبادته، لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور، فلا يقبل منه، فقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه(71)) (72).
وللعلماء تعاريف متعددة لهذه الكلمة، قال الكرخي: الإخلاص أن لا يطلع على عملك إلا الله سبحانه ولا تطلب منه ثوابًا، وقال الشهاب: الإخلاص عدم الشرك وأنه ليس بمعنى الإخلاص المتعارف (73).
فالإخلاص أصل من أصول الدين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وجماع الدين أصلان: ألا نعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ [الكهف: 110]»(74).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: «فلا يكون العبد متحققا بـ» ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] إلا بأصلين عظيمين:
أحدهما: متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
والثاني: الإخلاص للمعبود، فهذا تحقيق «﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] »(75).
فإن هذين الأصلين هما دين الإسلام الذي ارتضاه الله كما قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥﴾ [النساء: 125].
ولفظ «أسلم» يتضمن شيئين:
أحدهما: الإخلاص.
والثاني: الاتباع والإذلال(76).
ثانيًا: التزام الشرع:
والتزام الشرع هو المتابعة والموافقة لما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ [الكهف: 110].
قال ابن كثير: «﴿فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا﴾ما كان موافقًا لشرع الله ﴿وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصا لله، صوابًا على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم»(77).
ولهذا كان أئمة السلف رحمهم الله يجمعون هذين الأصلين كقول الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ﴾ [الملك: 2].
قال: أخلصه وأصوبه.
فقيل له: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟
فقال: إن العمل إذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، وإذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة(78).
وهو المتفق عليه بين المسلمين، فإنه لا بد له في العمل أن يكون مشروعا مأمورًا به، وهو العمل الصالح، ولا بد أن يقصد به وجه الله، كما قال تعالى:﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ [الكهف: 110].
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا (79).
قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ﴾ [هود: 7].
« وقوله: ﴿لِيَبۡلُوَكُمۡ﴾أي: ليختبركم ﴿أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ﴾ولم يقل: أكثر عملًا، بل ﴿أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ﴾، ولا يكون العمل حسنًا حتى يكون خالصًا لله عز وجل، على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمتى فقد العمل واحدًا من هذين الشرطين بطل وحبط»(80).
وأصبح مردودًا على عامله، يعود عليه أحوج ما هو إليه هبًاء منثورًا.
قال تعالى: ﴿وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣﴾ [الفرقان: 23].
وفي الصحيح عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌ) (81).
وكل عمل بلا اقتداء فإنه لا يزيد عامله من الله إلا بعدًا، فإن الله تعالى إنما يعبد بأمره، لا بالآراء والأهواء (82).
دوافع العبادة
هناك دوافع وأسباب تدفع الإنسان لعبادة الله تعالى، وتجعله دائم الصلة بربه تعالى، وبإمكاننا أن نقسم هذه الدوافع إلى قسمين:
أولًا: دوافع فطرية:
ومن تلك الدوافع:
1. دافع الشعور الفطري بوجود الخالق.
فمعرفة الخالق مغروسة في الفطرة الإنسانية، وهي عهد الله وميثاقه الذي أخذه تعالى على بني آدم، فقد نص الله تعالى في كتابه العزيز، أنه استخرج من صلب آدم ذريته، وأقروا بأن الله تعالى ربهم ومليكهم.
قال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰۛ شَهِدۡنَآۛ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ١٧٢﴾ [الأعراف: 172].
قال ابن كثير رحمه الله: «يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو»(83).
وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، قال تعالى: ﴿فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ﴾ [الروم: 30].
قال المراغي: «أي: الزموا خلقة الله التي خلق الناس عليها، فقد جعلهم بفطرتهم جانحين للتوحيد وموقنين به؛ لكونه موافقا لما يهدي إليه العقل، ويرشد إليه صحيح النظر، كما ورد في الحديث عن النبي أنه قال: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه...) (84) الحديث »(85).
وثبت أيضًا عن النبي أنه قال فيما يحكى عن ربه تعالى أنه قال: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم) الحديث(86).
بل إن المشركين في حالة الشدة والبلاء وانقطاع رجائهم عن الدنيا يرجعون إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد، وقد ذكر الله تعالى ذلك في أكثر من آية في كتابه، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ ٦٥﴾ [العنكبوت: 65].
قال الرازي: «وفي الآية إشارة إلى أن المانع من التوحيد هو الحياة الدنيا، وبيان ذلك هو أنهم إذا انقطع رجاؤهم عن الدنيا رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد ووحدوا وأخلصوا، فإذا أنجاهم وأرجأهم عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا به تعالى»(87).
وإنما خص بالذكر حال خوفهم من هول البحر في هذه الآية وفي آيات كثيرة في كتاب الله؛ لأن أسفارهم في البر كانوا لا يعتريهم فيها خوف يعم جميع السفر؛ لأنهم كانوا يسافرون قوافل، معهم سلاحهم، ويمرون بسبل يألفونها فلا يعترضهم خوف عام، فأما سفرهم في البحر فإنهم يفرقون من هوله ولا يدفعه عنهم وفرة عدد ولا قوة عدد، فهم يضرعون إلى الله بطلب النجاة ولعلهم لا يدعون أصنامهم حينئذ (88).
فكل فرد من أفراد الناس مفطور أي: مخلوق على ملة الإسلام، ولكن لا اعتبار بالإيمان والإسلام الفطريين، وإنما يعتبر الإيمان والإسلام الشرعيان، وهذا قول جماعة من الصحابة ومن بعدهم، وقول جماعة من المفسرين وهو الحق، والقول بأن المراد بالفطرة هنا الإسلام هو مذهب جمهور السلف (89).
ونستخلص مما سبق أن معرفة الله فطر عليها الخلق بأجمعهم، والإقرار بربوبيته تعالى، وأن الانحراف عن هذه المعرفة والإيمان قد تكون من قبل الأبوين، أو المجتمع، أو بسبب الغفلة، أو الشياطين، كما جاء في الأحاديث الصحيحة.
2. دافع الحاجة والافتقار.
أخبر الله تعالى في كتابه الحكيم عن حقيقة العباد وذواتهم بأنها فقيرة إليه سبحانه، كما أخبر عن ذاته المقدسة، وحقيقته أنه غني حميد.
قال تعالى: ﴿۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ١٥﴾ [فاطر: 15].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «بين سبحانه في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم لا ينفك عنهم، كما أن كونه غنيًا حميدًا ذاتي، فغناه وحمده ثابت له لذاته، لا لأمر أوجبه، وفقر من سواه إليه ثابت له لذاته، لا لأمر أوجبه، فلا يعلل هذا الفقر بحدوث، ولا إمكان - ردًا على الفلاسفة والمتكلمين- بل هو ذاتي للفقير، فحاجة العبد إلى ربه لذاته، لا لعلة أوجبت تلك الحاجة، كما أن غنى الرب سبحانه لذاته، لا لأمر أوجب غناه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والفقر لي وصف ذات لازم أبدًا كما أن الغنى أبدًا وصف له ذاتي»(90).
وعرف تعالى «الفقراء» في هذه الآية؛ ليريهم شديد افتقارهم إليه، إذ هم جنس الفقراء، وإن كان العالم بأسره مفتقر إليه؛ فلضعفهم جعلوا كأنهم جميع هذا الجنس ولو نكر لكان المعنى: أنتم، يعني: الفقراء(91).
وقال الرازي في سبب نزول هذه الآية: «لما كثر الدعاء من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والإصرار من الكفار، وقالوا إن الله لعله يحتاج إلى عبادتنا حتى يأمرنا بها أمرًا بالغًا، ويهددنا على تركها مُبالغًا، فقال تعالى: ﴿أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾ فلا يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم وإنما هو لإشفاقه عليكم»(92).
ثانيًا: دوافع شرعية:
ومن تلك الدوافع:
1. دافع الرغبة والرهبة.
وهي من أعظم الدوافع الشرعية، فهي من صفات المؤمنين الصادقين، وهي باعث الرجاء والخوف؛ الرغبة في ثواب الله تعالى، والرهبة من عذابه وعقابه تعالى، وقد أثنى الله عزو جل على أشرف الخلق إليه، وهم أنبيائه؛ لرغبتهم ورهبتهم.
قال تعالى عن زكريا عليه السلام وأهل بيته: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90].
قال الرازي: «فقال: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ﴾، وأراد بذلك زكريا وولده وأهله، فبين أنه آتاهم ما طلبوه، وعضد بعضهم ببعض من حيث كانت طريقتهم، أنهم يسارعون في الخيرات، والمسارعة في طاعة الله تعالى من أكبر ما يمدح المرء به؛ لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة، أما قوله تعالى:﴿وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ﴾ قرئ: (رَغْبا ورَهْبا)، وهو كقوله: ﴿يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ﴾ [الزمر: 9].
والمعنى: أنهم ضموا إلى فعل الطاعات والمسارعة فيها أمرين: أحدهما: الفزع إلى الله تعالى لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة في عقابه. والثاني: الخشوع وهو المخافة الثابتة في القلب، فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفًا من الإثم».(93)وقال ابن القيم: «وقد أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال عن أنبيائه بعد أن أثنى عليهم ومدحهم: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ﴾ فالرغب: الرجاء والرغبة، والرهب: الخوف والخشية، وقال عن ملائكته الذين قد أمنهم من عذابه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩ ٥٠﴾ [النحل: 50]» (94).
2. دافع المحبة والتعظيم.
فإن محبة الله تعالى وتعظيمه، دافع من دوافع عبادته، فالله عزو جل أهل لأن يعبد لذاته الجليلة، وأن يطاع لصفاته العظيمة، قال تعالى: ﴿هُوَ أَهۡلُ ٱلتَّقۡوَىٰ وَأَهۡلُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ﴾ [المدثر: 56].
قال السعدي: «أي: هو أهل أن يتقى ويعبد؛ لأنه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأهل أن يغفر لمن اتقاه واتبع رضاه»(95).
وقد مدح الله تعالى المؤمنين الصادقين في كتابه، لمحبتهم إياه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ﴾ [البقرة: 165].
قال القرطبي في هذه الآية: «وقيل: إنما قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ﴾لأن الله تعالى أحبهم أولًا ثم أحبوه، ومن شهد له محبوبه بالمحبة كانت محبته أتم، قال الله تعالى: ﴿فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ [المائدة: 54]» (96).
قال الرازي في قوله تعالى: ﴿فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ « وفيه دقيقة وهي أنه تعالى قدم محبته لهم على محبتهم له، وهذا حق؛ لأنه لولا أن الله أحبهم، وإلا لما وفقهم حتى صاروا محبين له »(97).
فكلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبًا وحرية عما سواه (98).
3. دافع الشكر والعرفان.
فإن نعم الله تعالى على بني آدم عظيمة؛ لأن كل النعم على بني آدم منه.
قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ﴾ [النحل: 53].
وهي دافع للعبادة لله تعالى، شكرًا وعرفانًا بعطاياه التي لا تعد ولا تحصى.
قال تعالى: ﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ ٣٤﴾ [إبراهيم: 34].
فلا يستطيع الإنسان حصر هذه النعم؛ لكثرتها عليه.
قال الشنقيطي: «ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن بني آدم لا يقدرون على إحصاء نعم الله لكثرتها عليهم، وأتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ﴾فدل ذلك على تقصير بني آدم في شكر تلك النعم، وأن الله يغفر لمن تاب منهم، ويغفر لمن شاء أن يغفر له ذلك التقصير في شكر النعم، وبين هذا المفهوم المشار إليه هنا بقوله: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ﴾وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن المفرد إذا كان اسم جنس وأضيف إلى معرفة أنه يعم؛ لأن﴿نِعۡمَتَ ٱللَّهِ﴾ مفرد أضيف إلى معرفة فعم النعم»(99).
وقد أمر الله بالشكر، ونهى عن ضده.
قال الله تعالى: ﴿وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ﴾ [النحل: 114].
وقال تعالى: ﴿وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ﴾ [البقرة: 152].
ووعد أهله بأحسن جزائه.
قال الله تعالى: ﴿وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144].
وجعله سببًا للمزيد من فضله، وحارسًا وحافظًا لنعمته.
قال تعالى: ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ﴾ [إبراهيم: 7].
وقلة أهله في العالمين تدل على أنهم هم خواصه، كقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13](100).
وقد سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا يقول: اللهم اجعلني من القليل، فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ﴾ فقال عمر رضي الله عنه: كل الناس أعلم منك يا عمر! (101)، فشكر الله تعالى أصعب عبادة وأشرفها.
قال الراغب في قوله تعالى: ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ ١٥٢﴾ [البقرة: 152].
«وإنما قال تعالى:﴿وَٱشۡكُرُواْ لِي﴾ ولم يقل: (واشكروني) علمًا بقصورهم عن إدراكه، بل عن إدراك الآية، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ﴾، فأمرهم أن يعدوا بعض أفعاله في الشكر له، وشكر الله عز وجل أصعب عبادة وأشرفها، ولهذا قيل: غاية شكر الله الاعتراف بالعجز عنه، فكل نعمة يمكن شكرها إلا نعمة الله، فإن شكرها نعمهً منه » (102).
صور العبادة
من حكمة الله تعالى في شريعته أن نوَّع لهم العبادات، وجعل لها صورًا وأشكالًا مختلفة، ومن تلك الصور:
أولًا: عبادات قولية:
وتشمل قول اللسان: كالدعوة إلى الله، وتبليغ دينه، وقراءة القرآن، والدعاء إلى الله، ونحو ذلك.
ومن أدلة هذا النوع:
قوله تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: 125].
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٩٨﴾ [النحل: 98].
وقوله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر: 60](103).
ثانيًا: عبادات قلبية:
وتشمل قول القلب: وهو الاعتقاد بما أخبر الله به عن نفسه، وعن ملائكته ولقائه على لسان رسله، ونحو ذلك (104).
ومن أدلة هذا النوع:
قوله تعالى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾ [البقرة: 177](105).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ ١١١﴾ [المائدة: 111].
وتشمل كذلك عمل القلب: كالتوكل عليه، والإنابة إليه، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، والذل له والخضوع، والإخبات إليه وغير ذلك من أعمال القلوب(106).
ومن أدلة هذا النوع:
قول الله عز وجل: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [المائدة: 23].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ﴾ [الزمر: 54].
وقوله عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠﴾ [آل عمران: 200](107).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخۡبَتُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٣﴾ [هود: 23].
ثالثًا: عبادات بدنية:
وتشمل أعمال الجوارح: من صلاة، وجهاد، وحج، ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك(108).
ومن أدلة هذا النوع:
قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ۩ ٧٧﴾ [الحج: 77].
وقوله جل جلاله: ﴿ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٢٩﴾ [الحج: 29].
وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩﴾ [الجمعة: 9](109).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٣﴾ [فصلت: 33].
رابعًا: عبادات مالية:
وتشمل إخراج الزكاة من المال؛ امتثالًا لأمر الله، والوفاء بالنذر، والجهاد بالمال في سبيل الله عز وجل.
ومن أدلة هذا النوع:
قول الله عز وجل: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٠﴾ [البقرة: 110].
وقوله تعالى: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤١﴾ [التوبة: 41].
وقول الله عز وجل: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا ٧﴾ [الإنسان: 7](110).
خامسًا: عبادات مشتركة:
وهي ما اشتملت على نوعين فأكثر من العبادات، منها على سبيل المثال:
الحج: وهي عبادة مركبة من نوعين بدنية ومالية(111).
واتفق الفقهاء على أن من شروط وجوب الحج الاستطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ﴾ [آل عمران: 97].
والاستطاعة أي: القدرة، وتتحقق بأمور منها: وجود المال الذي يكفى ذهابًا وإيابًا(112)، فالحج إذًا عبادة لا تقوم إلا بالبدن والمال؛ ولهذا لا يجب إلا عند وجود المال وصحة البدن.
وكذلك العمرة فهي عبادة مركبة من نوعين: بدنية ومالية؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ﴾ [البقرة: 196].
وقد ذهب الفقهاء إلى أنه يجوز أداء العمرة عن الغير؛ لأن العمرة كالحج تجوز النيابة فيها؛ لأن كلًا من الحج والعمرة عبادة بدنية مالية (113).
والجهاد كذلك عبادة مركبة من نوعين: بدنية ومالية.
قال تعالى: ﴿وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ [التوبة: 41].
قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «قوله: ﴿وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ فيه الأمر بالجهاد بالأنفس والأموال وإيجابه على العباد، فالفقراء يجاهدون بأنفسهم، والأغنياء بأموالهم وأنفسهم، والجهاد من آكد الفرائض وأعظمها »(114).
وقال تعالى: ﴿وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ﴾ [النساء: 95].
قال ابن عاشور: «وقوله: ﴿بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ﴾، لأن الجهاد يقتضي الأمرين: بذل النفس وبذل المال»(115).
والصلاة تشتمل على عبادات قلبية وقولية وعملية.
قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٢﴾ [الأنعام: 162].
فالصلاة في الشرع يراد بها: العبادة المُبتدئَة بالتكبير المُخْتتمَة بالتسليم، التي تشتمل على عبادات قلبية وقولية وعملية، فالصلاة تشتمل على أنواع العبادة في القلب: من الخشوع، والخشية، والإقبال على الله تعالى، وباللسان: من التكبير، والتحميد، والثناء على الله، وتلاوة كتابه الكريم، ومناجاة الرب تعالى، وبالجوارح: من القيام، والركوع، والسجود، والجلوس، فالصلاة عبادة عظيمة، يجتمع فيها ما لا يجتمع في غيرها من أنواع العبادات؛ ولذلك جعلها الله عمود الإسلام، وجعلها الركن الثاني من أركان الإسلام(116).
عبادة غير الله تعالى
كان الناس أمة واحدة على دين واحد بعد أبينا آدم عليه السلام، واستمروا على ذلك فترة من الزمن، حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله الرسل لدعوتهم إلى عبادة الله وترك عبادة ما سواه، وكان أول الرسل نوح عليه السلام.
وقد تحدث القرآن الكريم عن عبادة غير الله عز وجل كثيرًا، ويمكن إيجازها في النقاط الآتية:
أولًا: النهي عن عبادة غير الله:
لقد بعث الله تعالى في كل أمة من الأمم رسولًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وينهاهم عن عبادة ما زينه الشيطان لهم وأوقعهم فيه من عبادة ما سواه.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾ [النحل: 36].
قال السعدي: «يخبر تعالى أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولًا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة ودين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له ﴿أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾»(117).
والطاغوت: كل ما عبد من دونه إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، سواء كان إنسانًا ذلك المعبود، أو شيطانًا، أو وثنًا، أو صنمًا، أو كائنًا ما كان من شيء(118).
وقد أخبر الله تعالى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده والنهي عن عبادة ما سواه، هي دعوة الرسل من قبله.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥﴾ [الأنبياء: 25].
وقد قام الأنبياء والرسل جميعًا بذلك، فما منهم من أحد إلا قال لقومه: ﴿ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۖ﴾ [المؤمنون: 32].
وقد احتدم الصراع بين دعاة الحق وأنصار الباطل بين الرسل وأممهم، وخلال هذا الصراع الرهيب تحطمت الأصنام وتهاوت الأوثان، وانخذل الشرك وأهله، وانتصر الحق ودعاته (119).
المعبودات من دون الله لا تملك شيئًا لعابديها:
أخبر الله عزو جل في كتابه عن جهل المشركين في عبادتهم لمن لا يملك لهم نفعًا، ولا ضرًا، ولا نصرًا، ولا رزقًا، في أكثر من آية.
منها: قوله تعالى: ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمۡ وَلَا يَضُرُّهُمۡۗ وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا ٥٥﴾ [الفرقان: 55].
قال ابن كثير في هذه الآية: «يخبر تعالى عن جهل المشركين في عبادتهم غير الله من الأصنام، التي لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًا، بلا دليل قادهم إلى ذلك، ولا حجة أدتهم إليه، بل بمجرد الآراء والتشهي والأهواء، فهم يوالونهم، ويقاتلون في سبيلهم؛ ولهذا قال:﴿وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا﴾ أي: عونا في سبيل الشيطان على حزب الله، وحزب الله هم الغالبون، كما قال تعالى: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يُنصَرُونَ ٧٤ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندٞ مُّحۡضَرُونَ ٧٥﴾ [يس: 74-75].
أي: آلهتهم التي اتخذوها من دون الله لا تملك لهم نصرًا، وهؤلاء الجهلة للأصنام جند محضرون يقاتلون عنهم، ويذبون عن حوزتهم، ولكن العاقبة والنصرة لله ولرسوله في الدنيا والآخرة»(120).
وفي قوله تعالى: ﴿لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندٞ مُّحۡضَرُونَ﴾ معنى لطيف ذكره الرازي: «وهو أنه تعالى لما قال: ﴿لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ﴾ أكدها بأنهم لا يستطيعون نصرهم حال ما يكونون جندًا لهم ومحضرون لنصرتهم، فإن ذلك دال على عدم الاستطاعة، فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يكن متأهبًا ولم يجمع أنصاره»(121).
وقال تعالى: ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٧٣ فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧٤﴾ [النحل: 73-74].
وفي هذه الآيات تقريع للكفار وتوبيخ لهم، وإظهار لفساد نظرهم فهذه الأصنام لا تملك توفير الرزق لعبدتها ولا تستطيع فعل شيء، فآية: ﴿وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ﴾ نفي الملك وتحصيل الملك، ومن لا يملك شيئا وهي الأصنام، ليس في استطاعتها تحصيل الملك، أي: إنها لا تملك شيئًا، ولا تستطيع تمليك شيء، والنتيجة لذلك أنكم أيها الوثنيون لا تجعلوا لله أندادًا وأشباهًا وأمثالًا، ولا تشبهوه بخلقه، فمعنى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ﴾ لا تمثلوا لله الأمثال، وإن الله يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو، وأنتم أيها البشر الوثنيون بجهلكم تشركون به غيره (122).
وقد ضرب الله الأمثال في القرآن لبيان حال هذه المعبودات، وأنها ضعيفة وعاجزة.
ومن هذه الأمثال، قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ ٧٣﴾ [الحج: 73].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى حول هذا المثل: «حقيق على كل عبد أن يستمع لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع موارد الشرك من قلبه، وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده، وإعدام ما يضره، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق ذباب، ولو اجتمعوا كلهم لخلقه فكيف ما هو أكبر منه، ولا يقدرون على الانتصار من الذباب، وإذا سلبهم الذباب شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه فيستنقذونه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان، ولا على الانتصار منه، واسترجاع ما يسلبهم إياه فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله تعالى؟! وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك وتجهيل أهله وتقبيح عقولهم»(123).
ثانيًا: إنكار المعبودات من دون الله لعابديها:
أخبر الله تعالى في كتابه الكريم أن هذه المعبودات التي عبدت من دون الله، سواءً كانت من الحجر، أو من البشر، أو من الملائكة، أو من الجن، سوف تنكر عابديها يوم القيامة وتتبرأ من ذلك.
قال تعالى في شأن إبليس: ﴿وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّۖ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٢﴾ [إبراهيم: 22].
قال السعدي في هذه الآية: «أي: ﴿وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾الذي هو سبب لكل شر يقع ووقع في العالم، مخاطبًا لأهل النار ومتبرئًا منهم ﴿لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ﴾ودخل أَهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ﴾ على ألسنة رسله، فلم تطيعوه﴿وَوَعَدتُّكُمۡ﴾ الخير﴿فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ﴾أي: لم يحصل ولن يحصل لكم ما منيتكم به من الأماني الباطلة ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ﴾ أي: من حجة على تأييد قولي، ﴿إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ﴾أي: هذا نهاية ما عندي أني دعوتكم إلى مرادي وزينته لكم، فاستجبتم لي اتباعًا لأهوائكم وشهواتكم ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ﴾ فأنتم السبب وعليكم المدار في موجب العقاب، ﴿مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ﴾ أي: بمغيثكم من الشدة التي أنتم بها ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّۖ﴾ كل له قسط من العذاب ﴿إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ﴾ أي: تبرأت من جعلكم لي شريكًا مع الله، فلست شريكًا لله ولا تجب طاعتي»(124).
والإشراك الذي كفر به إشراكهم إياه في العبادة بأن عبدوه مع الله؛ لأن من المشركين من يعبدون الشياطين والجن، فهؤلاء يعبدون جنس الشيطان مباشرة، ومنهم من يعبدون الأصنام فهم يعبدون الشياطين بواسطة عبادة آلهته (125).
قال ابن عاشور: «والمقصود من وصف هذا الموقف إثارة بغض الشيطان في نفوس أهل الكفر ليأخذوا حذرهم بدفاع وسواسه؛ لأن هذا الخطاب الذي يخاطبهم به الشيطان، مليء بإضمار الشر لهم فيما وعدهم في الدنيا مما شأنه أن يستفز غضبهم من كيده لهم وسخريته بهم، فيورثهم ذلك كراهية له وسوء ظنهم بما يتوقعون إتيانه إليهم من قبله، وذلك أصل عظيم في الموعظة والتربية»(126).
وقال تعالى في شأن الأولياء والصالحين وغيرهم: ﴿وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ١٧ قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٨ فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا ١٩﴾ [الفرقان: 17-19].
قال السعدي في هذه الآية: «يخبر تعالى عن حالة المشركين وشركائهم يوم القيامة وتبريهم منهم، وبطلان سعيهم فقال: ﴿وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ﴾أي: المكذبين المشركين﴿وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ﴾الله مخاطبًا للمعبودين على وجه التقريع لمن عبدهم: ﴿ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ﴾ هل أمرتموهم بعبادتكم وزينتم لهم ذلك أم ذلك من تلقاء أنفسهم؟ ﴿قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ﴾ نزهوا الله عن شرك المشركين به وبرؤوا أنفسهم من ذلك ﴿مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ﴾ أي: لا يليق بنا ولا يحسن منا أن نتخذ من دونك من أولياء نتولاهم ونعبدهم وندعوهم، فإذا كنا محتاجين ومفتقرين إلى عبادتك متبرئين من عبادة غيرك، فكيف نأمر أحدًا بعبادتنا؟! هذا لا يكون، أو سبحانك عن ﴿أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ﴾ فلما نزهوا أنفسهم أن يدعوا لعبادة غير الله، ذكروا السبب الموجب لإضلال المشركين، فقالوا: ﴿وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ﴾ في لذات الدنيا وشهواتها ﴿حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ﴾ اشتغالًا في لذات الدنيا، وإكبابًا على شهواتها .
﴿وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا﴾ أي: بائرين لا خير فيهم، فلما تبرؤوا منهم قال الله توبيخًا وتقريعًا للعابدين ﴿فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ﴾ إنهم أمروكم بعبادتهم ورضوا فعلكم، وأنهم شفعاء لكم عند ربكم، كذبوكم في ذلك الزعم وصاروا من أكبر أعدائكم، فحق عليكم العذاب ﴿فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا﴾ للعذاب عنكم بفعلكم، أو بفداء أو غير ذلك ﴿وَلَا نَصۡرٗاۚ﴾ لعجزكم وعدم ناصركم، هذا حكم الضالين المقلدين الجاهلين، وأما المعاند منهم الذي عرف الحق وصدف عنه، فقال في حقه: ﴿وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ﴾ بترك الحق ظلما وعنادًا﴿نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا﴾ لا يقادر قدره ولا يبلغ أمره»(127).
وقال تعالى في شأن الأصنام: ﴿وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّن يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسۡتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَهُمۡ عَن دُعَآئِهِمۡ غَٰفِلُونَ ٥ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمۡ أَعۡدَآءٗ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمۡ كَٰفِرِينَ ٦﴾ [الأحقاف: 5-6].
أي: لا أحد أضل منه ولا أجهل، فإنه دعا من لا يسمع، فتبين بهذا أنه أجهل الجاهلين، وأضل الضالين والاستفهام للتوبيخ والتقريع ﴿وَهُمۡ عَن دُعَآئِهِمۡ غَٰفِلُونَ﴾ الضمير الأول للأصنام، والثاني لعابديها.
والمعنى: أن الأصنام التي يدعونها غافلون عن ذلك لا يسمعون ولا يعقلون، لكونهم جمادات، فالغفلة مجاز عن عدم الفهم فيهم، وأجرى على الأصنام ما هو للعقلاء؛ لاعتقاد المشركين فيها أنها تعقل﴿وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ﴾ العابدون للأصنام ﴿كَانُواْ﴾أي: كان الأصنام ﴿لَهُمۡ﴾ أي: لعابديهم ﴿أَعۡدَآءٗ﴾ يتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضًا، وقد قيل: إن الله يخلق الحياة في الأصنام فتكذبهم، وقيل: المراد إنها تكذبهم وتعاديهم بلسان الحال لا بلسان المقال ﴿وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمۡ كَٰفِرِينَ﴾ أي: كان المعبودون بعبادة المشركين إياهم جاحدين مكذبين، وقيل: الضمير في كانوا للعابدين، كما في قوله: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23]، والأول أولى (128).
مقاصد العبادة وآثارها
لقد فرض الله تعالى عن الناس عبادات لها مقاصدها وآثارها في إصلاح الفرد والمجتمع، وفي تزكية الأنفس وإصلاح القلوب، ولها آثار ونتائج مفيدة.
وسيتم الحديث عنها في النقاط الآتية:
أولًا: مقاصد العبادة:
إن المقصد الأعظم والباعث الأساسي للعبادة هو استحقاق الله تعالى لذلك، فنحن نعبد الله جل وعلا؛ لأنه مستحق للعبادة؛ وتحقيقًا للغاية التي من أجلها خلق الإنس والجن.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦﴾ [الذاريات: 56].
فالمقصد الأصلي للعبادات هو تحقيق العبودية لله والانقياد له تعالى.
قال الشاطبي: «إن مقصود العبادات الخضوع لله، والتوجه إليه، والتذلل بين يديه، والانقياد تحت حكمه، وعمارة القلب بذكره، حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرًا مع الله، ومراقبًا له غير غافل عنه، وأن يكون ساعيًا في مرضاته وما يقرب إليه على حسب طاقته»(129).
ونجد أن هذا المعنى قد تقرر في القرآن بأساليب مختلفة، منها ما جاء بصيغة الأمر.
قال تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ﴾ [النساء: 36].
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21].
وقال تعالى: ﴿بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ﴾ [الزمر: 66].
إلى غير ذلك من الآيات(130).
وهناك بعض المقاصد للعبادات قد نص الله تعالى عليها في كتابه، وبين ثمرتها وفائدتها، ومن ذلك(131):
أنه قال في الصلاة: ﴿فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ﴾ [طه: 14].
قال السعدي: «وقوله: ﴿لِذِكۡرِيٓ﴾ اللام للتعليل أي: أقم الصلاة لأجل ذكرك إياي؛ لأن ذكره تعالى أجل المقاصد، فشرع الله للعباد أنواع العبادات، التي المقصود منها إقامة ذكره، وخصوصًا الصلاة.
قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ﴾ [العنكبوت: 45].
أي: ما فيها من ذكر الله أكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر، ثم خص الصلاة بالذكر وإن كانت داخلة في العبادة؛ لفضلها وشرفها، وتضمنها عبودية القلب واللسان والجوارح»(132).
وقال في الزكاة: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103].
والصدقة تطلق على الفرض والنفل وسمى الله تعالى الزكاة صدقة؛ لأن المال بها يصح ويكمل، فهي سبب إما لكمال المال وبقائه، وإما لأنه يستدل بها على صدق العبد في إيمانه وكماله فيه (133).
وقد بين الله تعالى الحكمة في الزكاة وبيان مصالحها العظيمة، فقوله:﴿تُطَهِّرُهُمۡ﴾أي: من الذنوب ومن الأخلاق الرذيلة، وتطهر المال من الأوساخ والآفات، وأما قوله: ﴿وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ فالزكاة هي النماء والزيادة، فهي تنمي المؤتي للزكاة، تنمي أخلاقه، وتحل البركة في أعماله، وتنمي المال بزوال ما به ضرره وحصول ما فيه خيره، وتحل فيه البركة من الله(134).
ونسبت التزكية إلى رسول الله؛ لأنه هو المربي للمؤمنين على ما تزكو به نفوسهم(135).
وفي الآية دلالة على أن الزكاة إنما يتولى أخذها الإمام أو نائبه؛ لأنه تعالى جعل للعاملين سهمًا منها(136).
وفيها دلالة على وجوب الزكاة في جميع الأموال، وأن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها؛ لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها(137).
وقال في الصيام: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣﴾ [البقرة: 183].
قال أبو زهرة: «وقد بين الله تعالى حكمة شرعيته بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ أي رجاء منكم لأن تصلوا إلى درجة المتقين، فتتقوا المعاصي، وسيطرة الأهواء والشهوات على نفوسكم، وذلك لأن الصوم يربي النفس على الضبط، والاستيلاء على أهوائها وشهواتها، وحيث قويت الإرادة قوي سلطانها على الالتواء وعلى الشهوات»(138).
وفي الآية تأكيد للحكم، وترغيب في الفعل، وتطييب لأنفس المخاطبين فإنه عبادة شاقة، والأمور الشاقة إذا عمت كثيرًا من الناس سهل تحملها ورغب كل أحد في عملها(139).
وقال في الحج: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧ لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ﴾ [الحج: 27-28].
قال الرازي: «لما أمر بالحج في قوله: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ﴾ ذكر حكمة ذلك الأمر في قوله: ﴿لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ﴾ واختلفوا فيها فبعضهم حملها على منافع الدنيا، وهي أن يتجروا في أيام الحج، وبعضهم حملها على منافع الآخرة، وهي العفو والمغفرة، وبعضهم حملها على الأمرين جميعًا وهو الأولى، ثم نكر المنافع؛ لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات»(140).
ولأن العبادات شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم أو بالمال كالزكاة، وقد اشتمل الحج عليهما مع ما فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال(141).
وكنى عن الذبح والنحر بذكر اسم الله تعالى؛ لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن ذكر اسمه إذا نحروا وذبحوا، وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي فيما يتقرب به إلى الله تعالى أن يذكر اسم الله تعالى، وأن يخالف المشركين في ذلك، فإنهم كانوا يذبحونها للنصب والأوثان (142).
ثانيًا: آثار العبادة:
إن الإسلام قد فرض على الناس عبادات لها أثر حسن في إصلاح القلوب وتهذيب النفوس(143)، فأثرها يتمثل في تقويم أخلاقهم، وتزكية نفوسهم، وتوجيههم الوجهة النافعة، وقد أوصى الله عباده بالفضائل، وحذرهم من الرذائل، فقال سبحانه: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٩٠﴾ [النحل: 90](144).
ومن الآثار المترتبة على العبادات: انشراح الصدر، وراحة البال، وسعة الرزق، وسلامة الإنسان وارتياحه واطمئنانه، وقد جاء في القرآن آياتٌ كثيرة تدل على تلك الآثار، وعلى أن تقوى الله عز وجل والأعمال الصالحة يترتب عليها سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
قال الله عز وجل: ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ [الأعراف: 96].
فإن هذه الآية الكريمة تدل على أن من اتقى الله عز وجل وآمن به، فإن الله تعالى يثيبه ويعطيه في الحياة الدنيا من الرزق، ويفتح عليه من بركات السماء والأرض وما ذكره الله في هذه الآية عن أهل القرى، هو من الثواب الدنيوي على الإيمان والتقوى، وأما الثواب الأخروي للمؤمنين المتقين، فقد ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥﴾ [المائدة: 65].
وقال عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠﴾ [الأحزاب: 70].
وهذه عبادة، ثم ذكر الأثر المترتب على ذلك بقوله: ﴿يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١﴾ [الأحزاب: 71].
فإن إصلاح الأعمال في الدنيا، ومغفرة الذنوب في الآخرة، من الآثار المترتبة على العبادة، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على ذكر آثار تترتب على العبادة في الدنيا وفي الآخرة.
وقال تعالى فيما حكاه عن نوح وقومه: ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا ١٠ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا ١١ وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا ١٢﴾ [نوح: 10-12].
فإن هذه الأمور من الآثار المترتبة على العبادة، فالعبادة هنا هي الاستغفار والآثار المترتبة عليها في هذه الآية هي أنه يرسل السماء عليهم مدرارًا، ويمددهم بالأموال والبنين، ويجعل لهم جنات ويجعل لهم أنهارًا، ومثل هذه الآية (145).
وقال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧﴾ [النحل: 97].
قال القاسمي في هذه الآية: «فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح الجزاء في الدنيا بالحياة الطيبة، والحسنى يوم القيامة، فلهم أطيب الحياتين وهم أحياء في الدارين»(146)، ثم إن من العبادات الصلاة والزكاة والصيام والحج، وكل واحدة منها لها آثار طيبة في حياة المسلم.
فالصلاة هي عمود الإسلام، وهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.
قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ﴾ [العنكبوت: 45].
وهي صلةٌ وثيقةٌ بين العبد وبين ربه، فإذا حافظ الإنسان على الصلوات في المساجد جماعة مع المسلمين فإنه تقوى صلته بالله عز وجل؛ لأنه يكون على صلة بالله دائمًا وأبدًا في اليوم والليلة(147)؛ لذلك حث الله تعالى على إقامة الصلاة في الجماعة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣﴾ [البقرة: 43].
ومن آثارها أنها تمد المؤمن بقوة روحية تعينه على مواجهة المشقات والمكاره في الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 153](148).
ثم إن الزكاة آثارها عظيمة فهي تطهر النفس من الشح والبخل، وتطهر المال، وتكون سببًا في نمائه وكثرته، وبذلك يحصل الخير والفلاح والفوز (149).
قال الله تعالى: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٠٣﴾ [التوبة: 103].
وقال ابن عاشور في قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [التغابن: 16].
«والمعنى: أن الإنفاق يقي صاحبه من الشح المنهي عنه، فإذا يسر على المرء الإنفاق فيما أمر الله به فقد وقي شح نفسه، وذلك من الفلاح وإضافة الشح إلى النفس؛ للإشارة إلى أن الشح من طباع النفس، فإن النفوس شحيحة بالأشياء المحببة إليها، قال تعالى: ﴿وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ﴾ [النساء: 128]»(150).
وأما الصيام فإن آثاره عظيمة، ونتائجه كبيرة، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣﴾ [البقرة: 183].
قال المراغي: «فرضه عليكم ليعدكم لتقوى الله بترك الشهوات المباحة الميسورة؛ امتثالًا لأمره واحتسابًا للأجر عنده، فتتربى بذلك العزيمة والإرادة على ضبط النفس وترك الشهوات المحرمة والصبر عنها، وإعداد الصوم لتقوى الله يظهر من وجوه كثيرة، منها: أنه يُعوِّدُ الإنسان الخشية من ربه في السر والعلن، ويكسر حدة الشهوة، ويجعل النفس مصرفة لشهواتها بحسب الشرع، ويعود الشفقة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة، فهو عند ما يجوع يتذكر من لا يجد قوتًا من أولئك البائسين، فيرق قلبه لهم ويشفق عليهم، وفي ذلك تكافل للأمة وشعور بالأخوة الدينية»(151).
وأما الحج فإنه عبادة عظيمة، ولها آثار طيبة، ونتائج حميدة في حياة الإنسان.
قال تعالى: ﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۚ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٧﴾ [البقرة: 197].
فالحج غذاء روحي كبير تمتلئ فيه جوانح المسلم خشية وتقى لله رب العالمين، ففي كل منسك من مناسكه غذاء للروح، فما الإحرام إلا تجرد من شهوات النفس والهوى، وحبس للنفس عما سوى الله عز وجل، وحث على التفكير في عظمة الله جل جلاله، وحث على تذكر الموت والاستعداد له بالعمل الصالح فالحاج في لباس إحرامه يذكر الميت في أكفانه، وما التلبية إلا استجابة وذكر وطاعة وامتثال، وما الطواف بعد التجرد إلا استحضار لعظمة الله تعالى حول بيته، وامتثال لأمره ﴿وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
وما السعي بين الصفا والمروة إلا تردد بينهما التماسا لرحمة الله تعالى وطلبا لمغفرته، وما الوقوف بعرفة إلا بذل للمهج في الضراعة إلى الله بقلوب مملوءة بالخشية وأيد مرفوعة بالرجاء وألسنة لاهجة بالدعاء وآمال صادقة في أرحم الراحمين، وما الرمي بعد ذلك إلا رمز لاحتقار عوامل الشر ونزعات الشيطان، وما الذبح إلا إراقة للدم الذي أمر الله به أن يراق ورمز للتضحية والفداء ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٢﴾ [الأنعام: 162].(152).
والحاصل أن هذه العبادات العظيمة التي شرعها الله عز وجل، وبنى عليها دينه الحنيف، تترتب عليها آثار طيبة في حياة المسلم الدنيوية، وآثار عظيمة في حياته الأخروية(153).
| موضوعات ذات صلة: |
| الحج، الزكاة، الصبر، الصلاة، الصيام، الطهارة |
الحواشي
- مقاييس اللغة، ابن فارس 4/205 - 207 بتصرف يسير. ↩
- المخصص، ابن سيده 4/62. ↩
- تهذيب اللغة، الأزهري 2/138.
وانظر: لسان العرب، ابن منظور 3/273، تاج العروس، الزبيدي 8/331. ↩ - التحرير والتنوير، ابن عاشور 27/26. ↩
- العبودية، ابن تيمية ص 44. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/134. ↩
- شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، عبد الله الغنيمان 1/46. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/180. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 32/243 بتصرف. ↩
- المصدر السابق 28/193 بتصرف ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/180. ↩
- المفيد في مهمات التوحيد، عبدالقادر صوفي ص92. ↩
- انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص441- 445. ↩
- انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي 1/431-432. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 19/470. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/431. ↩
- انظر: التعريفات، الجرجاني 1/140، اللباب في علوم القرآن، ابن عادل 10/397، محاسن التأويل، القاسمي 4/523. ↩
- الكليات، الكفوي ص 583. ↩
- المفردات، الراغب الاصفهاني ص 802. ↩
- تاج العروس، الزبيدي 27/372. ↩
- البحر المحيط، أبو حيان 1/44. ↩
- لمسات بيانية في نصوص من التنزيل، فاضل السامرائي ص 45. ↩
- مدارج السالكين، ابن القيم 1/97-98 بتصرف واختصار. ↩
- تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، السعدي ص12. ↩
- محاسن التأويل، القاسمي 1/230. ↩
- مدارج السالكين، ابن القيم 1/125 بتصرف واختصار. ↩
- مجموع فتاوى ورسائل، ابن عثيمين 6/32. ↩
- المصدر السابق 1/89. ↩
- مدارج السالكين، ابن القيم 1/126 -127. ↩
- مدارج السالكين، ابن القيم 1/126 بتصرف يسير. ↩
- مجموع فتاوى ورسائل، ابن عثيمين 6/33. ↩
- المصدر السابق 1/89. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 813. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/425. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 27/25 بتصرف. ↩
- المصدر السابق 27/28. ↩
- فتح القدير، الشوكاني 5/110. ↩
- التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 14/538. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 20/204. ↩
- المصدر السابق 28/192. ↩
- العبودية، ابن تيمية ص 44 بتصرف. ↩
- النبوات، ابن تيمية 1/28 بتصرف. ↩
- العبودية، ابن تيمية ص 77. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 440. ↩
- القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين 1/370- 371. ↩
- مدارج السالكين، ابن القيم 1/122 بتصرف واختصار. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/136. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 15/12 باختصار. ↩
- القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين 1/370- 371. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 27/642. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 25/183. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 15/446 بتصرف. ↩
- معالم التنزيل، البغوي 2/328. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8/95. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 10/153. ↩
- مدارج السالكين، ابن القيم 1/95-96 باختصار. ↩
- معارج القبول بشرح سلم الوصول، حافظ الحكمي 2/437. ↩
- العبودية، ابن تيمية ص 49. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، رقم 16، ومسلم في صحيحه، كتاب الايمان، باب خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، رقم 67. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 4/60 بتصرف. ↩
- مدارج السالكين، ابن القيم 1/119. ↩
- جامع البيان، الطبري 1/157. ↩
- انظر: المصدر السابق 1/161. ↩
- النكت والعيون، الماوردي 1/57-58. ↩
- مجموع فتاوى ابن تيمية 1/39. ↩
- محاسن التأويل، القاسمي 1/228. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 1/214 بتصرف. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 32/243، ومعاني القرآن وإعرابه، للزجاج 5/350. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 20/144.
وانظر: فتح القدير، الشوكاني 5/580، فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق خان 15/334. ↩ - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم 1. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، رقم 2985. ↩
- محاسن التأويل، القاسمي 6/228. ↩
- فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق خان 15/334. ↩
- العبودية، ابن تيمية ص 148. ↩
- مدارج السالكين، ابن القيم 1/104. ↩
- جامع المسائل، ابن تيمية 6/28. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 32/243. ↩
- الاستقامة، ابن تيمية 2/308 -309. ↩
- الفتاوى الكبرى، ابن تيمية 2/76 بتصرف. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/308. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، رقم 1718. ↩
- مدارج السالكين، ابن القيم 1/105 بتصرف. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/500. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، رقم 1385، واللفظ له، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، رقم 2658. ↩
- تفسير المراغي 21/45-46. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، رقم 2865. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 25/76. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 21/32 بتصرف. ↩
- فتح القدير، الشوكاني 4/258. ↩
- طريق الهجرتين وباب السعادتين، ابن القيم ص 8 بتصرف يسير. ↩
- البحر المحيط في التفسير، أبو حيان 9/23. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 26/229. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 22/182-183. ↩
- طريق الهجرتين وباب السعادتين، ابن القيم ص282- 283. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 898. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 2/204، معالم التنزيل، البغوي 1/196-197. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 12/381. ↩
- الفتاوى الكبرى، ابن تيمية 5/188. ↩
- أضواء البيان، الشنقيطي 2/362. ↩
- مدارج السالكين، ابن القيم 2/232-233. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 14/277. ↩
- تفسير الراغب الأصفهاني، 1/345. ↩
- المفيد في مهمات التوحيد، عبد القادر صوفي ص 95 بتصرف. ↩
- مدارج السالكين، ابن القيم 1/120 بتصرف. ↩
- المفيد في مهمات التوحيد، عبدالقادر صوفي ص 95. ↩
- مدارج السالكين، ابن القيم 1/121 بتصرف. ↩
- المفيد في مهمات التوحيد، عبدالقادر صوفي ص 95. ↩
- مدارج السالكين، ابن القيم 1/121 بتصرف. ↩
- المفيد في مهمات التوحيد، عبدالقادر صوفي ص 96. ↩
- المصدر السابق ص 96. ↩
- انظر: المنتقى من فرائد الفوائد، ابن عثيمين ص 4.
وانظر: الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي 3/2095. ↩ - الموسوعة الفقهية الكويتية 32/348 بتصرف. ↩
- المصدر السابق 30/328. ↩
- فتح القدير، الشوكاني 2/414. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 5/171. ↩
- إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، صالح الفوزان 1/165 بتصرف يسير. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 440. ↩
- جامع البيان، الطبري 5/419 بتصرف. ↩
- منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام، حمود الرحيلي 1/17 بتصرف. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/118 باختصار يسير. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 26/307. ↩
- التفسير الوسيط، الزحيلي 2/1283. ↩
- إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم 1/139. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 424 باختصار يسير. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 13/221. ↩
- المصدر السابق 13/218. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 580 باختصار. ↩
- فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق خان 13: 11- 12 باختصار. ↩
- الموافقات، الشاطبي 2/383. ↩
- مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، محمد اليوبي ص485 بتصرف. ↩
- انظر: المصدر السابق ص481 بتصرف. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 503 بتصرف واختصار. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 7/61. ↩
- تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، السعدي ص76-77 باختصار. ↩
- تفسير المراغي 11/16-17 بتصرف. ↩
- غرائب القرآن ورغائب الفرقان، النيسابوري 3/492. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 350. ↩
- زهرة التفاسير، أبو زهرة 1/551 باختصار يسير. ↩
- تفسير المراغي 2/68. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 23/221. ↩
- مدارك التنزيل وحقائق التأويل، النسفي 2/436. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 23/221. ↩
- العبادات في الإسلام وأثرها في إصلاح المجتمع، محمود السيد شيخون ص 89. ↩
- العبادات في الإسلام وأثرها في تضامن المسلمين، علي عبد اللطيف منصور ص 119 باختصار. ↩
- أثر العبادات في حياة المسلم، عبد المحسن البدر ص 11-16 بتصرف واختصار. ↩
- محاسن التأويل، القاسمي 7/159. ↩
- أثر العبادات في حياة المسلم، عبد المحسن البدر ص 20 بتصرف. ↩
- العبادات في الإسلام وأثرها في إصلاح المجتمع، محمود السيد شيخون ص 90 بتصرف. ↩
- أثر العبادات في حياة المسلم، عبد المحسن البدر ص 21 بتصرف. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 28/289. ↩
- تفسير المراغي 2/68-70 بتصرف واختصار. ↩
- العبادات في الإسلام وأثرها في إصلاح المجتمع، محمود السيد شيخون ص 97 بتصرف. ↩
- أثر العبادات في حياة المسلم، عبد المحسن البدر ص 30. ↩
