تنزيل PDF

المسجد

المجلد السادس عشر العبادات حرف م ١٢٩ قراءة · ٢٩٦ تنزيلاً

مفهوم المسجد

أولًا: المعنى اللغوي:

المسجد في اللغة: مأخوذ من الفعل(سجد) على وزن (فعل)، قال سيبويه:«وأما المسجد فإنه اسم للبيت، ولست تريد به موضع السجود وموضع جبهتك، لو أردت ذلك لقلت مسجدٌ »(1)، وقال ابن الأعرابي:«مسجد»، بفتح الجيم، محراب البيوت،ومصلى الجماعات: مسجد بكسر الجيم، والمساجد: جمعها. والمساجد أيضًا،: الآراب التي يسجد عليها. والآراب السبعة: مساجد»(2).

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

المسجد جمعه مساجد، وقد عرفت المساجد في الاصطلاح بتعريفات عدة هي:

  • أن المساجد اسم للأبنية المتخذة في الإسلام للصلاة(3).
  • أنها «البيوت المبنية للصلاة فيها لله فهي خالصةٌ له سبحانه ولعبادته (4).
  • أنها «كل موضعٍ يمكن أن يعبد الله فيه ويسجد له» (5).
  • قال القرطبي:« أجمعت الأمة على أن البقعة إذا عينت للصلاة بالقول خرجت عن جملة الأملاك المختصة بربها وصارت عامة لجميع المسلمين، فلو بنى رجل في داره مسجدًا وحجزه على الناس، واختص به لنفسه لبقي على ملكه ولم يخرج إلى حد المسجدية، ولو أباحه للناس كلهم كان حكمه حكم سائر المساجد العامة، وخرج عن اختصاص الأملاك»(6).

ويمكن القول أن المساجد هي: بيوت الله تعالى المتخذة لعبادة المسلمين وبخاصة الصلاة والموقوفة لهذا الغرض.

المسجد في الاستعمال القرآني

وردت كلمة (مسجد) في القرآن بصيغتين، بلغت(28) مرة(7).

والصيغ التي وردت هي:

الصيغةعدد المراتالمثال
اسم مفرد22﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ﴾ [البقرة: 144]
اسم جمع6﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ﴾ [البقرة: 114]

وجاء المسجد في الاستعمال القرآني على وجهين(8):

أحدهما: اسم لموضع السجود، وهو اسم للأبنية المتخذة في الإسلام للصلاة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ﴾ [الحج: ٤٠].

الثاني: أعضاء الإنسان التي يسجد عليها: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا ١٨﴾ [الجن: ١8]. أي: أعضاء السجود هي لله، فلا تسجدوا بها لغيره.

الألفاظ ذات الصلة

الصوامع:

الصوامع لغة:

«الصوامع جمع صومعة، وزنها فوعلة، وهي بناء مرتفعٌ لأعلى، يقال: صمع الثريدة أي: رفع رأسها وحدده، ورجل أصمع القلب أي: حاد الفطنة. والأصمع من الرجال الحديد القول، أو الصغير الأذن من الناس وغيرهم. وكانت قبل الإسلام مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئين- قاله قتادة- ثم استعمل في مئذنة المسلمين»(9).

وذكرت بعض المعاجم المعاصرة أن الصوامع تطلق على معان أشهرها أنها الأديرة أو بيوت العبادة عند النساك والرهبان النصارى الذين يتخذونها في الأماكن النائية (10).

الصوامع اصطلاحًا:

الصوامع: قال ابن عباس: هي المعابد الصغار للرهبان، وكذا قاله مجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك(11).

الصلة بين الصوامع والمساجد:

الصوامع والمساجد كلها أماكن التعبد لله عز وجل، لكن الصوامع كما قال ابن عباس: هي المعابد الصغار للرهبان، أما المساجد التي عند المسلمين فهي أماكن التعبد للمسلمين أجمعين.

الصلوات:

الصلوات اصطلاحًا:

قيل: هذه اللفظة معربة؛ لذا لم نتطرق للمعنى اللغوي لها، واختلف في نسبتها فنسبها بعضهم لليهود، ونسبها بعضهم للنصارى، قال الزجاج والحسن: هي كنائس اليهود، وهي بالعبرانية صلوتا، وقال أبو عبيدة:«الصلوات بيوت تبنى للنصارى في البراري يصلون فيها في أسفارهم، تسمى صلوتا فعربت فقيل صلوات»(12).

الصلة بين الصلوات والمساجد:

الصلوات والمساجد كلها أماكن التعبد لله عز وجل، إلا أن المساجد أماكن التعبد لهذه الأمة، والصلوات لما قبلها من اليهود أو النصارى على الخلاف في ذلك.

البيع:

البيع اصطلاحًا:

هي أوسع من الصوامع، وهي للنصارى. قاله أبو العالية وقتادة والضحاك وغيرهم، وقيل: إنها كنائس اليهود(13).

الصلة بين البيع والمساجد:

البيع والمساجد كلها أماكن التعبد لله عز وجل، إلا أن المساجد أماكن التعبد لهذه الأمة، والبيع لما قبلها من اليهود أو النصارى على الخلاف في ذلك.

حكمة إقامة المساجد

شرع الله تعالى إقامة المساجد لحكم سامية ومعان جليلة عالية، ولهذا كان بناؤها من فروض الكفايات أحيانا ومن فروض الأعيان أحيانًا أخرى بحسب الأحوال، كما ذكره بعض العلماء المعاصرين «يجب بناء المساجد في الأمصار والقرى والمحال ونحوها بحسب الحاجة فهو فرض كفاية»(14).

ولهذا نجد حث القرآن الكريم على بناء المساجد ورفعها ليقصدها المسلمون بالعبادة والعمارة، فتكون سببا في نيلهم الثواب العظيم.

قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦ رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِۙ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ٣٧ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٨﴾ [النور: ٣٦-٣٨].

وذكر غير واحد من المفسرين أن المراد برفع المساجد في الآية هو بناؤها، فروي هذا عن مجاهد ومقاتل(15).

وجاء في آيات القرآن الكريم ما يبين طرفا من حكم بناء المساجد وإقامتها، وأبرز هذه الحكم ما يلي:

  • إقامة المساجد لعبادة الله تعالى وحده وطاعته والتقرب إليه.

لما كانت المساجد هي بيوت الله تعالى المتخذة للعبادة بمختلف أنواعها من صلاة وذكر وتسبيح وقراءة قرآن وغيرها، فقد بين القرآن الكريم ضرورة مراعاة ذلك، وهي أن يفرد الله تعالى بالعبادة فلا يشرك به أحدٌ.

قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا﴾ [الجن: ١٨].

والمراد بها إفراد الله تعالى بالعبادة، فلا ينبغي أن يدعى غيره جل وعلا، وليس المقصود عدم الإشراك في المسجد فقط، بل هذا خرج مخرج الغالب، وإلا فإشراك أحد في العبادة لا يجوز في المسجد ولا خارج المسجد.

وهذه الآية فيها دليل على وجوب مخالفة اليهود والنصارى فيما كانوا يفعلونه في معابدهم من دعوة غير الله تعالى، فقد روي عن قتادة في معنى الآية قوله:«كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه أن يخلص له الدعوة إذا دخل المسجد»(16).

وقال الحسن: «ليس من قومٍ غير المسلمين يقومون في مساجدهم إلا وهم يشركون بالله فيها، فأخلصوا لله»(17).

ومن معالم الطاعة والعبادة: تسبيح وتلاوة القرآن.

قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦﴾ [النور: ٣٦].

فقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ﴾ قال:«يتلى فيها كتابه»(18).

وروي عنه أيضا أن المراد بها توحيد الله في المساجد(19).

وقال جل شأنه: ﴿وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ﴾ [الحج: ٤٠].

قال بعض المعاصرين« فالمساجد أحب البقاع إلى الله، وهي قلعة الإيمان ومنطلق إعلان التوحيد لله تعالى، فهي المدرسة التي خرجت الجيل الأول، ولا زالت بحمد الله تخرج الأجيال، وهي ميدان العلم والشورى والتعارف والتآلف، إليها يرجع المسافر أول ما يصل إلى بلده شاكرا الله سلامة العودة مستفتحًا أعماله بعد العودة بالصلاة في المسجد إشعارا بأهميته وتقديمه على المنزل تذكيرا بنعمة الله سبحانه وتوثيقا للرابطة القوية للمسجد»(20).

ومن معالم الطاعة والعبادة إفراد الله تعالى وحده بالعبادة وحسن القصد إليه جل وعلا، إذ هو وحده المتفرد بذلك والمستحق لذلك.

قال تعالى: ﴿قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ ٢٩﴾ [الأعراف: 29].

وفي تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ﴾ قولان مشهوران للعلماء:

أولهما: ما قاله الربيع: أنها في الإخلاص، بمعنى: أن لا تدعوا غير الله تعالى، وأن تخلصوا له الدين (21).

والثاني: ما قاله مجاهد بن جبر والسدي وعبد الرحمن بن زيد: أن المراد بها التوجه للكعبة(22).

ومن معالم الطاعة أن المسجد الحرام خاصة يرتبط بعبادة الحج، فقد وضعه الله عز وجل لهذه العبادة التي تجمع بين البدن والمال، فالمسجد الحرام يقصده الناس من كل حدب وصوب.

قال تعالى:﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩٦﴾ [آل عمران: ٩٦].

  • إقامة المساجد لنشر الترابط الاجتماعي بين المسلمين.

ولتكون مشعل هداية ومحل اجتماع المسلمين على هدف واحد، وكلمة واحدة، وشعيرة واحدة، فيتعلمون ويتدارسون، وتتربي في المسجد أجيال من المؤمنين أحسن تربية، وتنشأ أفضل نشأة، ولهذا حرص النبي عليه السلام على أن يكون المسجد أول بناء في الدولة الإسلامية.

مساجد ذكرت في القرآن

ورد في القرآن الكريم ذكر عدة مساجد على رأسها المسجدين المسجد الحرام والمسجد الأقصى تصريحًا، ثم مساجد المدينة المنورة (مسجد قباء، والمسجد النبوي، ومسجد الضرار) ولكن ليس على سبيل التصريح، وتعلقت بهذه المساجد أحكام شرعية وردت في القرآن الكريم، وبيان ذلك على النحو الآتي:

أولًا: المسجد الحرام:

ورد ذكر المسجد الحرام منصوصًا على اسمه في خمسة عشر موضعًا في القرآن الكريم، وورد باسم البيت مفردًا ومضافا في مواضع أخرى، ولكل موضع من هذه المواضع أحكامه على هذا النحو:

  • أول بيت وضع للناس.

البيت العتيق هو أول بيت وضع للناس في الأرض كما نصت عليه الآية الكريمة ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩٦﴾ [آل عمران: ٩٦].

وللمفسرين أقوال في معنى الأولية الواردة في الآية على هذا النحو:

القول الأول: أنه أول بيت وضع للناس، يعبد الله تعالى فيه، وليس هو أول بيت وضع في الأرض، لأنه قد كانت قبله بيوت كثيرة. وهذا ما روي عن علي والحسن وسعيد بن المسيب وغيرهم(23).

القول الثاني: أنه أول بيت وضع مطلقًا بمعنى أول بناء، وهذا قول ابن عمرو ومجاهد وقتادة والسدي(24).

القول الثالث: أن موضع الكعبة هو موضع أول بيت وضعه الله تعالى في الأرض. وهو قول آخر لقتادة(25).

وفي الصحيحين عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: (قلت: يا رسول الله، أي مسجدٍ وضع في الأرض أول؟ قال: (المسجد الحرام) قال: قلت: ثم أيٌ؟ قال (المسجد الأقصى) قلت: كم كان بينهما؟ قال: (أربعون سنةً، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله، فإن الفضل فيه)(26).

  • قبلة المسلمين.

وذلك في ثلاثة مواضع في سورة البقرة في قصة تغيير القبلة.

قال الله تعالى:﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤].

وقال جل شأنه: ﴿وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ﴾[البقرة: ١٤9].

وقال تعالى: ﴿وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠].

والآيات الكريمة واردة في قصة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام في العام الثاني من الهجرة على نحو ما هو مشهور في السنة النبوية والسيرة.

وفي الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (بينما الناس في صلاة الصبح بقباءٍ، إذ جاءهم آتٍ فقال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم، فاستداروا إلى القبلة)(27).

ولا خلاف بين فقهاء الأمة سلفًا وخلفًا على أن هذه الآيات دليل على فرضية استقبال القبلة في الصلاة على تفصيل معروف مبسوط في كتب الفروع حول كيفية الاستقبال لمن كان داخل المسجد الحرام أو خارجه، أو كان داخل مكة أو خارجها(28).

قال ابن رشد: «اتفق المسلمون على أن التوجه نحو البيت شرط من شروط صحة الصلاة لقوله تعالى: ﴿وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ﴾ [البقرة: 150]»(29).

«واختلف المفسرون في المقصود بشطر المسجد الحرام على قولين:

القول الأول: أن شطر المسجد الحرام أي تلقاءه. قاله مجاهد وقتادة والربيع بن أنس وسعيد بن جبير وعكرمة.

القول الثاني: أن المراد بالشطر هنا وسط المسجد الحرام. وهو قول البراء(30).

  • تحريم القتال عنده.

نظرًا لمكانة البيت الحرام ومنزلته، فقد نهى القرآن الكريم عن القتال عنده نهيًا صريحًا في قول الله تعالى: ﴿وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٠].

وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بقول الله تعالى ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩٣﴾ [البقرة: ١٩٣].

حيث روي هذا عن قتادة والربيع(31).

وروي عن مجاهد وأكثر المفسرين أن الآية محكمة غير منسوخة، وأنه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم(32).

وللقراء وجهان في الآية حيث قرأ حمزة والكسائي: (ولا تقتلوهم)، :(حتى يقتلوكم) بغير الألف واللام من القتل، وقرأ الباقون بالألف من القتال، والمشهور الثاني(33).

قال الطبري: «وأولى هاتين القراءتين بالصواب، قراءة من قرأ:«ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم» لأن الله تعالى ذكره لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حالٍ إذا قاتلهم المشركون بالاستسلام لهم حتى يقتلوا منهم قتيلا بعد ما أذن له ولهم بقتالهم، فتكون القراءة بالإذن بقتلهم بعد أن يقتلوا منهم، أولى من القراءة بما اخترنا، وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه قد كان تعالى ذكره أذن لهم بقتالهم إذا كان ابتداء القتال من المشركين قبل أن يقتلوا منهم قتيلا وبعد أن يقتلوا منهم قتيلا، وقد نسخ الله تعالى ذكره هذه الآية بقوله: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ﴾ [البقرة: 150](34).

  • تحريم الصد عنه.

ذم الله تعالى مشركي قريش بصدهم المسلمين عن المسجد الحرام، في مواضع من كتاب الله عز وجل، «والصد عن المسجد الحرام جريمة عظيمة يستحق فاعلها عذاب الدنيا قبيل عذاب الآخرة، لأنه يؤول إلى الصد عن التوحيد لأن ذلك المسجد بناه مؤسسه ليكون علما على توحيد الله ومأوى للموحدين، فصدهم المسلمين عنه، لأنهم آمنوا بإله واحد، صرف له عن كونه علما على التوحيد، إذ صار الموحدون معدودين غير أهل لزيادته، فقد جعلوا مضادين له، فلزم أن يكون ذلك المسجد مضادًا للتوحيد وأهله»(35).

وقد ذكرت قضية صد المشركين المسلمين عن المسجد الحرام في مواضع عدة من كتاب الله تعالى.

قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٤﴾ [الأنفال: ٣٤].

وقال تعالى: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡهَدۡيَ مَعۡكُوفًا أَن يَبۡلُغَ مَحِلَّهُۥۚ وَلَوۡلَا رِجَالٞ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَآءٞ مُّؤۡمِنَٰتٞ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ أَن تَطَـُٔوهُمۡ فَتُصِيبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةُۢ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ لِّيُدۡخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ لَوۡ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ٢٥﴾ [الفتح: ٢٥].

والمعروف أن صد المشركين المسلمين عن المسجد الحرام كان في عام صلح الحديبية، وقد استوجبوا بذلك عذاب الله تعالى كما في آية الأنفال ﴿وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ﴾ [الأنفال: 34].

قال النسفي في معناها:« ﴿وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ﴾ وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبة وإخراجهم رسول الله والمؤمنين من الصد وكانوا يقولون نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء فقيل:﴿وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ﴾ وما استحقوا مع إشراكهم وعداوتهم للدين أن يكونوا ولاة أمر الحرم » (36).

وفي سورة الحج يقول المولى عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٥﴾ [الحج: 25].

وفسر الصد عن المسجد الحرام هنا بإخافة السبل، وبغصب المال الذي لو بقي فى يد صاحبه لوصل به إلى المسجد الحرام(37).

وعلى الرغم من كون الصد عن المسجد الحرام جريمة كبيرة إلا أن الله تعالى نهى المسلمين عن الاعتداء أو البدء بالاعتداء، فقال جل شأنه:﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُواْۘ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: ٢].

  • حرمة دخول المشركين فيه.

حرم الله تعالى على المشركين دخول المسجد الحرام بمقتضى الآية الكريمة ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨﴾ [التوبة: ٢٨].

على خلاف بين العلماء في المقصود بالنجاسة هنا هل هي النجاسة الحسية أو المعنوية، وهي نجاسة الشرك والعياذ بالله(38).

قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ﴾ «فسماه الله تعالى نجسًا، فلا يخلو أن يكون نجس العين أو مبعدًا من طريق الحكم، وأي ذلك كان فمنعه من المسجد واجب لأن العلة وهي النجاسة موجودة فيهم، والحرمة موجودة في المسجد» (39).

وفي الصحيحين عن حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، أخبره: (أن أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع يوم النحر في رهطٍ يؤذن في الناس (ألا لا يحج بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ) (40).

وفي الآية احتمالان ذكرهما بعض العلماء أولهما:أن يكون النهي خاصًا بالمشركين الذين كانوا ممنوعين عن دخول مكة وسائر المساجد، لأنه لم يكن لهم ذمة وكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وهم مشركو العرب، والثاني: أن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج (41).

  • الحج إليه.

البيت الحرام هو مقصد المسلمين في فريضة الحج، الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو المنصوص عليه في قول الله تعالى: ﴿فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩٧﴾ [آل عمران: ٩٧].

والحج عبادة زمانية ومكانية، وأن مكانها البيت الحرام بمكة المكرمة وما حوله من البقاع المقدسة مثل الصفا والمروة وعرفات ومنى ومزدلفة.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ١٥٨﴾ [البقرة: ١٥٨].

أي: من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده معلمًا ومشعرًا يعبدونه عندها، إما بالدعاء، وإما بالذكر، وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها(42).

وقال جل شأنه في شأن المشعر الحرام وعرفات كبقعتين مقدستين من بقاع الحج يتعلق بهما بعض المناسك: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ١٩٨﴾ [البقرة: ١٩٨].

  • بداية الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وذلك في قوله تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١﴾ [الإسراء: ١].

وقد اختلف المفسرون في مبتدأ الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم بناء على هذه الآية على قولين:

القول الأول: أن المقصود الإسراء من الحرم بناء على أن الحرم كله مسجد، وكان صلى الله عليه وسلم حين أسري به نائمًا في بيت أم هانىء بنت أبي طالب، روى ذلك أبو صالح عن أم هانىء.

القول الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم أسري به من المسجد، وفيه كان حين أسري به، روى ذلك أنس بن مالك وقاله الحسن، وقتادة(43).

ثانيًا: المسجد الأقصى:

المسجد الأقصى هو ثان مسجد بني على ظهر الأرض كما هو منصوص عليه في الصحيحين من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: (قلت يا رسول الله، أي مسجدٍ وضع في الأرض أول؟ قال: (المسجد الحرام) قال: قلت: ثم أيٌ؟ قال (المسجد الأقصى) قلت: كم كان بينهما؟ قال: (أربعون سنةً، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله، فإن الفضل فيه)(44).

وهو بيت المقدس، وسمي الأقصى، لبعد المسافة بين المسجدين، والمقصود بالبركة حوله أن الله أجرى حوله الأنهار، وأنبت الثمار، أو لأنه مقر الأنبياء، ومهبط الملائكة(45).

وقصة نشأة بيت المقدس وعمارته وفضائله كثيرة تواترت ببعضها نصوص السنة النبوية، وأفردها علماء كثيرون بالتأليف والتصنيف.

وقد ورد التصريح باسم المسجد الأقصى في آية واحدة من كتاب الله تعالى في مطلع سورة الإسراء وهي قوله جل شأنه: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١﴾ [الإسراء: ١].

وجمهور المفسرين على أن الآية دليل صريح على أنه منتهى الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه عليه السلام دخله بجسده الشريف وصلى فيه بالأنبياء إماما، ومنه كانت رحلة المعراج(46).

وروي عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينزل عن البراق ولم يدخل المسجد الأقصى ولم يصل فيه، وما ذهب إليه الجمهور هو الأقوى والأثبت(47).

أما عن وروده بغير التصريح ففي مواضع عدة استنبطها المفسرون من قصة السيدة مريم عليها السلام حيث ذكر غير واحد من المفسرين أن نذر امرأة عمران الوارد في قوله تعالى: ﴿إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٥﴾ [آل عمران: ٣٥].

كان خدمة مريم عليها السلام لبيت المقدس، حيث روي هذا عن عكرمة(48)، وكذا من قصة نبي الله داود وسليمان عليهما السلام، مما لا مجال لذكره هنا.

ثالثًا: مسجد قباء:

مسجد قباء من أشهر مساجد المدينة المنورة بعد المسجد النبوي، وقد ذهب كثير من المفسرين وعلماء السيرة إلى أن مسجد قباء هو المقصود في قول الله تعالى: ﴿لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨ أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٩﴾ [التوبة: 109].

حيث ذهب إلى ذلك مقاتل، والسدي، وزيد بن أسلم، وغيرهم من مفسري السلف(49).

ولكن روي عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري أن المقصود به مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس مسجد قباء(50).

فقد أخرج مسلم في صحيحه عن حميدٍ الخراط، قال: (سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن، قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبي: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًا من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: (هو مسجدكم هذا) لمسجد المدينة، قال: فقلت: أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره)(51).

وأخرج ابن أبي شيبة بسنده عن ابن عمر، قال: «المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم» (52).

ويمكن القول بأن ما تؤيده رواية مسلم هو الأولى بالقبول، وهو أن المسجد الذي أسس على التقوى هو المسجد النبوي على ساكنه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

وأيا كان القول فإن مسجد قباء قد أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول قدومه المدينة، حيث كانت وفادته صلى الله عليه وسلم على بني عمرو بن عوف بقباء، وأقام فيهم عدة ليال بنى خلالها مسجد قباء، ثم ارتحل عنهم إلى الموضع الذي بنى فيه مسجده الشريف وبيوت أزواجه الطاهرات، وقد أسس كلا المسجدين على التقوى أي: على توحيد الله تعالى، ورضوانٍ من الله(53).

رابعًا: مسجد الضرار:

مسجد اتخذه بعض المغرضين في المدينة للتفريق بين المسلمين فجاء القرآن الكريم مبينًا زيف صنيعهم وخبث نيتهم وسوء طويتهم، ناهيًا النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين عن الصلاة فيه.

قال الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧ لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨ أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٩﴾ [التوبة: ١٠٧-109].

وسبب نزولها أن اثنا عشر رجلا من المنافقين وكلهم من الأنصار، قالوا: نبني مسجدًا نتحدث فيه ونخلو فيه، فإذا رجع ابو عامر الراهب من الشام قلنا: بنيناه لتكون إمامنا فيه؛ فلما فرغوا من بنائه، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا قد بنينا مسجدًا وما أردنا إلا الحسنى، ونحب أن تصلي فيه، وكان بناؤهم للمسجد قبل سفر النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، فلم يسعفهم بالذهاب إليه، فأنزل الله هذه الآيات، فدعا النبي عليه الصلاة والسلام أناسًا وأمرهم بالتوجه إلى المسجد لتحريقه وهدمه(54).

وقد نهى القرآن الكريم النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مسجد الضرار وحثه على الصلاة في مسجد قباء مبينًا المقارنة بين المسجدين التي تتمثل في أمرين:

الأول: أن مسجد قباء بني على التقوى وهي طاعة الله ورسوله، وقصد به إرضاء الله تعالى، وإخلاص العبادة فيه، وجمع المؤمنين، والعمل على وحدة الإسلام، وظلت هذه المزية له، وأصبح من السنة صلاة ركعتين فيه على الدوام، ثم وضع القرآن قاعدة عامة للمقارنة بين المسجدين وأي بناءين، وتلك القاعدة:

الثاني: أنه لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، ومن بنى مسجدا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين، وهذا مصيره الانهيار والسقوط في قعر جهنم، والله لا يوفق الظالمين، ولا يهديهم للحق والصواب والصلاح، ما داموا قد قصدوا المعصية والكفر، وقد صار هذا مثلا للأجيال(55).

مسجد الضرار واقعة سوء تركت آثارًا سيئة استوجبت إزالته:

«أبان القرآن أربعة أسباب لهدم مسجد المنافقين: مسجد الضرار، وهي:

  • إنهم اتخذوا بقصد مضارة المؤمنين الذين بنوا مسجد قباء.
  • أقاموه ليكون معقلا للكفر والنفاق، والتآمر على المسلمين، فصار مركز الفتنة وبيت النفاق ومأوى المنافقين.
  • قصدوا ببنائه أيضا تفريق كلمة المؤمنين، وتوهين المودة والألفة بينهم.
  • جعلوه مرصدا ومقرا لمحاربة الله ورسوله، بقيادة أبي عامر الراهب من الخزرج الذي ذهب إلى هرقل ليأتي بجنود يحارب بهم النبي وصحبه.

وصار المنافقون يحلفون: ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الفعلة الحسنى والتوسعة علينا وعلى من عجز أو ضعف عن المسير إلى مسجد المدينة، والله يعلم خبث ضمائرهم ويشهد على أنهم كاذبون فيما حلفوا عليه.

لكل هذه الأسباب القائمة على الضرر والإساءة، نهى الله تعالى نبيه عن الصلاة في هذا المسجد: مسجد الضرار: لا تقم فيه أبدًا.

ولهذا كان لمسجد الضرار آثار ومعان سيئة على مر التاريخ، فهو لا يزال سبب حزازة وأثر سوء، وشك من المنافقين في الدين، وزيادة نفاقهم إلى أن يفارقوا حياتهم بالموت والله عليم بأعمال خلقه، حكيم في إيقاع الجزاء العادل بهم من خير أو شر، ومن حكمته تعالى إظهار حال المنافقين لمعرفة الحقائق وإنصاف التاريخ»(56).

أحكام المساجد

تتعلق بالمساجد طائفة من الأحكام، وقد بسط فيها العلماء الكلام في مصنفات خاصة بذلك، ولكن الذي يعنينا هو ما ورد في القرآن الكريم من هذه الأحكام على هذا النحو:

  • النهي عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد.

نهى الإسلام عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، نظرًا لما يجلبه ذلك من مفاسد شرعية، ولم يرد النهي عن ذلك صريحًا في القرآن وإنما ورد النهي والتحذير في السنة النبوية.

كما في الصحيحين عن عائشة، وعبد الله بن عباسٍ، قالا: (لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصةً له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا) (57).

وجاء في قصة أهل الكهف في القرآن الكريم ذكر النزاع بين القوم الذين كشف في عصرهم قصة الكهف حول ماذا يفعلون بهم، حيث خلص الرأي في النهاية للأغلبية ببناء مسجد عليهم.

قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا ٢١﴾ [الكهف: ٢١].

حيث ذكر بعض المفسرين أن النزاع جرى بين المشركين والمسلمين، فرأى المشركون أنهم أبناء آبائهم وأنهم سيبنون عليهم بنيانًا يتعبدون فيه، ورأى المسلمون أنهم أحق بهم فيبنوا عليهم مسجدًا يتعبدون فيه، روي هذا عن عبد الله بن عبيد بن عمير(58). وفسرت الغلبة هنا بأنها غلبة الأمراء، وقيل: غلبة الأعداء(59).

  • الاعتكاف وآدابه.

الاعتكاف عبادة مشروعة، وهي الإقامة في المسجد بنية العبادة والتقرب إلى الله تعالى زمنًا معينًا وفق شروط معينة، وقد ورد ذكر الاعتكاف في القرآن مرتين، إحداهما هي المرتبطة بالمسجد، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ﴾ [البقرة: ١٨٧].

ويرى المفسرون وغيرهم من أهل اللغة أن معنى: (عاكفون): أي مقيمون في المساجد لا يخرجون منها إلا لحاجة الإنسان يصلي فيه ويقرأ القرآن، ويقال لمن لازم المسجد وأقام على العبادة فيه: عاكف ومعتكفٌ والاعتكاف والعكوف الإقامة على الشيء وبالمكان ولزومهما(60).

وقد ذهب جمهور فقهاء المذاهب في تعريفهم للاعتكاف إلى أن الاعتكاف المشروع هو المكوث في مسجد من المساجد(61).

ولهذا فإن المسجد شرط للاعتكاف عند جمهور الفقهاء، بل حكاه بعضهم إجماعا(62).

قال القرطبي: «أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد(63).

وقال ابن قدامة: « لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافا» (64).

وقال ابن رشد: «وقد اتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن عمر بن لبابة فأجازه في كل مكان»(65).

وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، فمن الكتاب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ﴾ [البقرة: ١٨٧].

فإضافة الاعتكاف إلى المساجد دليل على اشتراطها أي المساجد له.

قال ابن قدامة: «والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ فخصها بذلك، ولو صح الاعتكاف في غيرها، لم يختص تحريم المباشرة فيها؛ فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقًا» (66).

ومن السنة ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت: (إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا) (67).

هذا وقد ذكر ابن رشد سبب الخلاف في اشتراط المسجد فقال: «وسبب اختلافهم في اشتراط المسجد أو ترك اشتراطه هو الاحتمال الذي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ﴾ [البقرة: ١٨٧].

بين أن يكون له دليل خطاب أو لا يكون له ؟ فمن قال له دليل خطاب قال: لا اعتكاف إلا في مسجد وإن من شرط الاعتكاف ترك المباشرة، ومن قال ليس له دليل خطاب قال: المفهوم منه أن الاعتكاف جائز في غير المسجد وأنه لا يمنع المباشرة لأن قائلا لو قال: لا تعط فلانا شيئا إذا كان داخلا في الدار لكان مفهوم دليل الخطاب يوجب أن تعطيه إذا كان خارج الدار ولكن هو قول شاذ، والجمهور على أن العكوف إنما أضيف إلى المساجد لأنها من شرطه»(68).

والناظر إلى لفظة:(المسجد) الواردة في آية الاعتكاف يرى أن الفقهاء قد استنبطوا منها بيان المواضع التي تلحق بالمسجد، ويجوز فيها الاعتكاف مثل سطح المسجد، ورحبته، ومنارته، والمواضع التي لا يجوز فيها الاعتكاف، وللفقهاء تفصيل في ذلك مبسوط في مواضعه من باب الاعتكاف.

وللاعتكاف في المسجد آدابه وأحكامه التي ينبغي على المعتكف أن يتحلى بها أذكرها بإيجاز على سبيل السرد من المذاهب المختلفة بغض النظر عن تفاصيل الخلاف في بعضها:

  • استتار المعتكف بخباء أو حجرة.
  • أن لا ينقص اعتكافه عن عشرة أيام.
  • أن يستصحب ثوبًا غير الذي عليه، لأنه ربما احتاج.
  • أن يمكث بمؤخر المسجد ليبعد عمن يشغله بالكلام معه.
  • أن يمكث في مسجد اعتكافه ليلة العيد إذا اتصل انتهاء اعتكافه بها ليخرج من المسجد إلى مصلى العيد، فتتصل عبادة بعبادة.
  • أن يكون اعتكافه في المسجد الجامع.
  • أن يشتغل بطاعة الله تعالى كتلاوة القرآن والحديث والذكر والعلم، لأن ذلك طاعة.
  • أن يوقع الاعتكاف في شهر رمضان.
  • أن يكون في العشر الأواخر من رمضان لالتماس ليلة القدر؛ فإنها تغلب فيها.
  • ترك المعتكف فضول الكلام وما لا يعنيه.
  • التزين والتطيب ولبس الثياب الحسنة.
  • قيام المعتكف بأداء العبادات (المحضة والمتعدية) (69).
  • التزين.

أمر الله تعالى بني آدم على جهة العموم بالتزين واللباس فقال جل شأنه: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١﴾ [الأعراف: ٣١].

وجاء في سبب نزول الآية الكريمة أن بعضا من العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة رجالا ونساء، لا يسترون عوراتهم، ولا يقيمون للبيت حرمة، فنزلت هذه الآية(70).

قال ابن عباس رضي الله عنهما في الآية: «كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة: اللباس، وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد»(71).

وروي نحو هذا القول عن عطاء والنخعي وسعيد بن جبير، والحسن وقتادة(72).

أما من حملوا الآية على غير الطواف، فلهم أقوال أخرى في المقصود بالزينة فيها موضعًا وصفة على أقوال هي:

القول الأول: أن المراد بها ستر العورة في الصلاة. وهذ مروي عن مجاهد والزجاج(73).

القول الثاني: أن المراد بها مطلق التزين في الجمع والأعياد(74).

القول الثالث: أن الزينة المقصودة هنا هي رفع الأيدي في مواقيت الصلاة، وهو قول التنوخي القاضي(75).

القول الرابع: أن الزينة هي الصلاة في النعال، حيث يروي قتادة في هذا حديثا مرفوعا للنبي صلى الله عليه وسلم (76).

القول الخامس: أن المراد بها المشط لتسريح اللحية(77).

قلت: وهذه الآية أبرز دليل على فرضية ستر العورة في الصلاة.

قال القرطبي: « دلت الآية على وجوب ستر العورة كما تقدم، وذهب جمهور أهل العلم إلى أنها فرض من فروض الصلاة، ونقل عن الأبهري المالكي أنها فرض في الجملة، وعلى الإنسان أن يسترها عن أعين الناس في الصلاة وغيرها»(78).

وقد اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق، واختلفوا هل هي شرط من شروط صحة الصلاة أم لا؟

وسبب الخلاف في ذلك تعارض الآثار واختلافهم في مفهوم قوله تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ﴾ [الأعراف: ٣١].

هل الأمر بذلك على الوجوب أو على الندب؟ فمن حمله على الوجوب قال: المراد به ستر العورة وله أدلته على ذلك.

ومن حمله على الندب قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغير ذلك من الملابس التي هي زينة وله أدلته على ذلك، ولذلك فمن لم يجد ما به يستر عورته لم يختلف في أنه يصلي، واختلف فيمن عدم الطهارة هل يصلي أم لا يصلي؟(79).

وستر العورة واجب للصلاة وغيرها، فلا يختص بالصلاة، وإذا كان الستر في الصلاة فرضًا للابتداء والاستمرار، فهو مقارن للصلاة من أولها إلى آخرها(80).

وللعلماء أحكام تفصيلية في حد العورة للرجال والنساء في الصلاة وخارج الصلاة، وفي أحكام الزينة وضوابطها، وما يجوز منها وما لا يجوز، وهذا مبسوط في مواضعه من كتب الفقه في أبواب الصلاة والألبسة، وفي كتب السنة وشروحها، ما لا يتسع المجال لذكره هنا.

عمارة المساجد وهدمها

حث القرآن الكريم على عمارة المساجد حسيًا ومعنويًا، وحذر من تخريبها وهدمها حسيًا ومعنويًا، وهو ما أتناوله على النحو الآتي:

أولًا: عمارة المساجد:

نص القرآن الكريم على عمارة المساجد، وبين صفة عمارها بأنهم أهل الإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقال جل شأنه: ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨﴾ [التوبة: ١٨].

وفي هذه المساجد الواردة في الآية قولان:

أحدهما: أنها مواضع السجود من المصلى.

والثاني: أنها بيوت الله تعالى المتخذة للعبادة، وفي كل احتمالات ووجوه.

فعلى القول بأن المقصود بها مواضع السجود من المصلي تكون عمارتها إما بالمحافظة على إقامة الصلاة، أو بترك الرياء، أو بالخشوع والإعراض عما ينهى.

وعلى القول بأنها بيوت الله تعالى فتكون عمارتها محتملة لثلاثة أوجه:

أحدها: إنما يعمرها بالإيمان من آمن بالله تعالى.

والثاني: إنما يعمرها بالزيارة لها والصلاة فيها من آمن بالله تعالى.

والثالث: إنما يرغب في عمارة بنائها من آمن بالله تعالى(81).

وبعمارة المسجد الحرام احتج بعض مشركي قريش يوم بدر حين وقعوا أسارى، فقد روي أن العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر، أقبل عليه نفر من المهاجرين وعيروه بقتال النبي صلى الله عليه وسلم وبقطيعة الرحم، فقال العباس: «ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا؟» فقال له علي رضي الله عنه: «فهل لكم من المحاسن شيء؟» فقال: «نعم، إنا نعمر المسجد الحرام، ونحج الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك العاني، ونفادي الأسير، ونؤمن الخائف، ونقري الضيف» فنزلت الآية (82).

ويقول الإمام الرازي في الآية الكريمة: «عمارة المساجد قسمان:

إما بلزومها وكثرة إتيانها يقال: فلان يعمر مجلس فلان إذا كثر غشيانه إياه.

وإما بالعمارة المعروفة في البناء.

فإن كان المراد هو الثاني، كان المعنى أنه ليس للكافر أن يقدم على مرمة المساجد»(83).

و«الشهادة لعمار المساجد بالإيمان صحيحة؛ لأن الله سبحانه ربطه بها وأخبر عنه بملازمتها وقد أثبت الإيمان في الآية لمن عمر المساجد بالصلاة فيها، وتنظيفها وإصلاح ما وهى منها(84).

وسبب عدم عمارة المشركين للمسجد مستفاد من عدة أمور أشار إليها الرازي بقوله: «والكافر إنما لم يجز له ذلك- أي عمارة المسجد- لأن المسجد موضع العبادة فيجب أن يكون معظمًا والكافر يهينه ولا يعظمه، وأيضًا الكافر نجس في الحكم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ﴾ [التوبة: 28].

وتطهير المساجد واجب لقوله تعالى: ﴿أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [البقرة: 125].

وأيضًا الكافر لا يحترز من النجاسات، فدخوله في المسجد تلويث للمسجد، وذلك قد يؤدي إلى فساد عبادة المسلمين وأيضا إقدامه على مرمة إصلاح المسجد يجري مجرى الإنعام على المسلمين، ولا يجوز أن يصير الكافر صاحب المنة على المسلمين»(85).

وفضل تطهير المساجد وتنظيفها كبير وثوابه عظيم عند الله تعالى، ويستحق صاحبه التكريم، كما في الصحيحين عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرة: (أن امرأةً سوداء كانت تقم المسجد - أو شابًا - ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها - أو عنه - فقالوا: مات، قال: (أفلا كنتم آذنتموني) قال: فكأنهم صغروا أمرها - أو أمره - فقال: (دلوني على قبره) فدلوه، فصلى عليها، ثم قال: (إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً على أهلها، وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم)(86).

فضل بناء المساجد:

السعي في بناء المساجد وتشييدها في البقاع المختلفة هو نوع من عمارة المساجد، وذلك نشرًا لمواضع العبادة وتيسيرًا لأمرها على المسلمين، وقد تسابق المسلمون الأوائل في بناء المساجد، فكان مسجد قباء أول مسجد أسس في الإسلام، ثم تبعه المسجد النبوي، والذي تسابق الصحابة الأجلاء في بنائه، والنبي صلى الله عليه وسلم يعمل معهم بيديه الشريفتين، ويحمل الأحجار على كتفه الشريف.

ولما فتحت الأمصار كمصر والشام والعراق وغيرها تسابق الصحابة رضوان الله عليهم في بناء المساجد في كل مصر فتحوه، ليكون مشعل هداية ونور للمسلمين في تلك الأمصار، كما حدث في مصر حيث اشترك في بناء مسجد عمرو بن العاص عشرات الصحابة الكرام، حتى ورد أنه وقف على تحديد قبلته ثمانون صحابيًا(87).

وقد حثت السنة النبوية على ذلك وبينت فضل بناء المساجد، فقد أخرج البخاري عن عبيد الله الخولاني، أنه سمع عثمان بن عفان، يقول عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم: إنكم أكثرتم، وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من بنى مسجدًا) - قال بكيرٌ: حسبت أنه قال:(يبتغي به وجه الله - بنى الله له مثله في الجنة)(88).

ثانيًا: تخريب المساجد:

نهى القرآن الكريم عن تخريب المساجد والسعي في هدمها سواء كان التخريب أو الهدم معنويًا أو ماديًا، وبيان ذلك على النحو الآتي:

ونص القرآن الكريم في معرض الذم على حرمة وقبح التعرض لبيوت الله تعالى بمنع العبادة فيها أو السعي في تخريبها، وقد جاء هذا الذم في آية ضمن آيات تتناول اليهود والنصارى وهي قوله تعالى﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١٤﴾ [البقرة: ١١٤].

وفي المقصودين بهذه الآية ثلاثة أقوال مشهورة للمفسرين:

القول الأول: أنها واردة في شأن النصارى الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وأنهم كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه وأن المسجد هو بيت المقدس. حيث روي هذا عن ابن عباس ومجاهد ومقاتل(89).

القول الثاني: أن المقصود بها بختنصر وجنده ومن أعانهم من النصارى، والمسجد هو بيت المقدس. ويروى هذا عن قتادة والسدي(90).

القول الثالث: أن المقصود بها مشركي قريش، إذ منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام. ويروى هذا عن عبد الرحمن بن زيد(91).

وقد رجح شيخ المفسرين الطبري القول بأن المقصود بها النصارى، واستدل على صحة ذلك بوجهين:

الوجه الأول: أن المسجد المعني في الآية إما مسجد بيت المقدس وإما المسجد الحرام. ومشركو قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام، وإن كانوا قد منعوا في بعض الأوقات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الصلاة فيه، فقد صح وثبت إذن أن الموصوفين بالسعي في خراب مساجده، غير الموصفوفين بعمارتها، إذ كان مشركو قريش بنوا المسجد الحرام في الجاهلية، وبعمارته كان افتخارهم، وإن كان بعض أفعالهم فيه، كان منهم على غير الوجه الذي يرضاه الله منهم.

الوجه الثاني: أن الآية التي قبل قوله: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ﴾، مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذم أفعالهم، والتي بعدها نبهت بذم النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم، ولم يجر لقريش ولا لمشركي العرب ذكر، ولا للمسجد الحرام قبلها، فيوجه الخبر - بقول الله عز وجل: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ﴾ - إليهم وإلى المسجد الحرام(92).

أما التخريب المقصود في الآية، فحمله بعض المفسرين على التخريب المعنوي بالمنع من إقامة الشعائر في المساجد، وحمله آخرون على التخريب المادي بالهدم ونحوه من وجوه التعدي(93).

ولا مانع من حمل الآية على كلا المعنيين لما فيهما من الإضرار بالمساجد التي هي بيوت الذكر والعبادة، وهذا ما يفيده كلام القرطبي حيث قال:« خراب المساجد قد يكون حقيقيا كتخريب بختنصر والنصارى بيت المقدس على ما ذكر أنهم غزوا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم فقتلوا وسبوا، وحرقوا التوراة، وقذفوا في بيت المقدس العذرة وخربوه، ويكون مجازا كمنع المشركين المسلمين حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام، وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها»(94).

وما أجمل ما ذكره أحد العلماء المعاصرين من أن نشر البدع والخرافات في بيوت الله تعالى هو أيضًا نوع من التخريب المعنوي، لأن المساجد ينبغي أن تصان عن نشر مثل هذه الأمور التي تخالف شرع الله تعالى.

قال الشيخ ابن العثيمين: «ومن فوائد الآية: تحريم تخريب المساجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ﴾؛ ويشمل الخراب الحسي، والمعنوي؛ لأنه قد يتسلط بعض الناس - والعياذ بالله - على هدم المساجد حسًا بالمعاول، والقنابل؛ وقد يخربها معنًى، بحيث ينشر فيها البدع والخرافات المنافية لوظيفة المساجد» (95).

وسبق القول بأن تخريب المساجد منهي عنه سواء كان معنويًا أو حسيًا، وأن بعض العلماء قد فسر التخريب الوارد في آية البقرة على التخريب الحسي بالهدم ونحوه مثل إلقاء القاذورات، ولكن جاءت آية أخرى من كتاب الله تعالى صريحة في بيان هدم بيوت العبادة في الملل الثلاثة اليهودية والنصراينة والإسلام، وذلك قول الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠﴾ [الحج: ٤٠].

وقد فسرت الصوامع في اللغة بأنها متعبد الناسك ومنار الراهب، أو معبد الرهبان في الأماكن النائية، وهذا ما ذهب إليه رفيع ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد(96)، وفسرت كذلك بأنها متعبد الصابئة، وهو مروي عن الضحاك وقتادة(97).

وفسرت البيع بأنها معابد النصارى أو كنائسهم، وهو مروي عن رفيع وقتادة والضحاك(98).

والصلوات اختلف في نسبتها فنسبها بعضهم لليهود(99)، وأما المساجد فهي معروفة أنها بيوت العبادة للمسلمين على نحو ما تقدم ذكره في التعريف.

وهذه الآية الكريمة تفيد معان سامية وحكم عالية من أبرزها:

  • أن الله تعالى يدفع الشر بما هو أقوى منه مما شرعه الله تعالى من أحكام، كدفع شر الكفر والطغيان بالجهاد، ويؤيد هذا ما ذهب إليه بعض المفسرين من تأويل قوله: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ﴾ بأنه الدفع بالقتال والجهاد، أو دفع الله تعالى الناس بعضهم ببعض في الشهادة في الحق (100).
  • أن الدفع لنصرة الدين وحماية المقدسات قد يكون بالأشخاص، ويؤيد هذا ما ذهب إليه بعض المفسرين بأن المقصود هو دفع الله بالأنبياء عن المؤمنين وبالمؤمنين من غيرهم، والدفع بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن بعدهم من التابعين، ودفع الله المشركين بالمسلمين (101).
  • أنه لولا فضل الله تعالى ورحمته بأهل الملل الثلاث، ووجود من يذود عن الحرمات والمقدسات لهدمت أماكن العبادة في كل ملة.

ويشير إليه قول الزجاج: «وتأويل هذا: لولا أن الله عز وجل دفع بعض الناس ببعض لهدم في شريعة كل نبيٍ المكان الذي كان يصلي فيه، فكان لولا الدفع لهدم في زمن موسى عليه السلام الكنائس التي كان يصلي فيها في شريعته، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد صلى الله عليه وسلم المساجد»(102).

وإذا تساءلنا ما الحكمة من الحفاظ على بقاع العبادة لاسيما عبادة أهل الإيمان المسجد؟ لأمكن استخلاص الإجابة من قول بعض المفسرين المعاصرين حيث قال:« هذه الأماكن هي التي تبقى أصول القيم في التدين، «وأصول القيم في التدين» غير «كل القيم في التدين»، ولذلك نحن قلنا: إن الحق تعالى جعل للإسلام خمسة أركان، وهي التي بني عليها الإسلام، ولابد أن نقيم بنيان الإسلام على هذه الأركان الخمسة، فلا تقل: إن الإسلام هو هذه الأركان الخمسة، لا؛ لأن الإسلام مبني عليها فقط فهي الأعمدة أو الأسس التي بني عليها الإسلام. فأنت حين تضع أساسا لمنزل وتقيم الأعمدة فهذا المنزل لا يصلح بذلك للسكن، بل لابد أن تقيم بقية البنيان، إذن فالإسلام مبني على هذه الأسس.

والحق تعالى يوضح ذلك فيأمر بالمحافظة على أماكن هذه القيم؛ لأن المساجد ونحن نتكلم بالعرف الإسلامي هي ملتقى فيوضات الحق النورانية على خلقه، فالذي يريد فيض الحق بنوره يذهب إلى المسجد، إذن لكيلا تفسد الأرض لابد أن توجد أماكن العبادة هذه، فمرة جاء الحق بالنتيجة ومرة جاء بالسبب»(103).

موضوعات ذات صلة:
البيوت، السعي، مكة

الحواشي

  1. الكتاب، سيبويه 4/90. ↩
  2. تهذيب اللغة، الأزهري 10/301. ↩
  3. نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص568. ↩
  4. مدارك التنزيل، النسفي 3/552. ↩
  5. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 2/78. ↩
  6. المصدر السابق 2/78. ↩
  7. انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص345. ↩
  8. انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص567-569. ↩
  9. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 12/71. ↩
  10. انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار 2/1338. ↩
  11. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/432. ↩
  12. معاني القرآن، الزجاج 3/430، لسان العرب، ابن منظور 8/208، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 12/71. ↩
  13. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/432. ↩
  14. إصلاح المساجد من البدع والعوائد، القاسمي ص263. ↩
  15. تفسير مجاهد 1/493، تفسير مقاتل 3/201، جامع البيان، الطبري 19/190. ↩
  16. جامع البيان، الطبري 23/665. ↩
  17. تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 5/46. ↩
  18. انظر: جامع البيان، الطبري 19/191، تفسير ابن أبي حاتم، 8/2606. ↩
  19. انظر: النكت والعيون،للماوردي 4/107، زاد المسير، ابن الجوزي 3/298. ↩
  20. المشروع والممنوع في المسجد، فالح الصغير ص8. ↩
  21. جامع البيان، الطبري 12/381. ↩
  22. انظر: تفسير مجاهد 1/335، جامع البيان، الطبري 12/380-381. ↩
  23. انظر: جامع البيان، الطبري 6/19-20، النكت والعيون، الماوردي 1/410، زاد المسير، ابن الجوزي 1/306. ↩
  24. انظر: جامع البيان، الطبري 6/20-21، تفسير عبد الرزاق 1/403، زاد المسير، ابن الجوزي 1/306. ↩
  25. انظر: جامع البيان، الطبري 6/21. ↩
  26. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، رقم 3366، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم 520. ↩
  27. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام)، رقم 4494. ↩
  28. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 1/225، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 2/159. ↩
  29. بداية المجتهد، ابن رشد 1/118. ↩
  30. انظر: تفسير ابن أبي حاتم 1/254. ↩
  31. انظر: جامع البيان، الطبري 3/567، الكشف والبيان، الثعلبي 2/88. ↩
  32. انظر: جامع البيان، الطبري 3/567، الكشف والبيان، الثعلبي 2/88. ↩
  33. انظر: التيسير في القراءات السبع، الداني ص80، مفاتيح الغيب، الرازي 5/290. ↩
  34. جامع البيان، الطبري 3/568. ↩
  35. التحرير والتنوير، ابن عاشور 9/336. ↩
  36. مدارك التنزيل، النسفي 1/643. ↩
  37. لطائف الإشارات، القشيري 2/537. ↩
  38. انظر: حاشية ابن عابدين 1/222، الذخيرة، القرافي 1/163، نهاية المحتاج، الرملي 1/289، حاشية الروض المربع، ابن قاسم النجدي 2/96. ↩
  39. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8/105. ↩
  40. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك، رقم 1622، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج باب لا يحج بالبيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، رقم 1347. ↩
  41. اللباب في الجمع بين السنة والكتاب، المنبجي 2/570. ↩
  42. جامع البيان، الطبري 3/226. ↩
  43. انظر: جامع البيان، الطبري 17/330، النكت والعيون، الماوردي 3/225، زاد المسير، ابن الجوزي 3/8. ↩
  44. سبق تخريجه. ↩
  45. انظر: النكت والعيون، الماوردي 3/226، زاد المسير، ابن الجوزي 3/8. ↩
  46. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 3/434، زاد المسير، ابن الجوزي 3/8، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/208. ↩
  47. انظر: جامع البيان، الطبري 17/349، المحرر الوجيز، ابن عطية 3/434، زاد المسير، ابن الجوزي 3/8. ↩
  48. انظر: جامع البيان، الطبري 6/332، تفسير السمرقندي 3/54، النكت والعيون، الماوردي 1/387، الهداية لبلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب 2/994، المحرر الوجيز، ابن عطية 1/424. ↩
  49. انظر: تفسير مقاتل 2/197، معاني القرآن، الزجاج 2/469، تفسير ابن أبي حاتم 6/18/83، تفسير السمرقندي 2/89. ↩
  50. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 3/84، تفسير السمرقندي 2/89. ↩
  51. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، رقم 514. ↩
  52. مصنف ابن أبي شيبة، رقم 7523، 2/84. ↩
  53. انظر: الكشاف، الزمخشري 2/311، المحرر الوجيز، ابن عطية 3/84. ↩
  54. انظر: تفسير مقاتل 5/137، جامع البيان، الطبري 14/268، أسباب النزول، الواحدي ص264. ↩
  55. التفسير الوسيط، الزحيلي 1/920. ↩
  56. المصدر السابق. ↩
  57. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة، رقم 435، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن بناء المساجد على القبور، رقم 531. ↩
  58. انظر: تفسير مقاتل 2/580، جامع البيان، الطبري 17/640، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب 6/ 4353. ↩
  59. انظر: تفسير ابن أبي حاتم 7/2354، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب 6/4353، مفاتيح الغيب، الرازي 1/447.. ↩
  60. لسان العرب، ابن منظور 9/255. ↩
  61. انظر: تبيين الحقائق، الزيلعي 1/347، مواهب الجليل، الحطاب 2454، المجموع، النووي 6/500، كشاف القناع، البهوتي 2/347، المحلى، ابن حزم 3/411. ↩
  62. العناية شرح الهداية، للباربرتي 2/393، المدونة الكبرى، للإمام مالك 1/298، حاشية العدوي على كفاية الطالب، للعدوي 1/465، المجموع، للنووي 6/505، كشاف القناع، للبهوتي 2/350. ↩
  63. الجامع لأحكام القرآن 2/324. ↩
  64. المغني، ابن قدامة 3/65. ↩
  65. بداية المجتهد، ابن رشد 1/313. ↩
  66. المغني، ابن قدامة 3/65. ↩
  67. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتكاف، باب لا يدخل البيت إلا لحاجة، رقم 2029، ومسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها، رقم 297. ↩
  68. بداية المجتهد، ابن رشد 1/313 بتصرف. ↩
  69. انظر: المبسوط، السرخسي 3/126، حاشية الدسوقي 1/550، المجموع، النووي 5/559، الفقه على المذاهب الأربعة، الجزيري 1/435-436. ↩
  70. انظر: جامع البيان، الطبري 12/391، معالم التنزيل، البغوي 2/188، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/190. ↩
  71. انظر: جامع البيان، الطبري 12/391. ↩
  72. انظر: جامع البيان، الطبري 12/391-292، النكت والعيون، الماوردي 2/218. ↩
  73. انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/218. ↩
  74. المصدر السابق. ↩
  75. الكشف والبيان، الثعلبي 4/229. ↩
  76. الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب 4/2342، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/190. ↩
  77. النكت والعيون، الماوردي 2/218. ↩
  78. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/190 بتصرف يسير. ↩
  79. بداية المجتهد، ابن رشد 1/114. بتصرف. ↩
  80. الحاوي الكبير، الماوردي 1/90 بتصرف. ↩
  81. انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/347. ↩
  82. انظر: جامع البيان، الطبري 14/170، تفسير ابن أبي حاتم 6/1768. ↩
  83. مفاتيح الغيب، الرازي 16/9. ↩
  84. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8/90. ↩
  85. مفاتيح الغيب، الرازي 16/9 بتصرف. ↩
  86. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الخدم للمسجد، رقم 460، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على القبر، رقم 956. ↩
  87. آثار البلاد وأخبار العباد، القزويني ص236. ↩
  88. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة باب من بنى مسجدًا، رقم 450. ↩
  89. انظر: تفسير مجاهد 1/212، تفسير مقاتل 1/132، جامع البيان، الطبري 3/520. ↩
  90. انظر: جامع البيان، الطبري 3/520، تفسير ابن أبي حاتم 1/210، النكت والعيون، الماوردي 1/174. ↩
  91. انظر: جامع البيان، الطبري 3/520-521، النكت والعيون، الماوردي 1/174. ↩
  92. انظر: جامع البيان، الطبري 2/521-522. ↩
  93. انظر: النكت والعيون، الماوردي 1/174، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 2/77. ↩
  94. الجامع لأحكام القرآن 2/77 بتصرف. ↩
  95. تفسير القرآن الكريم، سورتي الفاتحة والبقرة 2/11. ↩
  96. انظر: جامع البيان، الطبري 18/647، النكت والعيون، الماوردي 4/29. ↩
  97. انظر: تفسير عبد الرزاق 2/408، جامع البيان، الطبري 18/648، النكت والعيون، الماوردي 4/29. ↩
  98. انظر: تفسير يحيى بن سلام 1/381، جامع البيان، الطبري 18/648.. ↩
  99. انظر: معاني القرآن، الزجاج 3/430، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 12/71. ↩
  100. انظر: جامع البيان، الطبري 18/646، تفسير ابن أبي حاتم 8/2497، تفسير السمرقندي 2/462. ↩
  101. انظر: جامع البيان، الطبري 18/646، تفسير ابن أبي حاتم 8/2497، تفسير السمرقندي 2/462. ↩
  102. انظر: معاني القرآن، الزجاج 3/431. ↩
  103. تفسير الشعراوي 2/1062. ↩
البحث السابقالمسارعة