مفهوم السعي
أولًا: المعنى اللغوي:
يأتي السعي في اللغة على معان هي:
الأول: المشي، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ﴾ [الصافات: 102] يعني: المشي (1).
الثاني: الإسراع في المشي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَجُلٞ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡعَىٰ﴾ [القصص: 20]. أي: يسرع في مشيه (2).
الثالث: السعي: الجد، ومنه قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوۡ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ﴾ [سبأ: 5]. أي: اجتهدوا في أن يظهروا لنا عجزاً فيما أنزلناه من الآيات(3).
الرابع: العمل والتصرف والكسب في أي عمل كان، ومنه قوله تعالى: ﴿لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ﴾[طه: 15]. أي: تكسب(4)، وأصل السعي التصرف في كل عمل وعليه قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩﴾ [النجم: 39].أي: إلا ما عمل(5).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
السعي اصطلاحًا هو: العمل والفعل، وهذا مروي عن كثير من المفسرين منهم عكرمة ومجاهد، وزيد بن أسلم، وابن شهاب قال مالك: وإنما السعي في كتاب الله عز وجل العمل والفعل(6).
ويمكن صياغة تعريف للسعي في القرآن بأنه: العمل والفعل الجاد الذي يقوم على النية والقصد سواءً أكان ذلك في الخير أو الشر.
السعي في الاستعمال القرآني
وردت مادة (سعى) في القرآن الكريم (30) مرة(7).
والصيغ التي وردت، هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| الفعل الماضي | 7 | ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: 205] |
| الفعل المضارع | 12 | ﴿وَجَآءَ رَجُلٞ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡعَىٰ﴾ [القصص: 20] |
| فعل الأمر | 1 | ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] |
| المصدر | 10 | ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ﴾ [الصافات: 102] |
وجاء السعي في القرآن الكريم على وجهين، وهما(8):
الأول:المشي، أو الإسراع في المشي: قال تعالى:﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ ٨﴾ [عبس: ٨]. يعني:يمشي، أو يسرع.
الثاني: العمل: قال تعالى:﴿وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا ١٩﴾ [الإسراء: ١٩]. يعني:وعمل لها عملًا وهو مؤمن، كان عملهم مقبولًا.
الألفاظ ذات الصلة
العمل:
العمل لغة:
المهنة والفعل، قال ابن فارس: «(عمل) العين والميم واللام أصل واحد صحيح، وهو عام في كل فعل يفعل»(9).
العمل اصطلاحًا:
كل فعل كان بقصد وفكر سواءً كان من أفعال القلوب كالنية أم من أفعال الجوارح كالصلاة (10).
الصلة بين العمل والسعي:
العمل هو المعنى الرئيس في القرآن للسعي ويقوم على القصد والإرادة.
الشغل:
الشغل لغة:
(شغل) الشين والغين واللام أصل واحد، يدل على خلاف الفراغ، تقول: شغلت فلانًا فأنا شاغله، وهو مشغول، وجمع الشغل أشغال، وقد جاء عنهم: اشتغل فلان بالشيء، وهو مشتغل(11).
الشغل اصطلاحًا:
لا يختلف معنى الشغل في الاصطلاح عن معناه في اللغة.
وقال الراغب: الشّغل والشّغل: العارض الذي يذهل الإنسان، قال عز وجل: ﴿إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ ٥٥﴾ [يس: 55](12).
الصلة بين الشغل والسعي:
يشتركان في العمل الذي ينشغل به الإنسان، فهو سعي وشغل، وقد يكون الشغل بغير عمل، وقد يراد بالسعي غير العمل.
أنواع السعي
أقسم الله تعالى على أن سعي الناس أنواع مختلفة، وذلك في قوله: ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰ ١ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ ٢ وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ ٣ إِنَّ سَعۡيَكُمۡ لَشَتَّىٰ ٤﴾ [الليل: 1-4].
أي : إن عملكم لمختلف أيها الناس؛ لأن منكم الكافر بربه، والعاصي له في أمره ونهيه، والمؤمن به، والمطيع له في أمره ونهيه، ومنكم من سعيه في طلب دنياه، ومنكم من سعيه في شهوات نفسه واتباع هواه، ومنكم من سعيه في طلب جاهه ومناه، وآخر في طلب عقباه(13).
أولًا: السعي الممدوح:
1. السعي في الطاعات.
إن السعي في الطاعات التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى من السعي الممدوح الذي يكسب به الساعي رضى الله تعالى، وثناء الناس.
وقد أمر الله تعالى بالسعي إلى الطاعات في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩﴾ [الجمعة: 9].
وفي الآية أمر من الله تعالى للمؤمنين بالسعي إلى صلاة الجمعة عند قعود الإمام على المنبر للخطبة، وأصل السعي في هذا الموضع العمل، والسعي لذكر الله تعالى يتضمن جميع الطاعات، وهذا أولى لأنه أوفق لعموم اللفظ(14).
ومثله السعي في الحج في جميع المشاعر وبين الصفا والمروة كما في قوله تعالى: ﴿۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ١٥٨﴾ [البقرة: 158](15).
كما أخبر تعالى أن من يسعى إلى عمل الآخرة أن سعيهم مشكور.
قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا ١٩﴾ [الإسراء: 19].
وقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ ٩٤﴾ [الأنبياء: 94].
وهذه الآيات مشتملة على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة وهي تشمل جميع الطاعات(16).
كذلك يدل على هذا المعنى الآيات التي ذكر فيها عمل الصالحات، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧﴾ [البقرة: 277].
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا ١٢٤﴾ [النساء: 124].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا ٩﴾ [الإسراء: 9].
وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار)(17).
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله -وأحسبه قال- وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر)(18).
والمراد بالساعي في الحديث: الكاسب لهما، العامل لمؤنتهما ، والأرملة من لازوج لها سواء كانت تزوجت أم لا ، وقيل هي التي فارقت زوجها، وسميت أرملة لما يحصل لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب الزاد بفقد الزوج ، يقال : أرمل الرجل إذا فني زاده، والمسكين الذي لا شيء له(19).
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:(كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة)، وفي رواية (وأنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئًا(20).
وأما كافل اليتيم فهو: القائم بأموره من نفقة وكسوة وتأديب وتربية وغير ذلك وهذه الفضيلة تحصل لمن كفله من مال نفسه أو من مال اليتيم بولاية شرعية(21).
2. السعي في نصرة الحق وأهله.
إن السعي في نصرة الحق وأهله من السعي الممدوح فاعله.
قال تعالى عن العبد الصالح الذي نصر الحق ودافع عن المرسلين: ﴿وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٠﴾ [يس: 20](22).
فقد جاء هذا الرجل من أقصى المدينة، وفي ذلك بلاغة باهرة؛ لأن ذلك يدل على أنه تحمل المشقة والبعد من أجل نصرة الحق وأهله، والمدينة هي أنطاكية، وهي كانت كبيرةً شاسعةً، قائلا لهم: ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾، أي: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السبيل(23)، حتى وإن ضحى الساعي في نصرة الحق بنفسه فقد جاء قتادة في قوله: ﴿وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ﴾ قال: بلغني أنه رجل كان يعبد الله في غار واسمه حبيب فسمع بهؤلاء النفرالذين أرسلهم عيسى إلى أهل انطاكية فجاءهم فقال: تسألون أجراً فقالوا: لا ، فقال لقومه: ﴿يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٠ ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٢١﴾ حتى بلغ ﴿فَٱسۡمَعُونِ﴾ قال: فرجموه بالحجارة فجعل يقول: رب اهد قومي فإنهم لا يعلمون ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ حتى بلغ ﴿إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ قال: فما نوظروا بعد قتلهم إياه حتى أخذتهم ﴿صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ﴾ (24).
وكذلك ذكر القرآن الكريم مؤمن آل فرعون حين نصر الحق.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن يَكُ كَٰذِبٗا فَعَلَيۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن يَكُ صَادِقٗا يُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ ٢٨﴾ [غافر: 28].
فقد كتم هذا الرجل الإيمان من أجل الدعوة والدفاع عنها، وفي مرحلة الضعف خوفا على النفس، مما أباحه الشرع، وقد ذكر الله تعالى في معرض المدح رجلاً مؤمناً من آل فرعون كان يكتم إيمانه(25)، وأظهر الرجل إيمانه حين رأى أن ذلك من مصلحة الدعوة، ومواجهة خطر فرعون، قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ ٢٦﴾ [غافر: 26].
فأخذت الرجل غضبة لله عز وجل وقام بواجبه بالجهاد بالكلمة عند سلطان جائر والتي هي أفضل الجهاد، كما قال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)(26).
ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون، وهي قوله تعالى: ﴿أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ﴾ [غافر: 28] أي: لأجل أن يقول ربي الله(27).
واختلف المفسرون أيضًا: هل كان إسرائيلياً أو قبطياً من آل فرعون ؟ والتحقيق أن الرجل المؤمن المذكور في هذه الآية هو من جماعة فرعون، كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ﴾ (28)، دون أن يذكر القرآن اسمه، وإنما أشار إلى خاصته، وذوي قرابته، فهو إنسان ذو شأن في المجتمع الفرعوني، ومع هذا لم يكشف القرآن عن اسمه.
ويكون السعي في نصرة الحق وأهله بكل الوسائل الممكنة بالقول والبيان كما في هذه الآيات السابقات، أومن خلال الجهاد الشرعي المضبوط بضوابطه الفقهية المعروفة عند الفقهاء.
قال تعال: ﴿كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ٥ يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٦ وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧ لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨﴾ [الأنفال: 5-8].
3. السعي في طلب العلم.
إن السعي في طلب العلم من أفضل الأعمال التي توازي الجهاد في سبيل الله تعالى: ﴿۞ وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ ١٢٢﴾ [التوبة: 122].
أي: فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة ويبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة، ليتفقهوا في الدين، يعني: فرقة القاعدين يتعلمون القرآن والسنن والفرائض والأحكام، فإذا رجعت السرايا أخبروهم بما أنزل الله بعدهم على نبيه من القرآن(29).
وقد عاتب الله تعالى نبيه الكريم في الإعراض عن الذين يسعون في طلب العلم، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ ٨﴾ [عبس: 8] أي: لطلب العلم، ويخشى الله فأنت عنه تتلهى، وتتشاغل... وهذا كله من قبيل العتاب للنبي صلى الله عليه وسلم (30).
وقد بين الله تعالى أنه اصطفى من عباده من يحمل الكتاب وهم: علماء الأمة من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، أو الأمة بأسرهم، فإن الله اصطفاهم على سائر الأمم فمنهم ظالم لنفسه بالتقصير في العمل به، ومنهم مقتصد يعمل به في غالب الأوقات، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله بضم التعليم والإرشاد إلى العمل، وقيل الظالم الجاهل والمقتصد المتعلم والسابق العالم، وقيل الظالم المجرم والمقتصد الذي خلط الصالح بالسيء والسابق الذي ترجحت حسناته بحيث صارت سيئاته مكفرة.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٣٢﴾ [فاطر: 32](31).
وروى الترمذي من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من سلك طريقا يلتمس فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم ، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر) (32).
وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه)(33).
ومعنى الحديث: من سلك طريقا: حسية أو معنوية، ونكره ليتناول أنواع الطريق الموصلة إلى تحصيل أنواع العلوم الدينية، والمعنى سهل الله له بسبب العلم طريقاً من طرق الجنة ، وذلك لأن العلم إنما يحصل بتعب ونصب، فمن تحمل المشقة في طلبه سهلت له سبل الجنة سيما إن حصل المطلوب.
قال ابن جماعة: «والأظهر أن المراد أن يجازيه يوم القيامة بأن يسلك به طريقاً لا صعوبة له فيه ولا هول إلى أن يدخله الجنة سالمًا، فأبان أن العلم ساعد السعادة وأس السيادة والمرقاة إلى النجاة في الآخرة والمقوم لأخلاق النفوس الباطنة والظاهرة فهو نعم الدليل والمرشد إلى سواء السبيل، وتقديم الظرفين (فيه - له) للاختصاص؛ لأن تسهيل طريق الجنة خاص بالله وغيره في مقابلته كالعدم ؛ لأنه في حقه غير مفيد، وكذا بالنسبة لسببه فإن غير هذا السبب من أسباب التسهيل كالعدم ؛ لأنه أقوى الأسباب المسهلة وفيه حجة باهرة على شرف العلم وأهله في الدنيا والآخرة لكن الكلام في العلم النافع لأنه الذي يترتب عليه الجزاء المذكور كما تقرر»(34).
وهناك أحاديث نبوية صحيحة عديدة فيها تنويه بالعلم وحثّ عليه وتنويه بالعلماء وفضلهم ومسؤولياتهم، يصح أن يساق في هذا المقام، من ذلك حديث رواه البخاري ومسلم عن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدّين)(35).
وسلوك طريق العلم مما تعترضه المشقات والسفر والبعد عن الأوطان.
وقد قال الله تعالى عن نبيه موسى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا ٦٢ قَالَ أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا ٦٣ قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا ٦٤ فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا ٦٥ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا ٦٦ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٦٧ وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا ٦٨ قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا ٦٩﴾ [الكهف: 62-69].
يخبر تعالى عن قول موسى عليه السلام لذلك الرجل العالم، وهو الخضر، الذي خصه الله بعلم لم يطلع عليه موسى، كما أنه أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر قال له موسى : هل أتبعك ؟ سؤال تلطف لا على وجه الإلزام والإجبار، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم(36).
4. السعي في عمارة المساجد.
إن السعي في عمارة المساجد من السعي المحمود الذي يقوم به المؤمنون.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧ إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨﴾ [التوبة: 17-18].
إن عمارة المسجد هي: لزومه، والإقامة فيه، وعبادة الله فيه، وبناؤه وترميمه، وهي نوعان: حسية، ومعنوية:
فالحسية: بالتشييد والبناء والترميم والتنظيف والفرش والتنوير بالمصابيح والدخول إليها والقعود فيها.
والمعنوية: بالصلاة وذكر الله، والاعتكاف، والزيارة للعبادة فيها، وذلك يشمل العمرة، ومن الذكر: درس العلم، بل هو أجله وأعظمه وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا، فضلا عن فضول الحديث(37).
والمعنى في هذه الآية إنما يعمر مساجد الله بالحق لهم والواجب، ولفظ هذه الآية الخبر وفي ضمنها أمر المؤمنين بعمارة المساجد، وقد قال بعض السلف: إذا رأيتم الرجل يعمر المسجد فحسنوا به(38)، ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ﴾، وعمارتها رمّ ما استرم منها، وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا ؛ لأنها بنيت للعبادة والذكر، ومن الذكر درس العلم(39).
ثم بين سبحانه أن المؤمنين الصادقين هم الجديرون بعمارة مساجد الله، فقال: ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ﴾ أي: ليس المشركون أهلًا لعمارة مساجد الله وإنما الذين هم أهل لذلك المؤمنون الصادقون الذين آمنوا بالله إيماناً حقًّا، وآمنوا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، وآمنوا بما فرضه الله عليهم من فرائض فأدوها بالكيفية التي أرشدهم إليها نبيهم صلى الله عليه وسلم فهم في صلاتهم خاشعون وللزكاة معطون بسخاء وإخلاص.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨﴾ [التوبة: 18](40).
5. السعي في النصيحة.
إن النصيحة ذات أهمية عظيمة عند ذوي الألباب والفهوم؛ لأنها إرشاد إلى الصواب وتوجيه نحو العمل الصالح والأخلاق الفاضلة والسيرة الحسنة وهداية إلى ما يعود نفعه وفائدته على المنصوح بالسعادة والعز والنصيحة ، تبصير بالمضار حتى لا يقع فيها من لا يعرفها.
ولذلك ينبغي أن يكون الناصح ذا رأي ثاقب وعقل راجح قد جرب الأمور وعركته الأيام والليالي ، وذاق حلوها ومرها وانتفع بما رآه فيها من عسر ويسر وفرح وسرور، وخلص قلبه من هم قاطع وغم شاغل ليسلم رأيه وتخلص نصيحته من الشوائب المكدرة(41).
والسعي في النصيحة من الأعمال التي قام بها الأبياء عليهم السلام.
قال تعالى إخبارًا عن نوح عليه السلام: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥٩ قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٦٠ قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي ضَلَٰلَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦١ أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمۡ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٢﴾ [الأعراف: 59-62].
وقال عن هود عليه السلام: ﴿۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۗ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٦٥ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي سَفَاهَةٖ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦٦ قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي سَفَاهَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٧ أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنَا۠ لَكُمۡ نَاصِحٌ أَمِينٌ ٦٨﴾ [الأعراف: 65-68].
وقال عن صالح عليه السلام: ﴿فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ وَقَالُواْ يَٰصَٰلِحُ ٱئۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٧٧ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٧٨ فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٧٩﴾ [الأعراف: 77-79].
وقال عن شعيب عليه السلام: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٩٠ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩١ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٢ فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٩٣﴾ [الأعراف: 90-93].
فإذا علمت أن شراً سينزل بمؤمن غافل عنه فواجب عليك أن تنبهه وتحذره ليأخذ حذره من الكائدين ، وأسرع بأخباره كما حذر رجل موسى عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَجُلٞ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ يَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِيَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢٠﴾ [القصص: 20].
فهذا الرجل هو مؤمن آل فرعون والمشهور إن هذا الرجل المؤمن كان (قبطيًّا) من آل فرعون، وجاء من أقصى المدينة ومعنى ﴿يَسۡعَىٰ﴾ يعدو أي: من أطرافها البعيدة، ﴿قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ يَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِيَقۡتُلُوكَ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: يتشاورون في قتلك.
الثاني: يأمر بعضهم بعضًا بقتلك.
ومنه قوله: ﴿وَأۡتَمِرُواْ بَيۡنَكُم بِمَعۡرُوفٖۖ﴾ [الطلاق: 6] أي: ليأمر بعضكم بعضًا، والملأ أشراف القوم، والمنظور إليهم.
﴿إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ﴾ [القصص: 20]أي: من الناصحين لك في الأمر بالخروج، والنصح للإنسان هو الإشارة عليه بما يصلح أمره، وقد كان السلف يطلب هذا بعضهم من بعض(42).
وتختلف النصيحة عن السعي بالنميمة؛ لأن النميمة نقل للحديث من قوم الى قوم على وجه الإفساد بينهم وهي من الكبائر، أما نقل الكلام بقصد النصيحة فواجب، كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَجُلٞ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ يَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِيَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢٠﴾ [القصص: 20](43).
ثانيًا: السعي المذموم:
إن السعي المذموم في القرآن الكريم لكل صور وأمثلة، منها:
1. السعي في الصد عن سبيل الله تعالى.
إن الصد عن سبيل الله تعالى قد يكون بالانصراف والامتناع عنه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا ٦١﴾ [النساء: 61].
وقد يكون بالصرف والمنع عن سبيل الله نحو قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ﴾ [النمل: 24].
وقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ١﴾ [محمد: 1] إلى غير ذلك من الآيات(44).
وقد بين الله تعالى أن الكافرين والمنافقين يسعون مجتهدين في الصد عن سبيل الله تعالى بكل أنواع الصد، سواءً أكان بالإعراض عن القرآن، وعدم الالتفات إليه، أو كان ذلك بمنع وصرف من يريد اتباع الرسول، والإقرار بالقرآن الذي أنزله الله تعالى كما يدل عليه قوله بعد: ﴿ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ﴾ [سبأ: 6](45).
وفي قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ﴾، إشارة إلى سعى هؤلاء المشركين، وأنه سعي للباطل والضلال، حيث يسعون لإعجاز آيات الله، وغلبتها وصرفها عن طريقها.
وفي تعدية الفعل بحرف الجر «في» الذي يفيد الظرفية، إشارة إلى أنهم يدخلون فى آيات الله ويلبسون الحق بالباطل، إذ يحرفون الكلم عن مواضعه، ويلقون فيه بالهذر من القول، والسخف من الكلام(46).
ويكون المعنى: والذين جهدوا في إبطال آياتنا، ورد دعوة الدين، والتكذيب بها، وثبطوا الناس عن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، ظناً منهم أنهم يعجزوننا ويتفلتون من أمرنا وبعثنا لهم وأننا لا نقدر عليهم، فهم أهل النار الحارة الموجعة، الشديد عذابها ونكالها، المقيمون فيها على الدوام.
وقد بين الله تعالى أن هؤلاء هم أصحاب الجحيم، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٥١﴾ [الحج: 51].
وقال سبحانه: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوۡ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٞ ٥﴾ [سبأ: 5](47).
كما حكى القرآن ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨﴾ [سبأ: 38].
كقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ ٨٨﴾ [النحل: 88](48).
واختلف أهل التفسير في معنى قوله: ﴿مُعَٰجِزِينَ﴾، قال الماوردي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه تكذيبهم بالقرآن، قاله يحيى ابن سلام.
الثاني: أنه عنادهم في الدين، قاله الحسن.
(معجزين) قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقرأ الباقون (معاجزين) فمن قرأ معجزين ففي تأويله أربعة أوجه:
أحدها: مثبطين لمن أراد اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول السدي.
الثاني: مثبطين في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول مجاهد.
والثالث: مكذبين، حكاه ابن شجرة.
الرابع: معجزين لمن آمن بإظهار تعجيزه في إيمانه.
ومن قرأ (معاجزين) ففي تأويله أربعة أوجه:
أحدها: مشاققين، قاله ابن عباس.
والثاني: متسارعين حكاه ابن شجرة.
والثالث: معاندين، قاله قطرب.
والرابع: معاجزين يظنون أنهم يعجزون الله هرباً، قاله السدي(49).
ثم أخبر عن هؤلاء أنهم أصحاب النار بقوله: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ﴾ [الحج: 51].
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوۡ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٞ ٥﴾ [سبأ: 5].
وقال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ ٨٨﴾ [النحل: 88].
فالعذاب من الرجز الأليم المذكور في «سبأ» هو عذاب الجحيم المذكور في الحج(50).
ثم توعدهم الله تعالى بالويل: ﴿وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ ٢ ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٣﴾ [إبراهيم: 2-3](51).
وأخبر تعالى أن أهل الكتاب يصدون عن سبيل الله، فقال تعالى: ﴿۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤﴾ [التوبة: 34].
وكذلك قال تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٥﴾ [الحج: 25].
وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٤٧﴾ [الأنفال: 47](52).
يقول تعالى بعد أمره المؤمنين بالإخلاص في القتال في سبيله، وكثرة ذكره، ناهياً لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم، ﴿بَطَرٗا﴾ أي : دفعاً للحق، ﴿وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ﴾ وهو المفاخرة والتكبر عليهم، كما قال أبو جهل: لما قيل له: إن العير قد نجا فارجعوا، فقال: لا والله لا نرجع، حتى نرد ماء بدر، وننحر الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان، وتتحدث العرب بمكاننا فيها يومنا أبداً، فانعكس ذلك عليه أجمع، لأنهم لما وردوا ماء بدر وردوا به الحمام، وركموا في أطواء بدر مهانين أذلاء، صغرةً أشقياء في عذاب سرمدي أبدي، ولهذا قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ﴾ أي : عالم بما جاءوا به وله، ولهذا جازاهم عليه شر الجزاء لهم(53).
2. السعي بالإفساد في الأرض.
إن السعي بالفساد من سجايا اليهود قولًا وفعلًا.
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٤﴾ [المائدة: 64]
قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: ... ويعمل هؤلاء اليهود والنصارى بمعصية الله، فيكفرون بآياته ويكذبون رسله، ويخالفون أمره ونهيه، وذلك سعيهم فيها بالفساد والله لا يحب المفسدين»، يقول: والله لا يحب من كان عاملاً بمعاصيه في أرضه»(54)، أي: من سجيتهم أنهم دائماً يسعون في الإفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته(55).
وصفة السعي بالفساد من صفات الملوك الجبابرة، قال تعالى: ﴿قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۖ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٣٤﴾ [النمل: 34].
وقال تعالى عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَدۡبَرَ يَسۡعَىٰ ٢٢﴾ [النازعات: 22].
فبعد أن رأى فرعون الآية الكبرى، وهي المعجزة الكبرى الدالة على صدق نبوته، وهي انقلاب العصا حيةً أو اليد، ومع ذلك كذب وخالف، كما قال تعالى: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ٢١ ثُمَّ أَدۡبَرَ يَسۡعَىٰ ٢٢﴾ أي: فكذب فرعون بموسى وبما جاء به وبالحق، وعصى الله عز وجل فلم يطعه، وتولى وأعرض عن الإيمان، وأخذ يسعى بالفساد في الأرض، ويجتهد في مكايدة موسى ومعارضة ما جاء به والعمل على إبطال أمره(56).
وكذلك يسعى المنافقون في الفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ ٢٠٤ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥﴾ [البقرة: 204-205].
فالمنافق إذا تولى وأعرض وأدبر أو تولى إذا أصبح واليًا سلطانًا جارٍ، ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥﴾ [البقرة: 205](57).
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول الآية أقوالًا:
قال القاضي ابن عطية: «قال السدي: «نزلت في الأخنس بن شريق، واسمه أبي، والأخنس لقب، وذلك أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأظهر الإسلام، وقال: الله يعلم أني صادق، ثم هرب بعد ذلك، فمر بقوم من المسلمين، فأحرق لهم زرعاً، وقتل حمرًا، فنزلت فيه هذه الآيات ، وما ثبت قط أن الأخنس أسلم.
وقال ابن عباس: نزلت في قوم من المنافقين تكلموا في الذين قتلوا في غزوة الرجيع عاصم بن ثابت وخبيب وابن الدثنة وغيرهم قالوا: ويح هؤلاء القوم لا هم قعدوا في بيوتهم ولا أدوا رسالة صاحبهم، فنزلت هذه الآيات في صفات المنافقين.
ثم ذكر المستشهدين في غزوة الرجيع في قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۗ﴾ الآية، وقال قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء: نزلت هذه الآيات في كل مبطن كفر أو نفاق أو كذب أو إضرار وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك، فهي عامة»(58).
وقوله تعالى: ﴿وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۗ﴾ قال المفسرون إن : المراد الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر، وقال مجاهد: المراد أن الظالم يفسد في الأرض فيمسك الله المطر فيهلك الحرث والنسل، وقيل: المراد أن المفسد يقتل الناس فينقطع عمار الزرع والمنسلون، وقال الزجاج: يحتمل أن يراد بالحرث : النساء وبالنسل نسلهن»(59).
قال القاضي أبو محمد بن عطية: «والظاهر أن الآية عبارة عن مبالغة في الإفساد، إذ كل فساد في أمور الدنيا، فعلى هذين الفصلين يدور»(60).
أي: أن المنافق أعوج المقال سيء الفعال، كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة، وليس له همة إلا الفساد في الأرض وإهلاك الحرث، وهو محل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو نتاج الحيوانات اللذين لا قوام للناس إلا بهما، ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ﴾ أي : لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك(61).
ومن الفساد في الأرض محاربة الله ورسوله كقطع الطريق وقتل النفس ونقض العهود والمواثيق.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٤﴾ [المائدة: 33-34].
والمحاربة هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر (62)، حتى قال كثير من السلف، منهم سعيد بن المسيب: إن قطع الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض.
وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥﴾ [البقرة: 205].
ثم قال بعضهم: نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين، كما روى ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري، قالا: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه، لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب.
قال الإمام ابن كثير: «والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات.
كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قلابة واسمه عبدالله ابن زيد الجرمي البصري عن أنس بن مالك أن نفرًا من عكل ثمانية، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال (ألا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبوا من أبوالها وألبانها) فقالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا، فقتلوا الراعي، وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث في آثارهم فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا(63)(64).
وقال ابن عاشور: «وفي الآية الكريمة إشارة إلى بني إسرائيل، وإلى أنهم هم الوجه البارز فى الإنسانية، الذي تظهر فيه تلك المنكرات ظهوراً واضحاً، حتى لتكاد تكون الأصل الذي يقاس عليه كل منكر يظهر في الناس. فهم يحادون الله ورسوله، والمحادة هي العدوان على حدود الله، والاستباحة لحرماته»(65).
3. السعي في خراب المساجد.
إن السعي في خراب المساجد من أظلم الظلم كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١٤﴾ [البقرة: 114].
أي: لا أظلم ممن اجتهد وبذل وسعه في خرابها الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها، وتقذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله فيها، وهذا عام، لكل من اتصف بهذه الصفة(66).
وقد اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها؟ على قولين:
القول الأول: إن المراد بالذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها بأنهم هم النصارى قال مجاهد: هم النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون الناس أن يصلوا فيه وعن قتادة قال: هو بختنصر وأصحابه، خرب بيت المقدس، وأعانه على ذلك النصارى، وقال سعيد عن قتادة: قال أولئك أعداء الله، النصارى حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس، حتى خربه وأمر أن تطرح فيه الجيف(67).
وهذا القول اختاره ابن جرير، واحتج بأن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس.
قال ابن جرير: «والدليل على صحة ما قلنا في ذلك، قيام الحجة بأن لا قول في معنى هذه الآية إلا أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرناها، وأن لا مسجد عنى الله عز وجل بقوله: ﴿وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ﴾، إلا أحد المسجدين، إما مسجد بيت المقدس، وإما المسجد الحرام، وإذ كان ذلك كذلك، وكان معلوماً أن مشركي قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام، وإن كانوا قد منعوا في بعض الأوقات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الصلاة فيه صح وثبت أن الذين وصفهم الله عز وجل بالسعي في خراب مساجده، غير الذين وصفهم الله بعمارتها، إذ كان مشركو قريش بنوا المسجد الحرام في الجاهلية، وبعمارته كان افتخارهم، وإن كان بعض أفعالهم فيه، كان منهم على غير الوجه الذي يرضاه الله منهم.
وأخرى أن الآية التي قبل قوله: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ﴾ مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذم أفعالهم، والتي بعدها نبهت بذم النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم، ولم يجر لقريش ولا لمشركي العرب ذكر، ولا للمسجد الحرام قبلها، فيوجه الخبر بقول الله عز وجل: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ﴾ إليهم وإلى المسجد الحرام.
وإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بالآية أن يوجه تأويلها إليه، وهو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها، إذ كان خبرها لخبرهما نظيراً وشكلاً إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها بخلاف ذلك، وإن اتفقت قصصها فاشتبهت»(68).
القول الثاني: إن المراد بهم المشركون الذين حالوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، وبين أن يدخلوا مكة، حتى نحر هديه بذي طوى، وهادنهم، فعن ابن عباس أن قريشاً منعوا النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ﴾(69).
ورجح هذا القول الإمام ابن كثير فقال في ترجيح هذا القول:«شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وأما اعتماده على أن قريشاً لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٤﴾ [الأنفال: 34].
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧ إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨﴾ [التوبة: 17-18].
وقال تعالى: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡهَدۡيَ مَعۡكُوفًا أَن يَبۡلُغَ مَحِلَّهُۥۚ وَلَوۡلَا رِجَالٞ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَآءٞ مُّؤۡمِنَٰتٞ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ أَن تَطَـُٔوهُمۡ فَتُصِيبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةُۢ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ لِّيُدۡخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ لَوۡ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ٢٥﴾ [الفتح: 25].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨﴾ [التوبة: 18].
فإذا كان من هو كذلك مطرودًا منها مصدودًا عنها، فأي خراب لها أعظم من ذلك؟
وليس المراد من عمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط، إنما عمارتها بذكر الله فيها وإقامة شرعه فيها، ورفعها عن الدنس والشرك»(70).
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ﴾ هذا خبر معناه الطلب، أي: لا تمكنوا هؤلاء إذا قدرتم عليهم من دخولها، إلا تحت الهدنة والجزية، وهذا إنما كان تصديقاً وعملاً بقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ﴾ [التوبة: 28].
وقال بعضهم: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين، على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين، أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها، والمعنى: ما كان إلا الحق والواجب إلا ذلك، لولا ظلم الكفرة وغيرهم.
وقيل: إن هذا بشارة من الله للمسلمين، أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم، حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم، إلا خائفاً يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل، إن لم يسلم، وقد أنجز الله هذا الوعد، كما تقدم من منع المشركين من دخول المسجد الحرام، وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن يجلى اليهود والنصارى منها، ولله الحمد والمنة. وما ذاك إلا تشريف أكناف المسجد الحرام، وتطهير البقعة التي بعث الله فيها رسوله إلى الناس كافةً، بشيراً ونذيراً، صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الخزي لهم في الدنيا، لأن الجزاء من جنس العمل، فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام، صدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة أجلوا عنها، ولهم في الآخرة عذاب عظيم على ما انتهكوا من حرمة البيت، وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، ودعاء غير الله عنده، والطواف به عرياً وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله(71).
وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، فلا أعظم إيماناً ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨﴾ [التوبة: 18](72).
وعلى أي حال، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فتشمل أهل الكتاب والمشركين ومن على شاكلتهم، في كل زمان ومكان، وينطبق على ما وقع من تيطس الروماني الذي دخل بيت المقدس بعد موت المسيح بنحو سبعين سنة وخربها، وهدم هيكل سليمان عليه السلام، وأحرق بعض نسخ التوراة، وكان المسيح قد أنذر اليهود بذلك، كما ينطبق على مشركي مكة الذين منعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من دخول مكة، وكذلك على الصليبيين الذين أغاروا على بيت المقدس وغيره من بلاد المسلمين، وصدهم عن المسجد الأقصى وتخريبهم كثيراً من المساجد، ويتكرر الأمر من اليهود في الوقت الحاضر بتخريب كثير من مساجد فلسطين، وإحراق المسجد الأقصى، ومحاولات هدمه المتكررة(73).
قال وهبة الزحيلي: «إن تدمير المساجد أو الصد عنها جرم عظيم، لا يرتكبه إلا من فقد الإيمان، وعادى جوهر الدين، واتبع الأهواء، وحارب الأخلاق والفضائل، ولم يقدم على تلك الجريمة في الماضي أو في العصر الحاضر، سواءً في ديار الإسلام أو غيرها إلا الملحدون المارقون من الدين، الذين يبتغون نشر الإلحاد وتقويض دعائم الدين والإسلام»(74).
كتابة السعي والمحاسبة عليه
بدهي أن يكتب السعي ويحاسب عليه؛ لأن ذلك سنة الله الجارية في الخلق وسيكون هذا المبحث عن ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: كتابة السعي:
بين الله تعالى أنه يكتب سعي المؤمن الذي يعمل الصالحات في قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ ٩٤﴾ [الأنبياء: 94].
والمعنى: فمن عمل بما أمره الله به من العمل الصالح، وأطاعه في أمره ونهيه، وهو مقر بوحدانية الله؛ مصدق بوعده ووعيده متبرئ من الأنداد والآلهة، فإن الله يشكر عمله الذي عمل له مطيعاً له، وهو به مؤمن، فيثيبه في الآخرة ثوابه الذي وعد أهل طاعته أن يثيبهموه، ولا يكفر ذلك له فيجحده، ويحرمه ثوابه على عمله الصالح ﴿وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ﴾ يقول: ونحن نكتب أعماله الصالحة كلها، فلا نترك منها شيئاً لنجزيه على صغير ذلك وكبيره وقليله وكثيره. وإنا مثبتون له ذلك فى صحيفة أعماله، لا نترك منه شيئاً جل أو قل، عظم أو حقر، والكتابة تكون في اللوح المحفوظ، وفي الصحف التي مع الحفظة أو في صحيفة عمله (75).
وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ﴾ [آل عمران: 195].
أي: كل ذلك محفوظ ليجازي به(76).
وأكد ذلك بقوله:﴿وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ﴾ مؤكدًا بحرف التأكيد للاهتمام به، والكتابة كناية عن تحققه وعدم إضاعته؛لأن الاعتناء بإيقاع الشيء يستلزم الحفظ عن إهماله وعن إنكاره، ومن وسائل ذلك كتابته ليذكر ولو طالت المدة. وهذا لزوم عرفي(77).
كما بين سبحانه أنه يكتب سعي وعمل الكافر في مواضع متعددة من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ ٢١﴾ [يونس: 21].
وقوله تعالى: ﴿أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ ٨٠﴾ [الزخرف: 80].
وقوله تعالى: ﴿هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٩﴾ [الجاثية: 29].
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ ١٩﴾ [الزخرف: 19].
وقوله تعالى: ﴿لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ١٨١﴾ [آل عمران: 181].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ ١٠ كِرَامٗا كَٰتِبِينَ ١١ يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ ١٢﴾ [الانفطار: 10-12].
وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩﴾ [الكهف: 49].
وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣ ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤﴾ [الإسراء: 13-14].
إلى غير ذلك من الآيات(78).
كما أخبر الله تعالى عن كتابة السعي بخيره وشره للمسلم والكافر.
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ ١٢﴾ [يس: 12](79).
فما قدموا هو أفعالهم وآثارهم أفعال الشاكرين فبشرهم حيث يؤاخذون بها ويؤجرون عليها والثالث: ما ذكرنا أن الآثار الأعمال وما قدموا النيات فإن النية قبل العمل(80).
وقوله: ﴿وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ﴾ يحتمل وجوهًا:
أحدها: أن يكون ذلك بياناً لكون ما قدموا وآثارهم أمرًا مكتوبًا عليهم لا يبدل، فإن القلم جف بما هو كائن فلما قال: نكتب ما قدموا بين أن قبل ذلك كتابة أخرى، فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا، ثم إذا فعلوه كتب عليهم أنهم فعلوه.
وثانيها: أن يكون ذلك مؤكدًا لمعنى قوله: ﴿وَنَكۡتُبُ﴾ ؛ لأن من يكتب شيئًا في أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال: نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ٥٢﴾ [طه: 52].
وثالثها: أن يكون ذلك تعميمًا بعد التخصيص كأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم وليست الكتابة مقتصرةً عليه، بل كل شيء محصى في إمام مبين، وهذا يفيد أن شيئًا من الأقوال والأفعال لا يعزب عن علم الله ولا يفوته، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيۡءٖ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ ٥٢ وَكُلُّ صَغِيرٖ وَكَبِيرٖ مُّسۡتَطَرٌ ٥٣﴾ [القمر: 52-53].
يعني: ليس ما في الزبر منحصرًا فيما فعلوه، بل كل شيء فعلوه مكتوب.
وقوله: ﴿أَحۡصَيۡنَٰهُ﴾ أبلغ من كتبناه، لأن من كتب شيئًا مفرقًا يحتاج إلى جمع عدده فقال: هو محصى فيه وسمي الكتاب إماماً لأن الملائكة يتبعونه فما كتب فيه من أجل ورزق وإحياء وإماتة اتبعوه.
وقيل هو اللوح المحفوظ، وإمام جاء جمعًا في قوله تعالى: ﴿يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ﴾ [الإسراء: 71] ، أي : بأئمتهم وحينئذ، فإمام إذا كان فردًا فهو ككتاب وحجاب، وإذا كان جمعًا فهو كجبال وحبال.
والمبين هو المظهر للأمور لكونه مظهرًا للملائكة ما يفعلون وللناس ما يفعل بهم، وهو الفارق يفرق بين أحوال الخلق فيجعل فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير(81).
ثانيًا: المحاسبة على السعي:
إن كتابة السعي تمثل مرحلةً تمهيديةً للحساب عليه.
وقد عامل الله تعالى البشر بما أمرهم أن يتعاملوا به من توثيق المعاملات بينهم ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [البقرة: 282].
من أجل أن يعلموا أن السعي في الخير والشر مسجل ومقيد بكل صغيرة وكبيرة ليوم الحساب.
قال تعالى: ﴿وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩ وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ ٤٠﴾ [النجم: 39-40].
أي: أن عمل كل عامل سوف يراه يوم القيامة، من ورد القيامة بالجزاء الذي يجازى عليه، خيراً كان أو شراً، لا يؤاخذ بعقوبة ذنب غير عامله، ولا يثاب على صالح عمله عامل غيره(82).
﴿وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ﴾ قيل: معناه يراه الخلق يوم القيامة، والأظهر أنه صاحبه(83)؛ لقوله: ﴿يَوۡمَئِذٖ يَصۡدُرُ ٱلنَّاسُ أَشۡتَاتٗا لِّيُرَوۡاْ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٦ فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٧ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ ٨﴾ [الزلزلة: 6-8].
وقد أخبر تعالى بأن الحساب سيكون بموجب الكتابة للأعمال.
قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣ ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤﴾ [الإسراء: 13-14].
وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩﴾ [الكهف: 49].
وقوله تعالى: ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨﴾ [ق:18](84).
إلا ما سعى بصيغة الماضي دون المستقبل لزيادة الحث على السعي في العمل الصالح وتقريره هو أنه تعالى لو قال: ليس للإنسان إلا ما يسعى، تقول النفس إني أصلي غداً كذا ركعة وأتصدق بكذا درهماً، ثم يجعل مثبتاً في صحيفتي الآن لأنه أمر يسعى وله فيه ما يسعى فيه، فقال: ليس له إلا ما قد سعى وحصل وفرغ منه، وأما تسويلات الشيطان وعداته فلا اعتماد عليها ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ ٤٠ ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ ٤١﴾[النجم: 40-41](85).
كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥﴾ [التوبة: 105].
أي: فيخبركم به ويجزيكم عليه أتم الجزاء إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وهكذا قال هاهنا: ﴿ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ﴾ أي : الأوفر(86).
إن المقصود من كتابة السعي لكل إنسان هو الحساب يوم القيامة فكل سعي يعمله الإنسان من خير أو شر فهو مكتوب مسجل له أو عليه، ويعطى له كتابه يوم القيامة بكل ما عمله من خير أو شر، وذلك لإقامة الحجة عليه؛ لأن الله تعالى عليم بكل شيء، ولا يحتاج إلى كتابة تعالى الله علواً كبيراً، و حتى ما يهم به الإنسان من خير فإنه يكتب له.
ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عز وجل: إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنةً فإن عملها كتبتها عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف ،وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه فإن عملها كتبتها سيئةً واحدةً)(87).
فهذا الحديث صريح في أن كل شيء يعمله الإنسان فهو مكتوب عند الحفظة سواءً كان خيراً أو شراً، حتى الهم إذا هم بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة(88).
وحساب الله تعالى على الأعمال هو: أن تقابل السيئات بالحسنات، وتقابل الحسنات بالنعم، فإن الإنسان عليه حقوق لله تعالى في مقابل النعم. وبعض الناس يستكثر أعماله فيقول: عملت أعمالاً كثيرةً من صلوات وصدقات وأذكار وقراءة قرآن وجهاد وحج وعمرة وصوم وطواف، ولم أقترف سيئات أبدًا.
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣ ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤﴾ [الإسراء: 13-14].
ويخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ما من إنسان إلا وسيجد كتاب أعماله ملازمًا له، ينشر عليه في يوم القيامة، ويقال له: اقرأ كتابك وأنت حسيب نفسك، بعد أن تقف على كل أعمالك التي عملتها في الدنيا، وهذا هو العدل التام، والإنصاف الكامل.
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَٰبِيَهۡ ١٩ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ ٢٠ فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ ٢١ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ٢٢ قُطُوفُهَا دَانِيَةٞ ٢٣ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَآ أَسۡلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡأَيَّامِ ٱلۡخَالِيَةِ ٢٤ وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُوتَ كِتَٰبِيَهۡ ٢٥ وَلَمۡ أَدۡرِ مَا حِسَابِيَهۡ ٢٦ يَٰلَيۡتَهَا كَانَتِ ٱلۡقَاضِيَةَ ٢٧ مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ ٢٨ هَلَكَ عَنِّي سُلۡطَٰنِيَهۡ ٢٩﴾ [الحاقة: 19-29].
وهذا وصف من الله جل وعلا، وتقسيم كذلك لحال الناس بالنسبة لإيتائهم كتبهم: قسم يأخذه بيمينه، ثم يعبر عن سروره وغبطته، وما يصير إليه حاله من النعيم العظيم، والفوز الكبير.
وقسم آخر يأخذه بشماله، ثم يعبر عن حسرته وندامته وتمنيه أنه لم يكلف بقراءة كتاب ولم يوقف لحساب، أو تمنيه كذلك لأن تكون موتته التي ماتها هي القاضية فلا يبعث ولا يحاسب، ثم يتذكر بعض الأسباب التي كانت تحول بينه وبين السعادة في الآخرة، والتي منها اغتراره بالمال والسلطان، وهما آفة الكثير ممن يقع عليهم شدة الحساب ووقوع العذاب.
وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩﴾ [الكهف: 49].
وهذا تصوير بديع لحالة وقوف الناس على كتبهم خائفين وجلين، وكأنهم قد اطلعوا على ما فيها من تسجيل كامل لجرائمهم التي كانوا يتفننون في ارتكابها، ومع هذا الخوف الشديد، والرهبة الكاملة فهم لا يخفون انزعاجهم من دقة هذا الكتاب، الذي لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، ووضحها تمام الوضوح، ولكن هذا صنع من يريد العدل تعالى بعباده، فليس هناك خوف من الظلم، فليطمئن كل مخلوق إلى أنه سوف لا يقع عليه إلا ما قدم لنفسه.
قال الإمام ابن كثير في معنى الآية: «﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ﴾ أي: كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير.
﴿فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ﴾ أي: من أعمالهم السيئة، وأفعالهم القبيحة، لأن هذا الكتاب لم يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها»(89).
وقال تعالى: ﴿يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا ٧١﴾ [الإسراء: 71].
يخبر تعالى أنه في يوم القيامة، في موقف فصل القضاء، يدعو كل أمة بإمامهم، أي : كتاب الأعمال ثم يعطون كتب أعمالهم، على ما سبق وصفه، إما باليمين أو بالشمال، وأخبر سبحانه أنه لا يقع على أي مخلوق ظلم أو نقص من عمل، حتى وإن كان شيئًا تافهًا لا يسترعي الانتباه، كالفتيل ومثقال الذرة وما إلى ذلك(90).
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ ٧ فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا ٨ وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا ٩ وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ ١٠ فَسَوۡفَ يَدۡعُواْ ثُبُورٗا ١١ وَيَصۡلَىٰ سَعِيرًا ١٢﴾ [الانشقاق: 7-12].
أسباب السعي
إن هناك أسباب للسعي الممدوح، والسعي المذموم، وهذه الأسباب تعتبر الطرق الموصلة لكلا السعيين، ويمكن بيانها في النقاط الآتية:
أولًا: أسباب السعي الممدوح:
1. الإيمان.
اعتبر القرآن الكريم الأيمان أهم الأسباب الموصلة للسعي الممدوح الموصل إلى الجنة بإذن الله تبارك و تعالى، ولكنه دائماً يأتي مقروناً بالعمل الصالح، لذلك لا تكاد تجد موضع فيه ذكر للأيمان وأنه سبب لدخول الجنة إلا وهو مقرون بالعمل الصالح، وباب الأعمال الصالحة واسع وكبير، وطرق كسب الثواب عظيمة ومتعددة لا يحصيها إلا الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا ١٩﴾ [الإسراء: 19].
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ ٩٤﴾ [الأنبياء: 94].
وقوله تعالى: ﴿يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِم بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢﴾ [الحديد: 12].
2. التقوى.
إن التقوى سبب لكثير من أنواع السعي الممدوح.
قال تعالى: ﴿۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٣٥ أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ١٣٦﴾ [آل عمران: 133-136].
وقال تعالى: ﴿الٓمٓ ١ ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥﴾ [البقرة: 1-5].
وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١﴾ [الأحزاب: 70-71].
3. طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا ٦٩﴾ [النساء: 69].
وقال عز وجل: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٥٢﴾ [النور: 52].
وقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبۡهُ عَذَابًا أَلِيمٗا﴾ [الفتح: 17].
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى) قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)(91).
كما أن امتثال قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩﴾ [الجمعة: 9].
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٠٢﴾ [الصافات: 102].
4. الجهاد في سبيل الله.
إن الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال من أعظم الأعمال ومن الأسباب التي تجعل المجاهد يعمل السعي الممدوح لما في ذلك من الفضل العظيم.
قال تعالى: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١١﴾ [التوبة: 111].
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ١٠ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١ يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢ وَأُخۡرَىٰ تُحِبُّونَهَاۖ نَصۡرٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحٞ قَرِيبٞۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٣﴾ [الصف: 10-13].
ولما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: (إيمان بالله ورسوله). قيل: ثم ماذا؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) قيل: ثم ماذا؟ قال: (حج مبرور)(92).
5. التوبة.
إن التوبة تدفع المسلم لمزيد من السعي الممدوح من أجل المحافظة على التوبة والحذر من العودة إلى المعاصي والسيئات.
قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا ٦٠﴾ [مريم: 60].
وقال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ ٨٢﴾ [طه: 82].
وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٧٠ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١﴾ [الفرقان: 70-71].
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلۡمُفۡلِحِينَ ٦٧﴾ [القصص: 67].
فالتوبة تجب ما قبلها وكما قال صلى الله عليه وسلم: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)(93).
وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا ٦٠﴾ [مريم: 60].
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٨﴾ [التحريم: 8].
6. الاستقامة على دين الله.
وقال تعالى: ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٢﴾ [هود: 112].
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٣٠﴾ [فصلت: 30].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٣ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤﴾ [الأحقاف: 13-14].
إن الاستقامة هي أن يجمع العبد بين فعل الطاعات واجتناب المعاصي؛ لأن التكليف يشتمل على أمر بطاعة تبعث على الرغبة ونهي عن معصية يدعو إلى الرهبة(94).
7. طلب العلم.
في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (... ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، و ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)(95).
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ ٨﴾ [عبس: 8].
ثانيًا: أسباب السعي المذموم:
1. الكفر والشرك بالله تعالى.
الشرك بالله: بأن يجعل لله شريكاً في الرّبوبية، أو الألوهية، أو الصّفات. فمن اعتقد أنّ مع الله خالقاً مشاركاً، أو منفرداً، أو اعتقد أن مع الله إلهاً يستحق أن يعبد، أو عبد مع الله غيره فصرف شيئاً من أنواع العبادة إليه، أو اعتقد أنّ لأحدٍ من العلم والقدرة والعظمة ونحوها مثل ما لله عزّ وجلّ؛ فقد أشرك بالله شركاً أكبر، واستحقّ الخلود في النار.
قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ [المائدة: 72].
والكفر بالله عزّ وجلّ، أو بملائكته، أوكتبه، أو رسله، أو اليوم الآخر، أو قضاء الله وقدره: فمن أنكر شيئاً من ذلك تكذيباً، أو جحداً، أو شكّ فيه؛ فهو كافر مخلّد في النار.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١﴾ [النساء: 150-151].
وهؤلاء هم الذين وصف الله سعيهم بأنه ضلال.
قال سبحانه: ﴿ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤﴾ [الكهف: 104].
2. الصد عن سبيل الله تعالى.
إن الصد عن سبيل الله تعالى يعتبر من السعي المذموم فاعله.
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٥١﴾ [الحج: 51].
وقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوۡ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٞ ٥﴾ [سبأ: 5].
وقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨﴾ [سبأ: 38].
3. النفاق.
وهو أن يكون كافراً بقلبه، ويظهر للناس أنه مسلم، إما بقوله، أو بفعله.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا ١٤٥﴾ [النساء: 145].
وهذا الصنف أعظم مما قبله؛ ولذلك كانت عقوبة أصحابه أشدّ، فهم في الدرك الأسفل من النار؛ وذلك لأن كفرهم جامع بين الكفر والخداع، والاستهزاء بالله وآياته ورسوله، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ ٢٠٤ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥﴾ [البقرة: 204-205].
4. الفساد في الأرض.
إن الفساد في الأرض بكل صوره وأشكاله من السعي المذموم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ ٢٠٤ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥﴾ [البقرة: 204-205].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٤﴾ [المائدة: 64].
4. الحرابة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٤﴾ [المائدة: 33-34].
5. الظلم.
ومن أظلم الظلم السعي في خراب المساجد.
قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١٤﴾ [البقرة: 114].
وقال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُۚ إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٥٧﴾ [الكهف: 57].
6. فعل الكبائر والمعاصي.
كعقوق الوالدين: وعقوقهما أن يقطع ما يجب لهما من برٍّ وصلةٍ، أو يسيء إليهما بالقول أو الفعل.
قال تعالى: ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ٢٣ وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا ٢٤﴾ [الإسراء: 23-24].
وقال تعالى: ﴿أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ١٤﴾ [لقمان: 14].
وقطيعة الرّحم: وهي أن يقاطع الرجل قرابته فيمنع ما يجب لهم من حقوقٍ بدنيةٍ، أو ماليةٍ، فعن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنّة قاطع)(96).
قال سفيان: يعني قاطع رحمٍ، وقال صلى الله عليه وسلم: (خلق اللّه الخلق فلمّا فرغ منه قامت الرّحم فأخذت بحقو الرّحمن فقال له : مه ، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، قال : ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟! قالت :بلى يا ربّ ، قال : فذاك ثمّ ، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : اقرءوا إن شئتم: ﴿فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ ٢٢ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ ٢٣﴾ [محمد: 22-23])(97).
وأكل الرّبا: قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٣٠ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ١٣١ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٣٢﴾ [آل عمران: 130-132].
وقد توعّد الله تعالى من عاد إلى الرّبا بعد أن بلغته موعظة الله، وتحذيره توعّده بالخلود في النار، فقال سبحانه: ﴿ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧٥﴾ [البقرة: 275].
7. العمل من أجل الدنيا.
أن السعي من أجل الدنيا دون اعتبار قصد الآخرة من السعي المذموم، وعلى العكس من ذلك العمل من أجل الآخرة، فمن كان عمله للدنيا فقط نال منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ٢٠﴾ [الشورى: 20].
وقال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا ١٨ وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا ١٩﴾ [الإسراء: 18-19].
ولهذا قال هاهنا ﴿وَسَنَجۡزِي ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ أي سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم(98).
جزاء السعي
إن السعي بنوعيه الممدوح والمذموم لكل منهما جزاء في الدنيا والآخرة، وهذا الجزاء يدفع بالمسلم للسعي الممدوح حتى ينال الجزاء المترتب عليه، ويجتنب السعي المذموم حتى لا يناله الجزاء على ذلك أيضاً، كما أن معرفة الجزاء يدفع المسلم للإقدام على السعي الممدوح، واجتناب السعي المذموم، وفي هذا المبحث سيتم بيان هذين النوعين من الجزاء كما يأتي:
أولًا: جزاء السعي الممدوح في الدنيا والآخرة:
1. جزاء السعي الممدوح في الدنيا.
إن للسعي الممدوح جزاءٌ عاجلٌ في الدنيا قبل الثواب في الآخرة، وليس جزاء العمل الصالح مقتصرًا على الجزاء الأخروي فقط كما يظن ذلك كثير من الناس، بل إن الله تعالى يجازي من يعمل صالحاً جزاءً دنيوياً عاجلًا كما دلت على ذلك النصوص، ومنها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ الله لا يظلم مؤمناً حسنةً، يعطى بها في الدّنيا ويجزى بها في الآخرة) (99).
فمن ذلك ما يأتي:
- المودّة في قلوب المؤمنين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا ٩٦﴾ [مريم: 96].
وفي الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحب الله تعالى العبد، نادى جبريل: إن الله تعالى يحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء: إنّ الله يحبّ فلانًا فأحبّوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض)(100).
- الثناء الحسن من الله تعالى.
فينثي الله عليه ثناءً حسنًا جزاءً على السعي الممدوح في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ خَيۡرُ ٱلۡبَرِيَّةِ ٧﴾ [البينة: 7].
فقد أثنى الله تعالى عليهم بأنهم خيرية البرية، والبرية كل من خلق الله على العموم(101).
ويكفي العمل الصّالح فضلًا، ويكفي أهله شرفًا أنّ الله تعالى زكّاهم وأثنى عليهم، فيا له من فضلٍ وشرفٍ لمخلوقٍ يزكّيه الخالق تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ خَيۡرُ ٱلۡبَرِيَّةِ ٧﴾ [البينة: 7]. فجعلهم سبحانه خير الخليقة.
وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ﴾ [ص:24].
فالعمل الصالح سبب لسعادة القلب وفرحه، وذهاب همه وغمه؛ ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتاح بالصلاة، وجعلت قرة عينه فيها، وكان إذا حزبه أمر صلى، والمؤمن يجد لذةً وسعادةً عقب كل عمل صالح يعمله، وهذه السعادة التي لا تشترى بمال، ولا تنال بجاه، وهي من الجزاء العاجل على العمل الصالح: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ﴾ [النحل: 97] فمن الّذي لا يريد الحياة الطّيّبة الهانئة؟! والحياة الطّيّبة تشمل وجوه الرّاحة من أيّ جهةٍ كانت.
- التمكين في الأرض.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ﴾ [النور: 55].
وعد الله الذين آمنوا بالله ورسوله منكم أيها الناس، وعملوا الصالحات وأطاعوا الله ورسوله فيما أمراه ونهياه ﴿لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي : ليورثنهم الله أرض المشركين من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها ﴿كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ﴾ أي : كما فعل من قبلهم ذلك ببني إسرائيل، إذ أهلك الجبابرة بالشأم، وجعلهم ملوكها وسكانها ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ﴾ يقول: وليوطئن لهم دينهم، يعني: ملتهم التي ارتضاها لهم، ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم﴾ بمعنى: وليغيرن حالهم عما هي عليه من الخوف إلى الأمن، قال أبي ابن كعب: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة آوتهم الأنصار ومنهم العرب عن قوس واحدهً، وكانوا لا يبيتون إلا مع السلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله، فنزلت هذه الآية»، وقد حقّق الله تعالى ذلك للمسلمين الأولين لما آمنوا وعملوا الصالحات، ففتحوا مشارق الأرض ومغاربها، ومنحهم التمكين والعزّة والقوة(102).
- تفريج الكروب.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا﴾ [الطلاق: 2].
وقال سبحانه: ﴿وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ﴾ [الطلاق: 3].
وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا﴾ [الطلاق: 4].
وفي الحديث الشريف عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم....)(103).
وفي هذا الحديث الشريف؛ أنّ السعي والعمل الصالح مع الإخلاص: يفرّج الكروب، وينجي من الشدائد والصعاب.
- النصر.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧﴾ [محمد: 7].
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40].
فمن ينصر دين الله في الأرض، ينصره الله تعالى على أعدائه، وهذا ما حقّقه المسلمون، إذ نصروا دين الله تعالى، فنصرهم الله، مع قلّة عددهم وكثرة عدوهم.
- الإنفاق على الساعي.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ﴾ [سبأ: 39].
وعن أسماء رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا توكي فيوكى عليك) أي: لا تدّخري ما عندك، وتمنعي ما عندك، فينقطع الله عنك الرزق. والإيكاء: شد رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذي يربط به، وفي رواية: (أنفقي ولا تحصي، فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك)(104).
- وفي اصطناع المعروف.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نفّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة. ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه. ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)(105).
- صلاح أحوال العبد.
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۙ كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ ٢﴾ [محمد: 2]أي: أصلح دينهم ودنياهم، وقلوبهم وأعمالهم، وأصلح ثوابهم، بتنميته وتزكيته، وأصلح جميع أحوالهم. فإصلاح البال يجمع إصلاح الأمور كلها؛ لأن تصرفات الإنسان تأتي على حسب رأيه، والمعنى: أقام أنظارهم وعقولهم فلا يفكرون إلا صالحاً، ولا يتدبرون إلا ناجحاً(106).
- حفظ أهل العامل وذريته.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ﴾ [الكهف: 82].
قال ابن عباس رضي الله عنه: «حفظا بصلاح أبيهما، وقيل: كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء، قال محمد بن المنكدر: إن الله يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده، وعترته وعشيرته وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم»(107).
- ولاية الله تعالى للعبد ونصرته وإجابة دعائه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩٦﴾ [الأعراف: 196].
فهذه الآية دليل على أنّ من سنّته تعالى أن ينصر الصّالحين من عباده ولا يخذلهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۚ﴾ [الشورى: 26] أي: إذا دعوه استجاب دعاءهم، وأعطاهم ما طلبوا وزادهم على مطلوبهم.
2. جزاء السعي الممدوح في الآخرة.
- غفران الذنوب.
قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا ١٩﴾ [الإسراء: 19]يعني: فمن فعل ذلك ﴿كَانَ سَعۡيُهُم﴾ يعني : عملهم بطاعة الله ﴿مَّشۡكُورٗا﴾ وشكر الله إياهم على سعيهم ذلك حسن جزائه لهم على أعمالهم الصالحة، وتجاوزه لهم عن سيئها برحمته، ويضعف لهم الحسنات، ويمحو عنهم السيئات، ويرفع لهم الدرجات(108).
قال القاضي ابن عطية: «وذلك كله مرتبط متلازم ثم شرط في مريد الآخرة أن يسعى لها سعيها، وهو ملازمة أعمال الخير وأقواله على حكم الشرع وطرقه، فأولئك يشكر الله سعيهم ولا يشكر الله عملاً ولا سعياً إلا أثاب عليه وغفر بسببه»(109).
- دخول الجنة.
وقد أوضح تعالى هذا في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا ١٢٤﴾ [النساء: 124].
وقوله: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧﴾ [النحل: 97].
وقوله: ﴿مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٤٠﴾ [غافر: 40] إلى غير ذلك من الآيات(110).
- أن نورهم يسعى بين أيديهم.
قال تعالى: ﴿يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِم بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢﴾ [الحديد: 12].
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٨﴾ [التحريم: 8].
يقول تعالى مخبرًا عن المؤمنين المتصدقين أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة، بحسب أعمالهم، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «يسعى نورهم بين أيديهم على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نوراً من نوره في إبهامه يتقد مرةً ويطفأ مرةً»(111).
- التنعم بنعمة الرضا.
قال تعالى: ﴿لِّسَعۡيِهَا رَاضِيَةٞ ٩﴾ [الغاشية: 9].
أي: لعملها الذي عملت في الدنيا من طاعة ربها راضية، وقيل: والمعنى: لثواب سعيها في الآخرة راضية، يعني: رأى ثوابه في الجنة، راضية مرضية، رضي الله عنه بعمله في الدنيا، ورضي العبد من الله تعالى في الآخرة، من الثواب في جنة عالية يعني: ذلك الثواب في جنة عالية، مرتفعة في الدرجات العلى(112).
قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ١٠ لَّا تَسۡمَعُ فِيهَا لَٰغِيَةٗ ١١ فِيهَا عَيۡنٞ جَارِيَةٞ ١٢ فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ ١٣ وَأَكۡوَابٞ مَّوۡضُوعَةٞ ١٤ وَنَمَارِقُ مَصۡفُوفَةٞ ١٥ وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ ١٦﴾ [الغاشية: 10-16].
قال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿لِّسَعۡيِهَا رَاضِيَةٞ ٩﴾ [الغاشية: 9] :«فيه تأويلان:
أحدهما: أنهم حمدوا سعيهم واجتهادهم في العمل لله، لما فازوا بسببه من العاقبة الحميدة كالرجل يعمل العمل فيجزى عليه بالجميل، ويظهر له منه عاقبة محمودة فيقول، ما أحسن ما عملت، ولقد وفقت للصواب فيما صنعت فيثني على عمل نفسه ويرضاه.
والثاني: المراد لثواب سعيها في الدنيا راضية إذا شاهدوا ذلك الثواب، وهذا أولى، إذ المراد أن الذي يشاهدونه من الثواب العظيم يبلغ حد الرضا حتى لا يريدوا أكثر منه، وإما وصف دار الثواب»(113).
ثانيًا: جزاء السعي المذموم في الدنيا والآخرة:
1. جزاء السعي المذموم في الدنيا.
- الزيغ والضلال.
قال تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ﴾ [الصف: 5].
لما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به، أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الشك والحيرة.
- نسيان الله تعالى.
قال تعالى: ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۗ﴾ [التوبة: 67].
وقال تعالى: ﴿فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا﴾ [الأعراف: 51].
وقال سبحانه: ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ﴾ [السجدة: 14]ذوقوا العذاب بسبب تكذيبكم به وتناسيكم له، يقول الله تعالى ذلك من باب المقابلة؛ لأنّ الله تعالى لا ينسى شيئًا، ولا يضلّ عنه شيء. وقد حذّر الله تعالى عباده أن ينسوه فقال: ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۗ﴾ [التوبة: 67].
- مجازاتهم بعين صنيعهم.
قال تعالى في المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤ ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥﴾ [البقرة: 14-15].
وقال تعالى في المنافقين: ﴿ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡۙ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٩﴾ [التوبة: 79].
وأما المكر: تدبير الأمر في خفية، والمكر من الله تعالى هو جزاؤهم بالعذاب مع مكرهم من حيث لا يشعرون. وقال سبحانه: ﴿وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].
وقال: ﴿وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا وَمَكَرۡنَا مَكۡرٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٠﴾ [النمل: 50].
- الخزي في الحياة الدنيا.
قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١٤﴾ [البقرة: 114].
- القتل والتشريد وإقامة الحد عليهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٤﴾ [المائدة: 33-34].
- إلقاء العداواة والبغضاء بينهم الى يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٤﴾ [المائدة: 64].
- الضلال في أعمال الدنيا.
قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا ١٠٥ ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتۡ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡفِرۡدَوۡسِ نُزُلًا ١٠٧ خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا ١٠٨﴾ [الكهف: 104-108].
2. جزاء السعي المذموم في الآخرة.
- أنهم أصحاب الجحيم.
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٥١﴾ [الحج: 51].
وهو العذاب من رجز أليم: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوۡ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٞ ٥﴾ [سبأ: 5].
وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ ٣٨﴾ [سبأ: 38].
وقال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا ١٨ وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا ١٩﴾ [الإسراء: 18-19].
يخبر تعالى أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل عليه، بل إنما يحصل لمن أراد الله وما يشاء، وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات، فإنه قال: ﴿عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿يَصۡلَىٰهَا﴾ أي يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه ﴿مَذۡمُومٗا﴾ أي : في حال كونه مذموماً على سوء تصرفه وصنيعه، إذ اختار الفاني على الباقي ﴿مَّدۡحُورٗا﴾ مبعداً مقصياً حقيراً ذليلاً مهاناً(114).
- تحبط أعمالهم يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا ١٠٥ ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦﴾ [الكهف: 104-106].
وقد أوضح جل وعلا هذا المفهوم في آيات أخر؛ كقوله في أعمال غير المؤمنين: ﴿وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣﴾ [الفرقان: 23].
وقوله: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٨﴾ [إبراهيم: 18].
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٣٩﴾ [النور: 39].
إلى غير ذلك من الآيات.
- أن عمل الكافر الذي يتقرب به إلى الله يجازى به في الدنيا، ولا حظ له منه في الآخرة.
قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ ١٥ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٦﴾ [هود: 15-16].
وقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ٢٠﴾ [الشورى: 20](115)، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ ١٥ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٦﴾ [هود: 15-16].
وتوفيتهم أعمالهم، إنالتهم ثمراتها مكملةً في الدنيا، ﴿وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ﴾ : لا ينقصون من جزائهم عليها بتحصيل المسببات التي توسلوا إليها بأسبابها. ثم في الآخرة تحبط تلك الأعمال فلا يكون عليها من جزاء ولا لها من ثمرة، لأنها كانت أعمالًا باطلةً لا ثبات لها(116).
| موضوعات ذات صلة: |
| الرزق، السير، العمل، الكسب، المشي |
الحواشي
- انظر: تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص 274، الكشف والبيان، الثعلبي 2/257، التفسير الوسيط، الواحدي 1/376. ↩
- انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 411. ↩
- انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 412، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 3/222. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور14/386، تاج العروس، الزبيدي 38/280، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 1/431. ↩
- انظر: المصباح المنير، الفيومي 1/277. ↩
- انظر: معاني القرآن، الفراء 2/389، أحكام القرآن، الجهضمي ص 198. ↩
- انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص351. ↩
- انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص258، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 349. ↩
- مقاييس اللغة 4/145.
وانظر: لسان العرب، ابن منظور 11/475، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 4/101. ↩ - انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي ص 322. ↩
- مقاييس اللغة، ابن فارس 3/195. ↩
- المفردات، الراغب الأصفهاني ص 457. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 24/467، النكت والعيون، الماوردي 6/287، التفسير الوسيط، الواحدي 4/502 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/403، التحرير والتنوير، ابن عاشور 30/380. ↩
- انظر: معاني القرآن، الأخفش 2/542، جامع البيان، الطبري 23/380، مفاتيح الغيب، الرازي 4/139، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 3/75. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 23/380، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 1/361، النكت والعيون، الماوردي6/8، التفسير الوسيط، الواحدي 1/241، تفسير الراغب الأصفهاني 1/355. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، الواحدي 3/101، مفاتيح الغيب، الرازي 20/323، مدارك التنزيل، النسفي 2/250. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل، رقم 5353، 7/62. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم، رقم 2982، 4/2286. ↩
- انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 9/103، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 2/385. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، باب اللعان، رقم 5304، 7/53، ومسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم، رقم 2983، 4/2287، عن سهل بن سعد. ↩
- انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 18/112، شرح صحيح البخارى، ابن بطال 9/218. ↩
- انظر: تفسير المراغي 22/153، مدارك التنزيل، النسفي 3/100. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 26/262. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 5/14، الدر المنثور، السيوطي 7/51. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 21/375. ↩
- أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الملاحم، باب الأوامر والنواهي، رقم 4344، 4/124، والترمذي في سننه، كتاب الفتن، باب ما جاء أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، رقم 2174، 4/471، والنسائي في سننه، كتاب البيعة، فضل من تكلم بالحق عند إمام جائر، رقم 4209، 7/161.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/440. ↩ - انظر: النكت والعيون، الماوردي 5/152، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 15/306، التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 12/1226، أضواء البيان، الشنقيطي 6/384. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 5/152، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 15/306، أضواء البيان، الشنقيطي 6/384. ↩
- انظر: معالم التنزيل، البغوي 2/403. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 19/215، فتح القدير، الشوكاني 5/463، تفسير المراغي 30/41، التفسير الوسيط، طنطاوي 15/284. ↩
- انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 4/259. ↩
- أخرجه أبو داود في سننه، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، 3641، 3/317، والترمذي في سننه، أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، رقم 2682، 5/48، وابن ماجه في سننه، كتاب الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، رقم 223، 1/81 .
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم 2117، 2/1079. ↩ - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، رقم 2699، 4/2074. ↩
- انظر: فتح الباري، ابن حجر 1/174، فيض القدير، المناوي 6/154، دليل الفالحين، البكري 7/175. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، رقم 71، 1/25، ومسلم في صحيحه، كتاب الكسوف، باب النهي عن المسألة، رقم 1037، 2/719. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/163، أضواء البيان، الشنقيطي 8/341. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/346، تفسير القرآن، السمعاني 2/294، الكشاف، الزمخشري2/254، المفردات، الراغب الأصفهاني ص 586. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري 2/255، المحرر الوجيز، ابن عطية 3/15، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8/90. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/105. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي 6/228. ↩
- انظر: موارد الظمآن لدروس الزمان، عبدالعزيز السلمان 3/467. ↩
- انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 4/138، النكت والعيون، الماوردي 4/244، تفسير القرآن، السمعاني 4/130، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/241. ↩
- انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 825، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 5/126. ↩
- انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 477، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 3/390. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/218، أضواء البيان، الشنقيطي 6/264. ↩
- انظر: التفسير القرآني للقرآن، يونس الخطيب 9/1059. ↩
- انظر: مدارك التنزيل، النسفي 2/447. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي 17/244. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 4/33. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، الواحدي 3/276، جامع البيان، الطبري 18/661، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 3/433، تفسير المراغي 17/126. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 14/216، التفسير الوسيط، الواحدي 3/23، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 3/433، تفسير المراغي 17/126. ↩
- انظر: تفسير القرآن، السمعاني 3/103. ↩
- انظر: معالم التنزيل، البغوي 2/299، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/63. ↩
- جامع البيان 10/461.
وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/133. ↩ - انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 2/189، تفسير الراغب الأصفهاني 5/396، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/134، التحرير والتنوير، ابن عاشور 6/248. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 24/202، تفسير القرآن، السمعاني 6/150، مدارك التنزيل، النسفي 3/598، التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/218 التفسير القرآني للقرآن، يونس الخطيب 16/1439. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، الواحدي 1/310، تفسير الراغب الأصفهاني 1/428. ↩
- المحرر الوجيز 1/279.
وانظر: جامع البيان، الطبري 4/232، التفسير الوسيط، الواحدي 1/310، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/85. ↩ - انظر: جامع البيان، الطبري 24/202، تفسير القرآن، السمعاني 6/150، مدارك التنزيل، النسفي 3/598، التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/218. ↩
- انظر: المحرر الوجيز 1/279. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/420. ↩
- الحرابة هي: قطع الطريق وإشهار السلاح خارج المصر، وقال البعض تتحقق الحرابة داخل المصر..والمحارب وفسره الجمهور في هذه الآية بالذي يقطع الطريق على الناس، مسلماً كان أو كافرًا.
انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي ص 177، القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص 83، المحرر الوجيز، ابن عطية 2/184، البحر المحيط، أبو حيان 4/240، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6/154، التحرير والتنوير، ابن عاشور6/182. ↩ - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق، رقم 3018، 4/62، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب حكم المحاربين والمرتدين، رقم 1671، 3/1296. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 10/243، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/85. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 6/180. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 2/520، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/269. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 2/520، تفسير القرآن، السمعاني 1/128، النكت والعيون، الماوردي 1/173، تفسير الراغب الأصفهاني 1/297، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/269. ↩
- جامع البيان 2/520. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 2/520، التفسير الوسيط، الواحدي 1/192، تفسير القرآن، السمعاني 1/128، النكت والعيون، الماوردي 1/173، تفسير الراغب الأصفهاني 1/297، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/269. ↩
- تفسير القرآن العظيم 1/270. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، الواحدي 1/192، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/270. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 1/43. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي 1/280. ↩
- انظر: المصدر السابق 1/281. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 18/524، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 3/404، مدارك التنزيل، النسفي 2/420، مفاتيح الغيب، الرازي 22/184، التحرير والتنوير، ابن عاشور 17/143، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص530، تفسير المراغي 17/70. ↩
- انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 4/60، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/339. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور17/144. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 18/524، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 3/404، مفاتيح الغيب، الرازي 22/184، التحرير والتنوير، ابن عاشور 17/143، أضواء البيان، الشنقيطي 3/508. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/221. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 26/258. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 26/259، المفردات، الراغب الأصفهاني ص 699، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/326، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 16/180. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 22/547، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 5/76. ↩
- انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 5/172، التفسير الوسيط، الواحدي 4/204، مفاتيح الغيب، الرازي 20/311. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 6/291. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 29/277، لباب التأويل، الخازن 4/214، الجواهر الحسان، الثعالبي 5/331. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 22/547، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 5/172، التفسير الوسيط، الواحدي 4/204، مفاتيح الغيب، الرازي 20/311، التسهيل لعلوم التنزيل تفسير ابن جزي 2/320، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/432. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد، 1/117، رقم 128. ↩
- انظر: تفسير المراغي 27/66. ↩
- تفسير القرآن العظيم 7/432. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 22/547، التفسير الوسيط، الواحدي 4/204، مفاتيح الغيب، الرازي 20/311، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/432. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم 7280، 9/92. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من قال إن الإيمان هو العمل، رقم26، 1/14. ↩
- أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد باب ذكر التوبة، رقم 4250، 2/1419، من حديث ابن مسعود.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم 3008، 1/578. ↩ - النكت والعيون، الماوردي 5/180. ↩
- سبق تخريجه. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب إثم القاطع، رقم 5984، 8/5، من حديث أبي هريرة. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ﴾، رقم 4830، 6/134. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/397. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا، رقم 2808، 4/2162. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم 3209، 4/111. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، الواحدي 4/540، تفسير القرآن، السمعاني 3/263. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 19/208، التفسير الوسيط، الواحدي 3/326، مفاتيح الغيب، الرازي 24/413. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرقاق، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال، رقم 2743، 4/2099. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ﴾، رقم 2591، 3/158، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة باب الحث على الإنفاق وكراهة الإحصاء، رقم 1029، 2/713. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، رقم 2699، 4/2074. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 22/151، النكت والعيون، الماوردي 5/290، لباب التأويل، الخازن 4/139. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، الواحدي 3/101، معالم التنزيل، البغوي 3/211 . ↩
- انظر: تفسير القرآن، السمعاني 3/229، معالم التنزيل، البغوي 3/126، زاد المسير، ابن الجوزي 3/17، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/113. ↩
- انظر: المحرر الوجيز 3/446. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 24/211، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 3/353، التفسير الوسيط، طنطاوي 9/92، الكشاف، الزمخشري 4/697، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/319، أضواء البيان، الشنقيطي 3/81. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 5/473، التفسير الوسيط، الواحدي 4/248، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/49. ↩
- جامع البيان، الطبري 24/385. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 31/141، التفسير القرآني للقرآن، يونس الخطيب 8/786. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/58. ↩
- أضواء البيان، الشنقيطي 3/82. ↩
- جامع البيان، الطبري 15/269، التفسير الوسيط، الواحدي 2/567، مدارك التنزيل، النسفي 2/51. ↩
