مفهوم الكتابة
أولًا: المعنى اللغوي:
(ك ت ب) الكاف والتاء والباء أصل صحيح واحد، يدل على جمع شيء إلى شيء(1). والكتابة لغة: الضم والجمع(2). يقال: كتبت الكتاب أكتبه كتبًا(3). ومن ذلك الكتيبة: وهي الطائفة من الجيش العظيم(4). وتكتبت الخيل، أي: تجمعت.
وتكتبوا: تجمعوا. ومنه: الكتب لجمع الحروف في الخط(5). ومنه: المكاتبة: وهي أن يكاتب الرجل عبده أو أمته على مالٍ ينجمه عليه، ويكتب عليه أنه إذا أدى نجومه في كل نجمٍ كذا وكذا فهو حرٌ(6). وإنما سمي هذا العقد بالكتابة لأنها بمعنى الجمع، ففي المكاتبة ضم حرية اليد إلى حرية الرقبة، أو لأن فيه جمعًا بين نجمين فصاعدًا، أو لأن كل واحد من العاقدين -أي: المولى والمملوك- يكتب الوثيقة عادة، وهو أظهر(7).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف الكفوي الكتابة بقوله: جمع الحروف المنظومة وتأليفها بالقلم(8).
وجاء في معجم لغة الفقهاء: الكتابة: بكسر الكاف مصدر، (كتب) الكتاب خطه، ما يكتب في القرطاس من الكلام(9). وهذه التعاريف للكتابة كصناعة وعلم.
الكتابة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (كتب) في القرآن الكريم (319) مرة(10).
والصيغ التي وردت هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| الفعل الماضي | 30 | ﴿فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ﴾ [البقرة: 187] |
| الفعل المضارع | 16 | ﴿وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ﴾ [البقرة: 282] |
| فعل الأمر | 5 | ﴿۞ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ﴾ [الأعراف: 156] |
| اسم الفاعل | 6 | ﴿وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [البقرة: 282] |
| المصدر | 255 | ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢﴾ [البقرة: 2] |
| الجمع | 6 | ﴿يَوۡمَ نَطۡوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلۡكُتُبِۚ﴾ [الأنبياء: 104] |
| اسم المفعول | 1 | ﴿ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ﴾ [الأعراف: 157] |
وجاءت الكتابة في القرآن على أربعة أوجه(11):
الأول: الفرض: ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، أي: فُرِض.
الثاني: القضاء: ومنه قوله تعالى: ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ﴾ [المجادلة: ٢١]، أي: قضى الله.
الثالث: الجعل: ومنه قوله: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، أي: جعل.
الرابع: الأمر: ومنه قوله تعالى: ﴿يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ﴾ [المائدة: ٢١]، أي: أمركم بدخولها.
الألفاظ ذات الصلة
القراءة:
القراءة لغة:
القراءة: مصدر قرأت الكتاب قراءةً(12). وفي الصحاح: (قرأ) الكتاب (قراءةً) و(قرآنًا) بالضم، و(قرأ) الشيء (قرآنًا) بالضم أيضًا جمعه وضمه، ومنه سمي القرآن؛ لأنه يجمع السور ويضمها(13). وقد تقرأ فلان: تنسك، واقرأ سلامي على فلان، وأقرأت المرأة: حاضت(14).
القراءة اصطلاحًا:
لا يختلف معنى القراءة في الاصطلاح عن معناها في اللغة.
الصلة بين القراءة والكتابة:
الكتابة هي رسم المقروء، الدال على المقصود، فالمكتوب يكون بالقلم والرسم، والقراءة باللسان والنطق، ويعبر بكلٍ منهما عن الآخر، من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه.
السطر:
السطر لغة:
(سطر) السين والطاء والراء أصل مطرد يدل على اصطفاف الشيء، كالكتاب والشجر، وكل شيءٍ اصطف(15). يقال: سطرت الكتاب سطرًا -من باب (قتل) -كتبته(16).
فالأصل في السطر: الخط والكتابة، قال الله تعالى: ﴿نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ ١﴾ [القلم: 1]. أي: وما يكتبون(17).
السطر اصطلاحًا:
لا يختلف معنى السطر في الاصطلاح عن معناه في اللغة.
في قوله تعالى: ﴿وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ ٢﴾ [الطور: 2].
وصف الكتاب بأنه مسطور إشارة إلى أنه مكتوب كتابة في أسطر على نحو ما يكتب الكاتبون، وفي وصفه بأنه في رق منشور إشارة أخرى إلى أنه خفيف الحمل، سهل التداول، وأنه منشور، أي: مفتوح للقارئين، غير مطوي عنهم، وفي هذا كله تنويه بالكتابة، ورفع لقدرها، وأنها باب واسع من أبواب العلم، وطريق فسيح من طرق المعرفة(18).
الصلة بين السطر والكتابة:
(السطر) الصف من كل شيء، يقال: سطر من الكتابة وسطر من الشجر، فهو على هذا أعم من الكتابة بمعناها الاصطلاحي الذي سبق القول إنها: ضم وجمع الحروف بعضها إلى بعض.
الخط:
الخط لغة:
(خ ط ط) خط الشيء بيده يخطه خطًا إذا خطه بقلم أو غيره(19). وخط الكتاب يخطه، وكتاب مخطوط، واختط لنفسه دارًا إذا ضرب لها حدودًا؛ ليعلم أنها له(20).
الخط اصطلاحًا:
الخط: تصوير اللفظ بحروف هجائية، وعند الحكماء: هو الذي يقبل الانقسام طولًا لا عرضًا ولا عمقًا، ونهايته النقطة(21).
وقد وردت هذه المادة (خ ط ط) في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله: ﴿وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ﴾ [العنكبوت: 48].
وهي هنا بمعنى: الكتابة.
الصلة بين الخط والكتابة:
الخط: الكتابة والشق(22). فهو أعم من الكتابة، فقد يكون خطًا مقروءًا، وقد يكون غير ذلك، وقد يكون على قرطاس، أو على أرض، أو رملٍ، بينما الكتابة خلافه.
وفي القاموس: الخط: الطريقة المستطيلة في الشيء، أو الطريق الخفيف في السهل، والكتب بالقلم وغيره(23).
إسناد الكتابة لله تعالى
أسند الله تعالى في القرآن الكريم الكتابة لنفسه في عدة آيات، بصيغ مختلفة (كتبنا، سنكتب، نكتب، كتب الله، كتبناها، كاتبون، إنا كنا نستنسخ، والله يكتب ما يبيتون، واكتب لنا، فاكتبنا).
وفي آيات أخرى جعلها من فعل الملائكة، كما قال: ﴿بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80].
وقوله: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ﴾ [يونس: 21].
وقوله: ﴿كِرَامٗا كَٰتِبِينَ ١١﴾ [الانفطار: 11].
وفي آيات أخرى أطلق الكتابة ولم يسندها لأحد، كما في قوله: ﴿سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ﴾ [الزخرف: 19].
وقوله: ﴿لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ﴾ [آل عمران: 154].
وقوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ﴾ [النساء: 77].
وعلى هذا فالكتابة صفة من صفات الله الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة(24)، وهي صفة تليق بجلاله وكماله تعالى، فهي من صفات الكمال والجلال، فهو سبحانه يكتب ما شاء، متى شاء، كما يليق بجلاله وعظيم شأنه.
وهذه الكتابة المنسوبة إلى الله تحتمل عدة معانٍ، منها:
يجوز أن يكون المعنى: أن الله أمر القلم أو غيره أن يكتب، فكتب ما أراد سبحانه كما قال الحافظ ابن حجر (25).
ويجوز أن يكون على ظاهره بأنه كتب تعالى بدون واسطة، ويجوز أن يكون قال: كن فكانت الكتابة، ولا محذور في ذلك كله(26).
ويستثنى من ذلك ما جاء النص فيه أنه كتبه بيده، كما في حديث احتجاج آدم وموسى عليهما السلام أن آدم قال لموسى: (أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده)(27).
فهذا ليس له إلا معنىً واحدٌ، وهو حمله على ظاهره، وهو أن الله تعالى كتب ذلك بنفسه.
ومما يكتبه الله تعالى:
1. كتابة القدر.
كتب الله تعالى مقادير الأشياء في اللوح المحفوظ، بعد علمه بها تعالى أزلًا، ومما يدل على هذا النوع من الكتابة قوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٥١﴾ [التوبة: 51].
فـ(كتب) هنا بمعنى قضى وقدر، وأصل الكتابة هنا ما كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ، قال الطبري: ﴿إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا﴾ أي: في اللوح المحفوظ، وقضاه علينا(28). من خير أو شر، أو خوف أو رجاء، أو شدة أو رخاء، وفائدته أنه إذا علم الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع -لأن خلاف معلوم الله ومقدوره محال- زالت عنه منازعة النفس، وهانت عليه المصائب، فيكون المقصود أن أحوال المسلمين وإن كانت مختلفة في الغم والسرور والمحنة إلا أن العاقبة والدولة تكون لهم، والظفر يقع في جانبهم، فلا معنى لفرح المنافقين في الحال(29).
وعبر بقوله: ﴿لَنَا﴾ ولم يقل: (علينا) لنكتة بلاغية، أي: أن ما كتبه الله فهو خيرٌ، وإن كان في ظاهره مصيبة أو شرًا، لما فيه من الأجر لمن صبر، وجزيل الثواب لمن رضي بقضاء الله سبحانه.
والحاصل: أن مما يكتبه الله تعالى القدر، فالأقدار مكتوبة في الأزل، فلا راد لقضاء الله، ولا مبدل لكلماته.
فالقلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، من خير وشر، فلا يقدر أحد أن يدفع عن نفسه مكروهًا نزل به، أو يجلب لنفسه نفعًا أراده لم يقدر له(30). ولا يستطيع أحد أن يمحو شيئًا مما كتبه الله في اللوح المحفوظ، ولا يمكن أن يحصل هذا، كما في الحديث: (رفعت الأقلام، وجفت الصحف)(31) فلا يمكن أن يغير فيها شيء.
ومن الآيات الدالة على أن الله كتب المقادير كلها قوله: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢﴾ [الحديد: 22].
فقوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَٰبٖ﴾ أي: إلا في أم الكتاب(32). أي: اللوح المحفوظ.
قال ابن العثيمين: هذا الكتاب هو اللوح المحفوظ، كتب الله فيه مقادير كل شيء؛ لما خلق الله تعالى القلم قال له: اكتب قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة(33)، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، سبحان الله! ما أعظم هذا اللوح الذي يسع كل شيء إلى يوم القيامة!
ولكن ليس هذا بغريب على قدرة الله عز وجل؛ لأن أمر الله تعالى إذا أراد شيئًا يقول له: كن فيكون؛ ولقد كان الإنسان يتعجب من قبل، ولكن لا يستبعد أن يكتب في هذا اللوح مقادير كل شيء، فقد ظهر الآن من صنع الآدمي قطعة صغيرة يسجل فيها آلاف الكلمات، وهي عبارة عن لوحة صغيرة كالقرص تسجل فيها آلاف الكلمات، وقد يسجل فيها جميع كتب الحديث المؤلفة، أو جميع التفاسير، أو جميع كتب الفقهاء، وهي من صنع الآدمي، فكيف بصنع من يقول للشيء كن فيكون؟!
ولما قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فالمصائب التي تصيب الناس هي في أمر سابق؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ﴾ وقوله: ﴿نَّبۡرَأَهَآۚ﴾ قيل: إنها تعود على المصيبة. وقيل: على الأرض.وقيل: على النفس. وقيل: على الجميع.والصحيح أنها على الجميع، أي: من قبل أن نبرأ كل هذه الأشياء، أي: أن نخلقها؛ وذلك لأن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة(34).
واسم الإشارة في قوله: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ﴾ يعود إلى الكتابة في الكتاب.
﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ﴾ يعني: إن كتابة هذه المصائب يسير على الله عز وجل؛ لأنه قال للقلم: اكتب فكتب، وهذا يسير، كلمة واحدة، حصل بها كل شيء(35).
قال الرازي في قوله: ﴿وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنعام: 59].
فائدة هذا الكتاب أمور:
أحدها: أنه تعالى إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على نفاذ علم الله تعالى في المعلومات، وأنه لا يغيب عنه مما في السموات والأرض شيء، فيكون في ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ؛ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم، فيجدونه موافقًا له.
وثانيها: يجوز أن يقال: إنه تعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تنبيهًا للمكلفين على أمر الحساب، وإعلامًا بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء؛ لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف، فبأن لا يهمل الأحوال المشتملة على الثواب والعقاب أولى.
وثالثها: أنه تعالى علم أحوال جميع الموجودات فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم وإلا لزم الجهل، فإذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع أيضًا تغييرها، وإلا لزم الكذب، فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجبًا تامًا، وسببًا كاملًا في أنه يمتنع تقدم ما تأخر، وتأخر ما تقدم، كما قال صلوات الله عليه: (جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة)(36) (37). أي: فرغ من الكتابة التي أمر بها حين خلقه وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
ثم علل الله تعالى بعد ذلك سبب هذه الكتابة وهذا الإخبار بقوله: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾ [الحديد: 23].
والمعنى: فعل الله ذلك، وأخبركم به؛ لكيلا تتأسفوا على ما فاتكم، ومعنى لا تأسوا: لا تحزنوا، أي: فلا تحزنوا على ما فاتكم منها، ولا تفرحوا فيها(38).
وهذا من مقتضى الإيمان بالقدر الذي معناه: أن تؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك.
ومن الآيات الدالة على كتابة المقادير قوله تعالى: ﴿يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ ٣٩﴾ [الرعد: 39].
وللمفسرين في معنى هذه الآية كلام طويل، لخصه الإمام الشوكاني تلخيصًا حسنًا، فقال: «وظاهر النظم القرآني العموم في كل شيء مما في الكتاب، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة، أو رزق أو عمر، أو خير أو شر، ويبدل هذا بهذا، ويجعل هذا مكان هذا، ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون.
وقيل: الآية خاصة بالسعادة والشقاوة.
وقيل: يمحو ما يشاء من ديوان الحفظة، وهو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب.
وقيل: يمحو ما يشاء من الرزق.
وقيل: يمحو من الأجل.
وقيل: يمحو ما يشاء من الشرائع فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه.
وقيل: يمحو ما يشاء من الذنوب بالتوبة، ويترك ما يشاء منها مع عدم التوبة(39).
فالمحو والإثبات على هذا يكون في الصحف التي بأيدي الملائكة، وأما اللوح المحفوظ فلا يقبل المحو، كما قال تعالى: ﴿وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [الرعد: 39].
أي: الذي لا يقبل بعد ذلك محوًا ولا إثباتًا.
ومنهم من يقول: إن هذا المحو والإثبات في الكتابة لا يمنع أن يكون مما في اللوح المحفوظ من الكتابة الأصلية.
والمحو والإثبات إذا كان في الكتابة الأصلية فهو راجع إلى قدرة الله عز وجل وتقديره، وأن الله يعلم أن هذا سيكون، فلا يتعارض مع كتابته وتقديره وخلقه.
والقول الثاني أولى؛ لما تفيده (ما) في قوله: ﴿مَا يَشَآءُ﴾ من العموم، مع تقدم ذكر الكتاب في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ﴾ [الرعد: 38].
ومع قوله: ﴿وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [الرعد: 39].
أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ.
فالمراد من الآية أنه يمحو ما يشاء مما في اللوح المحفوظ، فيكون كالعدم، ويثبت ما يشاء مما فيه، فيجري فيه قضاؤه وقدره على حسب ما تقتضيه مشيئته، وهذا لا ينافي ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: (جف القلم)(40) وذلك لأن المحو والإثبات هو من جملة ما قضاه سبحانه(41).
وهذا هو الظاهر، كما سبق من كلام الشوكاني رحمه الله.
ومن الآيات الدالة على كتابة المقادير قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا﴾ [الأحزاب: 6].
فقوله: ﴿كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: في اللوح المحفوظ ﴿مَسۡطُورٗا﴾ مكتوبًا(42).
قال ابن كثير: أي: هذا الحكم، وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول، الذي لا يبدل ولا يغير، قاله مجاهد وغير واحد، وإن كان قد يقال: قد شرع خلافه في وقت؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي، وقضائه القدري الشرعي(43).
ومن الآيات الدالة على الكتابة القدرية قوله تعالى: ﴿لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٦٨﴾ [الأنفال: 68].
يقول: لولا قضاء من الله سبق لكم أهل بدر في اللوح المحفوظ بأن الله محلٌ لكم الغنيمة، وأن الله قضى فيما قضى أنه لا يضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، وأنه لا يعذب أحدًا شهد المشهد الذي شهدتموه ببدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصرًا دين الله؛ لنالكم من الله بأخذكم الغنيمة والفداء عذاب عظيم(44).
وقال في اللباب: فقوله: ﴿لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ﴾ أي: لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسهم عذاب عظيم، وهذا هو المراد من قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۖ﴾ [الأنعام: 54].
وقوله: (سبقت رحمتي غضبي)(45) (46).
ومن الآيات الدالة على كتابة القدر قوله تعالى: ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ﴾ [المجادلة: 21].
والمعنى: قضى الله وخط في أم الكتاب لأغلبن أنا ورسلي من حادني وشاقني(47).
وهذا نظير قوله: ﴿وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧١ إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ ١٧٢ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ١٧٣﴾ [الصافات: 171-173].
وهذا الوعد لهم بالنصر والغلبة لا ينافيه انهزامهم في بعض المواطن، وغلبة الكفار لهم، فإن الغالب في كل موطن هو انتصارهم على الأعداء، وغلبتهم لهم، فخرج الكلام مخرج الغالب، على أن العاقبة المحمودة لهم على كل حال، وفي كل موطن، كما قال سبحانه: ﴿وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128](48).
والمقصود بعد هذا: أن من أنواع الكتابة المسندة إلى الله تعالى كتابة مقادير الخلق في كتاب مبين، وهو الإمام المبين، وأم الكتاب، والذكر، والزبر، واللوح المحفوظ.
وقد ورد في هذا المعنى آيات كثيرة، ففي سورة يونس: ﴿وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ﴾ [يونس: 61].
وفي سورة هود بعد بيان علمه بما يسرون وما يعلنون، وما في الصدور ﴿۞ وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٦﴾ [هود: 6].
وفي سورة النمل: ﴿وَمَا مِنۡ غَآئِبَةٖ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ ٧٥﴾ [النمل: 75].
وفي سبأ: ﴿لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [سبأ: 3].
وفي سورة طه: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ ٥١ قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ٥٢﴾ [طه: 51-52].
وفي سورة الأنبياء: ﴿وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ ١٠٥﴾ [الأنبياء: 105].
ولهذا كان الإيمان بالكتابة من الأركان الأساسية في الإيمان بالقدر، فيجب الإيمان بأن الله عز وجل كتب مقادير كل شيء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وقد ذكر العلماء أن للقدر درجتين:
الدرجة الأولى: أن الله تعالى علم الأشياء قبل وجودها، ثم كتبها في اللوح المحفوظ.
والدرجة الثانية: أن الله تعالى أراد الأشياء الموجودة، ثم خلقها.
فالدرجة الأولى: تتضمن العلم والكتابة، والدرجة الثانية تتضمن الإرادة والخلق(49).
2. كتابة أقوال وأفعال العباد.
ومما يكتبه الله تعالى ويحصيه أقوال العباد وأفعالهم، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ١٨١﴾ [آل عمران: 181].
فقوله: ﴿سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ﴾ هو الكتابة في صحائف الأعمال ﴿وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ﴾ بالنصب، أي: ونكتب قتلهم الأنبياء، فالكتابة هنا على ظاهرها.
وقيل: سنجازيهم عليه، وقيل: مقصود الكتابة الحفظ، أي: سنحفظ ما قالوا لنجازيهم(50).
ولفظ الكتابة آكد من لفظ الحفظ؛ لما فيه من معنى الاستتباب، وأمن النسيان، وإنما ضم قتل الأنبياء، وهو أفظع جرائم هذا الشعب إلى الجريمة التي سبق الوعيد لأجلها؛ لبيان أن مثل هذا الكفر والتهور ليس بدعًا من أمرهم، فإنه سبق لهم أن قتلوا الهداة المرشدين بعدما جاءوهم بالبينات، فهم يجرون في هذا على عرقٍ، وليس هو بأول كبائرهم؛ وللإيذان بأن الجريمتين سيان في العظم، واستحقاق العقاب(51).
فإن قيل: لماذا يكتب الله ما قالوا مع أن علمه أزلي لا ينسى؟ ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه: 52].
والجواب: أن كلمة ﴿سَنَكۡتُبُ﴾ جاءت حتى لا يؤاخذهم تعالى يوم القيامة بما يقول هو إنهم فعلوه، ولكن بما كتب عليهم ليقرؤوه بأنفسهم؛ وليكون حجة عليهم، كأن الكتابة ليست كما نظن فقط؛ ولكنها تسجيل للصوت وللأنفاس، ويأتي يوم القيامة ليجد كل إنسان ما فعله مسطورًا ﴿ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤﴾ [الإسراء: 14].
وهذا القول يدل على أنه ساعة يرى الإنسان ما كتب في الكتاب سيعرف أنه منه، وإذا كنا نحن الآن نسجل على خصومنا أنفاسهم وكلماتهم أتستبعد على من علمنا ذلك أن يسجل الأنفاس والأصوات والحركات، بحيث إذا قرأها الإنسان ورآها لا يستطيع أن يكابر فيها أو ينكرها ﴿سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ﴾ وهم قالوا: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ﴾ وهذه معصية في القمة، وتبجح على الذات العلية، ولم يكتفوا بذلك بل قتلوا الأنبياء الذين أرسلهم الله لهدايتهم؛ لذلك يقول الحق: ﴿سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ﴾(52).
وفي هذا الكلام تهديد شديد لهم؛ وذلك لأن المعنى: سنثبت عليهم في سجل الله تعالى قولهم هذا، وتجرؤهم عليه سبحانه، وليس المراد مجرد الكتابة، بل المراد نتيجتها وهو الحساب عليها، والجزاء من العذاب الأليم، والتعبير بالكتابة كناية عن العلم المستتر الثابت الذي تترتب عليه نتائجه وثمراته؛ ولما تضمنته الكتابة من معنى العقاب الرادع الذي لا مناص منه عبر بالمضارع، فقال سبحانه: ﴿سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ﴾ والتعبير بـ﴿مَا قَالُواْ﴾ فيه إشارة إلى ما فيه من تجرؤ على الله تعالى، وتهجم على مقامه الأعلى سبحانه(53).
ومن الآيات الدالة على كتابة الأعمال قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ﴾ [النساء: 81].
فقوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يكتبه في الأعمال التي تثبتها الملائكة، قاله مقاتل في آخرين.
والثاني: ينزله إليك في كتابه.
والثالث: يحفظه عليهم؛ ليجازوا به، ذكر القولين الزجاج(54).
والحاصل: أنه يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظته الكاتبين، الذين هم موكلون بالعباد، يعلمون ما يفعلون، والمعنى في هذا التهديد أنه تعالى أخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلًا من مخالفة الرسول وعصيانه، وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك(55).
ومن الآيات أيضًا الدالة على كتابة الأعمال قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ ١٢﴾ [يس: 12].
فقوله: ﴿وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ﴾ أي: من الأعمال.
وفي قوله: ﴿وَءَاثَٰرَهُمۡۚ﴾ قولان:
أحدهما: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
والقول الثاني: أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية.
وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى(56).
قال الزمخشري: ﴿وَنَكۡتُبُ﴾ ما أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها، وما هلكوا عنه من أثر حسن، كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو حبيس حبسوه، أو بناء بنوه: من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك، أو سيئ، كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين، وسكة أحدث فيها تخسيرهم، وشيء أحدث فيه صد عن ذكر الله من ألحان وملاهٍ، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها(57).
وقوله: ﴿وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ﴾ أي: جمعناه في كتاب مبين، والإمام المبين هو اللوح المحفوظ(58).
وكذا في قوله تعالى: ﴿يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ﴾ [الإسراء: 71].
أي: بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير وشر، كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ﴾ [الزمر: 69].
وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩﴾ [الكهف: 49].(59).
وجعل علم الله إمامًا؛ لأنه يجري على وفق تعلقات الإرادة الربانية والقدرة، فتكون جملة ﴿وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ﴾ على هذا تذييلًا مفيدًا أن الكتابة لا تختص بأعمال الناس الجارية على وفق التكاليف أو ضدها، بل تعم جميع الكائنات(60).
ووصف هذا الكتاب بقوله: ﴿مُّبِينٖ﴾ أي: لا يخفى فيه شيء من جميع الأحوال والأقوال، فهو تعميم بعد تخصيص؛ لأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم، وليست الكتابة مقتصرة عليه، بل كل شيء محصي في إمام مبين، وهذا يفيد أن شيئًا من الأقوال والأفعال لا يعزب عن علم الله تعالى ولا يفوته، كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيۡءٖ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ ٥٢ وَكُلُّ صَغِيرٖ وَكَبِيرٖ مُّسۡتَطَرٌ ٥٣﴾ [القمر: 52-53].
يعني: ليس ما في الزبر منحصرًا فيما فعلوه، بل كل شيء مكتوب لا يبدل، فإن القلم جف بما هو كائن، فلما قال تعالى: ﴿وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ﴾ بين أن قبل ذلك كتابة أخرى، فإن الله تعالى كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه، قيل: إن ذلك مؤكد لمعنى قوله تعالى: ﴿وَنَكۡتُبُ﴾ لأن من يكتب شيئًا في أوراق ويرميها قد لا يجدها، فكأنه لم يكتب، فقال تعالى: نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين، وهو كقوله تعالى: ﴿قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ٥٢﴾ [طه: 52](61).
وفي الآية الأخرى أضاف السمع إلى نفسه والكتابة إلى ملائكته، فقال: ﴿أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ ٨٠﴾ [الزخرف: 80].
فهو يسمع ومن يشاء من ملائكته، وأما الكتابة فرسله يكتبون، وأما في قوله: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ﴾ [يس: 12].
فأخبر بالكتابة (نحن) لأن جنده يكتبون بأمره، وفصل في تلك الآية بين السماع والكتابة؛ لأنه يسمع بنفسه، وأما كتابة الأعمال فتكون بأمره، والملائكة يكتبون، ولما كانت ملائكته متقربين إلى العبد بأمر الله، كما كانوا كاتبين عمله بأمره، فإن ذلك قربه من كل أحد بتوسط الملائكة، كتكليمه عبده بتوسط الرسل، كما قال تعالى: ﴿۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٍ أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَآءُۚ﴾ [الشورى: 51].
فهذا تكليمه لجميع عباده بواسطة الرسل؛ وذاك قربه إليهم عند الاحتضار، وعند الأقوال الباطنة في النفس والظاهرة(62). ولا ينفي هذا أنه يكلم بعض رسله من وراء حجاب دون واسطة.
والحاصل أن في هذه الآية ﴿إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ﴾ أضاف الله عز وجل الكتابة والإحصاء إلى نفسه، ولما كان علم الله الشامل محيطًا بكل شيء، ولا يخفى عليه شيء من أعمال خلقه، وهو غني عن الاستعانة على ذلك بالراصدين والرقباء والكتاب والشهود، وإبراز ذلك يوم القيامة في صورة كتب توزع على الناس؛ ولما كان الناس قد اعتادوا في حياتهم تسجيل الأعمال ورصدها والشهادة عليها في مقام الاحتجاج على ما صدر منهم حتى لا يكون أي مجال للإنكار والمماراة؛ ولما كانت حكمة الله قد اقتضت أن تكون صور المشاهد الأخروية من مألوفات الناس في الدنيا، فيتبادر أن هذا من هذا الباب، وأنه قصد من ذكره بالأسلوب الذي ورد به تحذير الناس وتنبيههم إلى أن كل ما يفعلونه محصي مسجل عليهم، لا يمكن أن يماروا فيه حتى يظلوا مجتنبين ما فيه إثم وفاحشة، مجتهدين في الأعمال الصالحة التي يرضى الله عنها، وفي بعض الأحاديث ما يدعم هذا التوجيه، ويتسق مع هذا القصد(63).
ومن الآيات الدالة على كتابة الأعمال قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيۡءٖ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ ٥٢ وَكُلُّ صَغِيرٖ وَكَبِيرٖ مُّسۡتَطَرٌ ٥٣﴾ [القمر: 52-53].
فقوله: ﴿وَكُلُّ شَيۡءٖ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ﴾ إشارة إلى أن الأمر غير مقتصر على إهلاكهم، بل الإهلاك هو العاجل والعذاب الآجل الذي هو معد لهم على ما فعلوه، مكتوب عليهم، والزبر هي كتب الكتبة الذين قال تعالى فيهم: ﴿كَلَّا بَلۡ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ ٩ وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ ١٠ كِرَامٗا كَٰتِبِينَ ١١﴾ [الانفطار: 9-11].
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٖ وَكَبِيرٖ مُّسۡتَطَرٌ﴾ تعميم للحكم، أي: ليست الكتابة مقتصرة على ما فعلوه، بل ما فعله غيرهم أيضًا مسطور، فلا يخرج عن الكتب صغيرة ولا كبيرة.
وكما في قوله تعالى: ﴿لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [سبأ: 3].
ففي قوله: ﴿أَكۡبَرُ﴾ فائدة عظيمة، وهي أن من يكتب حساب إنسان فإنما يكتبه في غالب الأمر لئلا ينسى، فإذا جاء بالجملة العظيمة التي يأمن نسيانها ربما يترك كتابتها، ويشتغل بكتابة ما يخاف نسيانه، فلما قال: ﴿وَلَآ أَكۡبَرُ﴾ أشار إلى الأمور العظام التي يؤمن من نسيانها أنها مكتوبة أي: ليست كتابتنا مثل كتابتكم التي يكون المقصود منها الأمن من النسيان، فكذلك نقول: ها هنا، وفي قوله تعالى: ﴿مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ﴾ [الكهف: 49].
وفي جميع هذه المواضع قدم الصغيرة لأنها أليق بالتثبت عند الكتابة، فيبتدئ بها حفظًا عن النسيان في عادة الخلق، فأجرى الله الذكر على عادتهم(64).
والحاصل أن كل ما فعله العباد، وما فعلته الأمم السابقة، أو الأمم اللاحقة، فإنه مكتوب ﴿فِي ٱلزُّبُرِ﴾ أي: في الكتب، وكتابة الأعمال كتابة سابقة، وكتابة لاحقة، والكتابة السابقة كتابة على أن هذا سيفعل كذا، وهذه الكتابة لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب؛ لأن المرء لم يكلف بها بعد، وكتابة لاحقة، وهي كتابة أنه فعل، فإذا فعل الإنسان حسنة كتبها الله، وإذا فعل سيئة كتبها الله، وهذه الكتابة اللاحقة هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب.
فسبحان الله بعد مئات السنين التي لا يعلمها إلا الله يجدونه حاضرًا، لا يظلم ربك أحدًا ﴿وَكُلُّ صَغِيرٖ وَكَبِيرٖ﴾ كل صغير وكبير مما يحدث في هذا الكون من المخلوقات وأوصافها وأعمالها ﴿مُّسۡتَطَرٌ﴾ أي: مسطر في الكتاب العزيز، اللوح المحفوظ، كل صغير وكبير حتى الشوكة يشاكها الإنسان تكتب، حتى ما يزن مثقال ذرة من الأعمال يكتب، كل صغير وكبير، وإذا آمنت بذلك -ويجب عليك أن تؤمن به- فإنه يجب عليك الحذر من المخالفة، فإياك أن تخالف بقولك أو فعلك أو تركك؛ لأن كل شيء مكتوب، قال الله عز وجل: ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨﴾ [ق:18].
وما يفعل من فعل كذلك لديه رقيب عتيد؛ لأنه إذا كانت الأقوال تكتب وهي أكثر بآلاف المرات من الأفعال، فالأفعال من باب أولى، فعليك أن تتقي الله عز وجل، ولا تخالف الله، إذا سمعت الله يقول خبرًا، فقل: آمنت به وصدقت، وإذا سمعت الله يقول شيئًا أمرًا، فقل: آمنت به سمعًا وطاعة، نهيًا آمنت به، وسمعًا وطاعة(65).
مقاصد الكتابة
أشاد القرآن بفضل الكتابة، وحث على تعلمها وتعليمها، وأشار إلى مقاصدها وفوائدها؛ وذلك لما لها من مرتبة رفيعة، ومنزلة شريفة، ومما جاء في القرآن الكريم من فوائد ومقاصد الكتابة ما يأتي:
أولًا: حفظ حقوق العباد من الضياع:
من مقاصد الكتابة التي ذكرت في القرآن الكريم حفظ الحقوق من الضياع.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْۖ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٨٢﴾ [البقرة: 282].
فهذه الآية تسمى آية الدين، وهي أطول آية في القرآن الكريم، وقد ذكر الله فيها من الأحكام العظيمة توثيق الدين بالكتابة.
حيث أمر الله تعالى بكتابة الديون، وهذا الأمر قد يجب إذا وجب حفظ الحق كالذي للعبد عليه ولاية، كأموال اليتامى والأوقاف والوكلاء والأمناء، وقد يقارب الوجوب كما إذا كان الحق متمحضًا للعبد، فقد يقوى الوجوب، وقد يقوى الاستحباب بحسب الأحوال المقتضية لذلك.
وعلى كل حال فالكتابة من أعظم ما تحفظ بها هذه المعاملات المؤجلة لكثرة النسيان؛ ولوقوع المغالطات، وللاحتراز من الخونة الذين لا يخشون الله تعالى(66). ومن فوائد الآية التي تتعلق بحفظ الحقوق:
- أمر الكاتب أن لا يكتب إلا ما أملاه من عليه الحق.
- أن الذي يملي من المتعاقدين من عليه الدين.
- أمره أن يبين جميع الحق الذي عليه، ولا يبخس منه شيئًا.
- أن إقرار الإنسان على نفسه مقبول؛ لأن الله أمر من عليه الحق أن يمل على الكاتب، فإذا كتب إقراره بذلك ثبت موجبه ومضمونه، وهو ما أقر به على نفسه، ولو ادعى بعد ذلك غلطًا أو سهوًا.
- أن من عليه حقٌ من الحقوق التي البينة على مقدارها وصفتها من كثرة وقلة، وتعجيل وتأجيل، أن قوله هو المقبول دون قول من له الحق؛ لأنه تعالى لم ينهه عن بخس الحق الذي عليه، إلا أن قوله مقبول على ما يقوله من مقدار الحق وصفته.
- أنه يحرم على من عليه حق من الحقوق أن يبخس، وينقص شيئًا من مقداره، أو طيبه وحسنه، أو أجله أو غير ذلك من توابعه ولواحقه.
- أن من لا يقدر على إملاء الحق لصغره أو سفهه أو خرسه، أو نحو ذلك، فإنه ينوب وليه منابه في الإملاء والإقرار(67).
وفي الأمر بكتابة الدين كما يقول ابن عرفة: مصلحة دنيوية، وهي حفظ المال، ومصلحة دينية، وهي السلامة من الخصومة بين المتعاملين(68).
وليست فائدة كتابة الدين مقصورة على الدائن وحده، ولا المدين وحده، وإنما على الجانبين، قال الخازن: إن فائدة الكتابة هي حفظ المال من الجانبين؛ لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه مقيد بالكتابة تعذر عليه طلب زيادة، أو تقديم المطالبة قبل حلول الأجل، ومن عليه الدين إذا عرف ذلك تعذر عليه الجحود أو النقص من أصل الدين الذي عليه، فلما كانت هذه الفائدة من الكتابة أمر الله تعالى بها(69).
وبعد ذلك يريد الحق تعالى أن يحمي أيضًا الإنسان من نفسه؛ لأنه إن علم أن الدين الذي عليه موثق، ولا وسيلة لإنكاره حاول جاهدًا أن يتحرك في الحياة ليؤديه، وحين يتحرك الإنسان ليؤدي عن نفسه الدين؛ فإن ذلك يزيد الحركة في الحياة ويزداد النفع.
وهكذا نرى أن الله أراد بالتوثيق للدين حماية المدين من نفسه؛ لأن المدين قد تطرأ عليه ظروف فيماطل، وإذا ما ماطل فلن تكون الخسارة فيه وحده، ولكنه سيصبح أسوة عند جميع الناس، وسيقول كل من عنده مال: لا أعطي أحدًا شيئًا؛ لأن فلانًا الغني مثلي قد أعطى فلانًا الفقير وماطله وأكله، وعند ذلك تتوقف حركة الحياة.
ولكن إذا كان الدين موثقًا ومكتوبًا فإن المدين يكون حريصًا على أدائه، والله يريد أن يضمن لحركة الحياة دوامًا واستمرارًا شريفًا نظيفًا؛ ولذلك نجد في آية الدين أن كلمة (الكتابة) ومادتها (الكاف والتاء والباء) تتكرر أكثر من مرة، بل مرات كثيرة.
وهذا التكرار في هذه الآية لعملية الكتابة يؤصل العلاقة بين الناس؛ فالكتابة هي عمدة التوثيق، وهي التي لا تغش؛ لأنك إن سجلت شيئًا على ورقة فلن تأتي الورقة لتنكر ما كتبته أنت فيها، ولكن الأمر في الشهادة قد يختلف، فمن الجائز أن يخضع الشاهد لتأثير ما فينكر الحقيقة؛ ولذلك فإن الحق يعطينا قضية إيمانية جديدة حين يقول: ﴿أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ﴾ أي: أن يكتب الكاتب على وفق ما علمه الله(70).
والحاصل أن الإسلام نظم شؤون المعاملات والعقود بين الناس على أساس من الحق والعدل والحكمة، وصان حقوق الناس وحفظ أموالهم، وندبهم إلى توثيق عقودهم ومعاملاتهم المؤجلة بالكتابة والسندات، والشهادة والشهود، على سبيل الاحتياط للناس، وتجنبًا من احتمال إنكار أصل الحق، أو عدم الاعتراف به، بسبب قلة التدين، وضعف اليقين، وفساد الذمة، واستبداد الطمع والجشع، جاء تنظيم المعاملات في أطول آية في القرآن الكريم، عناية بها، وحرصًا على المصالح، ومنع المنازعات والخصومات بسبب المال(71).
وقد حث تعالى فيها على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سببًا لمصالح المعاش والمعاد، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا﴾ [النساء: 5] الآية.
قال القفال -رحمه الله تعالى-: ويدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار، وفي هذه الآية بسطٌ شديد، ألا ترى أنه قال: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ﴾.
ثم قال ثانيًا: ﴿وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾.
ثم قال ثالثًا: ﴿وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ﴾.
فكان هذا كالتكرار لقوله: ﴿وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ لأن العدل هو ما علمه الله.
ثم قال رابعًا: ﴿فَلۡيَكۡتُبۡ﴾ وهذا إعادة للأمر الأول.
ثم قال خامسًا: ﴿وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ﴾.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ كناية عن قوله: ﴿وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ﴾ لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه.
ثم قال سادسًا: ﴿وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ﴾ وهذا تأكيد.
ثم قال سابعًا: ﴿وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ﴾ وهذا كالمستفاد من قوله: ﴿وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ﴾.
ثم قال ثامنًا: ﴿وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ﴾ وهو أيضًا تأكيد لما مضى.
ثم قال تاسعًا: ﴿ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْۖ﴾.
فذكر هذه الفوائد التالية لتلك التأكيدات السالفة، وكل ذلك يدل على المبالغة، في التوصية بحفظ المال الحلال، وصونه عن الهلاك؛ ليتمكن الإنسان بواسطته من الإنفاق في سبيل الله، والإعراض عن مساخط الله تعالى من الربا وغيره، والمواظبة على تقوى الله(72).
ومن الآيات الدالة على توثيق الدين، قوله تعالى: ﴿۞ وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ﴾ [البقرة: 283].
فقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ﴾ بعيدًا أو قريبًا ﴿وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا﴾ أو آلة الكتابة، أو ما يكتب عليه، ويكتب به، وأردتم أن تتعاقدوا أو تتداينوا ﴿فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ﴾ لتثقوا على أموالكم، وليس الغرض جواز الرهن في السفر، وإنما الغرض التوثق من الدين في حالة عدم وجود الكاتب والشهود، وإلا فالرهن جائز سفرًا وحضرًا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي، على طعام أخذه منه لأجل(73).
وإنما أشار الله إليه مبالغة في تحفظ الناس على أموالها من أن يأخذها من لا يؤديها، فتسبب الأحقاد والأضغان بينهم؛ لأن المال عديل الروح، وكثيرًا ما يقتل الرجل عند ماله، أو من أجله(74).
ولعل مما يدل أيضًا على التوثيق بالكتابة لحفظ الحقوق ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ﴾ [النور: 33].
ففي اشتقاق لفظ الكتابة هنا وجوه:
أحدها: أن أصل الكلمة من الكتب، وهو الضم والجمع، ومنه سميت الكتابة؛ لأنها تضم النجوم بعضها إلى بعض، وتضم ماله إلى ماله.
وثانيها: مأخوذ من الكتاب، ومعناه: كتبت لك على نفسي: أن تعتق إذا وفيت بمالي، وكتبت لي على نفسي أن تفي لي بذلك، أو كتبت عليك الوفاء بالمال، وكتبت علي العتق، قاله الأزهري.
وثالثها: سمي بذلك لما يقع فيه من التأجيل بالمال المعقود عليه؛ لأنه لا يجوز أن يقع على مال هو في يد العبد حين يكاتب؛ لأن ذلك مال لسيده اكتسبه في حال ما كانت يد السيد غير مقبوضة عن كسبه، فلا يجوز لهذا المعنى أن يقع هذا العقد حالًا، بل يقع مؤجلًا؛ ليكون متمكنًا من الاكتساب، ثم من آداب الشريعة أن يكتب على من عليه المال المؤجل كتاب؛ فلهذا المعنى سمي هذا العقد كتابًا لما فيه من الأجل، قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ﴾ [الرعد: 38](75).
وقال الشوكاني: قيل: الكتاب ها هنا اسم عين للكتاب الذي يكتب فيه الشيء؛ وذلك لأنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتابًا، فيكون المعنى الذين يطلبون كتاب المكاتبة، ومعنى المكاتبة في الشرع: أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجمًا، فإذا أداه فهو حر، وظاهر قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمۡ﴾ أن العبد إذا طلب الكتابة من سيده وجب عليه أن يكاتبه بالشرط المذكور بعده، وهو إن علمتم فيهم خيرًا.
والخير هو القدرة على أداء ما كوتب عليه، وإن لم يكن له مال، وقيل: هو المال فقط، وقال النخعي: إن الخير الدين والأمانة، وقال عبيدة السلماني: إقامة الصلاة(76).
وكتابة عقد المكاتبة فيه خير للسيد والعبد معًا، فالسيد يضمن أموال نجوم المكاتبة كاملة في أوقاتها، والعبد حتى لا ينكر السيد مكاتبته، فيبقى عبدًا، ويضيع عليه ما قدمه من مال.
والمقصود أن من مقاصد الكتابة، الكتابة لتوثيق الحقوق، وقد جاء منصوصًا على ذلك في القرآن في آية الدين، والأمر بالكتابة ليس خاصًا بكتابة الدين فقط، وإنما يشمل غيرها من المعاملات، وإن لم يذكرها القرآن فقد ذكرت السنة ذلك وفصلته.
ثانيًا: حفظ العلم وتدوينه:
ومن مقاصد الكتابة العظيمة كتابة العلم وتدوينه، فما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم إلا بالكتابة، وقد ذكر الله من نعمه على خلقه أنه ﴿ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ ٤ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ ٥﴾ [العلق: 4-5].
وقد قيل: إن من كرامات الآدمي أن آتاه الله الخط، وتحقيق الكلام في هذا الباب: أن العلم الذي يقدر الإنسان على استنباطه يكون قليلًا، أما إذا استنبط الإنسان علمًا وأودعه في الكتاب، وجاء الإنسان الثاني واستعان بذلك الكتاب، وضم إليه من عند نفسه أشياء أخرى، ثم لا يزالون يتعاقبون، ويضم كل متأخر مباحث كثيرة إلى علم المتقدمين، كثرت العلوم، وقويت الفضائل والمعارف، وانتهت المباحث العقلية، والمطالب الشرعية إلى أقصى الغايات، وأكمل النهايات، ومعلوم أن هذا الباب لا يتأتى إلا بواسطة الخط والكتابة؛ ولهذه الفضيلة الكاملة قال تعالى(77): ﴿ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٣ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ ٤ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ ٥﴾ [العلق: 3-5].
ففي قوله: ﴿ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ﴾ أي: علم الخط والكتابة بالقلم.
وتخصيص هذه الصفة بالذكر -وهي التعليم بالقلم- للإيماء إلى إزالة ما قد يخطر بباله صلى الله عليه وسلم من تعذر القراءة بالنسبة له لعدم معرفته بالكتابة، فكأنه تعالى يقول له: إن من علم غيرك القراءة والكتابة بالقلم قادر على تعليمك القراءة وأنت لا تعرف الكتابة؛ ليكون ذلك من معجزاتك الدالة على صدقك، وكفاك بالعلم في الأمي معجزة(78).
فإن قلت: فإذا كان القلم والخط من المنن الإلهية فما باله -عليه الصلاة السلام- لم يكتب؟ فالجواب: لأنه لو كتب لقيل: قرأ القرآن من صحف الأولين، ومن كان القلم الأعلى يخدمه، واللوح المحفوظ مصحفه ومنظره لا يحتاج إلى تصوير الرسوم، وتشكيل العلوم بآلات جسمانية؛ لأن الخط صنعة ذهنية، وقوة طبيعية، صدرت بالآلة الجسمانية، وفيه إشارة بديعة إلى أن أمته بين الأمم هم الروحانيون، وصفهم سبحانه في الإنجيل: أمة محمد أناجيلهم في صدورهم(79)، لو لم يكن رسم الخطوط لكانوا يحفظون شرائعه -عليه الصلاة السلام- بقلوبهم؛ لكمال قوتهم، وظهور استعداداتهم(80).
وفي قوله: ﴿عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ﴾ وجهان:
أحدهما: أن المراد من القلم الكتابة التي تعرف بها الأمور الغائبة، وجعل القلم كناية عنها.
والثاني: أن المراد علم الإنسان الكتابة بالقلم، وكلا القولين متقارب؛ إذ المراد التنبيه على فضيلة الكتابة(81).
فيكون في قوله: ﴿ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ﴾ إشارة إلى الأحكام المكتوبة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالسمع(82).
قال ابن القيم وهو يتكلم عن هذه الآيات، وأهمية الكتابة في حفظ العلم وتدوينه: ثم تأمل نعمة الله على الإنسان بالبيانين، البيان النطقي، والبيان الخطي، وقد اعتد بهما سبحانه في جملة من اعتد به من نعمه على العبد، ثم قال: والتعليم بالقلم الذي هو من أعظم نعمه على عباده؛ إذ به تخلد العلوم، وتثبت الحقوق، وتعلم الوصايا، وتحفظ الشهادات، ويضبط حساب المعاملات الواقعة بين الناس، وبه تقيد أخبار الماضين للباقين اللاحقين.
ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض، ودرست السنن، وتخبطت الأحكام، ولم يعرف الخلف مذاهب السلف، وكان معظم الخلل الداخل على الناس في دينهم ودنياهم إنما يعتريهم من النسيان الذي يمحو صور العلم من قلوبهم، فجعل لهم الكتاب وعاء حافظًا للعلم من الضياع، كالأوعية التي تحفظ الأمتعة من الذهاب والبطلان.
فنعمة الله عز وجل بتعليم القلم بعد القرآن من أجل النعم، والتعليم به وإن كان مما يخلص إليه الإنسان بالفطنة والحيلة، فإنه الذي بلغ به ذلك، وأوصله إليه عطية وهبها الله منه، وفضل أعطاه الله إياه، وزيادة في خلقه وفضله، فهو الذي علمه الكتابة، وإن كان هو المتعلم، ففعله فعل مطاوع لتعليم الذي علم بالقلم، فإنه علمه فتعلم، كما أنه علمه الكلام فتكلم.
هذا ومن أعطاه الذهن الذي يعي به، واللسان الذي يترجم به، والبنان الذي يخط به، ومن هيأ ذهنه لقبول هذا التعليم دون سائر الحيوانات، ومن الذي انطق لسانه، وحرك بنانه، ومن الذي دعم البنان بالكف، ودعم الكف بالساعد، فكم لله من آية نحن غافلون عنها في التعلم بالقلم.
فقف وقفة في حال الكتابة، وتأمل حالك! وقد أمسكت القلم وهو جماد وضعته على القرطاس وهو جماد، فتولد من بينهما أنواع الحكم، وأصناف العلوم، وفنون المراسلات والخطب والنظم والنثر، وجوابات المسائل، فمن الذي أجرى فلك المعاني على قلبك، ورسمها في ذهنك، ثم أجرى العبارات الدالة عليها على لسانك.
ثم حرك بها بنانك حتى صارت نقشًا عجيبًا معناه أعجب من صورته، فتقضى به مآربك، وتبلغ به حاجة في صدرك، وترسله إلى الأقطار النائية، والجهات المتباعدة، فيقوم مقامك، ويترجم عنك، ويتكلم على لسانك، ويقوم مقام رسولك، ويجدي عليك ما لا يجدي من ترسله سوى من علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والتعليم بالقلم يستلزم المراتب الثلاث، مرتبة الوجود الذهني، والوجود اللفظي، والوجود الرسمي، فقد دل التعليم بالقلم على أنه سبحانه هو المعطي لهذه المراتب(83).
فإن الله تعالى أخرج الإنسان من بطن أمه لا يعلم شيئًا، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، ويسر له أسباب العلم.
فعلمه القرآن، وعلمه الحكمة، وعلمه بالقلم، الذي به تحفظ العلوم، وتضبط الحقوق، وتكون رسلًا للناس تنوب مناب خطابهم، فلله الحمد والمنة، الذي أنعم على عباده بهذه النعم التي لا يقدرون لها على جزاء ولا شكور(84).
والحاصل: أن الله تعالى جعل القلم سببًا، به يحفظ العلم، وبه يثبت، وبه يوصل إلى حفظ ما يخاف فوته ونسيانه، من أمر دينهم ودنياهم، ما لو لم يكن القلم لم يستقم أمر دينهم ولا دنياهم(85).
والتعليم بالقلم أكثر ما يعتمد الشرع عليه؛ إذ أن الشرع يكتب ويحفظ، والقرآن يكتب ويحفظ، والسنة تكتب وتحفظ، وكلام العلماء يكتب ويحفظ(86). وكما قال الشاعر(87):
العلم صيد والكتابة قيده
قيد صيودك بالحبال الواثقة
فمن الحماقة أن تصيد غزالة
وتفكها بين الخلائق طالقة.
ثالثًا: حفظ أعمال العباد لمحاسبتهم عليها:
ومن مقاصد الكتابة حفظ أعمال العباد، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ ١٠ كِرَامٗا كَٰتِبِينَ ١١﴾ [الانفطار: 10-11].
فأخبر الله تعالى أن على العباد حافظين؛ كاتبين لأعمالهم، والحكمة من أن الله جعل ملائكة تكتب أعمال بني آدم: أن المرء إذا كان عليه حافظٌ أداه ذلك إلى المراقبة؛ فيرتدع عن تعاطي ما يؤخذ عليه، فجعل عليه حافظين ليحتشم عنهم، ولا يأتي من الأمور ما يسوؤهم، ووصف أنهم كرام ليصحبهم صحبة الكرام، ومن صحبة الكرام أن يحترمهم، ويتقي مخالفتهم، ولا يتعاطى ما يسوؤهم، وفي ذكر الكرام فائدة أخرى؛ وذلك أن قوله: ﴿كِرَامٗا كَٰتِبِينَ﴾ أي: كرام على الله تعالى، والكريم على الله تعالى هو المتقي؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ [الحجرات: 13].
فيكون فيه أمان منهم: أنهم لا يزيدون ولا ينقصون في الكتابة، وإنما يكتبون على قدر أعمالهم، كما ذكر في وصف جبريل عليه السلام بالقوة والأمانة(88).
والحكمة فى كتابة الأعمال وحفظها على العالمين أن المكلف إذا علم أن أعماله تحفظ عليه، وتعرض على رؤوس الأشهاد كان ذلك أزجر له عن الفواحش والمنكرات، وأبعث له على عمل الصالحات، فإن المرء إن لم يصل إلى مقام العلم الراسخ الذي يثمر الخشية لله والمعرفة الكاملة التي تثمر الحياء، ربما غلب عليه الغرور بالكرم الإلهي، والرجاء في المغفرة والرحمة، فلا يكون لديه من الخشية والحياء ما يزجره عن المعصية، كما يزجره توقع الفضيحة في موقف الحساب على أعين الخلائق وأسماعهم(89).
وزاد الرازي احتمال أن تكون الفائدة في الكتابة أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة؛ لأن وزن الأعمال غير ممكن، أما وزن الصحائف فممكن أن توزن تلك الصحف(90). كذا قال.
والصحيح: أن وزن الأعمال ممكنٌ أيضًا؛ لأن الأمور المعنوية يمكن أن توزن، كما جاء في صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان)(91) الحديث.
وفي الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)(92).
وإما أن يكون ذلك على طريقة من يقول: إن المراد بكتابة الأعمال حفظ صورها وآثارها في النفس، فهي أنها تكون المظهر الأتم الأجلى لحجة الله البالغة، فإذا وضع كتاب كل أحد يوم الحساب، ونشرت صحفه المطوية في سريرة نفسه، تعرض عليه أعماله فيها بصورها ومعانيها، فتتمثل لذاكرته ولحسه الظاهر والباطن، كما عملها في الدنيا، لا يفوته شيء من صفاتها الحسية ولا المعنوية -كاللذة والألم- فيكون حسيبًا على نفسه، وعلى عين اليقين من عدل الله وفضله ﴿وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣ ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤﴾ [الإسراء: 13-14].
﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩﴾ [الكهف: 49](93).
ومن الآيات التي تدل على أن من مقاصد الكتابة حفظ أعمال العباد قوله تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ﴾ [يونس: 21].
فقوله: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ أي: الذين يحفظون أعمالكم، والإضافة للتشريف.
﴿يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ﴾ أي: مكركم، أو ما تمكرونه، وهو تحقيقٌ للانتقام منهم، وتنبيهٌ على أن ما دبروا في إخفائه غير خافٍ على الحفظة فضلًا عن العليم الخبير، وصيغة الاستقبال في الفعلين للدلالة على الاستمرار التجددي(94).
وفي الآية تصريح بأن للكفار حفظة، فإن قيل: فالذي يكتب عن يمينه أي شيء يكتب ولم يكن لهم حسنة؟ يقال: إن الذي عن شماله يكتب بإذن صاحبه، ويكون شاهدًا على ذلك؛ وإن لم يكتب(95).
فثبت بهذا أن أفعال الناس وأقوالهم سواء كانوا مؤمنين أو كافرين مضبوطة مكتوبة للإلزام عليهم يوم القيامة، وأن المكر والحيلة لا مدخل له في تخليص الإنسان من مكروه، بل قد قالوا: إذا أدبر الأمر كان العطب في الحيلة، فمن ظن نجاته في المكر كان كثعلب ظن نجاته في تحريك ذنبه، وإنما المنجي هو القدم، وهو ها هنا العمل الصالح بعد الإيمان الكامل، والعاقل يتدارك حاله قبل وقوع القضاء، وقد قيل: وليس العاقل الذي يحتال للأمر إذا وقع فيه، ولكن العاقل الذي يحتال للأمور حذرًا أن يقع فيها(96).
ونظير الآية السابقة قوله تعالى: ﴿أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ ٨٠﴾ [الزخرف: 80].
وعطف ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ﴾ على ﴿أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ﴾ ليعلموا أن علم الله بما يسرون علم يترتب عليه أثر فيهم، وهو مؤاخذتهم بما يسرون؛ لأن كتابة الأعمال تؤذن بأنها ستحسب لهم يوم الجزاء، والكتابة يجوز أن تكون حقيقة، وأن تكون مجازًا، أو كناية عن الإحصاء والاحتفاظ، والرسل: هم الحفظة من الملائكة؛ لأنهم مرسلون لتقصي أعمال الناس؛ ولذلك قال: ﴿لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ﴾ كقوله: ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨﴾ [ق:18].
أي: رقيب(97). متهيئ متجهز للكتابة.
ومن الآيات كذلك قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ﴾ [النساء: 81].
أي: يعلمه ويحفظه، فيجازيهم به، والكتابة ها هنا كالاستنساخ في قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29].
ونسب الله تعالى ذلك إلى نفسه هنا، وإلى ملائكته في قوله: ﴿بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80].
وفي قوله: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ﴾ [يونس: 21].
والله تعالى قد ينسب فعل أوليائه إلى نفسه تنبيهًا على ارتضائه، وكونه آمرًا، نحو قوله: ﴿قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ﴾ [السجدة: 11].
وقوله: ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا﴾ [الزمر: 42](98). انتهى من كلام الراغب مختصرًا.
فعلى كلام الراغب السابق يكون الاستنساخ بمعنى الكتابة، وفي (زاد المسير) لابن الجوزي يقول: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ أي: نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم، أي: بكتبها وإثباتها، وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ، تستنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم، فيجدون ذلك موافقًا ما يعملونه، قالوا: والاستنساخ لا يكون إلا من أصلٍ، قال الفراء: يرفع الملكان العمل كله فيثبت الله منه ما فيه ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو، وقال الزجاج: نستنسخ ما تكتبه الحفظة، ويثبت عند الله عز وجل (99) انتهى كلامه.
ومن الآيات الدالة على هذا المقصد، قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣﴾ [الإسراء: 13].
والمعنى: أن كل إنسان يعامل بعمله، من خير أو شر، لا ينقص له منه شيء، وهذا غير كتابة الأعمال التي ذكرت عقب هذا بقوله: ﴿وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا﴾ وعطف جملة: ﴿وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا﴾ إخبار عن كون تلك الأعمال المعبر عنها بالطائر تظهر يوم القيامة مفصلة معينة، لا تغادر منها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيت للجزاء عليها(100).
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ١٧ مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨﴾ [ق:17-18].
قال الزمخشري: والتلقي: التلقن بالحفظ والكتبة(101).
والمعنى واضح؛ لأن الملك يتلقى عمل الإنسان عند صدوره منه، فيكتبه عليه، والمتلقيان هما الملكان اللذان يكتبان أعمال الإنسان، وقد دلت الآية الكريمة على أن مقعد أحدهما عن يمينه، ومقعد الآخر عن شماله.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ﴾ أي: ما ينطق بنطق، ولا يتكلم بكلام إلا لديه، أي: إلا والحال أن عنده رقيبًا، أي: ملكًا مراقبًا لأعماله، حافظًا لها، شاهدًا عليها، لا يفوته منها شيء.
عتيد، أي: حاضر ليس بغائب، يكتب عليه ما يقول من خير وشر، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإنسان عليه حفظة من الملائكة يكتبون أعماله، جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله في سورة مريم: ﴿كَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ﴾ [مريم: 79].
وفي سورة الزخرف قال: ﴿سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ﴾ [الزخرف: 19].
وقوله: ﴿وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ﴾ [ق:16].
أي: نحن أقرب إليه من حبل الوريد في الوقت الذي يتلقى فيه الملكان جميع ما يصدر منه، والمراد أن الله الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه هو أقرب إليه من حبل الوريد في وقت كتابة الحفظة أعماله، فهو غني عن كتب الأعمال؛ لأنه أقرب إليه من حبل الوريد، والله غني عن أن يدون الملكان هذه الأشياء؛ لأن الله تعالى عالم بما كان وبما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، لا يغيب عنه شيء.
فالله تعالى لا حاجة له بكتابة الأعمال؛ لأنه عالم بها لا يخفى عليه منها شيء، وإنما أمر بكتابة الحفظة للأعمال لِحِكمٍ منها: إقامة الحجة على العبد يوم القيامة، كما أوضحه الله بقوله: ﴿وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣ ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤﴾ [الإسراء: 13-14].
اقرأ بنفسك كتابك حتى تقوم عليك الحجة ﴿كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا﴾ [الإسراء: 14].
والمقصود أن من مقاصد الكتابة حفظ أعمال العباد وإحصاءها، وفي الآيات السابقة تقرير عقيدة كتابة الأعمال حسنها وسيئها، والحساب بمقتضاها يوم القيامة، ويشهد لهذا الحديث الصحيح: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)(102) الحديث.
فالحفظة أو الكتبة من الملائكة الكرام يكتبون جميع ما يفعله العباد ويدبرونه، أو يخططون له، ويحصونه عليهم، ثم يعرضونه على الله عالم الغيب والشهادة، فيجازي كلًا منهم على الجليل والحقير، وفي هذا دلالة على تمام الحفظ والعناية، وعدم خفاء أعمالهم على الله تعالى.
ضوابط الكتابة
لما كانت الكتابة إحدى الصنائع، وعلمًا من العلوم، ونعمة من النعم التي من الله بها على الإنسان، والتي يشرف بها، وتعلو منزلته بتعلمها، كان لا بد لها من ضوابط، ولا بد لمن يزاولها من آداب، وقد أشار القرآن الكريم إلى ما ينبغي أن يكون عليه الكاتب والكتابة، فذكر بعضًا من هذه الآداب والضوابط، منها:
أولًا: العدل
من ضوابط الكتابة العدل، وهو أن يكون الكاتب عدلًا فيما يكتب، فقد قال الله تعالى في آية الدين: ﴿وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [البقرة: 282].
قال أبو جعفر: بالعدل، يعني: بالحق والإنصاف في الكتاب الذي يكتبه بينهما، بما لا يحيف ذا الحق حقه ولا يبخسه، ولا يوجب له حجة على من عليه دينه فيه بباطل، ولا يلزمه ما ليس عليه(103).
وعن قتادة في قوله: ﴿وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ قال: «اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يدعن منه حقًّا، ولا يزيدن فيه باطلًا»(104). وبالعدل جار ومجرور متعلقان بـ﴿كَاتِبُۢ﴾ بمثابة الصفة له، أي: بكاتب مأمون على ما يكتب بالسوية والتحوط، لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص(105).
فيكون في قوله: ﴿بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ وجوه:
الأول: أن يكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ينقص منه، ويكتبه بحيث يصلح أن يكون حجة له عند الحاجة إليه.
الثاني: إذا كان فقيهًا وجب أن يكتب بحيث لا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر، بل لا بد وأن يكتبه بحيث يكون كل واحد من الخصمين آمنًا من تمكن الآخر من إبطال حقه.
الثالث: قال بعض الفقهاء: العدل أن يكون ما يكتبه متفقًا عليه بين أهل العلم، ولا يكون بحيث يجد قاضٍ من قضاة المسلمين سبيلًا إلى إبطاله على مذهب بعض المجتهدين.
الرابع: أن يحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع النزاع في المراد بها، وهذه الأمور لا يمكن رعايتها إلا إذا كان الكاتب فقيهًا عارفًا بمذاهب المجتهدين، وأن يكون أديبًا مميزًا بين الألفاظ المتشابهة(106).
وفي هذا الأمر ﴿وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ أي: ليكن فيكم كاتب للديون عادل في كتابته، يساوي بين المتعاملين، لا يميل إلى أحدهما، فيجعل له من الحق ما ليس له، ولا يميل عن الآخر فيبخسه من حقه شيئًا، فقوله تعالى: ﴿فَٱكۡتُبُوهُۚ﴾ أمر عام للمتعاملين، وفيهم الأميُّ الذي لا يكتب؛ ولذلك احتيج إلى هذه الجملة.
وقد ذكروا أن العدل في الكاتب يستلزم العلم بشروط المعاملات التي تحفظ الحقوق؛ لأن الكاتب الجاهل قد يترك بعض الشروط أو يزيد فيها، أو يبهم في الكتابة بجهله، فيلتبس بذلك الحق بالباطل، ويضيع حق أحد المتعاملين، كما يضيع بتعمد الترك أو الزيادة، أو الإبهام إذا لم يكن عادلًا(107).
قال ابن عاشور: وقوله: ﴿بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ أي: بالحق، وليس العدل هنا بمعنى العدالة التي يوصف بها الشاهد، فيقال: رجل عدل؛ لأن وجود الباء يصرف عن ذلك، ونظيره قوله الآتي: ﴿فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [البقرة: 282].
ولذلك قصر المفسرون قوله: ﴿فَٱكۡتُبُوهُۚ﴾ على أن يكتبه كاتب غير المتداينين؛ لأنه الغالب ولتعقيبه بقوله: ﴿وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ فإنه كالبيان لكيفية: ﴿فَٱكۡتُبُوهُۚ﴾ على أن كتابة المتعاقدين إن كانا يحسنانها تؤخذ بلحن الخطاب أو فحواه؛ ولذلك كانت الآية حجة عند جمهور العلماء لصحة الاحتجاج بالخط، فإن استكتاب الكاتب إنما ينفع بقراءة خطه(108).
ومن فوائد السعدي على هذه الآية قوله: ومنها: أن الكاتب لا بد أن يكون عارفًا بالعدل، معروفًا بالعدل؛ لأنه إذا لم يكن عارفًا بالعدل لم يتمكن منه، وإذا لم يكن معتبرًا عدلًا عند الناس رضيًا لم تكن كتابته معتبرة، ولا حاصلًا بها المقصود الذي هو حفظ الحقوق(109).
ومن مستلزمات العدل في الكتابة:
- ألا يكون في قلبه، ولا في قلمه هوادة لأحدهما على الآخر.
- وألا يزيد ولا ينقص في الدين الذي يكتبه، ولا يقيد أحد العاقدين بشروط شديدة، ويحل الآخر من كل القيود والشروط، بل يكون مراعيًا العدل في كتابة أصل الدين، ومراعيًا العدل في الالتزامات بين الفريقين.
- ثم إن العدل يقتضي مع هذا أيضًا أن يكون الكاتب خبيرًا بمعاملات الناس، وما يقع بينهم، وما يمكن تنفيذه من الشروط وما لا يمكن، وهكذا فالكاتب الذي يتولى ميزان العدل بين العاقدين يمنعهما من الشطط، ويمنعهما من التجانف لإثم(110).
- ومن العدل: التحرز من العبارات المحتملة للمعاني، وتجنب الألفاظ المشتركة، وتحري تحقيق المعاني بألفاظ مبينة، خارجة عن حد الشركة والاحتمال والتحرز من خلاف الفقهاء ما أمكن، حتى يحصل للمتداينين معنى الوثيقة والاحتياط المأمور بهما في الآية(111).
والمقصود أن من الصفات المطلوبة في الكاتب الذي يتولى كتابة الوثائق بين الناس أن يكتبها بالعدل، وأن يكتب برعاية حقوق الطرفين، ولا يميل مع أحد الطرفين، ولا ينقص أو يزيد في النصوص.
ثانيًا: العلم
ومن ضوابط الكتابة العلم بقواعد الكتابة وأصولها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ﴾ [البقرة: 282].
ففي قوله: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ﴾ دليل على أن الكتابة علم من العلوم؛ فإذا كانت علمًا كان لها ضوابطها وقواعدها، ولا بد من العلم بهذه الضوابط والقواعد.
ولهذا بعد أن شرط الله في الكاتب العدالة شرط فيه العلم بالأحكام والفقه في كتابة الدين؛ إذ الكتابة لا تكون ضمانًا تامًّا إلا إذا كان الكاتب عالمًا بالأحكام الشرعية، والشروط المرعية عرفًا وقانونًا، وكان عادلًا حسن السيرة، لا غرض له إلا بيان الحق بلا محاباة.
وقدم صفة العدالة على صفة العلم؛ لأن العادل يسهل عليه أن يتعلم ما ينبغى أن يعلمه لكتابة الوثائق، ولكن من كان عالمًا غير عادل فالعلم بهذا وحده لا يهديه للعدالة، وقلما رأينا فسادًا من عدل ناقص العلم، ولكن أكثر الفساد من العلماء الذين فقدوا ملكة العدالة(112).
فكاتب العقود والوثائق بمنزلة المحكمة الفاصلة بين الناس، وليس كل من يخط بالقلم أهلًا لذلك، وإنما أهله من يصح أن يكون قاضي العدل والإنصاف.
فما ذكر في وصف الكاتب إرشاد من الله تعالى لتلك الأمة الأمية إلى نظام معروف، وهو أن يكون كاتب الديون عادلًا، عارفًا بالحقوق والأحكام فيها حتى لا يقع التنازع بعد ذلك فيما يكتبه، وإرشاد للمسلمين إلى أنه ينبغي أن يكون فيهم هذا الصنف من الكتاب، فهذه قاعدة شرعية لإيجاد المقتدرين على كتابة العقود، وهو ما يسمونه اليوم: العقود الرسمية.
وفيه أيضًا أن الكاتب ينبغي أن يكون غير المتعاقدين -وإن كانا يحسنان الكتابة- لئلا يغالط أحدُهما الآخر أو يغشه، وكأن هذا أمر حتم، وعليه العمل الآن، فإن للعقود الرسمية كُتَّابا يختصون بها.
وفي قوله: ﴿وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ﴾ الخ، دليل على أن العالم بما فيه مصلحة الناس يجب عليه إذا دعي إلى القيام بها أن يجيب الدعوة؛ ولذلك لم يكتف بالنهي عن الإباء عن الكتابة، بل أمر بها أمرًا صريحًا، فقال: ﴿فَلۡيَكۡتُبۡ﴾ وهذا ظاهر لا سيما على قول من قال من أهل الأصول: إن النهي عن الشيء ليس أمرًا بضده(113).
قال ابن عاشور: وفي قوله: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ﴾ أي: كتابة تشابه الذي علمه الله أن يكتبها، والمراد بالمشابهة المطابقة لا المقاربة، فهي مثل قوله: ﴿فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ﴾ [البقرة: 137].
ومعنى: ما علمه الله أنه يكتب ما يعتقده، ولا يجحف أو يوارب؛ لأن الله ما عَلَّم إلا الحق، وهو المستقر في فطرة الإنسان، وإنما ينصرف الناس عنه بالهوى، فيبدلون ويغيرون؛ وليس ذلك التبديل بالذي علمهم الله تعالى، ويجوز أن تكون الكاف لمقابلة الشيء بمكافئه، والعوض بمعوضه، أي: أن يكتب كتابة تكافئ تعليم الله إياه الكتابة، بأن ينفع الناس بها شكرًا على تيسير الله له أسباب علمها، وإنما يحصل هذا الشكر بأن يكتب ما فيه حفظ الحق، ولا يقصر، ولا يدلس، وينشأ عن هذا المعنى من التشبيه معنى التعليل، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ﴾ [القصص: 77].
وقوله: ﴿وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ﴾ [البقرة: 198](114).
والمقصود: أن من ضوابط الكتابة التي أشار الله إليها في هذه الآية العلم بها، وبما يتعلق بها، فإذا كان عالمًا بذلك ودعي للكتابة فليجب؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ﴾ وهذا نهي لمن كان قادرًا على الكتابة من أن يمتنع عن الكتابة، فلا يصح لمن يحسن الكتابة من حيث جودة الخط واستبانته، ومن حيث العلم بفقه العقود، والقدرة على تحقيق العدالة بين العاقدين في وثيقة العقد؛ لا يصح له أن يمتنع عن الكتابة إذا دعي إليها، وإنه ليأثم إن تعين للكتابة، ولم يوجد موثوق به فيها سواه، وامتنع عن الكتابة؛ ولقد قال الفقهاء: إن الكتابة فرض كفاية بمعنى أنه إذا امتنع كُتَّابُ أهل قرية عن الكتابة أثموا، بل إنه يجب على أهل كل قرية أن يخصصوا ناسًا لكتابة الوثائق فيها.
وإنه على هذا يجب أن تعمل الدولة على تهيئة ناس لتوثيق العقود وكتابتها، وإن الكتابة لطلابها من التعاون على البر والتقوى، فهي صناعة، وهي علم، وواجب على الصانع أن يعين من لا يحسن، فقد عد النبي صلى الله عليه وسلم من أعمال الخير أن (تعين صانعًا، أو تصنع لأخرق)(115).
والامتناع عن الكتابة ككتمان العلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار)(116).
والكاف في قوله تعالى: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ﴾ للتشبيه، لكن ما المعنى الذي يفيده هذا التشبيه؟
ذكر الزمخشري: أن معناه: إما أن يكون تشبيهًا بين علم الكتابة والواجب على الكاتب(117)، إي: أنه كما أن الله علمه الكتابة، ويسرها له، وجعله أهل خبرة، عليه واجب المعاونة بالكتابة لغيره، فالتشبيه تشبيه بين نعمة الكتابة والواجب المتعلق بها، فما من نعمة إلا تتولد عنها واجبات مساوية لها، فنعمة الكتابة يقابلها ويشابهها ويماثلها واجب معاونة غيره بها، وهو بقدرها، ويأثم عند الترك بمقدار علمه، هذا أحد وجهي التشبيه.
أما الوجه الآخر: فهو أن التماثل بين ما يكتب على القرطاس وما آتى الله الكاتب من فقه وعلم بالعقود والالتزامات؛ والمعنى على ذلك: لتكن كتابة وثيقة الدَّيْنِ على مقتضى العلم والفقه الذي فَقَّهَ الله به الكاتب، أي: تكون الكتابة على مقتضى أحكام الشرع، فلا تكون فيها شروط ليست في كتاب الله، أو لا يسوغها الشرع، أو لا يمكن تنفيذها(118).
والحاصل: أن في هذه الجملة بيان صفة الكاتب، وأن الذي يكتب شخص يجيد الكتابة، وعنده فقهها وعلمها، بأن يكون على علم بشروط العقود وتوثيقها، وما يكون من الشروط سائغًا في الشرع، وما يكون غير سائغ، وقد ذكر في النص الكريم بوصف ﴿كَاتِبٌ﴾ للدلالة على مهارته في الكتابة، وكونها له كالمَلَكَة(119).
قال الجصاص: ولذلك قال تعالى عقيب الأمر بالكتابة: ﴿وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ﴾ يعني -والله أعلم-: ما بينه من أحكام العقود الصحيحة والمداينات الثابتة الجائزة؛ لكي يحصل لكل واحد من المتداينين ما قصد من تصحيح عقد المداينة؛ ولأن الكاتب بذلك إذا كان جاهلًا بالحكم لا يأمن أن يكتب ما يفسد عليهما ما قصداه، ويبطل ما تعاقداه.
والكتاب وإن لم يكن حتمًا وكان ندبًا وإرشادًا إلى الأحوط، فإنه متى كتب فواجب أن يكون على هذه الشريطة، كما قال عز وجل: ﴿إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6].
فانتظم ذلك صلاة الفرض والنفل جميعًا، ومعلومٌ أن النفل غير واجب عليه؛ ولكنه متى قصد فعلها وهو محدث فعليه أن لا يفعلها إلا بشرائطها من الطهارة وسائر أركانها، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أسلم فليسلم في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ)(120).
والسلم ليس بواجب؛ ولكنه متى أراد أن يسلم فعليه استيفاء الشرائط؛ فكذلك كتاب الدين والإشهاد ليسا بواجبين؛ ولكنه متى كتب فعلى الكاتب أن يكتبه على الوجه الذي أمره الله تعالى به، وأن يستوفي فيه شروط صحته؛ ليحصل المعنى المقصود بكتابته(121).
ثالثًا: الحفظ من التبديل والتحريف:
ومن ضوابط الكتابة حفظها من التبديل والتحريف، وقد مدح الله تعالى الربانيين والأحبار بكونهم استحفظوا كتاب الله فحفظوه، والحفظ يشمل ناحية العمل، وناحية حفظه، حفظ صدر، وحفظ كتاب، فقال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ﴾ [المائدة: 44].
فقوله: ﴿بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ﴾ أي: بالذي استحفظوه من جهة النبيين، وهو التوراة، حيث سألوهم أن يحفظوها من التغيير والتبديل على الإطلاق، ولا ريب في أن ذلك منهم -عليهم السلام- استخلافٌ لهم في إجراء أحكامها من غير إخلالٍ بشيء منها، وفي إبهامها أولًا، ثم بيانها ثانيًا بقوله تعالى: ﴿مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ﴾ من تفخيمها وإجلالها ذاتًا وإضافةً، وتأكيد إيجاب حفظها، والعمل بما فيها ما لا يخفى.
وإيرادها بعنوان الكتاب للإيماء إلى إيجاب حفظها عن التغيير من جهة الكتابة(122).
والأحبار: هم العلماء، جمع حبر، أو حبر، وهما لغتان، وهو مأخوذ من معنى التزيين والتحسين؛ لأن الحبر هو الأثر الحسن ذو الرونق، ويكون المعنى: الذين يجمعون العلم ويدرسونه ويزينونه بالقول الحسن، والتطبيق الجيد، أو هو مأخوذ من الحبر مادة الكتابة لعنايتهم بتدوين علمهم، وعرضه للناس، وإبقائه أثرًا خالدًا من بعدهم.
والمفسرون على أن الربانيين والأحبار نوعان، قد طبقوا حكم التوراة، فالأولون صَفَتْ نفوسهم، وربوها بالعلم والعبادة، والآخرون جمعوا العلم، ورتبوه وعرضوه، وعلى هذا التفسير الذي يجعلهم نوعين متغايرين، نوجه القول فيه: بأن الذين قاموا على التوراة صنفان:
أحدهما: جمع علمها، واستخرج ينابيعها، وأحاط بها.
وآخرون: طبقوها في الأقضية.
أي: إن الفقهاء وهم الأحبار قدموا خلاصة ما علموا نقيًّا محبرًا تحبيرًا جيدًا، والآخرون وهم الربانيون طبقوه مجردين أنفسهم من كل شهوة وهوى، فالضعيف عندهم قوي، حتى يأخذوا الحق له، والقوي منهم ضعيف حتى يأخذوا الحق منه، كما يفعل الربانيون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم رضي الله عنهم.
وقُدِّمَ الربانيون على الأحبار لأنهم الذين يطبقون العلم على العمل، والمقام في الآية هو مقام التطبيق، فالعمل الواضح هو عمل الربانيين؛ لأنهم الذين يحكمون بحكم التوراة.
وقد خص الله تعالى الفريقين بقوله تعالت كلماته: ﴿بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ﴾ فالباء هنا متعلقة بـ ﴿يَحۡكُمُ﴾ أي: إن النبيين والربانيين والأحبار يحكمون بما في التوراة؛ لأنهم حملوا أمانة حفظ كتاب الله، بحيث لا يضيعونه، ولا يهملون أحكامه، وقد يقال: إنها متعلقة بالربانيين والأحبار، على معنى أنهم أوتوا هاتين المنزلتين منزلة الربانية والعلم، بسبب أنهم حملوا أمانة الكتابة.
و﴿ٱسۡتُحۡفِظُواْ﴾ بالبناء للمجهول فيه بيان أنهم بمقتضى ما منحوا من صفات عهد إليهم أمر المحافظة على كتاب الله المنزل على نبيه، والمراد بكتاب الله هنا التوراة، وعبر عنها بكتاب الله تعالى للإشارة إلى منزلتها إبان نزولها قبل تحريفها، وإلى شرف من يقومون بحفظها، وإلى مكان التكليفات والأحكام التي اشتملت عليها.
والاستحفاظ هو الحفظ المطلوب؛ إذ إن السين والتاء للطلب، والمعنى: إن الربانيين والأحبار حفظوا كتاب الله تعالى بإلهامهم طلب الحق والعلم، وتوجيههم نحو الخير، وكان حفظهم مؤكدًا؛ لأنه استجابة لطلب الله تعالى الخبير، وحفظ الكتاب بعلم ما اشتمل عليه، ومنعه من الضياع والتحريف، وتنفيذ الأحكام التي يأمر بها، وطاعته فيما ينهى.
وكان أولئك الربانيون والأحبار شهداء، أي رقباء، يحافظون على نصوصه كاملة، ويشهدون بصدق ما نزل من عند الله، ويردون المحرف، وكانوا أيضًا رقباء على تنفيذه، بحيث ينفذ من غير عوج(123).
وكذلك في تسمية القرآن بهذين الاسمين: القرآن والكتاب إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أي: أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلًا بعد جيل، على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.
وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية؛ اقتداء بنبيها بقي القرآن محفوظًا في حرز حريز، إنجازًا لوعد الله الذي تكفل بحفظه، حيث يقول: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩﴾ [الحجر: 9].
ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند، فإن الله لم يتكفل بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس، فقال تعالى: ﴿وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ﴾ [المائدة: 44].
أي: بما طلب إليهم حفظه(124).
والمقصود: إن في ذكر هذه الشروط في الكاتب والكتابة إرشادًا من الله للمسلمين أن يكون فيهم هذا الصنف من الكُتَّاب القادرين على الكتابة، فيما فيه مصلحة الناس؛ لأن الموضوع هام لتعلقه بحفظ الحقوق، ولا سيما لدى الأميين الذين خوطبوا به أولًا.
ولهذا قال: ﴿وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ﴾ [البقرة: 282].
ففي هذا النص بيان لكيفية الكتابة المأمور بها، وتعيين من يتولاها، عقب الأمر بها على سبيل الإجمال.
أي: عليكم أيها المؤمنون إذا تعاملتم بالدين إلى أجل معين أن تكتبوا هذا الدين؛ وليتول الكتابة بينكم شخص يجيدها وعنده فقهها وعلمها، بأن يكون على معرفة بشروط العقود وتوثيقها، وما يكون من الشروط موافقًا لشريعة الإسلام، وما يكون منها غير موافق، وعلى هذا الكاتب أن يلتزم الحق مع الدائن والمَدين في كتابته؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: 8].
فالجملة الكريمة تحض المتعاملين بالدين أن يختاروا لكتابته شخصًا تتوافر فيه إجادة الكتابة، والخبرة بشروط العقود وتوثيقها، كما تتوافر فيه الاستقامة، وتحري الحق، ومفعول ﴿يَكۡتُبَ﴾ محذوف ثقة بانفهامه، أي: وليكتب بينكم الكتابة كاتب بالعدل، والتقييد بالظرف ﴿بَّيۡنَكُمۡ﴾ للإيذان بأنه ينبغي للكاتب ألا يسمح لنفسه بأن ينفرد به أحد المتعاقدين؛ لأن في هذا الانفراد تهمة يجب أن يربأ بنفسه عنها(125).
أساليب القرآن في الحث على الكتابة
تظهر أهمية وقيمة الكتابة في اعتناء القرآن الكريم بالحديث عنها، حيث تنوعت أساليب القرآن الكريم في عرضه لهذا الموضوع، والدعوة إليه، ومن هذه الأساليب ما يأتي:
أولًا: القَسَمُ بالمكتوب والأداة:
من أساليب القرآن في الحث على الكتابة القسم بالمكتوب، وأداة الكتابة التي هي القلم، قال تعالى: ﴿نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ ١﴾ [القلم: 1].
فأقسم تعالى بالقلم الذي يكتب الناس به العلوم والمعارف، فإن القلم أخو اللسان، ونعمة من الرحمن على عباده، والمعنى: أقسم بالقلم، وما يكتبه الكاتبون على صدق محمد وسلامته مما نسبه إليه المجرمون من السفه والجنون.
وفي القسم بالقلم والكتابة إشادة بفضل الكتابة والقراءة، فالإنسان من بين سائر المخلوقات خصه الله بمعرفة الكتابة؛ ليفصح عما في ضميره.
وحسبك دليلًا على شرف القلم أن الله أقسم به في هذه السورة تمجيدًا لشأن الكاتبين، ورفعًا من قدر أهل العلم، ففي القلم البيان كما في اللسان، وبه قوام العلوم والمعارف(126).
قال ابن كثير: والظاهر من قوله تعالى: ﴿وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ﴾ أنه جنس من القلم الذي يكتب به، وهو قَسَم منه تعالى لتنبيه خلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا يَسۡطُرُونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني: وما يكتبون(127).
أما الطبري فقد قال: وأما القلم فهو القلم المعروف، غير أن الذي أقسم به ربنا من الأقلام القلم الذي خلقه الله تعالى ذكره، فأمره فجرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة(128).
وقد أطال ابن القيم في شرح فوائد القلم، وبيان عظمته، حيث قال: فأقسم بالكتاب وآلته، وهو القلم الذي هو إحدى آياته، وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه، وكتب به الوحي، وقيد به الدين، وأثبتت به الشريعة، وحفظت به العلوم، وقامت به مصالح العباد في المعاش والمعاد، فوطدت به الممالك، وأمنت به السبل والمسالك، وأقام في الناس أبلغ خطيب، وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه، وواعظًا تشفي مواعظه القلوب من السقم، وطبيبًا يبرئ بإذنه من أنواع الألم، يكسر العساكر العظيمة على أنه الضعيف الوحيد، ويخاف سطوته وبأسه ذو البأس الشديد، بالأقلام تدبر الأقاليم، وتساس الممالك، والعلم لسان الضمير يناجيه بما استتر عن الأسماع، فينسج حلل المعاني في الطرفين، فتعود أحسن من الوشي المرقوم، ويودعها حكمه فتصير بوادر الفهوم والأقلام نظام الأفهام، وكما أن اللسان بريد القلب، فالقلم بريد اللسان، ويولد الحروف المسموعة عن اللسان كتولد الحروف المكتوبة عن القلم، والقلم بريد القلب ورسوله وترجمانه ولسانه الصامت(129).
ثم عقد فصلًا في مراتب الأقلام، فجعلها اثني عشر قلمًا.
أولها: وأعلاها وأجلها قدرًا قلم القدر السابق الذي كتب الله به مقادير الخلائق، وقد أقسم به إعظامًا له.
ثانيها: قلم الوحي، يكتب به وحي الله تعالى إلى رسله وأنبيائه.
ثالثها: قلم الفقهاء والمفتين، ويتلوه على الترتيب التنازلي: قلم طب الأبدان، وقلم التوقيع عن الملوك والساسة، وقلم الحساب تضبط به الأموال، وقلم الحكم تثبت به الحقوق، وتنفذ القضايا، وقلم الشهادة تحفظ به الحقوق، وتصان عن الإضاعة، وقلم تعبير الرؤيا، ووحي المنام، وقلم التاريخ، وقلم اللغة، يشرح معاني ألفاظها ونحوها وتصريفها، وأسرار تراكيبها، ثم القلم الجامع، وهو قلم الرد على المبطلين(130).
وقد أكثر الحكماء والبلغاء في وصف القلم ونفعه، فقال ابن الهيثم: من جلالة القلم أنه لم يكتب الله تعالى كتابًا إلا به؛ لذلك أقسم الله تعالى به، وقيل: الأقلام مطايا الفطن، ورسل الكرام، وقيل: البيان اثنان: بيان لسان، وبيان بنان، وفضل بيان البنان أن ما تثبته الأقلام باقٍ على الأيام، وبيان اللسان تدرسه الأعوام، وقال بعض الحكماء: قوام أمور الدين والدنيا شيئان: القلم والسيف، والسيف تحت العلم، وفيه يقول ابن الرومي(131):
إن يخدم القلم السيف الذي خضعت
له الرقاب ودانت حذره الأمم
فالموت والموت لا شيء يغالبه
ما زال يتبع ما يجرى به القلم
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت
إن السيوف لها مذ أرهفت خدم(132)
ومنه قول أبي الفتح البستي(133):
إذا أقسم الأبطال يومًا بسيفهم
وعدوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتاب عزًّا ورفعة
مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم
وفي القسم بما يسطر الكاتبون بالقلم إشارة إلى أن هذه الأداة المكرمة ينبغي ألا يكتب بها إلا ما كان من الحق والخير، وإلا ما كان دعوة إلى هدى وتوجيهًا إلى خير.
إنه أداة تسجيل العلوم والمعارف وحفظها، وهو ينقل عن الإنسان نتاج تفكيره، وثمرات عقله، ويقيم له بهذا ذكرًا خالدًا في الحياة، بقدر ما يحمل القلم عنه من خير، وما ينشر من نفع، فكان لهذا جديرًا بأن يصان من أن يخط باطلًا، أو يسجل لغوًا(134).
قال ابن عاشور: وأكد ذلك بالقسم بما هو من مظاهر حكمة الله تعالى في تعليم الإنسان الكتابة، فتضمن تشريف حروف الهجاء والكتابة والعلم؛ لتهيئة الأمة لخلع دثار الأمية عنهم، وإقبالهم على الكتابة والعلم؛ لتكون الكتابة والعلم سببًا لحفظ القرآن، ومن فوائد هذا القسم أن هذا القرآن كتاب الإسلام، وأنه سيكون مكتوبًا مقروءًا بين المسلمين؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بكتابة ما يوحى به إليه، وتعريف القلم تعريف الجنس، فالقسم بالقلم لشرفه بأنه يكتب به القرآن، وكتبت به الكتب المقدسة، وتكتب به كتب التربية ومكارم الأخلاق والعلوم، وكل ذلك مما له حظ شرف عند الله تعالى(135).
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَٱلطُّورِ ١ وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ ٢ فِي رَقّٖ مَّنشُورٖ ٣﴾ [الطور: 1-3].
فأقسم الله تعالى ها هنا فقال: ﴿وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ﴾ والمسطور: المكتوب(136).
و﴿فِي رَقّٖ﴾ متعلق بمسطور، أي: مكتوب في رق، والرق: الجلد الرقيق، يكتب فيه، وقال الراغب: الرق ما يكتب فيه، شبه الكاغد(137). فهو أعم من كونه جلدًا وغيره ﴿مَّنشُورٖ﴾ أي: مبسوط، مهيأ للقراءة(138).
والمراد بالمسطور أيضًا أنه: متقن الكتابة بسطور مصفوفة، في حروف مرتبة، جامعة لكلمات متفقة(139).
وفي وصف الكتاب بأنه مسطور أيضًا إشارة إلى أنه مكتوب كتابة في أسطر على نحو ما يكتب الكاتبون.
وفي وصفه بأنه في رق منشور إشارة أخرى إلى أنه خفيف الحمل، سهل التداول، وأنه منشور، أي: مفتوح للقارئين، غير مطوي عنهم.
وفي هذا كله تنويه بالكتابة، ورفع لقدرها، وأنها باب واسع من أبواب العلم، وطريق فسيح من طرق المعرفة.
وليس هذا بالأمر المستغرب من رسالة افتتحت بهذا الأمر من رب العالمين إلى النبي الأمي في قوله تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢ ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٣ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ ٤ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ ٥﴾ [العلق 1-5].
ثم تلا هذا الأمر قَسَمٌ بالكتابة، وأدواتها من حروف وأقلام، فقال تعالى: ﴿نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ ١﴾ [القلم: 1].
فالكتابة نعمة من نعم الله العظمى على الإنسان، تكمل بها نعمة الكلمة التي وضعها تعالى في فم الإنسان، فلا عجب إذن أن يقسم الله تعالى بالكتاب من حيث هو جنس عام لكل ما يكتب، وأن ينظمه في نسق واحد، مع هذه المعالم المباركة التي أقامها الله سبحانه هدى ورحمة للناس، كالطور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجور(140).
ومما يستفاد أيضًا من تسميته رقًّا: أنه مرقق، وقد غلب الاستعمال على هذا الذي هو من جلود الحيوان(141).
ومما يفيده وصف الكتاب بالمسطور أيضًا: أنه متسق الكتابة، منتظم الحروف، مرتب المعاني، فالمراد بالكتاب المكتوب، وبالمسطور: الذي سطرت حروفه وكلماته تسطيرًا جميلًا حسنًا، والأظهر أن المقصود به القرآن الكريم؛ لأن الله تعالى قد أقسم به كثيرًا.
فوصف الكتاب بثلاث صفات:
- أنه مسطور: أي: مكتوب على وجه الانتظام، فإن السطر ترتيب الحروف المكتوبة(142).
- أنه في رقٍ: والرق كل ما يكتب فيه من ألواح وغيرها، وأصله: الجلد الرقيق الذي يكتب عليه.
- أنه منشور: والمنشور: المبسوط، أي: أن هذا الكتاب المسطور، كائن في صحائف مبسوطة ظاهرة لكل من ينظر إليها(143).
والمقصود: أن من أساليب القرآن في الحث على الكتابة: أنه أقسم بأداتها، وهي القلم، وما يكتبه ويسطره من كتابات، فقال: ﴿نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ ١﴾ [القلم: 1].
فالآية لفتت إلى سر القلم من حيث هو أداة الكتابة التي يدون بها العلم ويحفظ، وينتقل على امتداد الزمان والمكان، وتتابع الأجيال، ولا يتسع المقام لكل ما عده المفسرون من شرف القلم، وفوائد الكتابة، على أن يظل للبيان القرآني دلالته في لفت النبي الأمي والعرب الأميين إلى جلال القلم، آية من آيات الخالق الذي خلق الإنسان من علق، وعلمه ما لم يكن يعلم، بما تعني من اختصاص الإنسان دون سائر الكائنات بالقلم، وكسب العلم، وهذا من الخصائص الإنسانية التي يضيف إليها الوحي من بعد ذلك ما يجلوها ويزيدها بيانًا؛ إذ يجعل العلم مناط تكريم آدم الإنسان الأول، وحقه في الخلافة في الأرض، ويسوق الآيات، ويضرب الأمثال للذين يعلمون، ويقصر خشيته تعالى على العلماء(144).
ثانيًا: الأمر بالكتابة:
ومن أساليب القرآن في الحث على الكتابة الأمر بها، وقد سبق الكلام على قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [البقرة: 282].
ففي قوله: ﴿فَٱكۡتُبُوهُۚ﴾ وقوله: ﴿وَلۡيَكۡتُب﴾ أمران اثنان بالكتابة، وفي ذلك حث على تعلم الكتابة؛ إذ لا يتم امتثال الأمر بالكتابة إلا بتعلمها.
فشرعت الكتابة لحفظ ما يقع بين المتعاقدين إلى حلول الأجل؛ لأن النسيان يقع كثيرًا في المدة التي بين العقد، وحلول الأجل، وقد تطرأ عوارض من موت أو غيره، فشرع الله الكتابة لحفظ المال، وضبط الواقع، كما أنها شرعت لحفظ العلم وتقييده، ونقل العلوم من جيل إلى جيل.
وقد ذكر السعدي رحمه الله من فوائد آية الدين: أن فيها مشروعية كون الإنسان يتعلم الأمور التي يتوثق بها المتداينون كل واحد من صاحبه؛ لأن المقصود من ذلك التوثق والعدل، وما لا يتم المشروع إلا به فهو مشروع.
وفيها: أن تعلم الكتابة مشروع، بل هو فرض كفاية؛ لأن الله أمر بكتابة الديون وغيرها، ولا يحصل ذلك إلا بالتعلم(145).
وظاهر هذه الآية الكريمة أن كتابة الدين واجبة؛ لأن الأمر من الله يدل على الوجوب؛ ولكنه أشار إلى أنه أمر إرشاد لا إيجاب بقوله: ﴿وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ﴾ [البقرة: 283] الآية؛ لأن الرهن لا يجب إجماعًا، وهو بدل من الكتابة عند تعذرها في الآية، فلو كانت الكتابة واجبة لكان بدلها واجبًا، وصرح بعدم الوجوب بقوله: ﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ﴾ [البقرة: 283] الآية.
فالتحقيق أن الأمر في قوله: ﴿فَٱكۡتُبُوهُۚ﴾ للندب والإرشاد؛ لأن لرب الدَّيْن أن يهبه ويتركه إجماعًا، فالندب إلى الكتابة فيه إنما هو على جهة الحيطة للناس(146).
ورجح ابن عاشور أن الأمر بالكتابة هنا للوجوب، فقال: والقصد من الأمر بالكتابة التوثق للحقوق، وقطع أسباب الخصومات، وتنظيم معاملات الأمة، وإمكان الاطلاع على العقود الفاسدة، والأرجح أن الأمر للوجوب، فإنه الأصل في الأمر، وقد تأكد بهذه المؤكدات.
وأن قوله: ﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا﴾ الآية، رخصة خاصة بحالة الائتمان بين المتعاقدين، فإن حالة الائتمان حالة سالمة من تطرق التناكر والخصام؛ لأن الله تعالى أراد من الأمة قطع أسباب التهارج والفوضى، فأوجب عليهم التوثق في مقامات المشاحنة؛ لئلا يتساهلوا ابتداء، ثم يُفْضوا إلى المنازعة في العاقبة، ويظهر لي أن في الوجوب نفيًا للحرج عن الدائن إذا طلب من مدينه الكتب؛ حتى لا يَعُدَّ المدين ذلك من سوء الظن به، فإن في القوانين معذرة للمتعاملين.
وقال ابن عطية: الصحيح عدم الوجوب؛ لأن للمرء أن يهب هذا الحق ويتركه بإجماع، فكيف يجب عليه أن يكتبه، وإنما هو ندب للاحتياط(147).
قال ابن عاشور: وهذا كلام قد يروج في بادئ الرأي؛ ولكنه مردود بأن مقام التوثق غير مقام التبرع، ومقصد الشريعة تنبيه أصحاب الحقوق حتى لا يتساهلوا، ثم يندموا، وليس المقصود إبطال ائتمان بعضهم بعضًا، كما أن من مقاصدها دفع موجدة الغريم من توثق دائنه إذا علم أنه بأمر من الله، ومن مقاصدها قطع أسباب الخصام(148).
والمقصود: أن في هذا الأمر الإلهي بالكتابة دعوة إلى تعلمها، سواء كان أمرًا على الوجوب، أو على الندب، فالقدر المشترك بينهما طلب حصول الفعل، وهو الكتابة، وفي هذا حثٌ عليها، وطلبٌ لها.
ثالثًا: الثناء على أهل الكتابة:
ومن أساليب القرآن في الحث على الكتابة، الثناء على أهلها، فقد وصف الله تعالى الملائكة بأنهم كاتبون، فقال: ﴿كِرَامٗا كَٰتِبِينَ ١١﴾ [الانفطار: 11].
والمراد بكونهم كاتبين، أي: أنهم قائمون على كتابة أعمال العباد، بأمر الله لهم.
ومما تجدر الإشارة إليه أن في وصف الحفظة هنا بهذه الصفات من كونهم حافظين، كرامًا، كاتبين، يعلمون، دليلًا على أنه اجتمع لهم كل صفات التأهيل، من حفظٍ، وعلو منزلةٍ، وعلم بما يكتبون؛ وكأنه توجيه لما ينبغي لولاة الأمور مراعاته في استكتاب الكُتَّاب والأمناء؛ ولذا قالوا: على القاضي أن يتخير كاتبًا أمينًا، حسن الخط، فاهمًا، ومن هذا الوصف يعلم أنه لا يختلط عليهم عمل يعمل، وكونهم حفظة لا يضيعون شيئًا، ولو كان مثقال ذرة(149).
وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور؛ ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه، ويجازي به الملائكة الكرام الحفظة الكتبة، وفيه إنذار وتهويل، وتشوير للعصاة(150)، ولطف للمؤمنين، وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال: ما أشدها من آية على الغافلين(151).
فالكرم صفتهم النفسية الجامعة للكمال في المعاملة، وما يصدر عنهم من الأعمال، وأما صفة الكتابة فمراد بها ضبط ما وكلوا بحفظه ضبطًا لا يتعرض للنسيان، ولا للإجحاف ولا للزيادة.
وأما صفة العلم بما يفعله الناس فهو الإحاطة بما يصدر عن الناس من أعمال، وما يخطر ببالهم من تفكير، مما يراد به عمل خير أو شر، وهو الهم.
واعلم أنه ينتزع من هذه الآية أن هذه الصفات الأربع هي عماد الصفات المشروطة في كل من يقوم بعمل للأمة في الإسلام من الولاة وغيرهم، فإنهم حافظون لمصالح ما استحفظوا عليه، وأول الحفظ الأمانة، وعدم التفريط.
فلا بد فيهم من الكرم، وهو زكاء الفطرة، أي: طهارة النفس، ومن الضبط فيما يجري على يديه، بحيث لا تضيع المصالح العامة ولا الخاصة، بأن يكون ما يصدره مكتوبًا، أو كالمكتوب مضبوطًا لا يستطاع تغييره، ويمكن لكل من يقوم بذلك العمل بعد القائم به، أو في مغيبه أن يعرف ماذا أجري فيه من الإعمال، وهذا أصل عظيم في وضع الملفات للنوازل والتراتيب، ومنه نشأت دواوين القضاة، ودفاتر الشهود، والخطاب على الرسوم، وإخراج نسخ الأحكام والأحباس وعقود النكاح.
ومن إحاطة العلم بما يتعلق بالأحوال التي تسند إلى المؤتمن عليها، بحيث لا يستطيع أحد من المخالطين لوظيفة أن يموه عليه شيئًا، أو أن يلبس عليه حقيقة؛ بحيث ينتفي عنه الغلط والخطأ في تمييز الأمور بأقصى ما يمكن(152).
ومن الترغيب بالكتابة مدح الكتاب المكتوب، وانظر إلى قول الله تعالى على لسان بلقيس: ﴿قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ ٢٩﴾ [النمل: 29].
فسليمان عليه السلام كتب كتابًا: من عبد الله سليمان بن داود، إلى بلقيس ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علي، وأتوني مسلمين.
قال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قص الله في كتابه -يعني أنه كان كتابًا مختصرًا- وقال قتادة: وكذلك كل الأنبياء كانت تكتب جملًا، لا يطيلون، ولا يكثرون، فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه، فقال للهدهد: ﴿ٱذۡهَب بِّكِتَٰبِي هَٰذَا فَأَلۡقِهۡ إِلَيۡهِمۡ﴾ [النمل: 28].
قال عطاء والضحاك: سمته كريمًا لأنه كان مختومًا، وقال قتادة ومقاتل: ﴿كِتَٰبٞ كَرِيمٌ﴾ أي: حسن، وهو اختيار الزجاج، وقال: حسن ما فيه، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿كَرِيمٌ﴾ أي: شريف لشرف صاحبه، وقيل: سمته كريمًا؛ لأنه كان مصدرًا ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم بينت ممن الكتاب، فقالت: ﴿إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ﴾(153).
وقيل: كريم مضمونه، وقيل: كريم حيث أتى به طير(154). أو لأنه من عند ملك كريم(155).
والمقصود: وصفته بالكرم؛ لكرم مضمونه وشرفه، أو لكرم مرسله، وعلو منزلته، وعلمت ذلك بالسماع، أو بكون كتابه مختومًا باسمه على عادة الملوك والعظماء، أو بكون رسوله به الطير، أو لبداءته باسم الله عز وجل، أو لغرابة شأنه ووصوله إليها على منهاج غير معتاد، وقيل: إن ذلك لظنها إياه بسبب أن الملقي له طير أنه كتاب سماوي، وليس ذلك بشيء(156). انتهى من روح المعاني مختصرًا.
أما: لم قدم سليمان اسمه على اسم الله؟ فالجواب: أنها لما وجدت الكتاب على وسادتها، ولم يكن لأحد إليها طريق، ورأت الهدهد علمت أنه من سليمان، وحين فتحت الكتاب رأت التسمية؛ ولذلك قالت ما قالت، أو لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب ﴿إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ﴾ فقرأت عنوانه أولًا، ثم أخبرت بما في الكتاب، أو لعل سليمان قصد بذلك أنها لو شتمت لأجل كفرها، حصل الشتم لسليمان لا لله تعالى(157).
والمقصود: أنها مدحت كتاب سليمان عليه السلام بالكرم والشرف، وفي هذا ترغيب بالكتابة، وبخاصة إذا كانت ذا مضمون شريف، وهدف نبيل كهذا الكتاب الذي كان الهدف منه الدعوة إلى الله، ونشر دينه، وإعلاء كلمته.
ومما يؤكد هذا المعنى أيضًا قول الله تعالى عن عيسى عليه السلام: ﴿وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ﴾ [المائدة: 110].
فقوله: ﴿وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: الإنجيل الذي أنزلته عليك بعد أن علمتك الكتابة والقراءة، تتلو عليهم، وقيل: إنه علمه كتب الأولين النازلة على الأنبياء قبله؛ لأن فيها التوراة، مع أن التوراة ستأتي بعد؛ ولهذا فالأحسن الإيراد بالكتاب هنا الكتابة بالقلم(158).
ففي هذا امتنان من الله تعالى على عيسى عليه السلام بتعليمه الكتابة، وفي هذا ترغيب بها، ودعوة إليها.
رابعًا: النهي عن الامتناع عن الكتابة:
ومن أساليب القرآن في الحث على الكتابة، النهي عن الامتناع عنها لمن احتيج إلى كتابته، وكان قادرًا عالمًا بالكتابة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ﴾ [البقرة: 282].
وفي هذا نهي عن الامتناع عن الكتابة، وترغيب فيها.
و﴿كَاتِبٌ﴾ نكرة في سياق النهي فتعم(159). ثم النهي عن الامتناع عن الكتابة لكل كاتب إنما هو على سبيل الإرشاد والأولى؛ تحصيلًا لحاجة المسلم، وشكرًا لما علمه الله من كتابة الوثائق، فهو كقوله: ﴿وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ﴾ [القصص: 77].
وقيل: إنه على سبيل الإيجاب؛ ولكنه نسخ بقوله: ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ﴾[البقرة: 282].
وقيل: إنه فرض كفاية، فإن لم يجد إلا كاتبًا واحدًا وجبت الكتابة عليه، وإن وجد أشخاصًا فالواجب كتابة أحدهم، وقيل: متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله، يعني أنه بتقدير: أن يكتب، فالواجب أن يكتب كما علمه الله، وأن لا يخل بشرط من الشروط، كيلا يضيع مال المسلم بإهماله -وقد سبق الإشارة إلى هذه الأوجه-.
والحاصل: أن من أساليب القرآن في الحث على الكتابة، والترغيب فيها، النهي لمن يعرف الكتابة أن يمتنع عن كتابة الدين أو غيره من مصالح المسلمين إذا دعي إلى كتابته، فقد أنعم الله عليه بأن علمه ما لم يكن يعلم، فلينفق من هذا الرزق الذي رزقه الله إياه في سبيل الخير، فذلك من زكاة هذه النعمة.
وفي قوله تعالى: ﴿فَلۡيَكۡتُبۡ﴾ أمر آخر بالكتابة، يتوجه إلى من يحسنها، ويؤكد الواجب المدعو إليه في تلك الحال، فإن تخلى عنه كان ذلك منه عصيانًا عن عمد، وتحديًا صريحًا لأمر الله الذي بلغه في أبلغ بيان وآكده، بالأمر به، ثم بالنهي عن مخالفته، ثم بالأمر به مرة أخرى.
| موضوعات ذات صلة: |
| الأمية، الدَين، العلم، القدر، القرآن، القراءة |
الحواشي
- مقاييس اللغة، ابن فارس 5/158. ↩
- أنيس الفقهاء، القونوي ص61. ↩
- مقاييس اللغة، ابن فارس 5/158. ↩
- أنيس الفقهاء، القونوي ص61. ↩
- أنيس الفقهاء، القونوي ص61. ↩
- لسان العرب، ابن منظور 1/700. ↩
- دستور العلماء، الأحمد نكري 3/83-84. ↩
- الكليات ص 767. ↩
- معجم لغة الفقهاء، قلعجي ص 377. ↩
- انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن، عبد الله جلغوم، ص1004-1010. ↩
- انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص392، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص514. ↩
- أنيس الفقهاء، القونوي ص 24. ↩
- مختار الصحاح، الرازي ص 249. ↩
- أساس البلاغة، الزمخشري 2/63. ↩
- مقاييس اللغة، ابن فارس 3/72-73. ↩
- المصباح المنير، الفيومي 1/276. ↩
- تاج العروس، الزبيدي 12/24.
وانظر: تفسير عبد الرزاق 3/329. ↩ - التفسير القرآني للقرآن، الخطيب 14/543. ↩
- جمهرة اللغة، ابن دريد 1/105. ↩
- أساس البلاغة، الزمخشري 1/256. ↩
- التعريفات، الجرجاني ص 99. ↩
- دستور العلماء، الأحمد نكري 2/58. ↩
- القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 665. ↩
- انظر: صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة، علوي السقاف ص 289. ↩
- فتح الباري، ابن حجر 6/291. ↩
- صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة، علوي السقاف ص 289. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى، عليهما السلام 4/2042، رقم 2652. ↩
- جامع البيان، الطبري 14/290. ↩
- غرائب القرآن، النيسابوري 3/482. ↩
- لباب التأويل، الخازن 2/370. ↩
- أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، 4/667، رقم 2516، وأحمد في مسنده، 4/409، رقم 2669.
وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، 3/1459، رقم 5302. ↩ - جامع البيان، الطبري 23/195. ↩
- أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في القدر، 4/225، رقم 4700.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/405، رقم 2018. ↩ - تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الحجرات - الحديد ص 412-413. ↩
- تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الحجرات - الحديد ص 412-413. ↩
- أخرجه البخاري معلقًا 8/122 عن أبي هريرة قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: جف القلم بما أنت لاق. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 13/12. ↩
- التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي 2/348. ↩
- فتح القدير، الشوكاني 3/105. ↩
- أخرجه البخاري معلقًا 8/122 عن أبي هريرة قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: جف القلم بما أنت لاق. ↩
- التفسير الوسيط، طنطاوي 7/495. ↩
- معالم التنزيل، البغوي 5/101. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/382. ↩
- جامع البيان، الطبري 14/64. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ)، 9/160، رقم 7553، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه 4/2108، رقم 2751. ↩
- اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 9/573. ↩
- جامع البيان، الطبري 22/493. ↩
- فتح القدير، الشوكاني 4/477. ↩
- شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة 42/2. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 4/294. ↩
- تفسير المنار، محمد رشيد رضا 4/216. ↩
- تفسير الشعراوي 3/1911 بتصرف. ↩
- زهرة التفاسير 3/1528. ↩
- زاد المسير 1/438. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/364. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/565. ↩
- الكشاف، الزمخشري 4/7. ↩
- تفسير السمعاني 4/370. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/568. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/357. ↩
- السراج المنير، الشربيني 3/340. ↩
- محاسن التأويل، القاسمي 9/16 بتصرف. ↩
- التفسير الحديث، محمد عزت 2/233 بتصرف. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 29/330 بتصرف. ↩
- تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الحجرات - الحديد ص295. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 959. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 118. ↩
- تفسير ابن عرفة 2/779. ↩
- لباب التأويل، الخازن 1/214. ↩
- تفسير الشعراوي 2/1222. ↩
- التفسير الوسيط، الزحيلي 1/162. ↩
- السراج المنير، الشربيني 1/189. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرهن، باب من رهن درعه، 3/142، رقم 2509 دون ذكر اسم اليهودي. ↩
- بيان المعاني، العاني 5/263 بتصرف. ↩
- اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 14/370. ↩
- فتح القدير، الشوكاني 4/34. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 21/373 بتصرف. ↩
- التفسير الوسيط، طنطاوي 15/454. ↩
- أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، 10/89، رقم 10046.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ص 508، رقم 3473. ↩ - روح البيان، إسماعيل حقي 10/474. ↩
- هذا الأثر ذكره الرازي في تفسيره 32/218 وابن عادل في اللباب 20/415 والنيسابوري في غرائب القرآن ورغائب الفرقان 6/530 والخطيب الشربيني في السراج المنير 4/561 ولم نجده في كتب السنة. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 32/218. ↩
- مفتاح دار السعادة 1/278. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص930. ↩
- تأويلات أهل السنة، الماتريدي 10/578 بتصرف. ↩
- انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، جزء عم ص 259. ↩
- البيتان نسبهما في إعانة الطالبين 4/5 للإمام مالك. ↩
- انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي 10/448. ↩
- تفسير المراغي 7/148. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 13/15. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، 1/203، رقم 223. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح، 8/86، 6406، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، 4/2072، رقم 2694. ↩
- انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا 7/403. ↩
- إرشاد العقل السليم، أبو السعود 4/133. ↩
- أخرجه أبو الشيخ في العظمة 3/999، رقم 519.
وانظر: الدر المنثور، السيوطي 7/594. ↩ - انظر: روح البيان، حقي 4/30. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 25/263. ↩
- انظر: تفسير الراغب الأصفهاني 3/1346. ↩
- زاد المسير 4/100-101. ↩
- التحرير والتنوير 15/48. ↩
- الكشاف، الزمخشري 4/384. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، 1/115، رقم 555، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، والمحافظة عليهما، 1/439، رقم 632. ↩
- جامع البيان، الطبري 6/51. ↩
- المصدر السابق 5/76. ↩
- انظر: إعراب القرآن وبيانه، درويش 1/436. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 7/92. ↩
- انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا 3/100. ↩
- التحرير والتنوير 3/101. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 959. ↩
- زهرة التفاسير، أبو زهرة 2/1067. ↩
- أحكام القرآن، الجصاص 1/587. ↩
- تفسير المراغي 3/73. ↩
- تفسير المنار، محمد رشيد رضا 3/101. ↩
- التحرير والتنوير 3/102. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، 1/89، رقم 84. ↩
- أخرجه الترمذي في أبواب العلم، باب ما جاء في كتمان العلم، 4/326، رقم 2649، وابن ماجه في افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب من سئل عن علم فكتمه، 1/98، رقم 266.
قال الترمذي: حديث حسن.
وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح، 1/77، رقم 223. ↩ - الكشاف، الزمخشري 1/325. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 2/1069. ↩
- انظ: المصدر السابق 2/1067. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب السلم، باب السلم في وزن معلوم، 3/85، رقم 2240، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب السلم، 3/1226، رقم 1604. ↩
- أحكام القرآن، الجصاص 1/587. ↩
- إرشاد العقل السليم، أبو السعود 3/41. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 4/2201. ↩
- انظر: علوم القرآن الكريم، نور الدين عتر ص 13. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي 1/645. ↩
- انظر: صفوة التفاسير، الصابوني 3/401. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/187. ↩
- جامع البيان، الطبري 23/526. ↩
- التبيان في أقسام القرآن، ابن القيم ص 206. ↩
- انظر:المصدر السابق ص 208. ↩
- الأبيات في ديوانه، شرح أحمد حسن بسج 3/284. ↩
- الكشف والبيان، الثعلبي 10/7. ↩
- البيت في ديوانه ص198-199. ↩
- التفسير القرآني للقرآن، الخطيب 15/1078. ↩
- التحرير والتنوير 29/58. ↩
- جامع البيان، الطبري 22/454. ↩
- المفردات ص 361.
والكاغد: القرطاس، معربٌ.انظر: القاموس المحيط ص 315. ↩ - السراج المنير، الشربيني 4/110. ↩
- انظر: المصدر السابق. ↩
- التفسير القرآني للقرآن، الخطيب 14/543. ↩
- روح البيان 9/185. ↩
- روح المعاني، الألوسي 14/28. ↩
- التفسير الوسيط، طنطاوي 14/38. ↩
- انظر: التفسير البياني، بنت الشاطئ 2/23. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 118. ↩
- أضواء البيان، الشنقيطي 1/184. ↩
- وعبارته: وهذا هو القول الصحيح، ولا يترتب نسخ في هذا، لأن الله تعالى ندب إلى الكتب فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس. المحرر الوجيز 1/379. ↩
- التحرير والتنوير 3/100-101. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 8/451. ↩
- التشوير: التخجيل.
انظر: العين، الفراهيدي 6/281. ↩ - الكشاف، الزمخشري 4/716. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 30/180. ↩
- معالم التنزيل، البغوي 3/501. ↩
- غرائب التفسير وعجائب التأويل، الكرماني 2/848. ↩
- مدارك التنزيل، النسفي 2/602. ↩
- روح المعاني، الألوسي 10/189. ↩
- غرائب القرآن، النيسابوري 5/303. ↩
- بيان المعاني، العاني 6/390. ↩
- البحر المحيط، أبو حيان 2/724. ↩
