مفهوم القراءة
أولًا: المعنى اللغوي:
يقول ابن فارس: «القاف والراء والحرف المعتل: أصلٌ صحيح يدل على جمعٍ واجتماع، ومن ذلك: «القرية»، وسميت بذلك؛ لاجتماع الناس فيها، والمقراة: الجفنة، سميت بذلك؛ لاجتماع الضيف عليها»(1).
من: قرأ يقرأ قراءةً، فهي مصدر للفعل: «قرأ»، واسم الفاعل: «قارئ»، تقول: قرأ فلانٌ قراءة حسنة، ورجل قراءٌ حسن القراءة من قوم قرائين، والمفعول مقروء، تقول: صحيفة مقروءة، وقارأه مقارأةً وقراءً: دارسه، واستقرأه طلب إليه أن يقرأ، والقراء يكون من القراءة جمع قارئٍ، وقرأ عليه السلام يقرؤه عليه وأقرأه إياه أبلغه(2).
والأصل في القراءة: الجمع والضم، تقول: «قرأت الكتاب قراءةً»، ضممت حروفه بعضها إلى بعض، وكل شيءٍ جمعته فقد قرأته، و«قرأت الشيء قرآنًا»: جمعته وضممت بعضه إلى بعضٍ(3). ومنه سمي القرآن قرآنًا؛ لأنه يضم القصص والأحكام، والآيات والسور بعضها إلى بعض.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف معنى القراءة في الاصطلاح عن معناها في اللغة.
وقد عرف الكفوي القراءة بقوله: ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، ولا يقال ذلك لكل جمع؛ بدليل أنه لا يقال للحرف الواحد إذا تفوه به قراءة(4).
يقول ابن عاشور: «القراءة هي: تلاوة كلامٍ صدر في زمن سابق لوقت تلاوة تاليه، بمثل ما تكلم به متكلمه، سواء كان مكتوبًا في صحيفة، أم كان ملقنًا لتاليه بحيث لا يخالف أصله، ولو كان أصله كلام تاليه، ولذلك لا يقال لنقل كلام أنه قراءة إلا إذا كان كلامًا مكتوبًا أو محفوظًا»(5).
القراءة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (قرأ) في القرآن الكريم (88) مرة، يخص موضوع البحث منها(87) مرة(6).
والصيغ التي وردت هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| الفعل الماضي | 6 | ﴿وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ﴾ [الأعراف: 204] |
| الفعل المضارع | 5 | ﴿وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ﴾ [الإسراء: 106] |
| الفعل الأمر | 6 | ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١﴾ [العلق: 1] |
| المصدر | 70 | ﴿إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ ١٧ فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ ١٨﴾ [القيامة: 17-18] |
الأصل في القراءة أنها بمعنى الجمع والضم؛ وكل شيء جمعته فقد قرأته؛ فالقراءة جمع الحروف والكلمات، والقرآن يجمع القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد والآيات والسور بعضها إلى بعض(7).
الألفاظ ذات الصلة
التلاوة:
التلاوة لغة:
مصدر الفعل: «تلا» بمعنى: «تبع»، تقول: «تلوته تلوًا» أي: تبعته، ويقال: «ما زلت أتلوه حتى أتليته»، أي: تقدمته وصار خلفي، وأتليته أي: سبقته، وتلا فلانٌ القرآن يتلو تلاوة، وتلا الشيء: تبعه تلوًا(8). وتطلق التلاوة: على القراءة، تقول: تلا يتلو تلاوةً يعني: قرأ قراءةً؛ لأن القارئ في قراءته كأنه يتبع الحروف والكلمات بعضها بعضًا(9).
التلاوة اصطلاحًا:
هي القراءة لكلام مكتوبٍ أو محفوظٍ من كلامٍ له أو لغيره، يحكيه لسامعه، وغلب استعمالها في: قراءة القرآن وتجويده وترتيله بتفكر وتدبر(10).
الصلة بين التلاوة والقراءة:
التلاوة صورة من صور القراءة فهي إتباع الحروف والكلمات بعضها لبعض، وبينها وبين القراءة عموم وخصوص، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة، وغلب استعمالها في قراءة القرآن خاصة.
يقول الراغب الأصفهاني: «والتلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة، تارة بالقراءة، وتارة بالارتسام لما فيها من أمر ونهي، وترغيب وترهيب، فهي أخص من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة»(11).
ويقول أبو هلال العسكري: «الفرق بين التلاوة والقراءة: أن التلاوة لا تكون إلا لكلمتين فصاعدًا، والقراءة تكون للكلمة الواحدة يقال: قرأ فلان اسمه، ولا يقال تلا اسمه» (12).
الترتيل:
الترتيل لغة:
مصدر من: «رتل فلان كلامه إذا أتبع بعضه بعضا»، والرتل: حسن تناسق الشيء، وثغرٌ رتلٌ ورتلٌ: حسن التنضيد، مستوي الثنيات، وكلامٌ رتلٌ ورتلٌ أي: مرتلٌ حسنٌ على تؤدة، ورتل الكلام أحسن تأليفه، وأبانه وتمهل فيه(13).
وقيل الكلام المرتل: المفصل، يقال: فلانٌ يترتل في كلامه ويترسل: إذا فصل بعضه من بعض(14). والترتيل في القراءة: الترسل فيها، والتبيين من غير بغيٍ(15).
والترتيل اصطلاحًا:
القراءة بتؤدة واطمئنان، وإخراج كل حرف من مخرجه، مع تدبر المعاني، ومراعاة الوقوف(16).
الصلة بين الترتيل والقراءة:
أن الترتيل وصفٌ مخصوص لصورة من صور القراءة، فهو تحقيق لوصف التؤدة والطمأنينة في تلاوة القرآن خاصة.
الكتابة:
الكتابة: لغة:
مصدر كتبت، والكتب: الجمع، يقول ابن فارس: «الكاف والتاء والباء أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدل على جمع شيءٍ إلى شيءٍ، من ذلك: الكتاب والكتابة، يقال: كتبت الكتاب أكتبه كتبًا، ويقولون: كتبت البغلة، إذا جمعت شفري رحمها بحلقة»(17).
والكتاب في الأصل: اسم للصحيفة المكتوب فيها، وسميت الكتابة لجمعها الحروف(18).
الكتابة اصطلاحًا:
خطوطٌ موضوعةٌ مجتمعة تدل على المعنى المقصود، وأصلها: نقش الحروف في حجرٍ أو رق أو ثوبٍ(19).
ويعبر عن المقروء بالمكتوب، إذ القراءة والكتابة يشتركان في معنى الجمع والضم، فالقرآن الكريم هو المقروء المكتوب في المصاحف، فروعي في تسميته قرآنًا كونه مقروءًا بالألسن، وروعي في تسميته كتابًا كونه مدونًا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه(20).
الصلة بين الكتابة والقراءة:
يتضح مما سبق: أن الكتابة هي رسم المقروء، الدال على المقصود، فالمكتوب يكون بالقلم والرسم، والقراءة باللسان والنطق، ويعبر بكلٍ منهما عن الآخر، من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه.
الأمية:
الأمية لغة:
نسبةٌ إلى: «الأمي»، والأمي: هو الذي على خلقته لم يتعلم الكتابة ولا القراءة، فهو على جبلته التي خلق عليها(21).
الأمية اصطلاحًا:
الأمي الذي لا يحسن الكتابة ولا القراءة، قاله أبو العالية، والربيع، وقتادة، وإبراهيم النخعي، وغير واحد(22).
وقيل: الأمية: الصفة التي هي على أصل ولادة أمه لم يتعلم الكتابة ولا قراءتها، أو هو من لا يحسن الكتابة؛ لأنه لا يقدر عليها(23). وقيل للذي لا يكتب: أمي؛ لأن الكتابة والقراءة مكتسبة؛ فكأنه نسب إلى ما ولد عليه من الجهل بهما.
الصلة بين الأمية والقراءة:
يتضح مما سبق: أن الأمي هو الذي لم يدرك الكتابة ولا القراءة خاصة، فالأمية لفظة مقابلة للقراءة، يزيد العلم بمفهومها إجلالًا وتعظيما للقراءة، إذ القراءة خصيصةٌ مكتسبة فوق أصل الخلقة.
منزلة القراءة في القرآن
جاء القرآن الكريم مشيدًا بالقراءة مناديًا بها في أول كلمة نزلت منه من السماء، ومستعملًا لاشتقاقاتها، مدللًا على منزلتها الرفيعة، ومكانتها السامية، يوضح ذلك ما جاء في النقاط الآتية:
أولًا: إسناد القراءة لله تعالى.
قال تعالى: ﴿سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ ٦﴾ [الأعلى: 6].
هذا إخبار من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه سيعلمه هذا القرآن ويحفظه عليه، وسيقرئه بقراءة جبريل عليه السلام عليه، فلا ينسى منها إلا ما شاء الله أن ينساه مما نسخ الله تلاوته من القرآن.
قال مجاهد: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل عليه السلام لم يفرغ من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولها مخافة أن ينساها، فأنزل الله: ﴿سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ﴾»(24).
يقول القرطبي: «وهذه بشرى من الله تعالى، بشره بأن أعطاه آيةً بينةً، وهي أن يقرأ عليه جبريل عليه السلام ما يقرأ عليه من الوحي، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه»(25).
ويقول أبو السعود: «والسين في: ﴿سَنُقۡرِئُكَ﴾ إما للتأكيد، وإما لأن المراد: إقراء ما أوحى الله إليه حينئذٍ وما سيوحى إليه بعد ذلك، فهو وعدٌ كريم باستمرار الوحي أو سنجعلك قارئًا بإلهام القراءة فلا تنسى أصلًا من قوة الحفظ والإتقان، مع أنك أميٌ لا تدري ما الكتاب وما القراءة ليكون ذلك آيةً أخرى لك»(26).
لقد أمن الله نبيه صلى الله عليه وسلم من النسيان في قوله: ﴿سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ﴾، ولما كانت الآية توهم لزوم ذلك له صلى الله عليه وسلم، جاء الاستثناء بعدها: ﴿إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ﴾، فنسيان النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الله أن ينساه جائز.
يقول ابن حجر: «فإن المراد بالمنسي ما ينسخ تلاوته، فينسي الله نبيه صلى الله عليه وسلم ما يريد نسخ تلاوته»(27).
ويقول الألوسي: «وإسناد الإقراء إليه تعالى مجازي، أي: سنقرئك ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على لسان جبريل عليه السلام»(28).
وإسناد قراءة القرآن وتلقيها لله عز وجل يعلو ذلك بشرفها، ويعظم بمكانتها، وأن مصدرها الوحي السماوي، والتلقي الإلهي، وأن طريقتها متلقاة من الله عز وجل لا صنعة فيه للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا لأحدٍ من الخلق، وإنما هي منزلة من عنده تعالى(29).
وقد استمر هذا الإسناد المبارك لقراءة القرآن الكريم موصولًا، فقد عرض القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعٌ من الصحابة رضي الله عنهم منهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وعلى بن أبى طالب رضي الله عنه، وأبى بن كعب رضي الله عنه، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وزيد بن ثابت رضي الله عنه، وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه، وأبو الدرداء رضي الله عنه، وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة.
فقراءة القرآن بقراءاته المتعددة توقيفية من الله عز وجل لا مجال فيها للاجتهاد والقياس: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ﴾ [الأعراف: 203].
يقول ابن الجزري: «وكل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ به فقد وجب قبوله، ولم يسع أحدًا من الأمة رده، ولزم الإيمان به، وإن كله منزل من عند الله»(30).
ويقول أبو عمرو الداني: «وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن، على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت لا يردها قياس عربية، ولا فشو لغة، لأن القراءة سنة متبعة، يلزم قبولها والمصير إليها»(31).
ثانيًا: الأمر بالقراءة.
قال تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١﴾ [العلق: 1].
إن أول أمرٍ أنزله الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وكلفه به، هو الأمر بالقراءة، فأول كلمة تلقها النبي صلى الله عليه وسلم من أمين الوحي جبريل عليه السلام حينما لقيه في غار حراء هي: ﴿ٱقۡرَأۡ﴾، بصيغةٍ تلفت النظر، وتجذب الانتباه، وتسترعي الاهتمام.
إن هذا الأمر ليوضح بجلاء أن مصدر القراءة في كافة مجالاتها الحسية الآلية منها والمعنوية الكونية هو الوحي الرباني، والذي استوعب المعاش والمعاد، والدنيا والآخرة، والمبدأ والمنتهى(32).
ومجيء الأمر بها أولًا فيه تنويهٌ بشأنها، ودعوةٌ إليها؛ لأنها شعار دين الإسلام.
يقول القرطبي: «نبه على فضل علم القراءة والكتابة، لما فيه من المنافع العظيمة، التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا»(33).
إن هذا الأمر بالقراءة لهو أمر تكليفي لابد من القيام به إما عينًا، وإما كفاية، ولا غرو في ذلك فالقراءة هي السبيل إلى المعرفة والعلم، وبناء العقل، والوصول بالإنسان إلى درجة التكريم والتفضيل.
فخص الله الإنسان بالقراءة دون سائر الحيوانات، وذلك لأن القراءة من لوازم العقل والإدراك، فتخصيص خلق الإنسان بالذكر دون سائر المخلوقات، ليدل على أن الإنسان هو المختص بالقراءة والعلم، المنفرد بتبعية التكليف، المخاطب بكل ما سوف ينزل به الوحي من كلمات الله (34).
يقول ابن تيمية: «﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ﴾: ذكر سبحانه أنه خلق أكرم الأعيان الموجودة عمومًا وخصوصًا وهو الإنسان، وأنه المعلم للعلم عمومًا وخصوصًا: ﴿ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ﴾.
ثم قال: ﴿عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ﴾: ذكر بعد الخلق تعليم الإنسان ما لم يعلم، فخص هذا التعليم الذي يستدل به على إمكان النبوة فإن النبوة نوع من التعليم، وليس جعل الإنسان نبيًا بأعظم من جعل العلقة إنسانًا حيًا عالمًا ناطقًا سميعًا بصيرًا متكلمًا قد علم أنواع المعارف»(35).
ويقول ابن عاشور: «وذكر العلقة التي هي مضغة الدم العالقة بالرحم: فيه إشارة إلى أن خلق الإنسان من علق ثم مصيره إلى كمال أشده هو خلق ينطوي على قوى كامنة، وقابليات عظيمة، أقصاها قابلية العلم والقراءة والكتابة»(36).
ثالثًا: القراءة تكريم للإنسان:
قال تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٣ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ ٤ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ ٥﴾ [العلق: 3-5].
لما كانت القراءة هي الطريق للعلم والرفعة؛ والذي يرفع الإنسان ويخرجه من جهله وأميته التي خلق عليها؛ كان تخصيصه بالقراءة وأمره بها من أعظم النعم الموهوبه، والفضائل المهداة.
يقول الرازي: - مبينًا الترابط بين الأمرين: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ و ﴿ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ﴾ فيقول: «أولًا: وصف نفسه سبحانه بأنه خلق الإنسان من علق، وثانيًا: بأنه علمه بالقلم، ولا مناسبة في الظاهر بين الأمرين، لكن التحقيق أن أول أحوال الإنسان كونه علقة، وهي أخس الأشياء، وآخر أمره هو صيرورته عالمًا بحقائق الأشياء، وهو أشرف مراتب المخلوقات، فكأنه تعالى يقول: انتقلت من أخس المراتب إلى أعلى المراتب فلا بد لك من مدبر مقدر ينقلك من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة الشريفة، ثم فيه تنبيه على أن العلم أشرف الصفات الإنسانية، فالأكرم هو الذي أعطاك العلم؛ لأن العلم هو النهاية في الشرف»(37).
ويقول الزمخشري: «الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم»(38).
و﴿ٱلۡأَكۡرَمُ﴾ الذي لا يوازيه كريم، ولا يعادله في الكرم نظير، هو الذي يعطي بدون مقابل، ولا انتظار مقابل، فهو سبحانه كثير الصفات واسعها، كثير الكرم والإحسان، واسع الجود، الذي من كرمه أن علم بالعلم.
بل من كرمه سبحانه أنه جعل من القلم الذي هو قطعة جامدة من الحطب، أو الخشب، أداة للعلم والمعرفة، ففتح به على الإنسان أبواب العلوم والمعارف، وجعل من ثماره هذه الكتب التي حفظت ثمار العقول، فكانت ميراثًا للعلماء، يرثها الخلف عن السلف، وينميها ويثمرها العلماء جيلًا بعد جيل وبهذا تعلم الإنسان ما لم يكن يعلم، وبعلمه هذا المستفاد من سلفه، فتح أبوابًا جديدة من العلم يتلقاها عنه من بعده، ويفعل فعله، بما يفتح من أبواب جديدة للعلم وهكذا تتسع معارف الإنسان، ويزداد علمه على مدى الأجيال(39).
ومجيء الوصف هنا بالأكرم بدلًا من أي صفة أخرى؛ لما في هذه الصفة من تلاؤم للسياق، ما لا يناسب مكانها غيرها لعظم العطاء وجزيل المنة في أمرين:
فأولًا: رحمة الخليقة بهذه القراءة التي ربطت العباد بربهم.
وثانيًا: نعمة الخلق والإيجاد.
فهما نعمتان متكاملتان: الإيجاد من العدم بالخلق، والإيجاد الثاني من الجهل إلى العلم، ولا يكون هذا كله إلا من الرب الأكرم سبحانه(40).
آداب القراءة
قراءة القرآن من أفضل القربات، وأشرف العبادات، ولذا جاء القرآن الكريم مرشدًا إليها، موضحًا الآداب التي ينبغي لقارئ القرآن أن يتأدب بها تعظيمًا للقرآن، وإجلالًا له، وهي كما يلي:
- ﺍﻟﺒﺪﺀ بالبسلمة.
قال تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾: أي: أقرأ مبتدئًا بتسمية الله، قل: «باسم الله»، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبتدئ القراءة باسم الله تأدبًا، وبركةً، وثناءًا.
يقول أبو جعفر الطبري: «إن الله تعالى أدب نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وجعل ما أدبه به من ذلك وعلمه إياه منه لجميع خلقه سنةً يستنون بها، وسبيلًا يتبعونه عليها، فبها افتتاح أوائل منطقهم، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم»(41).
ومحل «باسم ربك»: النصب على الحال، أي: اقرأ مفتتحًا باسم ربك(42).
ويجوز أن تكون الباء زائدة، والتقدير: «اقرأ اسم ربك»، وقيل: الباء بمعنى: «على»، أي: «اقرأ على اسم ربك»، يقال: فعل كذا باسم الله، وعلى اسم الله، وعلى هذا فالمقروء محذوف، أي: اقرأ القرآن، وافتتحه باسم الله(43).
يقول أبو الحسن القيرواني: «بسم الله افتتاح إيمان ويمن، وحمد عاقبة، ورحمة وبركة، وثناء، وتقرب إلى الله عز وجل ورغبة فيما عنده وهو أدب من آداب الدين، ومدح لله تعالى، وتعظيم وشعار للمسلمين، وتبرك للمستأنف، وإقرار بالعبودية، واعتراف بالنعمة»(44).
ويقول الرازي: «والتسمية توجه القلب إلى هيبة جلال الله.
ثم قال: «قال: باسم ربك» ولم يقل: «اقرأ باسم الله» كما قال في التسمية المعروفة: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وجوابه: أنه أمرٌ بالعبادة، فكان ذلك أبلغ في الحث على الطاعة»(45).
فالقراءة مبدوءةً باسم الله تنتج حضارةً ربانية قرءانية، قلبها التوحيد، وطابعها اليمن والبركة والتزكية، وهدفها العمران والإصلاح في الأرض.
والبسملة عند قراءة القرآن مستحبة عند جمهور القراء، ومحلها البدء في السور.
يقول النووي: «وينبغي أن يحافظ على قراءة: «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول كل سورة«سوى براءة»(46).
وإذا ابتدأ قراءته أثناء السورة لا من أولها، فالأصح من مذاهب القراء أن القارئ مخير في الإتيان بها أو تركها.
قال أبو عمرو الداني: «فأما الابتداء برؤوس الأجزاء التي في بعض السور، فأصحابنا يخيرون القارئ بعد الاستعاذة بين التسمية وتركها في مذهب الجميع»(47).
ولفظ البسملة يتضمن الاستعانة بالله، فـ«بسم الله»، أي: أستعين بالله.
والاستعانة: هي طلب العون من الله، ولما كانت قراءة القرآن عبادة تحتاج إلى جهد وفهم، وتفريغ للقلب، كانت الاستعانة بالله عند القراءة مقوية للعبد ومعينة له عليها(48).
قال الله تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1].
أي: اقرأ بعون ربك وتوفيقه، فالباء للاستعانة، والمفعول محذوف، تقديره: «اقرأ ما يوحي إليك مستعينًا باسم ربك»(49).
ومعنى الاستعانة باسم الله: أي: ذكر اسمه عند هذه القراءة، وذكر كلمة: «اسم» لأن الاستعانة بذكر اسمه تعالى لا بذاته، وهذا الوجه يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: باسم الله حين تلقى هذه الجملة(50).
يقول الراغب: «إنما قال «بسم الله» ولم يقل: «الله»؛ لأنه لما استحب الاستعانة بالله تعالى في كل أمر يفتتح به من قراءة وغيرها، فبعضهم يذكره بقلبه، وبعضهم يزيد عليه ويقوله بلسانه ويكون أبلغ، وذكر الله مستعمل في كل ذلك، وألفاظ الاستعانة نحو: «أستعين بالله» فصار لفظة «بسم الله» مستغنى به عن جميعها وقائمًا مقامها»(51).
إنها دلالة واضحة على أن القراءة التي تتضمن التوحيد والإخلاص، والتوكل على الخالق الباري، وستخرج هذا الإنسان بعون الله من جهله وضعفه إلى تفوقه وتقدمه، بل وتجعله يسير بنور رباني يكشف له حجب الغفلة والظلام.
- الاستعاذة ﺑﺎﷲ تعالى.
أمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة قبل قراءة القرآن، فقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98].
أي: إذا أردت القراءة فاستعذ بالله، واسأله سبحانه أن يعيذك من الشيطان الرجيم من أن يعرض لك أثناء قراءة القرآن فيصدك عن تدبره، فهي لدفع وسواس الشيطان.
وقراءة القرآن هي أشرف مقروء وأفضله، فيها صلاح القلوب، والشيطان أحرص ما يكون على العبد عند شروعه في الأمور الفاضلة، فيسعى في صرفه عن مقاصدها ومعانيها؛ فشرعت الاستعاذة لطلب الإعاذة والاعتصام بالله(52).
يقول ابن عاشور: «وإنما شرعت الاستعاذة عند ابتداء القراءة إيذانًا بنفاسة القرآن ونزاهته، إذ هو نازل من العالم القدسي الملكي، فجعل افتتاح قراءته بالتجرد عن النقائص النفسانية التي هي من عمل الشيطان، ولا استطاعة للعبد أن يدفع تلك النقائص عن نفسه إلا بأن يسأل الله تعالى أن يبعد الشيطان عنه بأن يعوذ بالله»(53).
وظاهر قوله تعالى: ﴿فَٱسۡتَعِذۡ﴾: أن الاستعاذة واجبة عند القراءة؛ لأن صيغة: «افعل» للوجوب، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الأمر في الآية للندب والاستحباب(54).
يقول أبو شامة: «ووقت الاستعاذة ابتداء القراءة جرى على ذلك العمل في نقل الخلف عن السلف»(55).
- ابتغاء مرضاة الله.
قراءة القرآن عبادة رتب الله عليها الأجر والثواب إذا كانت خالصةً لله، وقصد بها القارئ ابتغاء مرضاة الله، وأداؤها بدون إخلاصٍ وصدق مع الله يجعلها لا قيمة لها ولا ثواب، بل صاحبها متعرض للوعيد الشديد.
يقول النووي: «يجب على القارئ الإخلاص، وأن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى، ويقرأ على حال من يرى الله تعالى، فإنه إن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه»(56).
قال تعالى: ﴿وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ﴾ [الأنعام: 52].
أي: لا تطرد عنك، وعن مجالستك، أهل العبادة وقراءة القرآن والإخلاص، فعن مجاهد والحسن. قيل: المراد بالدعاء: الذكر وقراءة القرآن(57).
وجاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه ورجلٌ تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار)(58).
فالإخلاص في قراءة القرآن تخليص للقلب من كل شائبة تشوبه من رياء، أو سمعة، أو تصدر مما يكدر صفاء النية، ويفسد مرادها، فيتجرد في القلب قصد التقرب لله فلا يكون فيه باعث سواه.
وقد أخبر الله أنه مطلع على عبده حال قراءته عالم بحاله، كاشف لقصده، قال سبحانه: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ﴾ [يونس: 61].
قوله: ﴿وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ﴾ أي: وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله إليك، فالله مطلع عليه وقت شروعكم فيه(59).
- السؤال عند عدم المعرفة.
لأهمية السؤال في التعلم والتعليم فقد أرشد الله إلى أهمية السؤال، فقال سبحانه: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا﴾ [الفرقان: 59].
وقال تعالى: ﴿فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
فأهل الذكر: هم أهل العلم والكتابة والقراءة، العارفون بكتاب الله، المفتون في أمور الدين وأحكامه.
وقد أشاد الله في كتابه بسؤال المؤمنين عما أشكل عليهم في أمور دينهم، آمرًا نبيه صلى الله عليه وسلم بالإجابة عن ما سألوا عنه، فقال سبحانه: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۙ﴾ [المائدة: 4].
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما شفاء العي السؤال)(60)، والعي: الجهل.
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم -زيادةً في طمأنته بشأن نبوته- أن يسأل أهل القراءة من أهل التوراة والإنجيل عن وجود هذه الحقيقة في كتبهم.
قال تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ﴾ [يونس: 94].
كما نهى الله سبحانه في المقابل عن كثرة الأسئلة التي لا فائدة فيها، أو الأسئلة التي يترتب عليها تشديد على الأمة، فقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ﴾ [المائدة: 101].
أي: لا تسألوا عما لا حاجة لكم بالسؤال عنه، ولا هو مما يعنيكم في أمر دينكم.
يقول ابن كثير: «﴿قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ﴾: فلم ينتفعوا بها لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، وإنما سألوا على وجه التعنت والعناد»(61).
فأهل القراءة هم أهل العلم والذكر الدائم والفهم الحي، والذي يجب على المسترشد أن يعرض عليهم شكه وتردده، وعدم علمه، بسؤالٍ يطلب فيه النفع، وليس التعنت، وبذلك يكون قد قطع الطريق الطويل الشاق في البحث عن المجهول.
- تعاهد القراءة.
تكرار المقروء وسيلة من وسائل حفظه، ورسوخه في العقل، وهو أسلوب من أساليب الفصاحة والبيان، فالكلام المكرور أوقع في النفوس، وأمتع للأذهان والعقول، وقد استخدمه القرآن وسيلة لتثبيت المعنى في نفوس قارئيه، وإقراره في أفئدتهم(62)، وأشار إلى أهميته فقال تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢ ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ﴾ فقد كرر الأمر بقوله: ﴿ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ﴾؛ لأن القراءة لا تكسبها النفس إلا بالتكرار والتعود على ما جرت به العادة، وتكرار الأمر الإلهى يقوم مقام تكرار المقروء، وبذلك تصير القراءة ملكة (63).
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى تعاهد تلاوة القرآن وتكرار قراءته حين قال في حديث ابن عمر رضي الله عنه: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت)(64).
وقراءة القرآن كلما تقاربت أوقاتها، وكثر تكرارها كانت أقوى في رسوخ حفظ القرآن وفهم معانيه، ومن أجل ذلك كان السلف يحرصون على كثرة التلاوة والقراءة، ويحزبون القرآن، ويتواصون بذلك.
فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل)(65).
وهذا فيه الإشارة إلى أهمية التكرار والتعاهد للقرآن.
كما أن تكرار قراءة القرآن سبيل إلى إجادة تجويده وضبط أدائه، يقول ابن الجزري: «ولا أعلم سببًا لبلوغ نهاية الإتقان والتجويد، ووصول غاية التصحيح والتشديد، مثل رياضة الألسن، والتكرار على اللفظ المتلقى من فم المحسن»(66).
- التؤدة والتمهل.
القراءة بتمهل وتؤدة أقرب إلى الإجلال والتوقير للمقروء، وأشد تأثيرًا في القلب، وأدعى إلى التدبر والفهم.
وقراءة القرآن بتؤدة وتمهل أجل قدرًا، وأعظم شأنًا، ولذلك جاء الأمر بقراءته على هذه الصفة فقال سبحانه: ﴿وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا﴾ [المزمل: 4].
وترتيله: قراءته على ترسل، وتفريقه آيةً بعد آيةٍ، قاله النخعي والحسن وقتادة، وقال ابن عباسٍ رضي الله عنه: «بينه بيانًا فيه ترتيلٌ وتثيبت»(67).
والتصريح بالتأني والتؤدة في القراءة ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ﴾ [طه: 114].
يقول ابن كثير: «قراءته على تمهل تكون عونًا على تدبره»(68).
ويقول النووي: «يستحب الترتيل؛ لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام، وأشد تأثيرًا في القلب»(69).
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة فقرأها، ثم النساء فقرأها، ثم آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤالٍ سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ)(70).
ونهي في القراءة عن إفراط الإسراع فيها، ويسميه القراء: الهذرمة.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: «لا تهذوه هذ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة»(71).
يقول ابن الجزري: «وليحترز -في: القراءة- عن بتر حروف المد، وذهاب صوت الغنة، واختلاس أكثر الحركات، وعن التفريط إلى غاية لا تصح بها القراءة، ولا توصف بها التلاوة، ولا يخرج عن حد الترتيل»(72).
وقد اختلف العلماء في هل الأفضل هو الترتيل وقلة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة؟ فذهب بعضهم إلى أن كثرة القراءة أفضل، واحتجوا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها الحديث)(73).
يقول ابن الجزري: «والصحيح بل الصواب ما عليه معظم السلف والخلف، وهو أن الترتيل والتدبير مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها؛ لأن المقصود من القرآن فهمه، والتفقه فيه، والعمل به، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه»(74).
وقال ابن حجر: «والتحقيق أن لكلٍ من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف، والحركات والسكون، والواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر، وأن يستويان، فإن من رتل وتأمل، كمن تصدق بجوهرة واحدة مثمنة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر، لكن قيمتها قيمة الواحدة، وقد تكون قيمة الواحدة أكبر من قيمة الأخريات، وقد يكون بالعكس»(75).
ولعل ما ذهب إليه ابن حجر يكون هو الأقرب للصواب، فقد أوضح علماء القراءات ومنهم ابن الجزري أن القراءة على مراتب، ومنها الحدر وهو القراءة بسرعة مع مراعاة أحكام التجويد، وهي مرتبة معتبرة، يقول ابن الجزري: «فالحدر يكون لتكثير الحسنات في القراءة، وحوز فضيلة التلاوة، وليحترز فيه عن بتر حروف المد، وذهاب صوت الغنة، واختلاس أكثر الحركات، وعن التفريط إلى غاية لا تصح بها القراءة، ولا توصف بها التلاوة، ولا يخرج عن حد الترتيل»(76).
- الأمانة في التلقي والإقراء.
إن المصدر الإلهي لقراءة القرآن الكريم بتلقي النبي صلى الله عليه وسلم لها من ربه عز وجل لهو الحق، الذي ذكره الله بقوله: ﴿وَبِٱلۡحَقِّ أَنزَلۡنَٰهُ وَبِٱلۡحَقِّ نَزَلَۗ﴾ [الإسراء: 105].
تلك المصدرية التي تشعر بالطمأنينة وعدم الخوف على فوات شيء من القرآن، وقد وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم بجمع القرآن في صدره، وعدم نسيانه، وأمره بمتابعة القراءة المتلقاة من الله، والاستماع إليها ثم القراءة على طريقتها، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ﴾ [القيامة: 18].
يقول ابن كثير: «هذا تعليم من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك»(77).
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بتبليغ ما يوحى إليه كما أنزل، من غير زيادة أو نقص فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ﴾ [المائدة: 67].
فأداه صلى الله عليه وسلم للصحابة رضي الله عنهم كما تلقاه من ربه، وأدوه لمن بعدهم من التابعين.
يقول ابن كثير: «كانوا أحرص شيء على أداء الأمانات، وهذا من أعظم الأمانة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أودعهم ذلك ليبلغوه إلى من بعده،كما قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ﴾ ففعل صلى الله عليه وسلم ما أمر به؛ ولهذا سألهم في حجة الوداع يوم عرفة على رؤوس الأشهاد، والصحابة رضي الله عنهم أوفر ما كانوا مجتمعين، فقال: (إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون)، فقالوا: نشهد إنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يشير بأصبعه إلى السماء، وينكبها عليهم، ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، وقد أمر أمته أن يبلغ الشاهد الغائب)(78).
وقراءة القرآن إنما تؤخذ بالتلقي والمشافهة والتوقيف، اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في تلقى القرآن عن جبريل عليه السلام مشافهة عن الله تعالى، والاعتماد في القراءة والإقراء على النص المتلقى بالتواتر عنه صلى الله عليه وسلم.
وهذا الذي سار عليه أئمة القراءات، واعتمدوه في النقل والرواية لقراءة القرآن.
يقول مكي بن أبي طالب: «يجب على طالب القرآن أن يتخير لقراءته ونقله وضبطه أهل الديانة والصيانة، والفهم في علوم القرآن، والنفاذ في علم العربية والتجويد، بحكاية ألفاظ القرآن، وصحة النقل عن الأئمة المشهورين بالعلم»(79).
- الصبر.
القرآن الكريم كلام الرب عز وجل، له وزنه وهيبته، ليس بالخفيف، قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5].
أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل، أي: العظيمة معانيه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف، حقيق أن يتهيأ له، ويرتل، ويتفكر فيما يشتمل عليه، ويتحلى الصبر في قراءته وفهمه(80).
قال ابن عباس رضي الله عنه: «قولًا ثقيلًا يعني: كلامًا عظيمًا»(81).
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعاني شدة عند نزوله وتلقيه من جبريل عليه السلام مما يدل على عظمة وهيبة الكلام المنزل.
تقول عائشة رضي الله عنها: (ولقد رأيته ينزل عليه الوحي صلى الله عليه وسلم في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا)(82).
كما روي كذلك عن عائشة رضي الله عنها: (إن كان ليوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته، فتضرب بجرانها)(83).
وقراءة القرآن وتدبره، والعمل به تحتاج إلى صبر ومجاهدة للنفس، وحبسٍ لها على مدارسة القرآن، وتلقي كيفية قراءته، وتصحيح تلاوته ومدارسة معانيه وأحكامه، فهو الكلام العظيم ذو الخطر والأثر، قال تعالى: ﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ﴾ [الحشر: 21](84).
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا﴾ تعليل للأمر بقيام الليل، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا﴾، أي: لا بد وأن تصير نفسك مستعدة لذلك القول العظيم، وذلك بالصبر في صلاة الليل، فإن الإنسان إذا اشتغل بعبادة الله في الليلة الظلماء، وأقبل على قراءة القرآن والتضرع بين يديه، استعدت نفسه لإشراق وجلال الله فيه(85).
يقول ابن عاشور: «ويستعار ثقل القول لاشتماله على معانٍ وافرة يحتاج العلم بها لدقة النظر، وذلك بكمال هديه ووفرة معانيه، وحسبك أنه حوى من المعارف والعلوم ما لا يفي العقل بالإحاطة به، فكم غاصت فيه أفهام»(86).
- اختيار الوقت والمكان المناسب.
القراءة عمل يجتمع فيه القلب والبصر واللسان، وإقبال النفس عليها يحتاج إلى وقت يكون أزكى وأنفع، وقد أرشد الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى قراءة القرآن في قيام الليل، مخبرًا أن ذلك أشد موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان، وأجمع على التلاوة؛ لانقطاع الأصوات فقال سبحانه: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6].
فناشئة الليل أي: أوقاته وساعاته، وأشد وطئًا: أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من النهار؛ لأنه وقت انتشار الناس، ولغط الأصوات، وأوقات المعاش(87).
قال الفراء: «وأقوم قيلا»: قال: «أثبت قراءة»(88).
وعن قتادة: «وأقوم قيلا»: أحفظ للقراءة(89)، وقيل: أتم نشاطًا، وأتم إخلاصًا، وأكثر بركة(90).
وقال ابن الجوزي: «وأقوم قيلًا» أي: «أخلص للقول وأسمع له، لأن الليل تهدأ فيه الأصوات فتخلص القراءة، ويفرغ القلب لفهم التلاوة، فلا يكون دون سمعه وتفهمه حائل»(91).
ومن تعظيم القرآن: قراءته في مكان طاهر، وأفضله المساجد، فهي بيوت الله التي أذن الله برفع ذكره فيها، وقد كانت المساجد محلًا للإقراء ومدارسة القرآن.
يقول النووي: «ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار، ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعًا للنظافة، وشرف البقعة»(92).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما جلس قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا حفت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده)(93).
ومن حرمته أن تجتنب القراءة في أماكن اللغط واللغو والنجاسات.
يقول القرطبي: «ومن حرمته ألا يقرأ في الأسواق، ولا في مواطن اللغط واللغو، ومجمع السفهاء، ألا ترى أن الله تعالى ذكر عباد الرحمن وأثنى عليهم بأنهم إذا مروا باللغو مروا كراما، هذا لمرورٍ بنفسه، فكيف إذا مر بالقرآن الكريم تلاوةً بين ظهراني أهل اللغو ومجمع السفهاء»(94).
- الاستماع والإنصات للقارئ.
الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن طريق الرحمة، ووسيلة الانتفاع والتدبر، وسبيل المؤمنين قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204].
فلما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة في قوله تعالى: ﴿هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأعراف: 203].
أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظامًا له واحترامًا، ويتأكد ذلك في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة (95).
قال الليث: «يقال ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن، لقول الله جل ذكره: ﴿وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾، و«لعل» من الله واجبة»(96).
والاستماع والإنصات المأمور بهما هما المؤديان بالسامع إلى النظر والاستدلال، والاهتداء بما يحتوي عليه القرآن، ولما جاء به من إصلاح النفوس، وهذا ما يقود إلى الرحمة من الله سبحانه.
يقول الطبري: «ليرحمكم ربكم باتعاظكم بمواعظه، واعتباركم بعبره، واستعمالكم ما بينه لكم ربكم من فرائضه في آياته»(97).
فالأمر بالاستماع والإنصات إرشاد إلى طريق الفوز بما أشير إليه من صفات القرآن: الهدى والرحمة، والمنافع الجليلة التي ينطوي عليها القرآن.
والاستماع: أخص من السمع، لأنه إنما يكون بقصد ونية، أما السمع: فيحصل ولو بغير قصد، والإنصات: السكوت للاستماع حتى لا يكون شاغل عن الإحاطة بكل ما يقرأ(98).
يقول ابن سعدي: «والفرق بين الاستماع والإنصات، أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه.
وأما الاستماع له، فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه ويتدبر ما يستمع، فإن من لازم على هذين الأمرين حين يتلى كتاب الله، فإنه ينال خيرًا كثيرًا وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًا متجددًا، وهدى متزايدًا، وبصيرة في دينه، ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تلي عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير»(99).
يقول النووي: «ومما يعتنى به ويتأكد الأمر به احترام القرآن من أمور قد يتساهل فيها فمن ذلك اجتناب الضحك، واللغط، والحديث في خلال القراءة إلا كلامًا يضطر إليه، وليمتثل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]» (100).
وقد ذكر الله حال الكافرين في تواصيهم بعدم سماع القرآن في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ﴾ [فصلت: 26].
و﴿وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ﴾: أي: إذا تلي لا تسمعوا له، قال مجاهد: يعني: الغوا بالمكاء، والصفير والتخليط في المنطق على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن «(101).
11. الخشية والبكاء والسجود عند القراءة:
القرآن الكريم موعظة القلوب ومذكر النفوس، اشتمل على الترغيب والترهيب، والتذكير للإنسان بمصيره ومآله ورجوعه، فهو يرقق القلب ويبكي العين، ويزيد الإيمان، ويقوي الخشية.
وقد ذكر الله من صفات أهل خشيته، وطرائق أوليائه أنهم عند سماع القرآن وتلاوته توجل قلوبهم، وتقشعر جلودهم وتلين قلوبهم، ويخرون سجدًا وبكيًا، وهذا دليل على خوفهم من الله وتعظيمهم لكتابه، قال تعالى: ﴿إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩ ٥٨﴾ [مريم: ٥٨].
يقول القرطبي: «وصفهم بالخشوع والبكاء وضم السجود إلى البكاء، وأبان به عن طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في تعظيمهم لله تعالى وآياته»(102).
ويقول ابن كثير: «أي: إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه، سجدوا لربهم خضوعًا واستكانة، وحمدًا وشكرًا على ما هم فيه من النعم العظيمة، والبكي»: جمع باكٍ، فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا، اقتداء بهم، واتباعًا لمنوالهم»(103).
ووصف الله حالة أهل الخشية عند سماعهم القرآن بقوله: ﴿تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ [الزمر: ٢٣].
فتقشعر منه جلودهم لما فيه من التخويف والترهيب، ثم تلين عند ذكر الرجاء والترغيب، فهو تارة يرغبهم لعمل الخير، وتارة يرهبهم من عمل الشر(104).
وقد امتدح الله أهل العلم الذين إذا يتلى عليهم القرآن يخرون تعظيمًا له وتكريمًا، وعلمًا منهم بأنه من عند الله، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولٗا ١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا۩ ١٠٩﴾ [الإسراء: ١٠٧-١٠٩].
يقول القرطبي: «هذه مبالغة في صفتهم، ومدحٌ لهم، وحقٌ لكل من توسم بالعلم وحصل منه شيئًا أن يجري إلى هذه المرتبة، فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذل»(105).
لقد كان شأن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سماعهم القرآن وتلاوته الخشوع والبكاء والسجود، وقدوتهم وأسوتهم في ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي، قال: قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل، قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ٤١﴾ [النساء: ٤١].
قال لي: كف -أو أمسك- فرأيت عينيه تذرفان)(106).
سند قراءة القرآن
الإسناد معتمدٌ أصيل، وطريق متين، والقرآن الكريم أعظم المنقولات إسنادًا، وأقدسها اتصالًا، فهو وحي رباني، اتصل بالخالق سبحانه، ونقل عن طريق أمين الوحي جبريل عليه السلام، ونزل على قلب إمام المنذرين، وسيد الخلق أجمعين، يوضح منزلة هذا الإسناد ما يلي:
أولًا: الإسناد إلى الله تعالى:
قراءة القرآن عظمت هيبتها، وعلت منزلتها، وازداد جلالها حينما اتصل سندها بالله عز وجل، فمصدرها طريقٌ إلهي، ووحيٌ رباني، وقد أشار الله في كتابه إلى هذا السند المعظم، والاتصال المقدس، فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣ عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء: 192-194].
أي: أنزله الله إليك بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السلام، وجبريل تلقاه عن الله تعالى سماعًا.
فقد جاء في الحديث عن النواس بن سمعان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله، فإذا سمع أهل السماء صعقوا، وخروا سجدا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فينتهي به إلى الملائكة، فكلما مر بسماء سأله أهلها ماذا قال ربنا؟ قال: الحق، فينتهي به حيث أمر)(107).
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلۡقُرۡءَانَ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: 6].
يقول ابن قتيبة: «أي: يلقى عليك القرآن فتلقاه أنت، أي: تأخذه من عند حكيم عليم»(108).
وأخبر الله أنه هو الذي سيقرئ نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأمره باتباع قراءته، ليتعلم كيفيتها وطريقتها، وهو المتكفل بحفظها له في صدره، قال تعالى: ﴿سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ﴾ أي: إذا تلاه عليك جبريل عليه السلام عن الله عز وجل فاستمع لقراءته، ثم اقرأه كما أقرأك.
يقول ابن عاشور: «وقوله: فإذا قرأناه أي: إذا قرأه جبريل عنا، فأسندت القراءة إلى ضمير الجلالة على طريقة المجاز العقلي، والقرينة واضحة»(109).
وقال تعالى: ﴿تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۖ﴾ [البقرة: 252].
فأسند سبحانه التلاوة إلى نفسه؛ لأنها كلامه الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بواسطة الملك، وأمر الملك أن يتلوه عليه مبلغًا عنه سبحانه(110).
ثانيًا: الإسناد إلى جبريل عليه السلام:
أخبر الله بالواسطة بينه سبحانه وبين نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم في نقل القرآن أنه روح القدس، الملك القوي الكريم، جبريل الأمين عليه السلام، وأقسم سبحانه على فضله، ورفعة منزلته بين الملائكة، مشيدًا بعلو سند القرآن وجلالته فقال سبحانه: ﴿فَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلۡخُنَّسِ ١٥ ٱلۡجَوَارِ ٱلۡكُنَّسِ ١٦ وَٱلَّيۡلِ إِذَا عَسۡعَسَ ١٧ وَٱلصُّبۡحِ إِذَا تَنَفَّسَ ١٨ إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ١٩ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ ٢٠ مُّطَاعٖ ثَمَّ أَمِينٖ ٢١﴾ [التكوير: 15-21].
يقول ابن سعدي: «وهذه آيات عظام، أقسم الله بها على علو سند القرآن، وجلالته، وحفظه من كل شيطان رجيم فقال: ﴿إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ﴾ وهو: جبريل عليه السلام نزل به من الله تعالى، ووصفه الله بالكريم لكرم أخلاقه، وكثرة خصاله الحميدة، فإنه أفضل الملائكة، وأعظمهم رتبة عند ربه»(111).
قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ﴾ [النجم: 5].
أي: نزل بالوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام، شديد القوة على تنفيذ ما أمره الله بتنفيذه، وعلى إيصال الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الصفة التي كان يأتيه جبريل عليه السلام بالوحي عليها، فقد سأله الحارث بن هشام رضي الله عنه فقال: (يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول)، قالت عائشة رضي الله عنها: (ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا)(112).
وهذه الحالة والتي يكون فيها جبريل عليه السلام على هيئته الملكية هي التي نزل القرآن الكريم جميعه عن طريقها.
يقول ابن حجر: «والصلصلة المذكورة صوت جبريل بالوحي والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه صلى الله عليه وسلم الوحي فلا يبقى فيه مكان لغيره»(113).
ثالثًا: الإسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اصطفى الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، وشرفه بتبليغ رسالته، وتلاوة كتابه، وأمره بإقراء أمته، فقال سبحانه: ﴿كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ﴾ [الرعد: 30].
أي: لتبلغهم ما أرسلتك به إليهم من وحيي الذي أوحيته إليك، وتقرأ عليهم القرآن»(114).
وقال تعالى: ﴿وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩١ وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ﴾ [النمل: 92].
أي: وأن أتلوا القرآن على الناس، فحذف متعلق التلاوة لظهوره، فقام صلى الله عليه وسلم بمهمته خير قيام، وأقرأ صحابته رضي الله عنهم الكرام.
ووصفه الله بصفة تلاوة القرآن وقراءته تشريفًا وتكريمًا فقال سبحانه: ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ﴾ [آل عمران: 164].
يقول الرازي: «فقوله: ﴿يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ﴾ إشارة إلى كونه مبلغًا لذلك الوحي من عند الله إلى الخلق»(115).
ويقول ابن عاشور: «وابتدأ بالتلاوة؛ لأن أول تبليغ الدعوة بإبلاغ الوحي، وثنى بالتزكية لأن ابتداء الدعوة بالتطهير من الرجس المعنوي وهو الشرك، وما يعلق به من مساوئ الأعمال والطباع، وعقب بذكر تعليمهم الكتاب؛ لأن الكتاب بعد إبلاغه إليهم تبين لهم مقاصده ومعانيه وتعليم الحكمة هو غاية ذلك كله؛ لأن من تدبر القرآن وعمل به وفهم خفاياه نال الحكمة»(116).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى تعليم أصحابه رضي الله عنهم قراءة القرآن، ويقرئهم بما أقرأه جبريل عليه السلام، ويقرأ عليهم، ويأمرهم بالقراءة عليه.
فقد ورد عن عثمان رضي الله عنه، وابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان يقرئهم العشر الآيات، فلا يجاوزونها إلى عشرٍ أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فيعلمهم القرآن والعلم والعمل جميعًا)(117).
يقول السخاوي: «كان القراء في الأمر الأول يقرأ المعلم على المتعلم اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يتلو كتاب الله عز وجل على الناس كما أمره الله عز وجل، كذلك كان جبريل عليه السلام يعرضه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يلقنونه من يتعلمه خمسًا خمسًا، ويقولون: إن جبريل عليه السلام كذلك كان يلقنه رسول الله صلى الله عليه وسلم»(118).
مراتب الناس في القراءة
لقد أشار القرآن الكريم إلى أقسام الناس في حالهم مع قراءة القرآن من حيث الانتفاع وعدمه، والإعراض والهجر مبينًا صفاتهم، وموضحًا أسباب كل حالٍ من أحوالهم ووسائله وموجباته، يوضح ذلك ما يلي:
أولًا: القراء المنتفعون بالقراءة:
أشار القرآن الكريم إلى أن المنتفعين بقراءة القرآن وتلاوته هم المؤمنون خاصة، فإذا قرؤوا القرآن وسمعوا قراءته زادتهم قوةً في التصديق، وشدةً في الإذعان، ورسوخًا في اليقين، ونشاطًا في الأعمال الصالحة، وسعةً في العلم والمعرفة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
يقول ابن سعدي: «يحدث في قلوبهم رغبة في الخير، واشتياقًا إلى كرامة ربهم، أو وجلًا من العقوبات، وازدجارًا عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان»(119).
قال تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيۡكَ فَلَا يَكُن فِي صَدۡرِكَ حَرَجٞ مِّنۡهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأعراف: 2].
يقول القرطبي: «خص المؤمنين لأنهم المنتفعون به»(120).
ومن صفات المنتفعين بقراءة القرآن أنهم أهل خشية وخوف من الله عز وجل، يظهر ذلك على جوارحهم.
قال تعالى: ﴿طه ١ مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ ٢ إِلَّا تَذۡكِرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰ﴾ [طه: 1-3].
فخص بالتذكرة من يخشى دون غيرهم، لأنهم هم المنتفعون بها، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45](121).
وقال تعالى: ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ [الزمر: 23].
يقول ابن كثير: «كان الصحابة رضي الله عنهم عند سماعهم كلام الله من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله، ولم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون ما ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك؛ ولهذا فازوا بالقدح المعلى في الدنيا والآخرة»(122).
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ﴾ [المائدة: 82].
وفيض دموعهم؛ لمعرفتهم بأن الذي يتلى عليهم من كتاب الله الذي أنزله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حقٌ.
ومن صفات المنتفعين بقراءة القرآن الكريم الاهتداء بهديه في السير على الطريق المستقيم في حياتهم الموصل إلى رضوان الله، قال تعالى: ﴿يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [المائدة: 16].
يقول ابن كثير: «ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك، فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة
وقال: وهذه صفة المؤمنين المنتفعين بالقرآن، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة، وطريق السلامة في جميع الاعتقادات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات»(123).
ثانيًا: القراء غير المنتفعين بالقراءة.
لقد أخبر الله في كتابه العزيز بأن الذين لا يؤمنون بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا ينتفعون بقراءة القرآن وتلاوته، ففي آذانهم ثقل عن استماعه، وفي قلوبهم عمى فلا يبصرون هدايته.
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٞ وَهُوَ عَلَيۡهِمۡ عَمًىۚ﴾ [فصلت: 44].
يقول الطبري: «وهذا القرآن على قلوب هؤلاء المكذبين بها عمى عنه، فلا يبصرون حججه عليهم، وما فيه من مواعظه»(124).
قال قتادة: «عموا عن القرآن وصموا عنه، فلا ينتفعون به»(125).
لقد أشار الله في كتابه إلى أن عدم الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم مانع قوي وعظيم من الانتفاع بالقرآن الكريم عند سماعه وقراءته؛ لأنه يطفئ نور القلب ويظلمه، ويرين عليه، ويحجبه، ويجعله في قفل وغطاء وأكنة، ويختم عليه، ويحمله على الإنكار، بل ويعطل الحواس من سمع وبصر وعقل عن الفهم والتدبر.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ جَعَلۡنَا بَيۡنَكَ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ حِجَابٗا مَّسۡتُورٗا ٤٥ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ﴾ [الإسراء: 45-46].
أي: جعلنا بين القرآن إذا قرأته وبين الكفار حجابًا يحول بينهم وبين فهمه وتدبره، والإيمان به، والأكنة: جمع: «كنان» وهو الغطاء الذي يغشى القلب فلا يفقه القرآن، ولا ينتفع به.
يقول ابن كثير: «أن يفقهوه، أي: لئلا يفهموا القرآن، ففي آذانهم الثقل الذي يمنعهم من سماع القرآن سماعًا ينفعهم ويهتدون به»(126).
بل عاقبهم الله بالطبع على قلوبهم، وجعلها غلف كالأوعية المغلقة فلا تعي ولا تفقه ما تقرأه عليهم، قال تعالى: «﴿وَلَئِن جِئۡتَهُم بِـَٔايَةٖ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُبۡطِلُونَ ٥٨ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 58-59].
ولقد حذر الله في كتابه العزيز من مشابهة أهل الكتاب في قراءتهم للتوراة والإنجيل دون انتفاع بها، أو إيمان بما فيها.
قال تعالى: ﴿وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: 78].
لا يعلمون من الكتاب إلا قراءة ألفاظٍ دون إدراك معانيها.
يقول ابن سعدي: «ليس لهم حظ من كتاب الله إلا التلاوة فقط»(127).
وعن زياد بن لبيد رضي الله عنه قال: (ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا، قال: (وذاك عند أوان ذهاب العلم، قال: قلنا يا رسول الله يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة، قال: ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد إن كنت لأراك من أفقه رجلٍ بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل فلا ينتفعون مما فيهما بشيء)(128).
ثالثًا: الهاجرون للقراءة:
جاء الذم في القرآن الكريم لهجر القرآن، ونقل الله عز وجل شكاية رسوله صلى الله عليه وسلم إلى ربه من حال قومه في هجرهم للقرآن وإعراضهم عنه، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا﴾ [الفرقان: 30].
ونقل الإمام الطبري عن ابن زيد قوله: «لا يريدون أن يسمعوه، وإن دعوا إلى الله قالوا لا، وقرأ: ﴿وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ﴾ [الأنعام: 26].
قال: ينهون عنه، ويبعدون عنه».
وقال الطبري: وهذا القول أولى بتأويل ذلك، وذلك أن الله أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ﴾ [فصلت: 26]. وذلك هجرهم إياه»(129).
قال القرطبي: «وقيل: معنى ﴿مَهۡجُورٗا﴾ أي: متروكًا. ونقل عن أنسٍ مرفوعًا: (من تعلم القرآن وعلق مصحفه لم يتعاهد، ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة متعلقًا به يقول يا رب العالمين إن عبدك هذا اتخذني مهجورًا فاقض بيني وبينه)(130).
وجاء الندب في السنة المطهرة إلى قراءة القرآن في البيوت، وعدم هجر قراءة القرآن فيها فتكون كالقبور، فالموتى في قبورهم لا يقرؤون قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسۡمَعُونَۘ وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ﴾ [الأنعام: 36].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)(131).
رابعًا: المعرضون عن القراءة:
قراءة القرآن هي الحياة للقلب، والسعادة في الدارين، والإعراض عنها، وعن تدبر القرآن، والعمل به سبب في عقوبات عظيمة:
- المعيشة الضنك في الحياة الدنيا.
قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ [طه: 124].
فعن ابن عباس رضي الله عنه، قال: «معيشةً ضنكا: الشقاء»(132).
يقول البغوي: «﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي﴾ يعني: القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه، فإن له معيشة ضنكا، ضيقا»(133).
ويقول ابن كثير: «﴿مَعِيشَةٗ ضَنكٗا﴾ أي: في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه في قلقٍ وحيرة وشك»(134).
- يجيء يوم القيامة أعمى منسيًا، يحمل أوزارًا.
قال تعالى: ﴿وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ١٢٤ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا ١٢٥ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ﴾ [طه: 125-126].
فالمعرض عن آيات الله يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة، في تناسٍ لحاله وعدم اعتبار به، فالجزاء من جنس العمل، فلما أعرض عن آيات الله، وعاملها معاملة من لم يذكره فكذلك يعامله الله معاملة من ينساه(135)، بل يحمل حملًا ثقيلًا من الآثام والأوزار، وبئس الحمل حمله يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرٗا ٩٩ مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ يَحۡمِلُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وِزۡرًا ١٠٠ خَٰلِدِينَ فِيهِۖ وَسَآءَ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ حِمۡلٗا﴾ [طه: 100-101].
- التعرض لانتقام الله عز وجل.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة: 22].
أي: لا أظلم ممن ذكره الله بآياته وبينها له، ثم بعد ذلك تركها وجحدها، وأعرض عنها وتناساها، كأنه لا يعرفها، وسينتقم الله ممن فعل ذلك أشد الانتقام.
قال قتادة رحمه الله: «إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرة، وأعوز أشد العوز، وعظم من أعظم الذنوب»(136).
يقول ابن كثير: «وقد أدخل بعض المفسرين - نسيان القرآن في معنى الإعراض - فإن الإعراض عن تلاوة القرآن، وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون كثير، وتفريط شديد، نعوذ بالله منه»(137).
والمعرضون عن قراءة القرآن لا ينتفعون به فحالهم كحال الأموات الذين لا يسمعون، قال تعالى: ﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ﴾ [فاطر: 22].
يقول ابن عاشور: «وإن عدم انتفاع المعرضين هو بسبب موت قلوبهم فكأنهم الأموات في القبور، وأنت لا تستطيع أن تسمع الأموات واستعير من في القبور للذين لم تنفع فيهم النذر، وعبر عن الأموات بمن في القبور لأن من في القبور أغرق في الابتعاد عن بلوغ الأصوات؛ لأن بينهم وبين المنادي حاجز الأرض»(138).
ثمرات القراءة
أرشد القرآن الكريم إلى قراءته مرتبًا عليها ثمرات عظيمة، ومنافع عديدة، من حصول الأجر، وإصابة الحق، وبلوغ منزلة العلم والخشة لله عز وجل يوضح ذلك ما يلي:
أولًا: ثمرات قراءة القرآن:
قراءة القرآن عبادة عظيمة، ومنزلتها رفيعة، فقد أشار القرآن الكريم إلى ثمراتها، ومنها:
- قراءة القرآن تجارة مع الله، فكلما ازداد العبد تلاوة للقرآن كلما ازداد أجرًا ومثوبة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].
يقول البغوي: «﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ﴾ يعني: قرأوا القرآن يرجون تجارة لن تبور، لن تفسد ولن تهلك، والمراد من التجارة ما وعد الله من الثواب»(139).
وروي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك. فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار)(140).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)(141).
- من ثمرات قراءة القرآن حصول الهداية باتباع أوامره واجتناب نواهيه، وهذا حال المؤمنين إذ تلقوا القرآن وقرؤوه ودرسوه وتفقهوا فيه.
قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [الزمر: 18].
فهم الذين هداهم الله، ووفقهم للرشاد، وإصابة الصواب، فهم يميزون بين ما يؤمرون به، وبين ما ينهون عنه(142).
يقول ابن عاشور: «وقد دل ثناء الله على عباده المؤمنين الكمل بأنهم أحرزوا صفة اتباع أحسن القول الذي يسمعونه ويقرؤونه، على شرف النظر والاستدلال للتفرقة بين الحق والباطل، وللتفرقة بين الصواب والخطأ، ولغلق المجال في وجه الشبهة ونفي تلبس السفسطة»(143).
- من ثمرات قراءة القرآن حصول العلم النافع الذي يورث خشية الله والخوف منه، وحصول النفع بتدبره، والهدى بالعمل به.
قال تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [ص: 29].
يقول السيوطي: «وتسن القراءة بالتدبر والتفهم فهو المقصود الأعظم، والمطلوب الأهم، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب»(144).
وقال ابن سعدي: «هذه هي الحكمة من إنزاله ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمه، ويتأملوا أسرارها وحكمها، فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل ﺑﻬا هذا المقصود، وأن هذا المقصود من التذكر»(145).
لقد وصف الله أهل العلم بانتفاعهم بقراءة القرآن وتلاوته وأن ذلك يثمر عندهم خشوعًا وبكاءًا وخشية فقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ﴾ [الإسراء: 107].
قال القرطبي: «قال الحسن: الذين أوتوا العلم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا إذا تلوا كتابهم وما أنزل عليه من القرآن خشعوا وسجدوا وسبحوا»(146).
يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «مدح الله العلماء في هذه الآية، والمعنى: أن الله تعالى يرفع الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به»(147).
قال تعالى: ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران: 7].
فأهل العلم الراسخون فيه، الذين وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم، يعلمون أن القرآن كله من عند الله، وأنه كله حق، محكمه ومتشابهه، فيؤمنون به(148).
يقول ابن عاشور: «هم الذين تمكنوا في علم الكتاب، ومعرفة محامله، وقام عندهم من الأدلة ما أرشدهم إلى مراد الله تعالى، بحيث لا تروج عليهم الشبه»(149).
وإذا كان الحق سبحانه حث على طلب القراءة فيما ينفع، ويحصل به العلم؛ ومن باب: «وبضدها تتميز الاشياء» ففي المقابل نجده سبحانه قد نعى على أولئك الذين يتعلمون ما فيه شرٌ وضرر، قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ﴾ [البقرة: 102].
أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره.
ثانيًا: ثمرات القراءة في كتاب الكون:
الكون كتاب مفتوح لكل قارئ له، فهو ميدان رحب للتفكر والتدبر فيما أودع الله فيه من آيات بينات، ودلائل واضحات، فإن الأرض والسماء، والبحار والجبال وما فيهما من مخلوقات عجيبة، وكائناتٍ حية، وما قامت عليه من نظام محكم دقيق؛ ليجعل المؤمن المتبصر يدرك صنع الله وقدرته وحكمته.
وقد أرشد الله الخلق في كتابه إلى قراءة هذا الكتاب بعين العقل والفكر والوجدان، قال تعالى: ﴿قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ﴾ [يونس: 101].
يقول ابن عاشور: «أي: فادعهم إلى النظر في دلائل الوحدانية والإرشاد إلى تحصيل أسباب الإيمان، ودفع غشاوات الكفر، وذلك بالإرشاد إلى النظر والاستدلال بما هو حول الإنسان من أحوال الموجودات، وتصاريفها الدالة على الوحدانية، مثل أجرام الكواكب، وتقادير مسيرها، وأحوال النور والظلمة والرياح والسحاب والمطر، وكذلك البحار والجبال» (150).
وجاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد نزلت علي الليلة آيةٌ ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ﴾) [البقرة: 164](151).
فالقراءة في كتاب الكون المفتوح، وتتبع يد الله المبدعة، وهي تحرك هذا الكون، وتقلب صفحات هذا الكتاب هو عبادة لله من صميم العبادة.
فالكون ليس جامدًا ولا صامتًا، ولا أصمًا أبكمًا، ولكنه كتاب ناطق بالحجة والبرهان على وحدانية الله جل جلاله.
ومن سدت عيناه عن قراءة كتاب الكون، وكان في هذه الدنيا أعمى القلب عن رؤية قدرة الله وآياته ورؤية الحق، فهو في الآخرة أشد عمى، وأضل سبيلا.
قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا﴾ [الإسراء: 72].
القراءة في الآخرة
اليوم الآخر تجتمع فيه الخلائق عند ربهم، ويقوم الناس لرب العالمين، وهو يوم الجزاء والحساب، ينشر الله فيه سجلات الأعمال، وصحائف الحسنات والسيئات فيعرف المرء عمله، فيكون المؤمن فرحًا مسرورًا يأخذ كتابه بيمينه، ويكون الكافر خائفًا وجلًا يأخذ كتابه بشماله.
ويوم القيامة يأمر الله المرء بقراءة كتابه، قال تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا﴾ [الإسراء: 14].
يقرؤه هو وغيره، فيه جميع ما عمله من أول عمره إلى آخره.
قال قتادة: «سيقرأ يومئذٍ من لم يكن قارئًا في الدنيا»(152).
قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ﴾ [الكهف: 49].
أي: كتاب الأعمال وديوانه، وضع ونشر، ليقرأ ما فيه من الحسنات والسيئات.
وقد قرأ بعضهم(153): ﴿هُنَالِكَ تتلوا كُلُّ نَفۡسٖ مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ﴾ [يونس: 30].
قال ابن كثير: «فسرها بعضهم بالقراءة»(154).
ويقول الطبري: «يتلو كتاب حسناته وسيئاته»(155).
وقال بعض الصلحاء: «الكتاب يوم القيامة، لسانك قلمه، وريقك مداده، وأعضاؤك قرطاسه، أنت كنت المملي على حفظتك، ما زيد فيه، ولا نقص منه، ومتى أنكرت منه شيئًا يكون فيه الشاهد منك عليك»(156).
فالقراءة يوم القيامة شاهد حي، ولسان ناطق، وباب من أبواب إقامة الحجة، فأمر الله بها يوم القيامة يذكر بالأمر بها في الدنيا، ففي الدنيا جاء الأمر: ﴿ٱقۡرَأۡ﴾ ويوم القيامة جاء الأمر: ﴿ٱقۡرَأۡ﴾ دلالة على ما بين الأمرين ماذا قرأ الإنسان وماذا حصل.
وينقسم الناس يوم القيامة في قراءتهم لكتاب أعمالهم إلى فريقين: فريق آخذ كتابه بيمينه، وفريق آخذ كتابه بشماله، واحد يوضع له كتابه فتجري على وجهه نضرة النعيم، وآخر يوضع له كتابه فتعلو وجهه ظلمة الجحيم.
فأهل اليمين: يقرؤون كتابهم مسرورين فرحين، قال تعالى: ﴿فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا﴾ [الإسراء: 72].
يقول ابن عطية: «يقرؤون كتابهم، عبارة عن السرور بها، أي: يرددونها ويتأملونها»(157).
ويقول ابن كثير: «أي: من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح، يقرؤه ويحب قراءته»(158).
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَٰبِيَهۡ﴾ [الحاقة: 19].
فدعوته الناس إلى القراءة علامة الفرح والنشاط وقوة العزيمة، أي: دونكم كتابي فاقرؤوه فإنه يبشر بالجنات، وأنواع الكرامات، ومغفرة الذنوب، وستر العيوب(159).
وأما أهل الشمال: فيعطون كتاب أعمالهم السيئة بشمالهم، تمييزًا لهم وخزيًا وعارًا، فيضعه وراء ظهره حتى لا يطلع عليه أحد؛ لأنه يعلم أن هذا الكتاب مليء بالسيئات، فهو لا يريد أن يطلع الناس على ما عمله، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُوتَ كِتَٰبِيَهۡ﴾ [الحاقة: 25].
يقول ابن عاشور: «وتمنى كل من أوتي كتابه بشماله أنه لم يؤت كتابه؛ لأنه علم من الاطلاع على كتابه أنه صائر إلى العذاب، فيتمنى أن لا يكون علم بذلك إبقاء على نفسه من حزنها زمنًا فإن ترقب السوء عذاب»(160).
يقول صاحب الكشاف: «لـم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم، كأن أصحاب الشمال لا يقرؤون كتابهم؟.
قلت: بلى، ولكن إذا اطلعوا على ما في كتابهم، أخذهم ما يأخذ المطالب بالنداء على جناياته، والاعتراف بمساويه، أما التنكيل به والانتقام منه، من الحياء والخجل والانخزال، وحبسه اللسان، والتتعتع، والعجز عن إقامة حروف الكلام، والذهاب عن تسوية القول، فكأن قراءتهم كلا قراءة.
وأما أصحاب اليمين فأمرهم على عكس ذلك، لا جرم أنهم يقرؤون كتابهم أحسن قراءة وأبينها، ولا يقنعون بقراءتهم وحدهم حتى يقول القارئ لأهل المحشر: ﴿هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَٰبِيَهۡ﴾ [الحاقة: 19](161).
أثر القراءة في نهضة الأمة الإسلامية
إن القراءة من أهم وسائل اكتساب العلوم والمعارف المختلفة، والاستفادة من منجزات المتقدمين والمـتـأخــرين وخبراتهم، فهي طريق التعلم والمعرفة، والحاجة لها لا تقل أهمية عن الحاجة إلى الطعام والشراب، فبالقراءة تحيا العقول، وتستنير الأفئدة، ويستقيم الفكر.
فهي من أعظم أسباب نهضة الأمة، وسمو مكانتها، وارتفاع شأنها لما يلي:
أولًا: تحصيل العلم الشرعي:
القراءة تعد وسيلة مهمة لتحصيل العلم الشرعي وإدراكه؛ من خلال تلاوة كتاب الله عز وجل وفهم معانية، والقراءة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، شرحًا وتعليقًا، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة.
وقد أثنى الله على أهل العلم ورفع شأنهم وجعل لهم التكريم والتفضيل على سائر الخلق، قال تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [الزمر: 9].
يقول ابن جماعه: - معلقًا على قوله صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء) - «وحسبك هذه الدرجة مجدًا وفخرًا، وبهذه الرتبة شرفًا وذكرًا، فكما لا رتبة فوق رتبة النبوة، فلا شرف فوق شرف وارث تلك الرتبة»(162).
فالعلم والتعلم سلم المجد، وباب الترقي والنهوض، ولو نظرنا إلى واقع الأمم الصاعدة والمتقدمة نجد أنها اعتمدت التعليم أساسًا لتقدمها الحضاري، فحرصت على إشاعة العلم وتيسير أسبابه، وجعلت مفتاح ذلك: التشجيع على القراءة، والتحريض عليها، وترويجها بين فئات المجتمع المختلفة.
يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٣ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ﴾ [القلم: 3-4].
«وأن من كرمه تعالى: أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة»(163).
روى سعيد عن قتادة قال: «القلم نعمة من الله تعالى عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش، فدل على كمال كرمه سبحانه، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة، لما فيه من المنافع العظيمة، التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا»(164).
ثانيًا: توسيع المدارك وتعزيز الملكة الفكرية:
القراءة وسيلة لتوسيع المدارك والقدرات وتعزيز الملكة الفكرية؛ لأن المرء حينما يقرأ في علوم المقاصد وعلوم الوسائل، ويقرأ في ما ألف قديمًا وما ألف حديثًا؛ فإن ذلك مدعاة لتوسيع مداركه وإثراء عقليته، والاطلاع على الثقافات المختلفة والحضارات المتنوعة، والتجارب المتباينة، والتي يستفيد المرء من صوابها ويطلع على فضائلها، بل تفتح له بابًا في مجال الاجتهاد والتجديد، فباب الاجتهاد والتجديد إنما يتحرك انفتاحًا أو انغلاقًا بمقدار القراءة والاطلاع، فالقارئ الذي يتوغل بقراءته إلى أعماق التاريخ، ويجول ببصره في رحاب الواقع هو القادر على تقديم رؤى جديدة تستوعب الرؤى السالفة وتأخذ بأحسنها، ثم تضيف إليها(165).
ولذلك نقل عن أعلام السلف - والذين كان لهم إسهام في نهضة الأمة - كثرة كتبهم وسعة اطلاعهم، فالحافظ ابن القيم الجوزية كان مغرمًا بجمع الكتب فحصل منها ما لا يحصر، حتى كان أولاده يبيعون منها دهرًا طويلًا سوى ما اصطفوه لأنفسهم(166).
ونقل عن الجاحظ قوله: «ما وقع في يدي كتاب إلا وقرأته من أوله إلى آخره، أي كتاب كان»(167).
بل نقل شغفهم بالكتب واهتمامهم بها، يقول ابن المعتز في وصف الكتاب «الكتاب والج للأبواب، جريء على الحجاب، مفهمٌ لا يفهم، وناطق لا يتكلم، وبه يشخص المشتاق إذا أقعده الفراق، فأما القلم فمجهزٌ لجيوش الكلام، يخدم الإرادة ولا يمل الاستزادة، ويسكت واقفًا، وينطق سائرًا على أرض بياضها مظلم، وسوادها مضيء».
ونقل الخطيب البغدادي عن محمد بن علي النحوي، قال: «ودع رجلٌ صديقًا له فقال له: استعن على وحشة الغربة بقراءة الكتب، فإنها ألسن ناطقة، وعيون رامقة»(168).
وفي المقابل فإن الشعوب التي لا تملك بنية معرفية صحيحة، وسعة فكرية سليمة فإنها تنعت بالتخلف، وتصبح في ذيل الأمم معرفةً وصناعةً وسلوكًا، وما ذاك إلا نتيجة طبيعية لانحسار ممارسة القراءة والعناية بها، وتقدير العلم والتعلم.
ومن المؤسف أن ترى في العالم الإسلامي من يستحوذ على ناشئة المسلمين وشبابهم، بإشغال أفكارهم، واستمال قلوبهم بسيل جرار من وسائل الترفيه، واللعب، مع ما يصحب ذلك من استحواذ الشاشات والفضائيات، وألعاب الكمبيوتر، والمحادثات الفارغة عبر وسائل التواصل كل ذلك على حساب الاستفادة من الوقت تعلمًا وقراءة، حتى صار الداعون للقراءة والمشتغلون بها غرباء في مجتمعهم(169).
ثالثًا: حفظ الوقت واستثماره:
القراءة وسيلة لاستثمار الوقت وحفظه، فحفظ الوقت من أعظم النفائس، وأجل الذخائر، وهو من أسباب رقي الأمة ونهضتها.
يقول ابن القيم: «فالوقت منقض بذاته، منصرم بنفسه، فمن غفل عن نفسه تصرمت أوقاته، وعظم فواته، واشتدت حسراته»(170).
ولقد ضرب عظماء المسلمين ممن كانت لهم الريادة في رقي الأمة أروع الأمثلة في الاستفادة من الوقت في القراءة والتأليف، فقد نقل عن الخليل بن أحمد الفراهيدي قوله: «أثقل الساعات علي: ساعة آكل فيها»(171).
| موضوعات ذات صلة: |
| الأمية، التدبر، القرآن، الكتابة |
الحواشي
- مقاييس اللغة، ابن فارس، 5/78. ↩
- انظر: الصحاح، الجوهري، 1/92، مقاييس اللغة، ابن فارس 5/78، لسان العرب، ابن منظور، 12/50، تاج العروس، الزبيدي 1/306. ↩
- انظر: لسان العرب 12/51، تاج العروس 1/307. ↩
- الكليات ص 703. ↩
- التحرير والتنوير 30/253. ↩
- انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص539-540، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب القاف ص937-938. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور، 1/128، تاج العروس، مرتضى الزبيدي، ص 370-371، الفروق اللغوية، العسكري، ص140-141، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 4/262-266. ↩
- انظر: العين، الفراهيدي 8/134، الصحاح، الجوهري، 6/2290، لسان العرب، 2/235، تاج العروس، 37/249. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 1/369. ↩
- انظر: التمهيد في علم التجويد، ابن الجزري ص 50، التحرير والتنوير، ابن عاشور 9/256. ↩
- المفردات، الراغب الأصفهاني ص 167. ↩
- الفروق اللغوية، العسكري ص 140. ↩
- انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة ص 222، الصحاح، الجوهري 4/1704، لسان العرب، ابن منظور 3/1578. ↩
- انظر: العين، الفراهيدي 8/113. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 3/1578. ↩
- انظر: التحديد في الإتقان والتجويد، أبو عمرو الداني ص 72. ↩
- انظر: الصحاح، الجوهري 1/208، مقاييس اللغة، ابن فارس 5/158. ↩
- انظر: تاج العروس، الزبيدي 1/363. ↩
- انظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي 1/277، التحرير والتنوير، ابن عاشور 2/135. ↩
- انظر: تاج العروس، الزبيدي 1/363، النبأ العظيم، محمد دراز ص 12- 13. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 1/135، تاج العروس، الزبيدي 31/237. ↩
- انظر: تفسير القرآن، ابن كثير 1/310. ↩
- انظر: الكليات، الكفوي ص 182، محاسن التأويل، القاسمي 1/57. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 24/371، معالم التنزيل، البغوي 5/242، تفسير القرآن العظيم ، ابن كثير 8/378. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 20/18. ↩
- إرشاد العقل السليم، أبو السعود باختصار 9/144. ↩
- فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر 9/81. ↩
- روح المعاني، الألوسي 30/105 ↩
- انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري 1/51، النبأ العظيم، محمد دراز ص 50. ↩
- النشر في القراءات العشر 1/51. ↩
- جامع البيان في القراءات السبع، الداني 1/51. ↩
- انظر: القراءة أولًا، محمد عدنان ص 16. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 20/120. ↩
- انظر: التفسير البياني، بنت الشاطئ 2/14. ↩
- مجموع الفتاوى ابن تيمية، بتصرف 4/38. ↩
- التحرير والتنوير، باختصار 4/438. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 32/218. ↩
- الكشاف، الزمخشري 44/776. ↩
- انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 16/1625. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 9/17. ↩
- جامع البيان، الطبري 1/114. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري 4/781، فتح القدير، الشوكاني 5/468. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 20/119. ↩
- النكت في معاني القرآن وإعرابه، القيرواني ص 103. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 1/68. ↩
- التبيان في آداب حملة القرآن ص 81. ↩
- جامع البيان في القراءات السبع، أبو عمرو الداني: 1/405. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي1/68، التحرير والتنوير، ابن عاشور 30/436. ↩
- انظر: فتح القدير، الشوكاني 5/468. ↩
- اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 1/5310، التحرير والتنوير، ابن عاشور 30/436. ↩
- تفسير الراغب الأصفهاني 1/47. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 17/295، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 449. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 30/439. ↩
- انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري 1/257. ↩
- إبراز المعاني في شرح حرز الأماني، أبو شامة ص 61. ↩
- التبيان في آداب حملة القرآن ص 1/4. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6/432. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، 6/47، رقم 5023. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 367. ↩
- أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المجدور يتيمم، 1/252، رقم 336، وابن ماجه، كتاب الطهارة، باب المجروح تصيبه الجنابة فيخاف على نفسه إن اغتسل، 1/362، رقم 572.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/805، رقم 4364. ↩ - تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/207. ↩
- انظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي 3/9، من بلاغة القرآن، أحمد البيلي ص 112. ↩
- انظر: تفسير المراغي 30/199. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده، 6/163، رقم 5031. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، 2/142، رقم 747. ↩
- النشر في القراءات العشر 1/213. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 23/681. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/250. ↩
- التبيان في آداب حملة القرآن، مختصرا: ص 91. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، 1/536، رقم1850. ↩
- أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب فضائل القرآن، باب في القراءة يسرع بها، 6/141، والبغوي في معالم التنزيل 4/407، والبيهقي في شعب الإيمان، 1/344. ↩
- النشر في القراءات العشر، ابن الجزري 1/207. ↩
- نقل الخلاف النووي في المجموع شرح المهذب 2/165، وابن الجزري في النشر 1/207، والسيوطي في الإتقان 1/368.
والحديث أخرجه الترمذي في سننه، أبواب فضائل القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ما له من الأجر، 5/175، رقم 2810، والبيهقي في شعب الإيمان 3/334.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ↩ - النشر في القراءات العشر، ابن الجزري 1/209. ↩
- فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر 9/89. ↩
- النشر في القراءات العشر، ابن الجزري 1/207. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/278. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/27.
والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، 4/39، رقم 3009. ↩ - الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة، مكي بن أبي طالب ص 89. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 19/38، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 892. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 30/638، البحر المحيط، أبو حيان 10/314. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، 1/2، رقم 2. ↩
- أخرجه أحمد في مسنده، 6/118، رقم 25508، والحاكم في المستدرك، 2/594، رقم 3922.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ↩ - انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 19/38، المحرر الوجيز، ابن عطية 5/358. ↩
- انظر: روح المعاني، الألوسي 17/115، التحرير والتنوير، ابن عاشور 29/260. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 29/260. ↩
- انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 4/354، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/282. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 19/41. ↩
- جامع البيان، الطبري 23/686. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 19/41. ↩
- زاد المسير 4/354. ↩
- التبيان في آداب حملة القرآن ص 44. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، 8/71، رقم 7028. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 1/29. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/536، فتح القدير، الشوكاني 2/280. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 1/9. ↩
- جامع البيان، الطبري 13/345. ↩
- انظر: روح المعاني، الألوسي 9/150، تفسير المراغي 9/154. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص314. ↩
- التبيان في آداب حملة القرآن ص 92. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/174. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/120. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/242. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 722. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/342. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب البكاء عند قراءة القرآن، 6/243، رقم 5055، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل استماع القرآن، وطلب القراءة من حافظه للاستماع والبكاء عند القراءة والتدبر، 2/195، رقم 1903. ↩
- أخرجه الطبراني في مسند الشاميين 1/336، رقم 591، والطبري في تفسيره 20/390.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد 6/475: أخرجه الطبراني عن شيخه يحيى بن عثمان بن صالح وقد وثق..وبقية رجاله ثقات. ↩ - غريب القرآن، ابن قتيبة ص 322. ↩
- التحرير والتنوير 29/349. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 7/186. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 912. ↩
- سبق تخريجه قريبًا ص 37. ↩
- فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر 1/20. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 16/445، فتح القدير، الشوكاني 3/81. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 9/419. ↩
- التحرير والتنوير 28/209. ↩
- أخرجه أحمد في مسنده 38/466، رقم 23486، وابن أبي شيبة في مصنفه، 6/237. ↩
- جمال القراء، السخاوي ص 530. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 315. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/217. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 4/5. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/55. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير بتصرف يسير 3/68. ↩
- جامع البيان، الطبري 21/484. ↩
- انظر: معالم التنزيل، البغوي 7/177. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/82. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 56. ↩
- أخرجه أحمد في مسنده، 4/218، رقم 17919، والحاكم في المستدرك 3/681، رقم 6500، والطبراني في الكبير 5/265، 5291.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ↩ - جامع البيان، الطبري 19/264. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 13/28. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد، 2/145، رقم 1860. ↩
- جامع البيان، الطبري 18/390. ↩
- معالم التنزيل، البغوي 3/278. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/323. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 5/324. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/370. ↩
- المصدر السابق 1/73. ↩
- التحرير والتنوير 22/296. ↩
- معالم التنزيل، البغوي 3/694. ↩
- أخرجه أحمد في مسنده 5/352، رقم 22950، والحاكم في المستدرك وصححه، 1/742، رقم 2043، والبيهقي في شعب الإيمان 3/375، رقم 1835. ↩
- أخرجه الترمذي في سننه، أبواب فضائل القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ما له من الأجر، 5/175، رقم 2910، والبيهقي في شعب الإيمان 3/334، رقم 1786.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ↩ - انظر: جامع البيان، الطبري 4/82، فتح القدير، الشوكاني 4/456. ↩
- التحرير والتنوير، بتصرف 23/367. ↩
- الدر المنثور، السيوطي 1/368. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 712. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/340. ↩
- اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 18/545. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 962. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 3/164. ↩
- التحرير والتنوير 11/295. ↩
- أخرجه ابن حبان في صحيحه، باب التوبة، 2/387، رقم 620. ↩
- معالم التنزيل، البغوي 3/124. ↩
- قراءة: حمزة والكسائي وخلف العاشر.
انظر: السبعة، ابن مجاهد ص 325، النشر في القراءات العشر، ابن الجزري 1/26. ↩ - تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/265. ↩
- جامع البيان، الطبري 15/81. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/230. ↩
- المحرر الوجيز، ابن عطية 3/491. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/99. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 883. ↩
- التحرير والتنوير 29/135. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري 2/682. ↩
- تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، بدر الدين بن جماعة ص 7. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/437. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 20/120. ↩
- انظر: القراءة أولًا، محمد عدنان سالم ص 16. ↩
- انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، ابن حجر 5/138. ↩
- تقييد العلم،الخطيب البغدادي ص 139. ↩
- المصدر السابق ص 120. ↩
- انظر: الإضاءة في أهمية الكتابة والقراءة، خالد النصار ص 6. ↩
- مدارج السالكين 3/50. ↩
- قيمة الزمن عند العلماء، أبو غدة ص 66. ↩
