تنزيل PDF

الخسران

المجلد السابع متفرقات حرف خ ١١٠ قراءة · ٣٠٩ تنزيلاً

مفهوم الخسران

أولًا: المعنى اللغوي:

هي صيغة مبالغة من لفظة خسر: «الخاء والسين والراء أصل واحد، يدل على النقص، فمن ذلك الخسر والخسران، كالكفر والكفران، والفرق والفرقان، ويقال: خسرت الميزان وأخسرته، إذا نقصته»(1).

والخسر والخسران انتقاص رأس المال، وينسب ذلك إلى الإنسان فيقال: خسر فلان، وإلى الفعل فيقال: خسرت تجارته(2).

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرّفه الشنقيطي قائلًا: «والخسران في اصطلاح الشرع: هو غبن الإنسان في حظوظه من ربه جل وعلا ؛ لأن الإنسان إذا غبن في حظوظه من ربه جل وعلا فقد خسر الخسران المبين»(3).

ومن خلال المعنى اللغوي السابق، ومعاني الآيات التي وردت فيها لفظة الخسران يمكن أن يقال في التعريف الاصطلاحي لكلمة الخسران: «هو ضلال السعي وفقدان الأموال والأهل في الدنيا والآخرة، والوقوع في الهلاك والضلال»، أو «هو فقدان الأعمال والأموال والأهل والأجر والثواب في الدنيا والآخرة، بسبب ضلال السعي والانحراف عن دين الله».

الخسران في الاستعمال القرآني

ورد الجذر (خ س ر) في القرآن الكريم (65) مرة(4).

والصيغ التي جاءت هي:

الصيغةعدد المراتالمثال
الفعل الماضي15﴿فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا ١١٩﴾ [النساء: 119]
الفعل المضارع3﴿وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَخۡسَرُ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٢٧﴾ [الجاثية: 27]
المصدر9﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ ٢﴾ [العصر: 2]
اسم فاعل34﴿قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١٥﴾ [الزمر: 15]
اسم تفضيل4﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ وَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٥﴾ [النمل: 5]

وجاء الخسران في القرآن على خمسة أوجه(5):

الأول: النقص، ومنه قوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ﴾ [المطففين: 3] أي: ينقصون.

الثاني: الغبن، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١٥﴾ [الزمر: 15] أي: الغبن المبين.

الثالث: العجز، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَئِنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّآ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ١٤﴾ [يوسف: 14] أي: إذًا لعجزة.

الرابع: الضلال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا ١١٩﴾ [النساء: 119]أي: ضل ضلالًا مبينًا.

الخامس: العقوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]. أي: في العقوبة.

الألفاظ ذات الصلة

الضلال:

الضلال لغة:

مصدر (ضلّ)، والذي يعني الضياع والذهاب والغياب، وكل من زاغ عن المطلوب والقصد يسمى (ضالًّا)، و(يضلّ ويضلّ) لغتان عند العرب(6).

الضلال اصطلاحًا:

«كل عدول عن النهج عمدًا أو سهوًا قليلًا كان أو كثيرًا»(7).

الصلة بين الضلال والخسران:

العدول عن الطّريق المستقيم يبعد المرء عن الوصول لمقصده أكثر فأكثر، وبالتالي لا يحقق المرء غايته أبدًا، وهذا من الخسران.

الفلاح:

الفلاح لغة:

«الفاء واللام والحاء أصلان صحيحان، أحدهما يدل على شق، والآخر يدل على فوز وبقاء، فلح فلاحًا: ظفر بما يريد»(8).

الفلاح اصطلاحًا:

اسمٌ جامع للظّفر بالمطلوب، والنّجاة من المرهوب(9).

الصلة بين الفلاح والخسران:

العلاقة بينهما التضاد؛ إذ الضلال العدول عن الطريق المستقيم، والابتعاد عن الوصول للمقصود والغاية، وأما الفلاح فهو الظفر بالمطلوب.

أسباب الخسران

معلوم أن أسباب الخسران عديدة، وأحببنا أن نبرزها ونوضحها من أجل أخذ الحيطة والحذر من الوقوع فيها؛ وذلك لأجل النجاة يوم القيامة من عذاب الله، والفوز برضوانه والجنة، ولم لا نكون مثل حذيفة بن اليمان الذي كان يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشر، مخافة أن يصيبه؟ فقد روى أبو إدريس الخولاني أنّه سمع حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم) (10).

وسوف نورد هذه الأسباب في النقاط الآتية:

أولًا: الكفر بالله تعالى:

حياة الإنسان قائمة في الحياة الدنيا على الإيمان بالله بكل ما أمرنا به، ونهانا عنه، ومن يحقق الإيمان فقد نجا وفاز يوم القيامة بالجنة ورضوان الله، وأما من يكفر بالله، ويجحد بالإيمان فقد باء بغضب من الله، وضل ضلالًا بعيدًا، لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٣٦﴾ [النساء: 136].

وقوله تعالى أيضًا: ﴿قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ شَهِيدٗاۖ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٥٢﴾ [العنكبوت: 52].

فأي خسران بعد خسران الإيمان؟! إنه أعظم مصيبة على الناس في هذا الوجود؛ فالكفر والإشراك بالله يعدّ من أعظم الكبائر التي حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم منها، فعن أنس رضي الله عنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أعظم الكبائر فقال: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور)(11).

ويعدّ ذلك أيضًا من السبع الموبقات التي تلقي صاحبها في نار جهنم، وبهذا باء بالخسارة في الآخرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله!، وما هن؟ قال: الشرك بالله..)(12).

ولكن من يكفر بالله وينكر وجوده ولقاءه يوم القيامة فقد خسر خسرانًا مبينًا؛ لأنه كفر بأهم ركن، ألا وهو الإيمان بالله وبلقائه؛ لقوله تعالى: ﴿قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١﴾ [الأنعام: 31].

وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ ١٠﴾ [السجدة: 10]؛ وبهذا خسروا الدنيا والآخرة؛ لأنهم لم يعملوا ليوم البعث وكفروا به، وقصروا أمرهم على الحياة الدنيا، فضيّعوا أنفسهم وحظهم من الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥﴾ [الزمر: 65].

وبهذا فقد بطلت وخابت كل الأعمال التي يقوم بها الكافر، حيث لا تنفع صاحبها يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٣٩﴾ [النور: 39].

وسوف يتناول البحث الآيات التي تبيّن الخسران الذي يناله هؤلاء الكافرون بربهم، وذلك فيما يأتي.

قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٢١﴾ [البقرة: 121].

وأشار الطبري إلى اختلاف أهل التأويل في الذين عناهم الله جل ثناؤه بقوله:﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ فقال بعضهم: هم المؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، ذكر ذلك عن قتادة في قوله: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ قال: هؤلاء أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم آمنوا بكتاب الله وصدّقوا به.

وقال آخرون: بل عنى الله بذلك علماء بني إسرائيل الذين آمنوا بالله، وصدّقوا رسله، فأقرّوا بحكم التوراة، فعملوا بما أمر الله فيها من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به، والتصديق بما جاء به من عند الله، ذكر ابن زيد في قوله: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ قال: من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم من يهود فأولئك هم الخاسرون.

ورجّح الطبري هذا القول، مستدلًّا بأن الآيات قبلها مضت بأخبار أهل الكتابين، وتبديل من بدل منهم كتاب الله، وتأويلهم إياه على غير تأويله، وادّعائهم على الله الأباطيل، ولم يجر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الآية التي قبلها ذكر، فيكون قوله: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ موجهًا إلى الإخبار عنهم، وليس لهم بعدها ذكر في الآية التي تتلوها، وبالتالي فالذي هو أولى بمعنى الآية أن يكون موجهًا إلى أنه خبر عمن قصّ الله جل ثناؤه في الآية قبلها والآية بعدها، وهم أهل الكتابين: التوراة والإنجيل(13).

وأما قوله: ﴿يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك: يتبعونه حق اتباعه، وقال آخرون: يقرءونه حق قراءته.

والمعنى: الذين آتيناهم الكتاب يا محمد من أهل التوراة الذين آمنوا بك وبما جئتهم به من الحق من عندي، يتبعون كتابي الذي أنزلته على رسولي موسى صلوات الله عليه فيؤمنون به، ويقرون بما فيه من نعتك وصفتك، وأنك رسولي، فرض عليهم طاعتي في الإيمان بك، والتصديق بما جئتهم به من عندي، ويعملون بما أحللت لهم، ويجتنبون ما حرمت عليهم، ولا يحرفونه عن مواضعه، ولا يبدّلونه، ولا يغيّرونه عما أنزلته عليهم بتأويل ولا غيره، وقيل: مراعاة اللفظ عن التحريف، والتدبر في معناه، والعمل بمقتضاه(14).

وأما قوله تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ﴾ أي: هؤلاء الذين أخبر عنهم يتلون ما آتاهم من الكتاب حق تلاوته، فيصدّقون به، ويذعنون لما أمر به ونهى عنه، ويعملون بموجبه، وهؤلاء من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿۞ لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ ١١٣ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٤ وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ١١٥﴾ [آل عمران: 113-115].

وقال أيضًا: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ٥٢ وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ ٥٣ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٥٤﴾ [القصص: 52-54].

هذا التفسير على أساس أن الكتاب، هو كتاب أهل الكتاب الذي آمنوا به ولم يحرّفوه عن مواضعه، ولم يكتبوه بأيديهم، ويلووا به ألسنتهم، ويقولوا هو من عند الله، وما هو من عند الله.

ولكن من المفسرين من قالوا: إنه القرآن الكريم، وإطلاق اسم الكتاب عليه من غير ذكر أنه القرآن؛ للدلالة على كماله وأنه لا يماثله من الكتب كتاب، ولو كان سماويًّا؛ لأنه الكتاب الكامل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه(15).

وأما قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٢١﴾ [البقرة: 121] أي: ومن يكفر بهذا ويجحد بما أنزل إليك، وينكر البشارة فيك، وذلك بتحريف كتبهم لتوافق أهواءهم، ويجحد بآياته وإنكار أحكامه، وما فيه من فرائض الله، أولئك هم الذين خسروا علمهم وعملهم، فبخسوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله، واستبدلوا بها سخط الله وغضبه.

وقيل: ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ أي: الضالون الهالكون الذين خسروا سعادة الدنيا، ونعيم الآخرة؛ ذلك لأنهم اشتروا الضلالة بالهدى والكفر بالإيمان، وقيل: بتجارتهم التي كانوا يعملونها بأخذ الرشا على التحريف، وحكم سبحانه عليهم بالخسران مؤكدًا بضمير الفصل «هم»، وبالجملة الاسمية(16).

وقوله: ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ أي: المغبونون في صفقتهم؛ حيث اشتروا الكفر بالإيمان، والآية من قبيل المجادلة بالتي هي أحسن، حيث لم يصرح بنسبة الإيمان بالباطل، والكفر والخسران إليهم، بل بالإبهام(17).

وهناك الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على خسران هؤلاء الكافرين في الدنيا والآخرة، والمحذرة من الكفر بالله تعالى.

فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ٤٥﴾ [يونس: 45].

وقوله: ﴿فَلَمۡ يَكُ يَنفَعُهُمۡ إِيمَٰنُهُمۡ لَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَاۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ فِي عِبَادِهِۦۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٥﴾ [غافر: 85].

وقوله أيضًا: ﴿قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ شَهِيدٗاۖ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٥٢﴾ [العنكبوت: 52].

الخاسرون على الإطلاق، الخاسرون لكل شيء، الخاسرون للدنيا والآخرة، الخاسرون لأنفسهم وللهدى، والاستقامة، والطمأنينة، والحق والنور.

إن الإيمان بالله كسب، كسب في ذاته، والأجر عليه بعد ذلك فضل من الله، إنه طمأنينة في القلب، واستقامة على الطريق، وثبات على الأحداث، وثقة بالسند، واطمئنان للحمى، ويقين بالعاقبة، وإن هذا في ذاته لهو الكسب؛ وهو الذي يخسره الكافرون.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر الإيمان)، وفي آخر الحديث (كل الناس يغدوا، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)(18).

ثانيًا: التكذيب:

إن التكذيب والجحود سواء أكان بالله أم بآياته أم برسله أم بالبعث من أقبح أنواع التكذيب، وهو سبب رئيس للخسران في الدنيا والآخرة، ونبين خطورة هذا السبب فيما يأتي:

1. التكذيب بالله تعالى.

إن التكذيب بالله تعالى وعدم طاعته فيما أمر لهو أكبر خسران يناله الإنسان في حياته.

أما أولئك الذين حسبوا أنهم خلقوا لغير طاعة ولا عبادة، فينكر الله عليهم ذلك بقوله: ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ ١١٥ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ ١١٦﴾ [المؤمنون: 115-116].

وإن ترك العبادة والطاعة لله يوقع الإنسان في خسران لا يحمد عقباه في العاجل والآجل.

قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ عَتَتۡ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبۡنَٰهَا حِسَابٗا شَدِيدٗا وَعَذَّبۡنَٰهَا عَذَابٗا نُّكۡرٗا ٨ فَذَاقَتۡ وَبَالَ أَمۡرِهَا وَكَانَ عَٰقِبَةُ أَمۡرِهَا خُسۡرًا ٩﴾ [الطلاق: 8-9].

يخبر الله تعالى في هذه الآية عن كثير من أهل القرى الذين خالفوا أمر ربهم، يعني: أبت وعصت عن أمر ربها، وقيل: العتو المعصية، وقيل: العتو مجاوزة الحد في المعصية، وقيل: أعرضت عنه على وجه العتو والفساد، وقيل: تمردت وطغت واستكبرت عن اتباع أمر الله ومتابعة رسله، فكذّبوهم ولجوا في طغيانهم يعمهون.

فحاسبها الله حسابًا عسيرًا، أي: جازاها الله بعملها، ويقال: حاسبناها في الآخرة حسابًا شديدًا، وقيل: بالاستقصاء والمناقشة، وعذّبها عذابًا نكرًا، وعبّر بالماضي عن المستقبل: دلالة على التحقيق(19).

ثم بيّن الله تعالى أن هذا جزاء ما كسبت أيديهم، فقال: ﴿فَذَاقَتۡ وَبَالَ أَمۡرِهَا وَكَانَ عَٰقِبَةُ أَمۡرِهَا خُسۡرًا ٩﴾ أي: فجنت ثمار ما غرست أيديها، ولا يجنى من الشر إلا الشر، كما جاء في أمثالهم: «إنك لا تجني من الشوك العنب»(20)، «فكان عاقبة أمرها الخسران والنكال الذي لا يقدر قدره»(21).

وقيل: «المراد: حساب الآخرة وعذابها، وما يذوقون فيها من الوبال، ويلقون من الخسر»(22).

2. التكذيب بآيات الله.

إذا أردنا التعرف على المقصود بآيات الله، ترى هل يقصد بها كلام الله الموحى به إلى رسله ليبلغوا عنه شرعه ودينه عليهم الصلاة والسلام فقط؟

لا شك أن هناك معنى آخر للآيات، فإن آيات الله قد تشمل العلامات، والأدلة، والبراهين التي أبرزها الله لعباده من أجل هدايتهم؛ لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٥٣﴾ [فصلت: 53].

ولكن هناك من ختم الله على قلوبهم فجحدوا بهذه الآيات، وكفروا بها، بل أنكروها وكذبوا من أتى بها أو أبرزها لهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤﴾ [الأنعام: 4].

وقوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۚ﴾ [الأنعام: 25].

فكانت عاقبتهم الضياع والهلاك، بخسران أنفسهم وأهليهم، وخسران كل شيء من رحمة الله، ومغفرته، والفوز بجنته يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ ٤﴾ [آل عمران: 4].

وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩﴾ [آل عمران: 19].

وسنتناول الآيات التي تبرز الخسران الذي سوف ينالونه من وراء كفرهم بآيات الله، وذلك فيما يأتي.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٥﴾ [يونس: 95].

الخطاب في هذه الآية موجه للنبي صلى الله عليه وسلم، لكن المراد به غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم على يقين مما جاء به أنه الحق، فبعد أن اشتد الموقف وتأزم في مكة بعد حادثة الإسراء، وبعد وفاة خديجة رضي الله عنها، وأبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتداد الأذى على الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه، وبعد تعثر الدعوة في مكة بسبب عناد قريش.

فبعد هذا كله يوجّه الله سبحانه خطابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يكون من الشاكّين في صحة الإسلام، وأنه الدين الحق الذي يأبى الله إلا أن يظهره على الدين كله، ولو كره المشركون.

قال تعالى : ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ٩٤﴾ [يونس: 94].

وقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ نفسًا وعملًا، وهذا كله من باب التهييج والتثبيت، وقطع أطماع المشركين عنه، وقيل: «المراد ممن عنده شك وارتياب، وقد كان الناس في أول عصر النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاث فرق: مصدّقين، ومنكرين، ومتوقفين، فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب»(23).

ومن الآيات الدالة على خسارة الكافرين المكذّبين بآيات الله، قوله تعالى: ﴿لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٣﴾ [الزمر: 63].

3. التكذيب برسل الله.

إن التصديق برسل الله والإيمان بهم جميعًا هو ركن من أركان الإيمان، والتكذيب بهم ينفي الإيمان.

قال تعالى: ﴿يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٠﴾ [يس: 30].

وقال أيضًا: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ٦٥ لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٦٦﴾ [التوبة: 65-66].

فكل من وقع في الاستهزاء برسل الله وكذبهم في رسالتهم، لا شك أنه سيخسر خسرانًا مبينًا بدخول جهنم، وبئس المصير.

قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦﴾ [الكهف: 106].

وقد ذكر الله ذلك الخسران لهؤلاء المستهزئين بشكل واضح وصريح في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠ قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١١ قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢﴾ [الأنعام: 10-12].

يخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن أهل الكفر الذين كثيرًا ما سخروا من قبل بالرسل السابقين، وهذا من باب التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، لما كان فيه من بلاء وابتلاء، فقد ابتلي من المشركين بالإنكار والمعاندة، وطلب الآيات المعجزات، ولا يقصدون بذلك إلا المهاترة، وقد سبق إنكارهم كلّ دليل يساق إليهم، فابتلى الله النبي صلى الله عليه وسلم باستهزائهم والسخرية منه، وقد أكد الله تعالى الاستهزاء بالرسل بـ(قد) وبـ(اللام) في قوله: ﴿وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ﴾.

وبسبب هذا الاستهزاء نزل ما نزل من عذاب بأمر الله، وبأيدي المؤمنين حيث أحاط بهم الأثر المؤلم بسبب سخريتهم (24).

«ثم يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهؤلاء المستهزئين: سافروا في الأرض، وانظروا آثار من كان قبلكم لتعرفوا ما حل بهم من العقوبات، وكيف كانت عاقبتهم بعد ما كانوا فيه من النعيم العظيم الذي يفوق ما أنتم فيه، فهذه ديارهم خاربة، وجناتهم مغبرة، وأراضيهم مكفهرة، فإن كانت عاقبتهم هذه العاقبة فأنتم بهم لاحقون، وبعد هلاكهم هالكون»(25).

وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾.

جعل الله الكفر في هذه الآية نتيجة للخسران، فالخسران بدايته، والكفر نهايته، أو هما متلازمان، فالخسران سابق ولاحق؛ لأنه يترتب على الكفر خسران متضافر.

والخسران الذي يسبق الكفر، هو خسران الفطرة، فلا يكفر بالدليل القاطع إلا بخسران فطرته، وخسران الإدراك السليم، وخسروا عقولهم إذ سيطرت الأوهام عليهم، وخسروا نفوسهم فصارت معوجة، وخسروا قلوبهم فصارت مظلمة، وإذا كانت كل مداركهم قد سدّت فهم لا يؤمنون؛ لأن الإيمان يحتاج إلى قلب مخلص، وعقل مدرك، وإذعان للحق إذا بدت معالمه، وظهرت أماراته.

﴿فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ عبر بالمضارع للإشارة إلى أنهم لا يكون الإيمان شأنًا من شئونهم على الدوام؛ ذلك لأن من امتلأت نفسه بالأوهام، وصارت عشًّا لها، وضلت عقولهم لا يمكن أن تذعن لشيء، بل هي دائمًا مضطربة حائرة تنتقل من ضلال إلى ضلال (26).

4. التكذيب بالبعث.

يؤمن المسلم بأن لهذه الحياة الدنيا ساعة أخيرة تنتهي فيها، ويومًا آخرًا ليس بعده من يوم، ثم تأتي الحياة الثانية في الدار الآخرة، فيبعث الله سبحانه الخلائق بعثًا، ويحشرهم إليه جميعًا ليحاسبهم، فيجزي الأبرار بالنعيم المقيم في الجنة، ويجزي الفجّار بالعذاب المهين في النار(27).

ولكن هناك من ينكر البعث، ويكفر به، معتقدًا أن الحياة الدنيا هي الحياة الباقية، ولا حياة أخرى بعدها.

قال تعالى: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧﴾ [التغابن: 7].

إنهم أخطأوا فيما اعتقدوه؛ لأن الأدلة والبراهين تثبت بأن هناك حياة أخرى، يحاسب الإنسان فيها على أعماله في الحياة الدنيا، وأنها هي الحياة الباقية الدائمة بعد الحياة الزائلة؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا ١ وَأَخۡرَجَتِ ٱلۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا ٢ وَقَالَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا ٣ يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا ٤ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوۡحَىٰ لَهَا ٥ يَوۡمَئِذٖ يَصۡدُرُ ٱلنَّاسُ أَشۡتَاتٗا لِّيُرَوۡاْ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٦ فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٧ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ ٨﴾ [الزلزلة: 1-8].

ومن أصر على كفره وجحوده بالبعث فقد خسر خسرانًا مبينًا.

قال تعالى: ﴿قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١﴾ [الأنعام: 31].

تصور لنا هذه الآية مشهدًا من مشاهد يوم القيامة للكافرين الذين يكذبون باليوم الآخر، وينكرونه، ألا وهو يوم الحساب والجزاء، وبهذا خسروا كل ما ربحه المؤمنون من فوز وثواب لتفريطهم في طاعة الله وعمل الخير؛ فكانوا كالحيوان الذي يعيش ليأكل وليس له غاية أسمى وأعظم من ذلك، فيفقد كل المعنويات العالية، ولأنه يرتع في الشهوات الموبقة؛ ولأنه يكون في تناحر مستمر، إذ لا يخشى الله ولا يرهب عقابه، وأخيرًا يخسر رضوان الله وجنته، ويتلقى العذاب الذي يقع عليه يوم تقوم الساعة (28).

«وقد وصفوا بالخسران؛ لأنهم باعوا الإيمان بالكفر، فعظم خسرانهم في ذلك البيع»(29).

وقوله: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ﴾ أي: حتى فوجئ الكافرون بالساعة، أي: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، والتي لا يعلم أحد مجيئها غيره تعالى.

فإن قيل: الساعة تجئ من غير علم بوقتها للجميع، فكيف تكون بغتة للذين كذبوا بلقاء الله دون غيرهم.

الجواب على ذلك: إن الذين آمنوا بلقاء الله تعالى يتوقعونها، وإن لم يعلموا بوقتها، أما الذين كذّبوا فهم يكفرون بها فيفاجئون بها، وإن الذين آمنوا يرجون لقاء ربهم، ويرجون رحمته، وأما الذين كفروا بلقاء الله تعالى فلا رجاء عندهم.

وقد عبّر عن قيام الساعة واليوم الآخر بلقاء الله تعالى، تشريفًا لذلك اليوم، وفيه ترغيب في الإيمان باللقاء، وترهيب من تكذيبه، وسميت القيامة ساعة؛ لأنها تحمل أشد الأهوال؛ ولأنها فاصلة بين نوعين من الحياة، حياة فانية وأخرى باقية، حياة عمل، وحياة جزاء(30).

وقيل: «لأنها تفاجئ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها أحد إلا هو تعالى»(31).

﴿قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا﴾ يعني: منكري البعث، وهم كفار قريش، ومن سلك سبيلهم في الكفر والاعتقاد، فقالوا: يا ندامتنا ويا حسرتنا على ما قصرنا في الحياة الدنيا؛ إذ لم نكتسب من الاعتقادات والأخلاق والأعمال ما ينجينا، أو على ما فرطنا في شأنها، ومراعاة حقها، والاستعداد لها، بالإيمان بها، واكتساب الأعمال الصالحة، وعلى ما فاتنا من تهذيب الأخلاق المهيئة للسباق، ولا خسران أعظم من هذا»(32).

ثالثًا: فعل المحرمات:

حذّرنا الله تعالى من ارتكاب المحرمات وفعلها، وذلك كالزنا وشرب الخمر واللواط والقتل والربا؛ لأنها سبب في خسران الإنسان لدنياه وآخرته، وفي نيل غضب الله وسخطه، فلابد من إبرازها وتوضيحها لأخذ الحيطة والحذر من الوقوع فيها؛ وذلك لأجل النجاة يوم القيامة من عذاب الله، والفوز برضوانه والجنة.

وسوف نورد -إن شاء الله- بعضًا من هذه المحرمات بصورة مختصرة وبيان الخسران المترتب على فعلها وارتكابها.

1. قتل النفس.

إن الإسلام حفظ للنفس الإنسانية حرمتها، إذ أعلى من شأن الإنسان لمجرد آدميته، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70].

وعلى قدر ما أعلى الإسلام من قدر الإنسان، فإنه اشتد في النكير على من يعتدي على حياته بغير حق، فجعل الله قتل النفس الواحدة بمثابة قتل الناس جميعًا؛ لقوله تعالى: ﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ ٣٢﴾ [المائدة: 32].

ولم يأت القرآن بوعيد أشد من الوعيد الذي أنذر به قاتل النفس المؤمنة، فقال تعالى: ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ٩٣﴾ [النساء: 93].

ولقد جاءت السنة النبوية بأحاديث عديدة، ترفع من شأن النفس البشرية، وفيها من الكشف عن فظاعة العدوان على الدماء البريئة ما يريع المشاعر، ويقرع القلوب قرعًا، حتى اعتبرت أن الدنيا كلها أهون عند الله من قتل نفس إنسانية، تقتل بغيًا بغير حق، عن عبدالله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم بغير حق) (33).

قال تعالى: ﴿قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٤٠﴾ [الأنعام: 140].

فهذه الآية تبين لنا الخسارة التي ينالها الإنسان في الدنيا والآخرة لكونه ارتكب جريمة شنعاء، ألا وهي قتل الأولاد بغير ذنب، وهي نفس حرم الله قتلها بغير حق.

يقول محمد رضا: «هذه الآية حكمت على مشركي العرب حكمًا حقًّا وعدلًا، وهو أنهم خسروا بقتل أولادهم وبوأد البنات، خسرانًا يستلزم خسران كلّ ما كان يرجى من فوائدهم من العزة والنصرة، والبر والصلة والفخر والزينة، والسرور والغبطة، كما يستلزم خسران الوالد القاتل لعاطفة الأبوة ورأفتها، وما يتبع ذلك من القسوة والغلظة والشراسة، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق التي يضيق بها العيش في الدنيا، ويترتب عليها العقاب في الآخرة، ولذلك علّل هذا الجرم بسفه النفس، وهو اضطرابها وحماقتها، وبالجهل أي عدم العلم بما ينفع ويضر، وما يحسن ويقبح.

ثم بعد هذا بيّن أنهم حرّموا ما رزقهم الله من الطيبات، وهذا سفه وجهل أيضًا... ثم بيّن نتيجة الأمرين؛ بأنهم قد ضلوا فيهما وما كانوا مهتدين إلى شيء من الحق والصواب من طريق العقل ولا من طريق الشرع، ولا من منافع الدنيا، ولا من سعادة الآخرة»(34).

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة في الآية أعلاه قال: «نزلت فيمن كان يئد البنات من مضرٍ وربيعة، كان الرجل يشترط على امرأته أنك تئدين جارية (أي: بنتًا)، وتستحيين (أي: تبقين) أخرى، فإذا كانت الجارية التي توأد غدا من عند أهله أو راح وقال: أنت عليّ كأمي (أي: محرمة) إن رجعت إليك ولم تئديها، فترسل إلى نسوتها فيحفرن لها حفرة فيتداولنها بينهن، فإذا بصرن به مقبلًا دسسنها في حفرتها، وسوّين عليها التراب (أي: وهي حية)، وهذا هو الوأد»(35).

وقيل: هؤلاء الذين صنعوا هذه الأفاعيل قد خسروا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا: فخسروا أنفسهم وأولادهم بقتلهم، وضيقوا عليهم في أموالهم، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وخسروا عقولهم، وأزواجهم، وخسروا الكرامة التي جعلها الله لهم بإطلاقهم من العبودية لغيره، وأسلموا أنفسهم لربوبية العبيد؛ حين أسلموها لحاكمية العبيد، أما في الآخرة، فيصيرون إلى شر المنازل بكذبهم على الله وافترائهم (36).

ومعلوم عن المؤمن أنه يسمع ويطيع أوامر الله جميعًا بدون جدال ولا تهاون؛ لأنه أحرص ما يكون على مضاعفة حسناته وتكثيرها؛ لأنها السبيل إلى دخول الجنة والنجاة من النار، أما غيره فهو متهاون في الاستجابة لأوامر الله، وبالتالي تخف موازين حسناته، وذلك مدعاة إلى أن يخسر آخرته، ويبوء بسخط الله وعذابه، وذلك هو الخسران المبين؛ لقوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا ٨٠﴾ [النساء: 80].

وقد بيّن الله في كتابه العزيز الخسران المبين لمن لا يستجيب لأوامره في قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٢٧﴾ [البقرة: 27].

﴿وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾: والفساد في الأرض ألوان شتى، تنبع كلها من الفسوق عن كلمة الله، ونقض عهد الله، وقطع ما أمر الله به أن يوصل.

ورأس الفساد في الأرض هو الابتعاد عن منهجه الذي اختاره ليحكم حياة البشر ويصرفها، وإن الهدم والشر والفساد حصيلة الفسوق عن طريق الله، ومن ثم يستحق أهله أن يضلهم الله بما يهدي به عباده المؤمنين(37).

﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾: أي: الهالكون، بحرمان الله إياهم من رحمته لكفرهم ومعصيتهم إياه وارتكاب ما نهى عنه(38).

ذكر الرازي في كتابه: «أن معنى ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ أي: في تجارتهم حيث باعوا الشريف الباقي بالخسيس الفاني، وقيل: هم الخاسرون في إنكار ما قال به رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوحيد والبعث» (39).

2. الإلتهاء بالأموال والأولاد عن ذكر الله.

وأما بالنسبة للأولاد، فالله يمنح الإنسان أولادًا ليكونوا له زينة في الحياة الدنيا.

قال تعالى: ﴿ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا ٤٦﴾ [الكهف: 46].

قال ابن تيمية: «وما كان ملهيًا وشاغلًا عما أمر الله تعالى به من ذكره والصلاة له فهو منهي عنه، وإن لم يكن جنسه محرمًا: كالبيع، والعمل في التجارة، وغير ذلك»(40).

والأموال والأولاد ملهاة ومشغلة إذا لم يستيقظ القلب، ويدرك غاية وجوده، ويشعر أن له هدفًا أعلى يليق بالمخلوق الذي نفخ الله فيه من روحه، فأودع روحه الشوق إلى تحقيق بعض صفاته الإلهية في حدود طاقته البشرية، وقد منحه الأموال والأولاد ليقوم بالخلافة في الأرض لا لتلهيه عن ذكر الله، وذكر الأموال والأولاد في الآية؛ لأنها أرغب الأشياء، وإن ألهته عن ذكر الله ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ أي: خسروا آخرتهم وفضلوا دنياهم عليها، فضلوا الدنيا، وهي العاجلة الفانية على الآخرة، وهي الآجلة الباقية، خسروا كل شيء، مهما يملك من أموال ومن أولاد(41).

وقال تعالى: ﴿قَالَ نُوحٞ رَّبِّ إِنَّهُمۡ عَصَوۡنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمۡ يَزِدۡهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارٗا ٢١﴾ [نوح: 21].

إذًا لا فائدة من كثرة الأموال والأولاد؛ لأنها لن تغني الإنسان من الله شيئًا ومن عذابه وخسرانه في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٧﴾ [المجادلة: 17].

الأصل في المؤمن أنه وقّاف عند حدود الله، فلا يحلّ إلا ما أحلّ الله، ولا يحرّم إلا ما حرّم الله، لكن إن تنكب الطريق، وسار في درب معوج، فوقع في محارم الله، وتنكر لما شرع الله افتراءً على الله، فهؤلاء قد باءوا بسخط من الله؛ لأنهم ضلّوا الطريق إلى الله، فيخسروا أعمالهم في الدنيا والآخرة خسارة تقودهم إلى جهنم وبئس المصير.

3. الصد عن سبيل الله.

وهذه مشكلة واقعية قديمًا وحديثًا، وإن أعداء هذا الدين، يتربصون الدوائر بالإسلام والمسلمين، ويترصدون المسلمين في كل مكان؛ ليصدوهم ويفتنوهم عن دين الله، فبدأ هذا الصراع منذ بدء الخليقة، ومع كل الأنبياء، واستمر عبر العصور والأجيال حتى يومنا هذا، فهذه إذن طبيعة الدعوات وطريق النبوات(42).

قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ١٩ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ ٢٠ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢١ لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٢٢﴾ [هود: 19-22].

يوضح الله تعالى في هذه الآية جناية هؤلاء الذين استوجبوا بها النار فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: يصرفون أنفسهم وغيرهم عن الدين الإسلامي، ويبغون أن تصير سبيل الله عوجاء، كما يهوون ويشتهون، فهم يريدون من الإسلام أن يبيح لهم المحرمات من الربا، والزنا، والسفور، ويريدون من الإسلام أن يأذن لهم في عبادة القبور، والأشجار، والأحجار إلى غير ذلك، ويضاف إلى هذا ذنب أعظم وهو كفرهم بالدار الآخرة، منكرين للبعث والنشور، فقد جمعوا بين الضلال والإضلال(43).

ثم بعد ذلك يبيّن الله حال هؤلاء المشركين في الآخرة؛ بأنهم استقروا في دار الشقاء، فخسروا كل شيء حتى أنفسهم بدخولها نار جهنم -والعياذ بالله-وخسروا سعادة الدنيا والآخرة، باشتراء الضلالة بالهدى، وياله من خسران مبين! وشقاء واضح!، وضاع وغاب عنهم ما كانوا يزعمون أن لهم شركاء، وأنهم يشفعون لهم وينصرونهم.

ثم يؤكد الله تعالى في قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ﴾ أنهم الأكثر خسرانًا من غيرهم؛ لأنهم أضافوا إلى جريمة كفرهم، جريمة تكفير غيرهم ممن كانوا يدعونهم إلى الضلال، ويصدونهم عن الإسلام سبيل الهدى والنجاة من النار، وبهذا كانوا أخسرين، أي: شديدي الخسارة؛ لأنهم قد اجتمع لهم من أسباب الشقاء والعذاب ما اقترفته الأمم الضالة، ولأنهم شقوا من حيث كانوا يحسبونه سعادة.

قال تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا ١٠٣ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤﴾ [الكهف: 103-104].

وبهذا اجتمعت لهم خسارة الدنيا والآخرة(44).

4. طاعة الشيطان.

وإن اتباع الشيطان وطاعته من أشد الأمور عداوة لله؛ ذلك أن الشيطان هو عدو الله في الأرض الذي رفض أمر الله بالسجود لآدم يوم خلقه الله، فطرده الله من رحمته ولعنه إلى يوم الدين، وقد أخذ الشيطان على عاتقه، وأقسم بعزة الله أن يغوي بني آدم إلا المخلصين منهم.

قال تعالى وصفًا لما حدث: ﴿فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٧٣ إِلَّآ إِبۡلِيسَ ٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٤ قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ ٧٥ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُۖ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ٧٦ قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٧٧ وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٧٨ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٧٩ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٨٠ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ ٨١ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٢ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٨٣﴾ [ص:73-83].

إذن هي عداوة قديمة ومتأصلة، وقد نهى الله عن اتباعه والسير على منهجه الكفري الضال، فقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ ١٦٨ إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ١٦٩﴾ [البقرة: 168-169].

وقد بيّن الله لنا سبب هذا النهي، لكونه يأمر بالفحشاء والمنكر، قال تعالى: ﴿۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢١﴾ [النور: 21].

ومع هذا التحذير والنذير إلا أن بعض الناس لا يطيب له إلا أن يتبع كل شيطان مريد، قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ ٣ كُتِبَ عَلَيۡهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ٤﴾ [الحج: 3-4].

فكل من يقع في هذا النهي الإلهي، ويتبع خطوات الشيطان فإنه خاسر لا محالة؛ لأنه عصى الله بذلك، وأطاع عدوه.

قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا ١١٩﴾ [النساء: 119].

يعني: من يواليه ويتبع وسوسته، ويطعه، ويترك أمر الله، وقيل: بإيثاره ما يدعو إليه على ما أمر الله به، ومجاوزته عن طاعة الله تعالى إلى طاعته، فقد خسر خسرانًا مبينًا ظاهرًا في معاشه ومعاده، إذ يكون أسير الأوهام، والخرافات يتخبط في عمله على غير هدى، فيفوته الانتفاع التام بما وهبه الله من العقل، وسائر القوى والمواهب، وقيل: بدّل مكانه من الجنة بمكان من النار(45).

وقوله تعالى أيضًا: ﴿ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٩﴾ [المجادلة: 19].

فكذلك يصنع الشيطان بمن استحوذ عليه، فعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من ثلاثة في قرية، ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنه يأكل الذئب من الغنم القاصية)(46).

5. طاعة الكافرين.

حذّر الله من طاعة المؤمن للكافرين وموالاتهم؛ لأنها تجعله في معصية لله، وقد نهى عن ذلك في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨﴾ [آل عمران: 28].

فإن والى المؤمن الكافر ظنًّا أنه يبتغي عنده العزة فهو واهم؛ لأن العزة لله وحده؛ لقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا ١٣٩﴾ [النساء: 139].

وقد نهى الله عن موالاة الكافرين وطاعتهم؛ لأنهم يصدون المؤمنين عن دين الله، ويخرجونهم من ديارهم، ويظاهرون على إخراجهم.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩﴾ [الممتحنة: 9].

حقًّا إنه من يوالي الكافرين، فإنه قد ضل عن سواء السبيل، وسيخسر عمله في الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ١٤٩﴾ [آل عمران: 149].

يحذّر الله تعالى في هذه الآية المؤمنين أن يطيعوا الذين كفروا، يعني: مشركي العرب، أبا سفيان وأصحابه، وقيل: اليهود والنصارى، وقال علي رضي الله عنه: يعني: المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى دين آبائكم(47).

«فالطاعة: تطلق على امتثال أمر الآمر، وعلى الدخول تحت حكم الغالب، فيقال: طاعت قبيلة كذا، وطوّع الجيش بلاد كذا»(48).

فالكفر والإيمان نقيضان لا يجتمعان، ولا يكونان في قلب رجل واحد، ولذلك الآية الكريمة تحذر المؤمنين تحذيرًا عامًّا بألاّ يطيعوا الكافرين، ولا يستنصروا بهم، ولا يجعلوا لهم ولاية عليهم؛ لأن ولايتهم غير ولاية الله، وولاية الله هي الولاية الحق، وهم موضع غضب الله تعالى دائمًا، والذي يتولاهم ويستنصر بهم، فإنه يتولى قومًا غضب الله عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ قَدۡ يَئِسُواْ مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلۡكُفَّارُ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡقُبُورِ ١٣﴾ [الممتحنة: 13].

والمعنى في هذا، هو التحذير من مسايرة الكافرين بأي نوع من أنواع المسايرة؛ إذ كل مسايرة طاعة، ولا يليق بالمؤمن أن يطيع كافرًا؛ لأنه يجب أن يكون في حذر دائم.

وقد ذكر الله تعالى نتيجة طاعة الكافرين في أي عصر من العصور إن كان هناك احتمال لذلك، فذكر في جواب الشرط نتيجتين، كلتاهما مترتبة على الأخرى، أولاهما: أشار إليها بقوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ﴾، والثانية المترتبة عليها: أشار إليها بقوله تعالى: ﴿فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ﴾.

فالنتيجة الأولى: ردهم على أعقابهم، فمعناها: أن يرجعوا إلى موضع الذلة الذي كانوا فيه قبل أن يؤذن لهم بالجهاد، أو يرجعوا إلى ما كانوا عليه في غير انتظام وفي اضطراب.

والنتيجة الثانية: هي الانقلاب خاسرين، والتعبير بالانقلاب: يفيد أن طاعة الكافرين حتمًا فيها تغيير حال أصل الإيمان، فجعل أعلى ما فيهم أسفل، وأن هذا الانقلاب تلابسه لا محالة الخسارة المؤكدة التي لا احتمال فيها؛ إذ يخسر المؤمنون إيمانهم، ويخسرون من وراء ذلك الآخرة، وينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١١﴾ [الحج: 11](49)، وقوله أيضًا: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۙ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ ٥٣﴾ [المائدة: 53].

6. الكفر بالأنبياء والرسل.

إن الإيمان بالأنبياء فهو ركن من أركان الإيمان، فإن اختل هذا الركن اختل إيمان الإنسان؛ وذلك لأن الأنبياء هم رحمة الله إلى عباده؛ ليقودوهم إلى رضوان الله والجنة، والنجاة من سخطه والنار، قال تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨٥﴾ [البقرة: 285].

هذا حال المؤمنين الصادقين في إيمانهم، أما غيرهم فقد يكفر ويكيد بأنبياء الله والصالحين، فيقع في الكفر والخسران.

رابعًا: ترك الواجبات:

أمرنا الله تعالى بالقيام بكل الواجبات المفروضة علينا من عمل الصالحات والإكثار من فعلها بكل حكمة ورزانة؛ لأنه بهذا الأمر نستطيع أن نجنّب أنفسنا الخسران المبين، والهلاك والدمار، ومن لم يستجب ينال ما يستحق وسنورد بعضًا من ذلك:

فالخسران المبين لمن يتخذ الصلاة هزوًا ولعبًا دون خشوعٍ وتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوٗا وَلَعِبٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ٥٨﴾ [المائدة: 58].

فالويل والهلاك للذين لا يطيعون الله في أوامره ويتهاونون في تطبيق واجباته؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ ٤ ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ ٥﴾ [الماعون: 4-5].

فتكون نتيجته الضلال والهلاك يوم القيامة.

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩﴾ [المنافقون: 9].

تضمنت هذه الآية تحذيرًا للمؤمنين أن يتخلقوا بأخلاق المنافقين بانشغالهم بالأموال عن ذكر الله والصلوات والطاعات وجميع الفرائض، وقد اختلف المفسرون فيمن نزلت، فمنهم من قال: نزلت في حق المنافقين، ومنهم من قال: نزلت في حق المؤمنين(50).

والراجح أنها نزلت في حق المؤمنين تحذّرهم، وخاصة أن الآية ابتدأت بالخطاب الموجه لهم، وأيضًا الآيات السابقة كانت تتحدث عن قبائح وأعمال المنافقين، فكان حريًّا أن يتم تحذير المؤمنين من التشبه بالمنافقين.

وقد حكم الله بكفر من لا يستجيب لأمره بدفع الزكاة، وبالتالي سينال جهنم، ويكون من الخاسرين؛ لقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٧﴾ [فصلت: 7].

والصبر فضيلة من الفضائل، وخلق من الأخلاق التي عني بها القرآن الكريم، فالهلاك لمن يترك الصبر ولا يتحمل ما أصابه الله به؛ لأنه سيؤدي به إلى أن يسخط على الله، ويخرج من دائرة الإيمان، ويصل به إلى اليأس والقنوط من رحمة الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٞ قَنُوطٞ ٤٩﴾ [فصلت: 49].

وهذا لا يكون إلا من الضالين كما وصفهم الله في كتابه.

قال تعالى: ﴿قَالَ وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ ٥٦﴾ [الحجر: 56].

ويجب ألا نكون منهم لتركنا واجبًا مفروضًا علينا التمسك به، وبالتالي ننال الخسران في الدنيا والآخرة.

والتمسك بميثاق الله أيضًا من الواجبات المفروضة علينا، فمن نقض عهد الله وميثاقه تحلى بصفة من صفات المنافقين الخارجين عن حدود الله، ولابد من توضيحها؛ حتى نحذر من ارتكابها لنتجنب الخسارة في الدنيا والآخرة، فكيف سيكون حال مجتمع لا يفي فيه الناس بعهودهم فيما بينهم، فإنه ستنعدم ثقة بعضهم ببعض، فقد أمر الله تعالى في كثير من آياته، وكذلك نبيه صلى الله عليه وسلم بالوفاء بالعهود.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا ٣٤﴾ [الإسراء: 34].

وقوله: ﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٩١﴾ [النحل: 91].

وعدّ النبي صلى الله عليه وسلم الخلف بالوعد من علامات النفاق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان)(51).

وقوله تعالى أيضًا: ﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٢٧﴾ [البقرة: 27].

فسؤال يطرح نفسه، فأي عهد من عهود الله ينقضون؟ وأي أمر مما أمر الله به أن يوصل هو الذي يقطعون؟ وأي لون من الفساد في الأرض هو الذي يفسدون؟

وعهد الله المعقود مع البشر يتمثل في عهود كثيرة: إنه عهد الفطرة المركوز في طبيعة كل حي، أن يعرف خالقه، وأن يتجه إليه بالعبادة، وما تزال هذه الفطرة مركوزة في الاعتقاد بالله، ولكنها تضل وتنحرف فتتخذ من دون الله أندادًا وشركاء، وعهد الاستخلاف الذي أخذه الله على آدم، وعهوده الكثيرة في الرسالات لكل قوم أن يعبدوا الله وحده، وأن يحكّموا في حياتهم منهجه وشريعته، وهذه العهود كلها هي التي ينقضها الفاسدون.

﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ﴾: يقول الطبري: «مقصودٌ به كفارهم ومنافقوهم، ومن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم، غير أن الخطاب -وإن كان لمن وصفت من الفريقين- فداخل في أحكامهم، وفيما أوجب الله لهم من الوعيد والذم والتوبيخ، كل من كان على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنهي»(52).

﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾: أي: الهالكون، بحرمان الله إياهم من رحمته لكفرهم ومعصيتهم إياه وارتكاب ما نهى عنه(53).

وقيل: «أي: خسروا سعادتهم في الآخرة؛ حيث عرّضوا أنفسهم لعذاب جهنم المؤبد، ولا خسارة أعظم ممن خسر دنياه وأخرته، وقصر الخسران عليهم في قوله: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾؛ لأنهم بإهمالهم للعقل، خسروا الحياة الأبدية»(54).

خامسًا: عدم مغفرة الله ورحمته للعبد:

معروفٌ أن الإنسان المؤمن الصالح بطبيعته حريصٌ على أداء الطاعات والعبادات، وفعل ما أمر الله به والابتعاد عما نهى عنه؛ لأن غايته من وراء ذلك كله الحرص على كسب رضوان الله تعالى والحصول على مغفرته ورحمته يوم القيامة، والفوز بجنته، وإن نسي أو أخطأ وغفل الإنسان، وهذا ليس عيبًا فيه؛ لأنه ضعيف يدخل إليه الشيطان، فيدرك خطأه، ويعرف زلته، نجده يسارع في الندم وطلب العون من ربه والمغفرة، وبالتالي إنه يثوب ويتوب، على عكس الإنسان الذي ينغمس في ملذات الدنيا وشهواتها، ويحرص كل الحرص على التمتع بالحياة الدنيا وزينتها، وبهذا يغفل عن أداء العبادات والطاعات، ولا يحرص على تجنب المحرمات، فتكون نتيجته أنه خسر وضاع، وذلك بفقدان أعظم شيء، ألا وهو مغفرة الله ورحمته، وفقدان الفوز بجنته ورضوانه؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣﴾ [الأعراف: 23].

فهذه الآية الكريمة تدل على ندم آدم وحواء على فعلتهما، فسارعا إلى التوبة والستر والغفران، على عكس مطلب إبليس طلب الإنظار ولم يطلب التوبة، وهذه خصيصة «الإنسان» التي تصله بربه، وتفتح له الأبواب إليه، الاعتراف، والندم، والاستغفار، والشعور بالضعف، والاستعانة به، وطلب رحمته، مع اليقين بأنه لا حول ولا قوة إلا بعون الله ورحمته وإلا كان من الخاسرين.

فهذه طبيعة الإنسان المؤمن فإنه إذا أخطأ أو غفل يسارع إلى طلب المغفرة والرحمة من الله تعالى.

ولكن هناك الكثير من الأمور يتساهل الناس في فعلها تكون سببًا في فقدانهم لمغفرة الله ورحمته، إذًا لابد من الحرص والحذر.

سادسًا: الدعوة إلى الباطل وترك الحق:

الدعوة إلى الباطل الذي هو نقيض الحق سبب في خسران الإنسان، فإن الباطل هو الطاغوت سواء أكان ذلك شيطانًا أم صنمًا، أم معتقدًا، أم معبودًا غير الله، وهو نقيض الإيمان بالله تعالى، وإن اعتقاد الباطل والعمل به يخرج الإنسان عن دينه وإيمانه؛ لقوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ ٧٢﴾ [النحل: 72].

فالنتيجة التي ينالها هؤلاء هي الخسران المبين.

سابعًا: خفة الموازين:

خفة موازين الإنسان يوم القيامة نتيجة عدم الإكثار من الطاعات، والعبادات، وكسب الحسنات، مما يؤدي إلى أن تكون سيئاتهم أكثر من حسناتهم، وبالتالي تكون خفة موازينه يوم القيامة، ونيل الخسران المبين؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ ٩﴾ [الأعراف: 9].

يقول الله تعالى في هذه الآية: من خفت موازين أعماله الصالحة، فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله والإيمان به، وبرسوله، فأولئك الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته؛ بسبب كونهم بحجج الله وأدلته يجحدون، فلا يقرّون بصحتها ولا يوقنون بحقيقتها(55).

ومن خفت موازينهم خسروا بسبب ظلمهم، وتضييع فطرة الإسلام التي ما من مولود إلا يولد عليها، أو فطرة الخير الذي هو أصل الجبلة، والمراد بالخسران: كونه في الهاوية من النار؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ١٠٣ تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ ١٠٤﴾ [المؤمنون: 103-104](56).

ثامنًا: الأمن من مكر الله:

إن المؤمن يتفطن دائمًا لمقام قدرته تعالى، فإذا عصى يتوقع عذاب الله تعالى بسبب عصيانه، ويتخوف ولا يأمن أن تنزل به العقوبة، ولفرط حسّه بمعصيته، وإيمانه بالله يخاف دائمًا عذابه، ولا يرجو أن يمهله الله وقد عصاه، على عكس الكافر تمامًا، فإنه يعصي، ويرى عصيانه حسنًا، وينسى قوة الله، وأنه يعاند ويحارب أمره ونهيه، ناسيًا أنه يعاند القوي القهار القادر الذي هو غالب على كل شيء، وأنه لا إرادة لمخلوق بجوار إرادته تعالى وعلى ذلك يأمن عذاب الله ومكره.

قال تعالى:﴿أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٤٥﴾ [النحل: 45].

فيلاقي العذاب الشديد، وما لا يحسب عقباه.

قال تعالى: ﴿فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ أَنَّا دَمَّرۡنَٰهُمۡ وَقَوۡمَهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥١﴾ [النمل: 51].

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ ١٢٤﴾ [الأنعام: 124].

وقوله أيضًا: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩٩﴾ [الأعراف: 99].

يوبّخ الله الذين يكذّبون رسله، ويجحدون مكره؛ لأنهم غفلوا عن الحق، ونسوا تدبير الله تعالى المهلك لهم جزاء بما كسبوا، وبما كذبوا بآيات الله، والفاء: في قوله: ﴿فَلَا يَأۡمَنُ﴾جاءت عاطفة يترتب ما بعدها على ما قبلها؛ لأنهم إذا كانوا لم تجدهم النقمة ولا النعمة، وبأس الله يأتيهم في مأمنهم ليلًا وهم نائمون، وضحى وهم يعملون، ومع ذلك لا جدوى فيه، فهو لعب، أو كاللعب، فهم لا يأمنون المكر الإلهي.

قوله: ﴿أَفَأَمِنُواْ﴾ استفهام إنكاري بمعنى النفي والتوبيخ، فهم لا يأمنون مكر الله، ومكر الله تعالى تدبيره المحكم الذي ينزل به العذاب السريع على من يستحقه، والأمن والطمأنينة لمن يستحقه، وهو الحكيم، وقد فسر بعض المفسرين بأنه العذاب أو البأس الشديد (57).

«والمكر قسمان:

  • مكر سيء: وهو الذي يكون من الأشرار، ونتيجته شر.
  • ومكر طيب: وهو رد مكر الأشرار، ونتيجته طيبة.

ولقد قال في شأن قريش في تدبيرهم للنبي صلى الله عليه وسلم أن يبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٥٤﴾ [آل عمران: 54] أي: أنهم كانوا يدبرون لإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم ويمكرون المكر السيئ الذي لا يحيق إلا بأهله، والله تعالى يدبّر لنبيه نجاته منهم، وهجرته من أرضهم من غير إخراج، حتى يكون الفصل بينه وبينهم»(58).

والكافر يعمل المعصية، ويعتقد أنه آمن، وما يغفل عن مكر الله إلا الذين هلكوا بذنوبهم؛ ولهذا ختم الله الآية بقوله: ﴿فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ أي: حكم الله تعالى بخسارتهم، مؤكدًا الخسارة بالقصر، وأن الخسارة مقصورة عليهم، وخسارتهم في أنهم خسروا أنفسهم، فليسوا في حال عقلية مدركة، وخسروا أنفسهم بالاستمرار على غيهم، وخسروا بالعذاب الأليم الذي ينزل، والله سبحانه هو الذي يقي المؤمنين شر الغفلة والنسيان، وأمن عذاب الله، وجعلهم في فطنة دائمة، واعتبار بأمر الله ونهيه، وهو الهادي إلى سواء السبيل (59).

نماذج من الخاسرين في القرآن

من رحمة الله بعباده أنه ذكر في كتابه العزيز الكثير من الأساليب والوسائل، ومنها على سبيل المثال ضرب الأمثال، وسرد القصص، وذكر الأخبار، وذلك لحكمة يريدها الله؛ ليعتبر أولو الألباب، ويتخذوها قدوة لهم في الحياة، وإظهار مدى قدرة الله وعظمته، وإعجاز قرآنه وغيرها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ مِنۡهُم مَّن قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَيۡكَۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلۡحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٧٨﴾ [غافر: 78].

فإذا جاء الوقت وحان موعد العذاب، ينزله الله على الكافرين لإهلاكهم، وينجي الله رسله، والذين آمنوا معهم، ويهلك الذين افتروا وكذبوا وجحدوا آياته عز وجل وخسر في ذلك العذاب المتمسكون بالباطل على الإطلاق، فيدخل فيهم المعاندون المقترحون دخولًا أوليًّا، لكونهم يجادلون في آيات الله تعالى (60).

وسنورد إن شاء الله نماذج من الخاسرين في القرآن في السطور الآتية:

أولًا: قابيل ابن آدم عليه السلام:

قال تعالى: ﴿فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٣٠﴾ [المائدة: 30].

هذه الآية تتحدث عن ابني آدم قابيل وهابيل؛ حيث إن هابيل كان أول من قتل في الأرض.

وقال الماوردي في كتابه: «إن (طوعت) فيها ثلاثة تأويلات، وهي:

أحدها: يعني: شجعت، وهو قول مجاهد.

والثاني: يعني: زينت، وهو قول قتادة.

والثالث: يعني: ساعدته»(61).

﴿فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ﴾ أي: زيّنت له وسهّلت عليه القتل، والإنسان إذا تصور أن قتل النفس من أكبر الكبائر صار ذلك صارفًا له عن القتل فلا يقدم عليه، فإذا سهّلت عليه نفسه هذا الفعل فعله بغير كلفة.

وقرئ ﴿فَطَاوَعَتْ﴾ على أنه فاعل بمعنى فعل، أو على أن قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع.

وروي أنه جهل كيف يقتله، فجاء إبليس بطائر -أو حيوان غيره- فجعل يشدخ رأسه بين حجرين؛ ليقتدي به قابيل ففعل، وقال ابن عباس وابن مسعود: وجده نائمًا فشدخ رأسه بحجر، وكان ذلك في ثور «جبل بمكة». وقيل: عند عقبة حراء، ويقال: إن قابيل كان يعرف القتل بطبعه؛ لأن الإنسان وإن لم ير القتل فإنه يعلم بطبعه أن النفس فانية ويمكن إتلافها، فأخذ حجرًا فقتله، ولما قتله ندم فقعد يبكي عند رأسه، إذ أقبل غرابان فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، ثم حفر له حفرة فدفنه، ففعل القاتل بأخيه كذلك(62).

﴿فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ أي: ممن خسر حسناته، وقال مجاهد: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة، ووجهه إلى الشمس حيثما دارت، عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج.

قال ابن عطيه: «فإن صح هذا فهو من خسرانه الذي تضمّنه قوله تعالى: ﴿فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ وإلا فالخسران يعم خسران الدنيا والآخرة»(63).

ثانيًا: قوم إبراهيم عليه السلام:

قال تعالى: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ ٧٠﴾ [الأنبياء: 70].

قد روي أن الملك المعاصر لإبراهيم كان يلقب «بالنمرود» وهو ملك الآراميين بالعراق، وأنه قد أهلك هو والملأ من قومه بعذاب من عند الله، تختلف الروايات في تفصيلاته، وليس لنا عليها من دليل.

المهم أن الله قد أنجى إبراهيم من الكيد الذي أريد به، وباء الكائدون له بخسارة ما بعدها خسارة، والكيد هنا: أي مكر عظيم في الإضرار به، وقيل: هو الإضرار الشديد الذي يكون نتيجة الكيد والتدبير الخبيث، فأطلقوا السبب وأراد المسبب وهو الضرر، وكيدهم كان في مغالبتهم له ومجادلتهم، فكانوا هم الخاسرين في هذه المغالبة في الدنيا والآخرة، أي: أخسر من كل خاسر حيث عاد سعيهم في إطفاء نور الحق برهانًا قاطعًا على أنه عليه السلام على الحق وهم على الباطل، وموجبًا لارتفاع درجته، واستحقاقهم لأشد العذاب، والأخسرون جمع أخسر، والمراد: من بلغوا أقصى درجات الخسران (64).

وقيل: ﴿فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ﴾ أي: في أعمالهم، ورددنا مكرهم عليهم بتسليط أضعف خلقنا، قال ابن عباس: سلّط الله عليهم أضعف خلقه البعوض، فما برح نمرود حتى رأى عظام أصحابه وخيله تلوح، أكلت لحومهم وشربت دماءهم، ووقعت واحدة في منخره فلم تزل تأكل إلى أن وصلت دماغه وكان أكرم الناس عليه الذي يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام بهذا نحوًا من أربعمائة سنة(65).

ثالثًا: قوم شعيب عليه السلام:

قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٢﴾ [الأعراف: 92].

هذه الآية جملة مبنية لما حل بقوم النبي شعيب عليه السلام من النقمة:

فيخبر الله تعالى عن شدة قوم شعيب وتمردهم وعتوهم، وما هم فيه من الضلال، وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق، ولهذا أقسموا وقالوا: ﴿لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٩٠﴾ [الأعراف: 90].

فلهذا أعقبه بقوله: ﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ﴾ [الأعراف: 91].

والمناسبة في ذلك: أنهم لما تهكموا بنبي الله شعيب في قولهم: ﴿أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ﴾ [هود: 87] فجاءت الصيحة فأسكتتهم، أصابهم عذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجساد، فأصبحوا في دارهم جاثمين(66).

وقوله: ﴿كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ﴾ والغنى: المنزل، والجمع المغاني، وهي المنازل التي بها أهلها، يقال: غنيت بالمكان إذا أقمت به، وغني القوم في دارهم، أي: طال مقامهم فيها، وقال ابن عباس وقتادة في معناها: كأن لم يعيشوا فيها، وقال ابن عباس: كأن لم يعمروا فيها.

ومعنى الآية: كأن لم يقيموا في دارهم أصلًا ولم ينزلوها يومًا من الدهر، فإن الله سبحانه استأصلهم بالعذاب، وقيل: المعنى كأن لم يعيشوا فيها متنعمين مستغنين، يقال: غني الرجل إذا استغنى، وهو من الغنى الذي هو ضد الفقر، والأول أولى(67).

﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٢﴾: هذه الجملة متضمنة لبيان خسران القوم المكذبين، وهل هناك خسران أشد من أن يخسر الإنسان نفسه، بعذاب في الدنيا والآخرة؟ وإعادة الموصول والصلة كما هي، لزيادة التقرير والإيذان بأن ما ذكر في حيز الصلة هو الذي استوجب العقوبتين(68).

فكل من عادى نبيًّا فهو خاسر في عاجل أمره وآجله؛ لأنه قد عادى الله الذي أرسل أنبياءه لخلقه.

وسائل النجاة من الخسران

بعد الانتهاء من بيان أسباب الخسران بالشرح والتوضيح والبيان، والإشارة إلى نماذج من الخاسرين في القرآن الكريم، كان لابد من وقفة على وسائل النجاة من الخسران التي هي بمثابة الذراع الحامي، والواقي للإنسان من الوقوع في الخسران، وهذه الوسائل هي التي تصل بالإنسان إلى الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.

وسنتناول هذه الوسائل بالشرح والبيان؛ ليتضح للإنسان مدى أهميتها، ويتخذها وقايةً له من الوقوع في الخسران، ولذلك كان المثل المشهور: «درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج»(69).

أولًا: الإيمان والعمل الصالح:

أول وسيلة من وسائل النجاة من الخسران يدور حول تحقيق الإيمان والعمل والصالح، وهذا العنوان يعتبر من أخطر العناوين شأنًا، وأعظمها قدرًا؛ لأنه أصل الأصول في النظام العام لحياة المسلم بكاملها، فالإيمان هو الذي أمرنا الله أن نلتزم به، ونحققه في حياتنا؛ لأنه السبيل إلى فلاحنا يوم القيامة، ونجاتنا من نار جهنم -والعياذ بالله- لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة)(70).

وليتجنب أيضًا المؤمن الخسارة عليه بطاعة الله ورسله، إذ الإيمان بالأنبياء ركن من أركان الإيمان، فإن اختل هذا الركن اختل إيمان الإنسان؛ وذلك لأن الأنبياء هم رحمة الله إلى عباده؛ ليقودوهم إلى رضوان الله والجنة، والنجاة من سخطه والنار.

قال تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨٥﴾ [البقرة: 285].

فهذا حال المؤمنين الصادقين في إيمانهم، والله حصر الإيمان فيمن التزم الدين كله باطنًا وظاهرًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣﴾ [الأنفال: 2-3].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ ١٥ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ١٦ فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٧﴾ [السجدة: 15-17].

والإيمان الكامل هو الإيمان الشامل لكلٍّ من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقضاء خيره وشره، والإيمان بالغيب، والبعث، والحساب، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن وفد عبد القيس... أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأربع ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: (أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس) (71).

وقوله تعالى: ﴿۞ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ١٧٧﴾ [البقرة: 177].

فالإيمان فرائض وشرائع، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان(72).

ومن تحقق الإيمان في قلبه حقًّا فقد نال أجره كاملًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢﴾ [البقرة: 62].

وفاز فوزًا عظيمًا، وكان من المفلحين، ونال ما وعده الله سبحانه به يوم القيامة من نيل رضوان الله ورحمته ودخول جنته، قال تعالى: ﴿لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٥﴾ [الفتح: 5].

وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗاۙ قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥﴾ [البقرة: 25].

ومن الأعمال الصالحة التي لابد أن يقوم بها الإنسان، التزام الأخلاق والسلوكيات الصالحة، والأخلاق قسمان: أخلاق كريمة، وأخلاق ذميمة.

وقد جاءت الشريعة الإسلامية تدعو إلى تزكية النفوس وتطهيرها؛ حتى تكون كريمة الأخلاق، نبيلة السجايا، فلم تدع خلقًا كريمًا إلا رغّبت فيه، كالصدق، والوفاء بالعهد، والجود، والصبر، والتقوى إلى غيرها من الأخلاق الكريمة، ولم تدع خلقًا ذميمًا إلا حذّرت منه، كالكذب والبخل والتجسس والنميمة إلى غيرها من الأخلاق الذميمة، بل إن جميع الأحكام الشرعية تدور مع الأخلاق حيث دارت، فلا ترى حكمًا شرعيًّا يعارض الأخلاق ويصادمها، وحسبك أن الله أثنى على عبده ورسوله محمد بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤﴾ [القلم: 4].

فالنبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا، فهو الأسوة والقدوة لنا جميعًا حيث بلغ بأخلاقه الكريمة منازل عالية.

والأخلاق الكريمة تدعو إليها الفطرة السليمة، فالبشر كانوا ولا يزالون يعدّون الصدق والوفاء بالعهد والجود والشجاعة والصبر أخلاقًا فاضلة، يستحق صاحبها الثناء والتكريم، ولا يزالون يعدون الكذب والغدر والجبن أخلاقًا سيئة، ترفضها العقول السليمة وتذم صاحبها، والشريعة جاءت داعية إلى المعروف من الأخلاق، والسلوكيات الصالحة، وتنهى عن المنكر منها، فدعا الحق عباده إلى المبادرة إلى رحمته وجنته التي أعدها للمتقين من عباده، وأول صفاتهم تحليهم بالأخلاق الفاضلة، من الإنفاق في حال اليسر والعسر، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس في قوله تعالى: ﴿۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤﴾ [آل عمران: 133-134].

وقوله تعالى: ﴿۞ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ١٧٧﴾ [البقرة: 177].

وكذلك رغّب النبي صلى الله عليه وسلم باتباع الأخلاق الحميدة، وحذّر من كل خلق ذميم، فالخير الحقيقي في ميزان الرسول هو الخلق الحسن، فعن النواس بن سمعان الأنصاري رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطّلع عليه الناس)(73).

والخلق سبيل الارتقاء إلى مدارج الكمال، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من خيركم أحسنكم خلقًا)(74)، و أيضًا عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وألطفهم بأهله) (75).

وأحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقربهم منه مجلسًا يوم القيامة أحسن المؤمنين خلقًا، فعن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من أحبكم إليّ، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن من أبغضكم إليّ، وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة: الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله؟ قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون) (76).

والمؤمن هو من يلتزم بأوامر الله تعالى ويتحلى بالأخلاق الحميدة، ويبتعد عن نواهيه، ويتجنب الأخلاق الذميمة (77).

فإن صار على ذلك فقد فاز وأفلح يوم القيامة؛ لأن الله تعالى أخبرنا بذلك في قوله: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١﴾ [المؤمنون: 1].

وقوله: ﴿۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٨٩﴾ [البقرة: 189].

ومن الآيات التي بينت الفوز والفلاح والثواب الذي يناله من يلتزم بالأخلاق الفاضلة، وفي ذلك وقاية له من الخسارة في الدنيا والآخرة: قوله تعالى: ﴿قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١٩﴾ [المائدة: 119].

تبيّن هذه الآية الجزاء الذي يليق بالصدق والصادقين، الذين التزموا بهذا الخلق الحميد، فيقول الله تعالى يوم القيامة عقب جواب عيسى عليه السلام مشيرًا إلى صدقه في ضمن بيان حال الصادقين الذين هو في زمرتهم، ﴿قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ﴾ أي: يوم القيامة ﴿يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ﴾، ومعنى نفع الصدق صاحبه في ذلك اليوم، أن ذلك اليوم هو يوم الحق، فالصادق ينتفع فيه بصدقه؛ لأن الصدق خلق حسن، فلا يكون له في الآخرة إلا الأثر الحسن.

والصادقون: الرسل الناطقون بالصدق الداعون إلى ذلك، والأمم المصدّقون لهم، المعتقدون بهم قولًا وعملًا، لهم نعيم دائم، وثواب خالد، وهو الفوز الكبير، رضي الله عنهم بالطاعة، ورضوا عنه بنيل الكرامة والرضوان، وهو فيض زائد على الجنات لا غاية وراءه، ولذلك قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: نيل الرضوان ﴿ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ أي: النجاة الوافرة، وحقيقة الفوز نيل المراد، وقد عظّم الفوز لعظم شأن المطلوب، الذي تعلق به الفوز، وهو الرضى الذي لا مطلب وراءه أصلًا (78).

ثانيًا: التوبة من المعاصي:

من رحمة الله تعالى بعباده، أن شرع التوبة للعاصي؛ لئلا ييأس من رحمة الله بمجرد المعصية.

قال تعالى: ﴿۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣﴾ [الزمر: 53].

وكيلا يزداد العاصي انحرافًا وطغيانًا، فقد جعل له طريق الرجوع إلى الصواب، وهي مبدأ طريق السالكين، ومفتاح سعادة المريدين.

قال تعالى: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِۖ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ ٢٢٢﴾ [البقرة: 222].

وقال أيضًا: ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣١﴾ [النور: 31].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تعالى: يا ابن آدم: إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم: لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك، يا ابن آدم: إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة)(79).

قال الحسن البصري: التوبة النصوح: هي الندم بالقلب، والاستغفار، والترك بالجوارح، والإضمار أن لا يعود؛

ولهذا أوجب الله تعالى التوبة على عباده، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣١﴾ [النور: 31].

والتوبة تكون بالقلب واللسان والجوارح، فبالقلب يكون التضرع، والتذلل، وباللسان الاعتراف بالظلم والاستغفار، فعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من رجل يذنب ذنبًا، فيتوضأ ويحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين، ويستغفر الله عز وجل، إلا غفر له)(80)(81).

وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلۡمُفۡلِحِينَ ٦٧﴾ [القصص: 67].

وقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣١﴾ [النور: 31].

أمر الله تعالى في هذه الآية المؤمنين والمؤمنات بالتوبة، وهي ترك ما من شأنه أن يغضب الله تعالى، وفعل ما وجب فعله، ومن ذلك غض البصر، وحفظ الفرج، والالتزام بالعفة، والستر، والتنزه عن الإثم صغيره وكبيره، فأعلنوا توبتكم، وارجعوا إلى الله بالطاعات، وامتثال أوامر الله عز وجل لتنالوا رضاه، وتتأهلوا للفلاح، الذي هو الفوز بالنجاة من المرهوب، والظفر بالمحبوب المرغوب -الجنة- والسعادة في الدنيا والآخرة (82).

ثالثًا: التواصي بالحق:

من صفات المؤمن التقي الذي يسعى لنيل رضا الله ورضوانه والفوز بجنته، أنه يحرص كل الحرص على التزام الحق في كل حياته وأمورها، ويحرص على دعوة الآخرين للتواصي بالحق، ومن استجاب فقد انطبق عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ ٣﴾ [العصر: 3].

والله سبحانه تعالى يحق الحق بكلماته رغمًا عن المشركين الكارهين؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧ لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨﴾ [الأنفال: 7-8].

وقوله: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗاۖ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخۡتِمۡ عَلَىٰ قَلۡبِكَۗ وَيَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٢٤﴾ [الشورى: 24].

هذا هو حال الله، ولما لا نكون ممن يتمسك بالحق، ونحرص على نشره وتطبيقه، وأن نتقي الله في ذلك؛ لأن به الفلاح في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢﴾ [آل عمران: 102].

رابعًا: التواصي بالصبر:

الصبر فضيلة من أمهات الفضائل، وهو من أبرز الأخلاق التي عني بها القرآن العظيم، ويعتبر من دلائل صدق الإيمان، ووسيلة ضرورية يستعان بها في هذه الدنيا، وهو الدواء الشافي لنفس المصاب حيث يخفّف حزنها وآلامها، فذلك الصبر ضروري للإنسان لما له من قيمة كبيرة دينية وخلقية، فهو ضرورة لازمة له ليرقى ماديًّا ومعنويًّا، ويسعد فرديًّا واجتماعيًّا، فلا ينتصر دين، ولا تنهض أمة إلا بالصبر، والصبر ضرورة دنيوية كما هو ضرورة دينية، فلا نجاح في الدنيا ولا فلاح في الآخرة إلا بالصبر.

وهو ضرورة لازمة لأهل الإيمان؛ لأنهم أشد الناس تعرضًا للأذى والابتلاء في أموالهم وأنفسهم، وفي كل عزيز لديهم، وكان أولوا العزم من الرسل أشد المرسلين ابتلاءً، فكان صبرهم محل القدوة والأسوة، كما قال تعالى: ﴿فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَ مَا يُوعَدُونَ لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَٰغٞۚ فَهَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٣٥﴾ [الأحقاف: 35].

ولأهميته أمرنا الله به، في قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦﴾ [الأنفال: 46].

وأخبر الله أنه مع الصابرين في صبرهم في قوله تعالى أيضًا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٣﴾ [البقرة: 153].

يعينهم الله على المشاق، وما يواجهونه في حياتهم، ويكافئهم على ذلك كما في قوله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٦﴾ [النحل: 96].

وأنواع الصبر ثلاثة: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على المصيبة(83).

والمؤمن الذي يستجيب لأمر الله فيتحلى بخلق الصبر، ويصبر على ما يصيبه فقد أعد الله له الجزاء العظيم، فأولًا يستحق البشرى.

قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٥﴾ [البقرة: 155].

وقال أيضًا: ﴿وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ ١٢٦﴾ [النحل: 126].

وكذلك يبيّن الله أنه يحب أهل الصبر في قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦﴾ [آل عمران: 146].

ويعدهم الله بمضاعفة الأجر، فقال:﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [القصص: 54].

وبيّن الله أيضًا أن ثوابهم غير محدود، بل هو موكول لفضل الله تعالى الذي لا حدود له ولا قيود.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠﴾ [الزمر: 10].

ولهم الفوز والفلاح يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ بِمَا صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ١١١﴾ [المؤمنون: 111].

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠﴾ [آل عمران: 200].

يحض الله تعالى المؤمنين في هذه الآية على ما يوصلهم إلى الفلاح وهو: الفوز بالسعادة والنجاح، والطريق الموصل إلى ذلك هو: لزوم الصبر، الذي هو حبس النفس عما نكرهه، من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس، فأمرهم الله بالصبر على جميع ذلك، وأمرهم بالمصابرة أيضًا وهي: لزوم المحل الذي يخاف من وصول العدو منه(84).

وقيل: «﴿ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ﴾ بمعنى واحد للتأكيد، وقال الحسن، وقتادة، والضحاك، وابن جريج: اصبروا على طاعة الله في تكاليفه، وصابروا أعداء الله في الجهاد. ورابطوا في الثغور في سبيل الله، وقيل: استعدوا للجهاد»(85)، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٦٠﴾ [الأنفال: 60].

﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: «خافوه فلا تعصوه، واعملوا بما أنزل، ولا تهملوه، وارضوا بما قسم فلا تكفروه، واستعدوا ليوم الرحيل فلا تنسوه، ثم تأتي النتيجة بعد ذلك ﴿لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾، أي: لتفلحوا، وتلك نتيجة أكيدة ويقينية، فمن صبر، وصابر، ورابط، واتقى الله نال السعادة في الدنيا، ودار الكرامة في الآخرة، وسعد برضوان من الله ذلك هو الفوز العظيم»(86).

عقوبة الخاسرين

ذكر القرآن الكريم بعضًا من العقوبات التي تلحق بالخاسرين في الدنيا والآخرة، وبيان ذلك فيما يأتي:

أولًا: عقوبة الخاسرين في الدنيا:

فعقوبة الخاسرين في الدنيا، حرمانهم من أفضل نعمة أنعمها الله علينا ألا وهي نعمة الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمُۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٠﴾ [الأنعام: 20].

يقول الماوردي: «﴿ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ﴾ فيها تأويلان:

أحدهما: أنهم خسروا بالكفر منازلهم وأزواجهم في الجنة؛ لأنه ليس أحد من مؤمن ولا كافر إلا وله منازل وأزواج، فإن أسلموا كانت لهم، وإن كفروا كانت لمن آمن من أهلهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١﴾ [المؤمنون: 11].

والثاني: معناه: غبنوها فأهلكوها بالكفر والتكذيب»(87).

وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩﴾ [المنافقون: 9].

وقوله: ﴿قَالَ نُوحٞ رَّبِّ إِنَّهُمۡ عَصَوۡنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمۡ يَزِدۡهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارٗا ٢١﴾ [نوح: 21].

فتوضّح هذه الآيات أن سبب حرمانهم من الإيمان، انغماسهم في ملذات الدنيا وشهواتها وذلك بالانشغال في جمع الأموال وإكثارها، والانشغال بالأولاد، والسعي وراء الشهرة والمكانة، مع غيرها من الأسباب الأخرى، ألهاهم ذلك كله عن الإيمان بالله وعبادته وذكره، وبالفساد في الأرض بكل أشكاله، فكان سببًا في خسارتهم، وبإضلالهم وعدم هدايتهم، وعدم نيل مغفرة الله ورحمته، وأن يغفل عن شيء مهم، وهو أن الله عز وجل أوجدنا على سطح الأرض في هذه الحياة الدنيا لهدف وغرض، ألا وهو عبادة الله تعالى.

والدين إذا لم يصل بصاحبه إلى هذا الخضوع والانقياد لله تعالى كان رسومًا وتقاليد لا تجدي شيئًا، بل تزيد النفوس فسادًا، والقلوب ظلامًا، ويكون حينئذٍ مصدر الشحناء والعداوة بين الناس في الدنيا، ومصدر الخسران في الآخرة بالحرمان من النعيم المقيم، والعذاب الأليم، وبالتالي يكون جزاء من يقبل بغير الإسلام دينًا أنه في الآخرة من الخاسرين؛ لأنه أضاع ما جبلت عليه الفطرة السليمة من توحيد الله والانقياد له، كما جاء في الحديث الشريف: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء)(88).

فخسر نفسه بضياع رضوان الله، وخسر النعيم المقيم، ورحمة الله، فألقي في الجحيم(89).

اللهم هب لنا الإخلاص، وأنر به بصائرنا، وامنحنا قبولك ورضاك يا أرحم الراحمين.

ومن العقوبات للخاسرين في الدنيا أيضًا حبوط الأعمال وخسارتها، فلو تساءلنا كيف يخسر الإنسان أعماله؟

كما نعلم أن العمل للآخرة ميدانه هذه الحياة الدنيا، ومدّته لكل إنسان عمره، من حين يبلغ الحلم، إلى أن يدركه الأجل، وهو لهذا جاء إليها، وأعطي الفرصة فيها، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ ٢﴾ [الملك: 2].

فكل إنسان يجازى على حسب عمله في الحياة الدنيا، فإن عمل عملًا حسنًا نال الجزاء الحسن، وإن عمل عملًا سيئًا، نال الجزاء السيء على حسب عمله، كما يقال: إن الجزاء من جنس العمل، عن أبي بكرة أن رجلًا قال: (يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: (من طال عمره وحسن عمله). قال: فأي الناس شر؟ قال: (من طال عمره وساء عمله)(90).

والله يراقب أعمال العباد وينظر إليها، قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ ٦١﴾ [يونس: 61].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) (91).

إذن لابد للإنسان من الجد والاجتهاد للإكثار من القيام بالأعمال الصالحة التي يرضى الله عنها، حتى يكون مثواه الجنة.

عن عمران بن حصين قال: قال رجل: يا رسول الله، أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: (نعم). قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: (كلٌّ يعمل لما خلق له، أو: لما ييسّر له)(92).

ولكن قد يخسر الإنسان كل أعماله فتصبح هباءً منثورًا؛ إن حاد عن الطريق المستقيم وأكثر من فعل المعاصي، وارتكاب الآثام.

قال تعالى: ﴿۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا ٢١ يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٢٢ وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣﴾ [الفرقان: 21-23].

وقال تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا ١٠٣ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا ١٠٥﴾ [الكهف: 103-105].

وقال أيضًا: ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٩﴾ [التوبة: 69].

وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۙ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ ٥٣﴾ [المائدة: 53].

في هذه الآية بيان أن أعمال المنافقين باطلة، وكما نعلم بأن البطلان كلمة مرادفة للخسارة، إذن حبوط وبطلان أعمالهم جعلهم يخسرون في الدنيا والآخرة.

ولقد جاء الله بالفتح يومًا، وتكشفت نوايا، وحبطت أعمال، وخسرت فئات، ونحن على وعد من الله قائم بأن يجئ الفتح، كلما استمسكنا بعروة الله وحده، وكلما أخلصنا الولاء لله وحده، وكلما وعينا منهج الله، وأقمنا عليه تصوراتنا وأوضاعنا، وكلما تحركنا في المعركة على هدي الله وتوجيهه، فلم نتخذ لنا وليًّا إلا الله ورسوله والذين آمنوا.

﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ﴾ يعني: المخلصون للمنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، أهؤلاء يعني: المنافقين الذين أقسموا بالله شدة أيمانهم، فإذا حلف الرجل بالله فقد حلف جهد يمينه، إن هؤلاء المنافقين مع المخلصين على دينكم في السر، فكانت النتيجة بطلان حسناتهم في الدنيا، فصاروا مغبونين بالعقوبة(93).

ثانيًا: عقوبة الخاسرين في الآخرة:

إن أخص ما يملكه الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وأقرب شيء إليه، هي نفسه التي بين جنبيه، وأهله المقربون إليه من زوجة وأبناء وأحفاد وأرحام، فإذا خسر نفسه أو أهله فقد خسر أخص شيء وأقربه إليه، وعلى ذلك فإن خسارته سواء أكانت في نفسه أم في أهله، أم في حياته أم في آخرته، فإنها هي المصيبة العظمى والطامة الكبرى، لكن كيف يمكن أن يخسر الإنسان نفسه؟ وكيف يمكن أن يخسر أهله في الأخرة؟ هذا ما ستوضحه الآيات مع تفسيرها:

قال تعالى: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢﴾ [الأنعام: 12].

تتحدث الآية الكريمة عن قدرة الله في الخلق فهو الخالق والمالك والمتصرف به، وعن قدرته على بعث الخلائق، ولكن أبى الظالمون إلا جحودًا، وأنكروا قدرة الله على بعث الخلائق فأوضعوا في معاصيه، وتجرؤوا على الكفر به، فكانت النتيجة أنهم خسروا دنياهم وأخراهم، وحكموا على أنفسهم بالهلاك لمخالفة الفطرة الأولى وستر العقل السليم، فهم بسبب خسارتهم لأنفسهم بإهمال العقل، وإعمال الحواس، والتقيد بالتقليد لا يؤمنون، فصاروا كمن يلقي نفسه من شاهق ليموت لغرض من الأغراض الفاسدة(94).

هذه الآية ذات المد العالي والإيقاع الرهيب، تجيء في أعقاب الحديث عن التكذيب والإعراض والسخرية والاستهزاء، وما ختم به هذا الحديث، وما تخلله من التهديد المخيف، مع توجيه الأنظار والقلوب إلى الاعتبار بمصارع المكذبين المستهزئين، فيأتي بعد هذا التعرض لحقيقة الألوهية، ممثلة في الملك والفاعلية، وفي القدرة والقهر، كل ذلك لا لمجرد التقرير اللاهوتي أو الفلسفي النظري السلبي، ولكن لتقرير مقتضيات هذه الحقائق من توحيد الولاية والتوجه، وتوحيد الاستسلام والعبودية.

فيأتي موقف المواجهة للبيان والتقرير، ثم المفاصلة، ومن ثم يبدأ بتوجيه الرسول لهذه المواجهة مواجهة المشركين، الذين يعرفون أن الله هو الخالق، ولكنهم أغلقوا فطرتهم وعطلوها دون رؤية هذه الحقيقة، فعدلوا به من لا يخلق، فيجعلون له شركاء مع الله في تصريف حياتهم، مواجهتهم بالسؤال عن الملكية بعد الخلق لكل ما في السموات والأرض، وبالتالي لن يخسر في هذا اليوم إلا الذين لم يؤمنوا في الدنيا، وهؤلاء لن يخسروا شيئًا ويكسبوا شيئًا، هؤلاء خسروا كل شيء، فقد خسروا أنفسهم كلها فلم يعودوا يملكون أن يكسبوا شيئًا، ولم تعد لهم نفس تؤمن! وهو تعبير دقيق عن حالة واقعة، إن الذين لا يؤمنون بهذا الدين مع عمق ندائه وإيحائه للفطرة بموحيات الإيمان ودلائله، هؤلاء لابد أن يكونوا قد فقدوا قبل ذلك فطرتهم، وأجهزة الاستقبال، والاستجابة الفطرية في كيانهم معطلة مخربة، فهم في هذه الحالة قد خسروا أنفسهم ذاتها.

وقوله أيضًا: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢١﴾ [هود: 21].

وقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٢٢﴾ [هود: 22].

يقول محمد رضا في تفسيره: «كلمة ﴿لَا جَرَمَ﴾ تفيد التحقيق والتأكيد لما بعدها، قال الفراء: هي في الأصل بمعنى: لابد ولا محالة، ثم كثرت فحوّلت إلى معنى القسم وصارت بمعنى «حقًّا»، ولهذا تجاب باللام نحو: لاجرم لأفعلن كذا، أي: حقًّا أنهم في الآخرة لأشد الناس خسرانًا»(95).

وفي الآية تأكيد وإثبات لما يناله هؤلاء الجاحدون المنكرون في الآية السابقة من العذاب الشديد، والخسران الأكيد، حيث أكد الله تعالى في الآية بأنهم لا محالة يوم القيامة أشد الناس خسرانًا، وأنهم بلغوا في الآخرة أقصى درجات الخسارة؛ لأنهم آثروا الحياة الفانية على الباقية، واشتروا الضلالة، ولذا جاء جمع «الأخسرون» فأفعل التفضيل يدل على أقصى درجات الخسارة، لا خسارة فوقها أو مثلها، بل هي فوق كل خسارة (96).

ومن العقوبات الآخروية أيضًا دخول نار جهنم والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ١٠٣﴾ [المؤمنون: 103].

في هذه الآية يبيّن جزاء المكثرين من الأعمال السيئة، فيقول الله تعالى: ﴿وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ أي: موازين أعماله الحسنة أو أعماله التي لا وزن لها ولا اعتداد بها، وهي أعماله السيئة كذا قيل، وهو مبني على اختلافهم في وزن أعمال الكفرة.

فهؤلاء ضيعوها بتضييع زمان استكمالها، وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها، وبالتالي خسروا أنفسهم بزجّها في نار جهنم، وهم مستقرون خالدون فيها (97).

وقال تعالى: ﴿وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ ٩﴾ [الأعراف: 9].

يقول محمد أبو زهرة: «وخسران نفوسهم في هذا يشير إلى معانٍ ثلاثة، وهي على النحو التالي:

أولها: أنهم هم الذين كانوا بأعمالهم في الدنيا عاملين على خسارتها، فلم تكن الخسارة لاحقة بهم من غيرهم.

ثانيها: أن العذاب خسارة للنفس أي خسارة، وأنهم هم الذين جلبوا لها هذه الخسارة الخالدة.

ثالثها: أنهم كانوا يحسبون في ضلالهم في الدنيا أنهم يكسبون بغطرستهم وكبريائهم واغترارهم بمظاهر القوة، فبيّن الله تعالى أنهم الأخسرون أعمالًا، وذلك عند ميزان الأعمال بميزان الخير والشر، لا بميزان الغرور والاستكبار»(98).

ونختم بقوله تعالى: ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٥٣﴾ [الأعراف: 53].

موضوعات ذات صلة:
الإهلاك، الجنة، السعادة، العذاب، الفلاح، النار

الحواشي

  1. مقاييس اللغة، ابن فارس، 2/182. ↩
  2. انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص 312. ↩
  3. انظر: العذب النمير، 3/85. ↩
  4. انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 231-232. ↩
  5. انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص202-203. ↩
  6. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 356، لسان العرب، ابن منظور 11/ 390، المصباح المنير، الفيومي 2/ 363. ↩
  7. الكليات، الكفوي ص 567. ↩
  8. مقاييس اللغة، ابن فارس، 4 /450. ↩
  9. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 11/350، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 1/182. ↩
  10. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم 3606. ↩
  11. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، رقم 2653. ↩
  12. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، رقم 262. ↩
  13. انظر: جامع البيان، الطبري، 1/660. ↩
  14. انظر: جامع البيان، الطبري، 1/664، أنوار التنزيل، البيضاوي ، 1/393. ↩
  15. انظر جامع البيان، الطبري 1/665، زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة 1/389. ↩
  16. انظر: روح المعاني، الألوسي، 1/587، زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 1/390، المبصر لنور القرآن، نائلة صبري، 1/224. ↩
  17. انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 21/15، المقتطف من عيون التفاسير، المنصوري، 4/188. ↩
  18. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، رقم 534. ↩
  19. انظر: تفسير المراغي، 28/149، الأساس في التفسير، سعيد حوى، 10/5983. ↩
  20. المستقصى في أمثال العرب، الزمخشري، 1/416. ↩
  21. تفسير المراغي، 28/149. ↩
  22. الأساس في التفسير، سعيد حوى، 10/5983. ↩
  23. انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، 2/508، صفوة البيان لمعاني القرآن، لحسنين مخلوف، ص 283، المقتطف من عيون التفاسير، للمنصوري، 2/498. ↩
  24. انظر: تفسير الشعراوي، 6/3518، زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 5/2444. ↩
  25. فتح القدير، الشوكاني، 2/118. ↩
  26. انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 5/2450. ↩
  27. انظر: منهاج المسلم، الجزائري، ص 39. ↩
  28. انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 5/2480، المبصر لنور القرآن، نائلة صبري، 7/96. ↩
  29. الوسيط، الواحدي 2/263. ↩
  30. انظر: المصدر السابق، 2/264، زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 5/2481. ↩
  31. محاسن التأويل، القاسمي، 6/2285. ↩
  32. انظر: نظم الدرر، البقاعي، 2/625، محاسن التأويل، القاسمي، 6/2286. ↩
  33. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الديات، باب ما جاء في تشديد قتل المؤمن، رقم 1395.
    وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم 5077. ↩
  34. تفسير المنار 8/130-131 بتصرف. ↩
  35. انظر: الدرر المنثور، السيوطي 3/366. ↩
  36. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 8/243. ↩
  37. انظر: جامع البيان، 1/222. ↩
  38. انظر: جامع البيان، الطبري، 1/222. ↩
  39. مفاتيح الغيب، 30/18. ↩
  40. مجموع فتاوى ابن تيمية 32/235. ↩
  41. انظر: المبصر لنور القرآن، نائلة صبري، 28/238. ↩
  42. انظر: الصد عن سبيل الله في ضوء القرآن الكريم، عبد السلام اللوح، وزكريا الزميلي، مجلة الجامعة الإسلامية، غزة، ص 33. ↩
  43. انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، 2/532، التحرير والتنوير، ابن عاشور، 12/34. ↩
  44. انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، 2/534، التحرير والتنوير، ابن عاشور، 12/38، المقتطف من عيون التفاسير، المنصوري، 2/518. ↩
  45. انظر: تفسير المنا، محمد رشيد رضا، 5/430. ↩
  46. أخرجه النسائي في سننه، كتاب الإمامة، باب التشديد في ترك الجماعة، رقم 847.
    وحسنه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح، رقم 1067. ↩
  47. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 4/149. ↩
  48. التحرير والتنوير، ابن عاشور، 4/121. ↩
  49. انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 3/1444. ↩
  50. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 30/18، المبصر لنور القرآن، نائلة صبري، 9/237. ↩
  51. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، رقم 211. ↩
  52. جامع البيان، 1/242. ↩
  53. انظر: المصدر السابق 1/222. ↩
  54. المقتطف من عيون التفاسير، المنصوري، 1/60. ↩
  55. انظر: جامع البيان، الطبري، 5/145. ↩
  56. انظر: روح المعاني، الألوسي، 5/126، أضواء البيان، الشنقيطي، 2/261. ↩
  57. انظر: نظم الدرر، البقاعي، 3/75، فتح القدير، الشوكاني، 2/261. ↩
  58. زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 6/2910. ↩
  59. انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 6/2911، المبصر لنور القرآن، نائلة صبري، 9/10. ↩
  60. انظر: روح المعاني، الألوسي، 13/135، المبصر لنور القرآن، نائلة صبري، 24/147. ↩
  61. النكت والعيون، 2/30، بتصرف. ↩
  62. انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 2/317، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 2/461. ↩
  63. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي4/80. ↩
  64. انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 4/682، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 469، زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 9/4892. ↩
  65. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6/524. ↩
  66. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/402. ↩
  67. انظر: الدر المنثور، السيوطي ، 3 /504، فتح البيان، القنوجي 4/413. ↩
  68. انظر: في رحاب التفسير، كشك، 9/363. ↩
  69. قالوا في المثل، موسوعة في الأمثال والحكم السائرة نثرًا وشعرًا، عيسى عطا الله، 1/155. ↩
  70. أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، رقم 3092.
    قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». ↩
  71. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان، رقم 53. ↩
  72. انظر: معارج القبول، حافظ حكمي 2/597. ↩
  73. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والأدب، باب تفسير البر والإثم، رقم 6516. ↩
  74. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب لم يكن النبي فاحشًا ولا متفحشًا، رقم 6029. ↩
  75. أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الإيمان، باب في استكمال الإيمان والزيادة والنقصان، رقم 2612.
    قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». ↩
  76. أخرجه الترمذي في صحيحه، كتاب البر والصلة عن رسول الله، باب ما جاء في معاني الأخلاق، رقم 2018.
    قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب».
    وصححه الألباني في صحيح الترمذي، رقم 1642. ↩
  77. انظر: نحو ثقافة إسلامية أصيلة، عمر الأشقر، ص 250. ↩
  78. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 7/118. ↩
  79. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات، رقم 3540.
    قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب».
    وصححه الألباني في صحيح الترمذي، رقم 3540. ↩
  80. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة عند التوبة، رقم 406، وابن ماجه في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في أن الصلاة كفارة، رقم 1395.
    وحسنه الترمذي. ↩
  81. انظر: الأربعين في أصول الدين، الغزالي، ص143، قطوف دانية من الكتاب والسنة، محمود القيسية، ص181. ↩
  82. انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، 3/567، المبصر لنور القرآن، لنائلة صبري، 18/131. ↩
  83. انظر: الأخلاق في الإسلام، كايد فرعوس وخالد القضاة وغيرهم، ص 123. ↩
  84. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص129. ↩
  85. البحر المحيط، أبو حيان، 3/485. ↩
  86. في رحاب التفسير، كشك، 1/763. ↩
  87. النكت والعيون، 2/100. ↩
  88. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، رقم 1385. ↩
  89. انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 2/85، تفسير المراغي، 1/204، زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 3/1302. ↩
  90. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد، باب أي الناس خير وأيهم شر، رقم 233.
    قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ↩
  91. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والأدب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، رقم 6543. ↩
  92. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب القدر، باب جف القلم على علم الله، رقم 6596. ↩
  93. انظر: الواضح في تفسير القرآن الكريم، ابن وهب الدينوري، 1/201، أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري، 1/519. ↩
  94. انظر: نظم الدرر، البقاعي 2/595، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 214. ↩
  95. تفسير المنار، 12/57. ↩
  96. انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة، 7/3694، المبصر لنور القرآن، نائلة صبري، 12/22 ↩
  97. انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 5/83، روح المعاني، الألوسي، 17/99. ↩
  98. زهرة التفاسير، 5 / 2789. ↩
البحث السابقالخبيث