تنزيل PDF

الحكم

المجلد السابع السياسة حرف ح ٩٩ قراءة · ٢٩٢ تنزيلاً

مفهوم الحكم

أولًا: المعنى اللغوي:

مشتق من حكم يحكم حكمًا، حكم مفرد وجمعها أحكام، والحكم هو المنع، يقال: حكمت الرجل أي: منعته، وسمي الحاكم بهذا الاسم؛ لأنه يمنع الظالم من الظلم، والحكم هو القضاء والفصل بين المتخاصمين بالعدل، وسميت الحكمة بهذا الاسم؛ لأنها تبنى على العلم الذي يمنع من الوقوع في الجهل(1).

ثانيًا: الحكم اصطلاحًا:

قال أحمد المراغي: «الحكم هو العلم بالخير والعمل به»(2).

قال القشيري: «هو إحكام الفعل على وجه الأمر»(3).

قال الجرجاني: «إسناد أمر إلى آخر إيجابًا أو سلبًا»(4).

وقيل: «هو القضاء بالشيء بأنّه كذا أو ليس بكذا، سواء ألزمت ذلك غيرك أو لم تلزمه»(5).

وبالنظر في التعريفات السابقة يمكن تعريف الحكم بأنه: هو العلم بالخبر والعمل به على وجه الإلزام والأمر.

فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي؛ إذ كل منهما ينبني عن العلم والإلزام.

الحكم في الاستعمال القرآني

ورد ذكر (الحكم) في القرآن الكريم (86) مرة(6).

والصيغ التي جاءت هي:

الصيغةعدد المراتالمثال
الفعل الماضي4﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُلّٞ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ حَكَمَ بَيۡنَ ٱلۡعِبَادِ ٤٨﴾ [غافر: 48]
الفعل المضارع39﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ ١﴾ [المائدة: 1]
فعل الأمر7﴿قَٰلَ رَبِّ ٱحۡكُم بِٱلۡحَقِّۗ وَرَبُّنَا ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١١٢﴾ [الأنبياء: 112]
المصدر30﴿وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٣﴾ [المائدة: 43]
اسم التفضيل2﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَحۡكَمِ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨﴾ [التين: 8]
اسم الفاعل5﴿وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَٱصۡبِرۡ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ١٠٩﴾ [يونس: 109]
الاسم4﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ﴾ [النساء: 35]

وجاء (الحكم) في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: القضاء(7).

الألفاظ ذات الصلة

القضاء:

القضاء لغةً:

من قضى يقضي قضاءً، وهو الحكم والأمر، يقال: قضى بين الخصمين أي: حكم بينهما، وأمر بالحق لصاحبه(8).

القضاء اصطلاحًا:

«هو تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات»(9).

الفرق بين الحكم والقضاء:

القضاء يقتضي فصل الأمر على التمام، أما الحكم فيقتضي المنع من الخصومة(10).

الفصل:

الفصل لغة:

الفصل أي: القطع، يقال: قطعه فانقطع أي: فصل بين أجزائه، والفصل مفرد وجمعها فصول، والفاصل هو الحاجز بين الشيئين، والفصل في القضاء هو التفريق بين الحق والباطل(11).

الفصل اصطلاحًا:

هو التمييز بين المحق والمبطل بعلامة يعرف بواسطتها كل واحد منهما(12).

الصلة بين الحكم و الفصل:

الحكم يقتضي المنع من الخصومة، أما الفصل فيقتضي التمييز بين أجزاء الشيء الواحد للتفريق بينهما.

الشهادة:

الشهادة لغةً:

الشهادة من شهد يشهد شهادة، وهي الإخبار، والشهادة مصدر، وهي مفرد وجمعها شهادات، والشاهد هو معطي الخبر(13).

الشهادة اصطلاحًا:

قال الجرجاني: «هي إخبار عن عيان بلفظ الشهادة في مجلس القاضي بحق للغير على آخر»(14).

الصلة بين الحكم و الشهادة:

الحكم هو إلزام المتخاصمين بالحق لمنع استمرار الخصومة بينهما، أما الشهادة فهي إفادة الحاكم بالأخبار التي تظهر له الحق، ومن ثمّ فإن الشهادة هي البينة التي يستند إليها الحاكم لمنع الخصومات.

الحيف:

الحيف لغةً:

من حاف يحيف حيفًا، وهو الميل والجور(15).

الحيف اصطلاحًا:

هو الميل عن الحقّ في الحكم(16).

الصلة بين الحكم والحيف:

الحكم الأصل فيه العدل وإعطاء الحق إلى صاحبه، أما الحيف فيه ظلم وجور.

أنواع الحكم

إن الحكم في دين الله نوعان رئيسان، وهي الحكم الشرعي والحكم القدري، وهما كما يأتي:

أولًا: الحكم الشرعي:

1. تعريف الحكم الشرعي.

«هو ما دل عليه خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين من طلب فعل، أو ترك، أو تخيير، أو وضع»(17).

2. أنواع الحكم الشرعي.

الحكم الشرعي نوعان: تكليفي، ووضعي.

  • الحكم التكليفي: «هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على جهة الطلب أو التخيير»(18).
  • الحكم الوضعي: «هو خطاب الله المتعلق بجعل الشيء سببًا للشيء، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، أو صحيحًا، أو فاسدًا»(19).

3. أقسام الحكم التكليفي.

  • الإيجاب:

الإيجاب لغة: الإلزام(20).

الإيجاب اصطلاحًا: هو خطاب الله تعالى المتعلق بطلب الفعل على سبيل اللزوم والحتمية؛ بحيث يثاب الفاعل ويعاقب التارك(21).

مثاله: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ [البقرة: 43].

ويفهم من هذا النص القرآني أنّ مقيم الصلاة مثاب، وتاركها آثم، وكذلك الأمر بالنسبة لكلٍّ من الزكاة، والركوع في الصلاة، لاسيما أنّ كلًّا من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من أركان الإسلام.

  • الندب:

الندب لغة: الحث والدعاء(22).

الندب اصطلاحًا: هو خطاب الله تعالى المتعلق بطلب الفعل على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الحتمية(23).

مثاله: قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [البقرة: ٢٨٢].

فأمر الله تعالى هنا للندب، فإن كتب الدين فهذا حسن، وإن لم يكتب فلا إثم(24).

  • الإباحة:

الإباحة لغة: الإطلاق والتحليل(25).

الإباحة اصطلاحًا: هو الخطاب الذي خيّر الشارع فيه المكلف بين الفعل والترك، دون ترتّب ثواب أو عقاب(26).

مثاله: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ﴾ [المائدة: 2].

والأمر بالصيد هنا يفيد الإباحة بعد التحريم؛ لزوال السبب الذي حرّم الصيد من أجله، وهو الإحرام(27).

  • التحريم:

التحريم لغة: المنع(28).

التحريم اصطلاحًا: هو خطاب الله تعالى المتعلق بطلب الترك على سبيل اللزوم والحتمية، بحيث يثاب التارك، ويعاقب الفاعل(29).

مثاله: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۖ﴾ [الأنعام: 152].

فهذه الآية تفيد حرمة التعدي على مال اليتيم بأي صورة من صور التعدي(30).

  • الكراهة:

الكراهة لغة: القبح والبغض(31).

الكراهة اصطلاحًا: هو خطاب الله تعالى المتعلق بطلب الترك على سبيل التنفير، لا على سبيل الحتمية(32).

مثاله: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)(33).

وفي رواية أخرى: عن أبي قتادة صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: دخلت المسجد ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالسٌ بين ظهراني النّاس، قال: فجلست، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟) قال: فقلت: يا رسول الله رأيتك جالسًا والنّاس جلوسٌ، قال: (فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتّى يركع ركعتين)(34).

4. أقسام الحكم الوضعي.

  • السببية.

السببية لغة: العلاقة التي تكون بين السبب والمسبب(35).

السببية اصطلاحًا: هو ما جعله الشارع علامة على مسبّبه، بحيث يلزم من وجود السبب وجود المسبب، ومن عدم وجود السبب عدم وجود المسبب(36).

مثاله: جعل الدلوك سببًا لإيجاب الصلاة، قال تعالى: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا﴾ [الإسراء: ٧٨].

  • الشرطية.

الشرطية لغة: من الشرط، وهي إلزام الشيء والتزامه(37).

الشرطية اصطلاحًا: هي ما اعتبره الشرع شرطًا بحيث يتوقف وجود الحكم على وجود الشرط، ويلزم من عدم وجود الشرط عدم وجود الحكم(38).

مثاله: جعل الطهارة شرطًا لصحة الصلاة.

  • المانعية.

المانعية لغة: من منع يمنع منعًا، والمنع هو تحجير الشيء، وهو ضد الإعطاء(39).

المانعية اصطلاحًا: هي ما اعتبره الشرع وصف يلزم من وجوده عدم وجود متعلقه، ولا يلزم من عدم وجوده وجود متعلقه أو عدمه(40).

مثاله: جعل النفاس مانعًا من صحة الصلاة والصيام.

  • كون الشيء صحيحًا أو فاسدًا.

وذلك من وجهة نظر الشرع، فالصلاة مثلًا إذا أقيمت بكامل أركانها وشروطها فهي صحيحة، وإذا لم تستو أركانها وشروطها فهي فاسدة(41).

ثانيًا: الحكم القدري:

القدر لغةً: بفتح الدال وسكونها هو القضاء والحكم والمبلغ(42).

القدر اصطلاحًا: هو علم الله السابق بالأشياء قبل وقوعها وكتابته لها في اللوح المحفوظ، ثم خلقه لها(43).

أحكام القدر كلها خاضعة لما أوجده وقدّره وكوّنه الله تعالى، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ومن ثمّ فلا يصدر شيء من العباد إلا بقدر الله تعالى.

ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ ١ مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ ٢ سَيَصۡلَىٰ نَارٗا ذَاتَ لَهَبٖ ٣ وَٱمۡرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلۡحَطَبِ ٤ فِي جِيدِهَا حَبۡلٞ مِّن مَّسَدِۭ﴾ [المسد: 1-5].

فأبو لهب وزوجه وإن لم يلتزما شريعة الله تعالى، فهما خاضعان لحكم القدر فيهما، والذي يتضمن بقاءهما على الكفر والشرك حتى يموتا، ومن ثمّ يكون مصيرهما النار(44).

الحكم لله في الدنيا والآخرة

إن حكم الله حق ثابت في الدنيا، كما هو حق ثابت في الآخرة.

قال تعالى: ﴿مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۚ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠].

ونظرًا لأهمية هذا الأمر كان من الضروري بيانه كما يأتي:

أولًا: حكم الله تعالى في الدنيا:

نوّر الله تعالى الدنيا بأحكامه التي هدى بها عباده إلى الحق المبين (45).

قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۗ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [النور: 35].

وتسمى أحكام الله تعالى التي سنّها للعباد في الدنيا (الشريعة الإسلامية)، وتتميز الشريعة الإسلامية بعدة ميزات جعلت منها أحسن الشرائع على الإطلاق، ومن هذه الميزات:

  • الربانية:

وتعني أن أحكام الشريعة الإسلامية التي تنظم شئون العباد في الدنيا صادرة عن الله تعالى، ويترتب على هذه الميزة أمران، هما:

الأول: خلوها من النقص والجور والهوى.

الثاني: أنها ذات قداسة في النفوس، ولا أدل على ذلك من فعل المسلمين حينما نزلت آية التحريم للخمر، فامتلأت شوارع المدينة بالخمر(46).

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].

  • الشمول:

حيث شملت أحكام الدين كافة مناحي الحياة المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك (47).

  • الواقعية:

وتتجلى في كون أحكام الشريعة تتعامل مع واقع المكلفين عند التشريع، ومثال ذلك: إباحة تناول المحرمات عند الضرورة.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 173].

  • الوسطية:

ويراد بها الاعتدال في التشريع، ومثال ذلك: أن الله تعالى أباح لعباده الإنفاق شريطة عدم البخل والتبذير(48).

قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا﴾ [الفرقان: 67].

  • الثبات:

وتشتمل الشريعة الإسلامية على صنفين من الأحكام هما: أحكام تفصيلية لا تقبل التغيير والتبديل كأحكام العبادات، وأحكام عامة كالشورى والعدل، وهذه مع ثباتها إلا أن آلية تطبيقها تختلف باختلاف العصور(49).

  • التوازن:

ويقصد به أن أحكام الشريعة الإسلامية وازنت بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، فأباحت الشريعة الإسلامية للفرد حرية التملك حرصًا على مصلحته، وحرّمت عليه إيذاء الآخرين بما يملك حرصًا على مصلحة الجماعة، كما وازنت بين متطلبات الجسد ومتطلبات الروح، فشرّعت تناول الطيبات مراعاة لمتطلبات الجسد، وشرّعت الصوم مراعاة لمتطلبات الروح(50).

  • العموم:

ويعني بذلك أن أحكام الشريعة الإسلامية جاءت للناس كافة رحمة للعالمين(51).

قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [سبأ: 28].

  • الجزاء الدنيوي والأخروي:

وقد انفرد التشريع الإسلامي بالجزاء الأخروي الذي يعزز دور الوازع الديني في نفوس العباد، فيستشعرون مراقبة الله تعالى لهم، وهذا أدعى لاستجابتهم لأحكام الشريعة الإلهية(52).

قال تعالى: ﴿يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠﴾ [آل عمرآن: 30].

كما أن الشريعة الإسلامية قد وضعت العقوبات المناسبة في الدنيا لمن ارتكب الجرائم، سواءً أكانت هذه العقوبات حدودًا أو قصاصًا أو تعزيرًا(53).

ثانيًا: تحريم التحاكم إلى غير شرع الله:

رعاية من الله تعالى لمصالح عباده في الدنيا حرّم عليهم التحاكم إلى غير شرعه، وتفصيل هذا التحريم كما يأتي:

قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44].

إذا اعتقد من يحكم بغير ما أنزل الله تعالى أن أحكامه الوضعية أفضل من أحكام الشريعة الإسلامية، أو حكم بغير ما أنزل الله تعالى جحودًا فهو كافر(54).

قال تعالى: ﴿وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [المائدة: 45].

وذلك لمن ترك الحكم بشريعة الله تعالى اتباعًا للهوى دون جحود لما أنزل الله تعالى من الأحكام(55).

قال تعالى: ﴿وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 47].

وذلك لمن حكم بغير ما أنزل الله تعالى وهو عالم بحرمة ذلك دون جحود لأحكام الشريعة(56).

ثالثًا: حكم الله تعالى في الآخرة:

سمّى الله تعالى اليوم الآخر بعدة أسماء، ولكل اسم من تلك الأسماء مدلوله الخاص، ومن هذه الأسماء: يوم الدين، ويوم الحساب، ودلالة هذين الاسمين هي أن الله تعالى سيجمع الخلق يوم القيامة لمحاسبتهم فيكافئ المحسن ويعاقب المسيء.

وقد جاءت آيات الكتاب العزيز على ذكر محاسبة الله تعالى لعباده في الآخرة، ومن تلك الآيات:

قال تعالى: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٧ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: 7-8].

وذلك يعني أن العمل مهما كان قليلًا فله اعتبار عند الله تعالى ويحاسب عليه(57).

قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ ٧ فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا ٨ وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا ٩ وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ ١٠ فَسَوۡفَ يَدۡعُواْ ثُبُورٗا ١١ وَيَصۡلَىٰ سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: 7-12].

ودلالة ذلك أن الله تعالى سيحكم على المحسن بالنعيم وعلى الفاجر بالجحيم(58).

قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۗ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ [آل عمرآن: 199].

وذلك يعني: أن الله تعالى عالم بكافة أعمال عباده، لا يخفى عليه منها شيء، ومن ثمّ فهو سبحانه سريع في محاسبتهم(59).

قال تعالى: ﴿وَإِذۡ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا نَصِيبٗا مِّنَ ٱلنَّارِ﴾ [غافر: 47].

ودلالة ذلك أنه لا مجال لمراجعة الله تعالى في أحكامه النهائية التي سيصدرها في الآخرة(60).الحكم بين الناس في الدنيا

إن الحكم بين الناس في الدنيا هو ما بين حكم بشريعة الله تعالى، وحكم بالجاهلية التي لا يرضاها الله، والآيات في كلا النوعين ظاهرة في كتاب الله تعالى، وهي ما بين أمر ونهي، وبيان ذلك فيما يلي:

رابعًا: الحكم بالشريعة:

خلق الله تعالى الإنسان وأسند إليه مهمة الخلافة في الأرض التي تقتضي الحكم بشرع الله، قال تعالى: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ﴾ [ص: 26].

وقد أعان الله تعالى عباده على أداء هذه المهمة العظيمة من خلال عوامل أهمها:

  • العقل:

وبه يكون التعلم والفهم، وتمييز الحق من الباطل، والغث من السمين، ولعل الهدف من ابتداء الوحي بالأمر بالقراءة هو توجيه العباد إلى توظيف قدراتهم العقلية للتعلم الذي يكون معه التمكين في الأرض، وتحكيم الشريعة الإلهية.

قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾ [الأحزاب: ٧٢].

والأمانة هنا تعني: المحافظة على شعائر الدين وتشريعاته(61)، والمحافظة على الأمور من مهام العقل كما هو معلوم، يؤيد ذلك ما ذهب إليه غير واحدٍ من المفسّرين بأنّ معنى الأمانة في هذه الآية هو العقل(62).

  • القوة:

وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالسعي لامتلاك القوة قدر المستطاع؛ لإعلاء كلمة الله بتحكيم شرعه في أرضه التي بسط المؤمنون سيطرتهم عليها.

قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠].

  • المنهاج:

ويتمثل في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.

قال تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾[المائدة: 48].

وأما الحكمة من وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية فتكمن في قوله تعالى: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].

يعني: لا حكم أحسن من حكم الله إن كنتم موقنين أنّ لكم إلهًا عدلًا في أحكامه(63).

وبذلك تكون الحكمة من وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية هي أنّها شريعة الخالق جلّ وعلا للمخلوق، ومن هو الذي يعلم ما يصلح للمخلوق أكثر من خالقه؟! وبما أنّ الخالق هو الله تعالى، فهل من يصدر أحكامًا خيرًا من التي أصدرها للخلق؟!

وقد وضع الحق جل وعلا للحكم بما أنزل ضوابط، أهمها:

  • الواجب على العباد أن يوظّفوا هذه العوامل للحكم بما أنزل الله تعالى، والتقصير في ذلك يعد استنكافًا عن أداء الأمانة التي أسندها الله تعالى لعباده، قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ [النساء: 105].
  • حذّر الله تعالى الحكام من العدول عن الحق واتباع الهوى، فقال سبحانه: ﴿وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 49].
  • والمعنى: وأن الله تعالى نهى محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يتّبع أهواء اليهود وحذّره من أن يتّبع بعض آرائهم فيترك بعض ما أنزل عليه، ولا يعمل به، ويعمل بما اقترحوه عليه، وأعلمه أن اليهود إن أعرضوا عن قبول حكمه وهو الحكم الحق العادل فإنما يريد الله تعالى أن ينزل بهم عقوبة؛ نتيجة ما اقترفوا من الذنوب، وما ارتكبوا من الخطايا، ومن ثمّ ندّد بأعدائه حيث أخبر أن أكثرهم فاسقون، أي: عصاة خارجون عن طاعة الله تعالى ورسله(64).
  • اقتضى العدل الإلهي أن تسري أحكام الشريعة الإسلامية على الناس كافة، فالحاكم والمحكوم أمام أحكام الشرع سواء، وكذا الشريف والوضيع، فلا أحد يعلو فوق الحكم الإلهي في النظام الإسلامي، وقد أرسى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم لذلك بقوله (إنّما أهلك الّذين قبلكم، أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضّعيف أقاموا عليه الحدّ، وايم اللّه لو أنّ فاطمة بنت محمّدٍ سرقت لقطعت يدها)(65).

وقد ربط الله تعالى بين تحقق الإيمان في نفس العبد وبين التسليم لأمر الله تعالى وحكمه، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء: 65].

والمعنى: ليس الأمر كما يزعم الناس بأنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدّون عن حكمك يا محمد، فلا يصح إيمانهم حتى يجعلوك حكمًا بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه واختلفوا بسببه، ثم لا تحرج أنفسهم مما قضيت، ويسلّموا أمرهم إليك أتم التسليم(66).

خامسًا: الحكم الجاهلي:

على الرغم من أنه لا أحد من العقلاء والمنصفين ينكر تفوق أحكام الشريعة الإسلامية على ما عداها من الأحكام الوضعية الأخرى، إلا أن فساد قلوب الكثيرين من أتباع الهوى يرغبون في تحكيم شريعة غير الله لضمان عدم المساس بأشخاصهم مهما عاثوا في الأرض فسادًا وخرابًا.

لذا نجد أن الله تعالى أنكر على مريدي الحكم بغير ما أنزل الله بقوله: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾[المائدة: 50].

والمراد: أيبغي هؤلاء اليهود الذين احتكموا إليك يا محمد، فلم يرضوا بحكمك، إذ حكمت فيهم بالقسط حكم عبدة الأوثان من أهل الشرك، وعندهم كتاب الله فيه بيان حقيقة الحكم الذي حكمت به فيهم، وأنه الحق الذي لا يجوز خلافه، ثم وبّخ الله تعالى هؤلاء الذين أبوا قبول حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم من اليهود، ومستجهلًا فعلهم ذلك منهم بالاستفهام الإنكاري: ومن هذا الذي هو أحسن حكمًا، أيها اليهود، من الله تعالى عند من كان يوقن بوحدانية الله، ويقرّ بربوبيته؟(67).

ومن الأمثلة على الأحكام الجاهلية التي تجاهلت مصالح العباد مراعاة لمصالح الطغاة والمفسدين في الأرض:

  • وأد البنات.

قال تعالى: ﴿يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ﴾ [النحل: 59].

والمعنى: إذا وهب الله تعالى أحدًا من أهل الجاهلية بنتًا فإنه يستخفي من قومه لسوء ما بشّر به، ومن أجل ما يلحقهم من العار فإما يمسك ما بشّر به على هون وذل أم يئده، حيث يجعلون الولد الذي هذا محله عندهم لله، ويجعلون لأنفسهم من هو على عكس هذا الوصف(68).

  • تقسيم الأنعام قسمة جائرة.

قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ﴾ [الأنعام: 139].

والمعنى: أنهم كانوا يجعلون ما في بطون بعض الأنعام من الحمل لذكورهم، ويحرمون منه إناثهم، إلا إذا نزل الحمل ميتًا فعندئذ يشترك فيه الذكور والإناث! ثم توعدهم الله تعالى لنسبتهم هذه الشريعة المضحكة إليه جل وعلا.

  • تأخير الشهر الحرام.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [التوبة: 37].

والمعنى: إن تأخير حرمة شهرٍ حرّمه الله إلى شهرٍ آخر لم يحرّمه زيادة في الكفر حيث إنه إحلال ما حرّم الله وتحرّيم ما أحلّ الله، والله تعالى بذلك التأخير يضل الذين كفروا حيث إنهم إذا قاتلوا في أحد الأشهر الحرم أحلّوه وحرّموا مكانه شهرًا آخر، وإذا لم يقاتلوا في الشهر المحرم حرّموه؛ ليوافقوا عدّة ما حرم الله من الأشهر، وهو أنّهم لم يحلّوا شهرًا من الحرم إلاّ حرّموا مكانه شهرًا من الحلال، ولم يحرّموا شهرًا من الحلال إلاّ أحلّوا مكانه شهرًا من الحرم ليكون الحرم في العدد أربعة، كما حرّم الله فتكون موافقة للعدد، وقد زيّن لهم الشّيطان ذلك العمل الفاسد، والله سبحانه لا يرشد الكافر لما سبق له في الأزل أنه من أهل الجحيم(69).

هذه طائفة من أحكام الجاهلية التي لا تدع مجالًا لعاقل إلا أن يفر منها فراره مما يفزعه؛ وذلك لما اشتملت عليه من ترهات وخرافات تجعل من الحياة كابوسًا لا يطاق.

موانع الحكم بالعدل

إن للحكم بالعدل موانع ومعوقات وصوارف، تحاول الحيلولة من كون حكم الله واقعًا في حياة البشرية، وبيان هذه الموانع فيما يأتي:

أولًا: الكفر والنفاق:

1. الكفر:

الكفر لغةً: من كفر يكفر كفرًا فهو كافر، والكفر هو الستر والجحود، وضده الإيمان(70).

الكفر شرعًا: يعني إنكار الخالق جل وعلا وجحود شريعته(71).

علاقة الكفر بالحكم العادل:

يشكّل الكفر بالله تعالى حجر عثرة أمام تحكيم الشريعة الإسلامية العادلة، ويرجع ذلك إلى عدم تسليم الكافر بالحاكمية لله تعالى وحده، وجحوده للشريعة الإسلامية.

وقد عد القرآن الكريم عدم تحكيم الشريعة الإسلامية جحودًا لها كفرًا أكبر، يخرج صاحبه بموجبه من الملة.

قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44].

والمعنى: أن الذي يحكم بغير حكم الله مستهينًا به جاحدًا له، وقد بلغ به الاستنكار لشريعة الله درجة التهكم عليه يعدّ كافرًا خارجًا من ملة الإسلام؛ لأن ذلك جحود وإنكار أو استهزاء بآيات الله مع العلم أنها من عند الله تعالى، واستنكار مؤداها، ومن جحد أحكام القرآن فقد كفر كفرًا أكبر(72).

كما عدّ القرآن الكريم عدم تحكيم الشريعة الإسلامية من غير جحود لها ظلمًا أو فسقًا.

قال تعالى: ﴿وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [المائدة: 45].

وقال تعالى: ﴿وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 47].

والمعنى: أن الذين لا يجدون في أحكام الشريعة الإسلامية التي لا تأمر إلا بالعدل والحق ما يتفق مع ظلمهم، ويدعم بغيهم، فيحكمون بغير شريعة الله تعالى فهم ظالمون، وأما الذين لا تقع أيديهم في شريعة الله على أي سند يبيح لهم الفجور والفسوق، والاستهتار والعقوق والشذوذ فهم فاسقون(73).

يقول الشيخ محمد الناصري عن الأصناف الثلاثة سابقة الذكر: «فهؤلاء الأصناف الثلاثة هم خصوم شريعة الله، وعليهم ألقى كتاب الله أضواءه الكشافة حتى تسفل كلمتهم في الأرض، ولا تعلو فيها إلا كلمة الله»(74).

2. النفاق:

النفاق لغةً: النفق سرب في الأرض، مشتق إلى موضع آخر، والنفقة والنافقاء، جحر الضبّ واليربوع، ونفق (بالفتح) وأنفق: خرج. ونفق: أخفى، ومنه اشتقاق المنافق في الدين(75).

والنفاق نوعان:

الأول: سلوكي، وهو المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: (أربعٌ من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلةٌ منهنّ كانت فيه خصلةٌ من النّفاق حتّى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)(76).

الثاني: عقائدي، وهو الموضّح في تعريف النفاق شرعًا.

النفاق شرعًا: إظهار الإيمان وإبطان الكفر، ومخالفة القول الفعل، والسر العلن، والظاهر الباطن(77).

علاقة النفاق بالحكم العدل:

تعدّ ظاهرة النفاق من أكبر ما يعيق الحكم بالشريعة العادلة؛ وذلك أن المنافق يظهر ولاءه للعدل ورغبته فيه، وفي باطنه يخفي حقده على العدل وأهله، فالعدل لا يحقق له طمعه في الحصول على ما لا يحق له، يؤيد ذلك:

قوله تعالى حكاية عن المنافقين: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧ وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ٤٨ وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ ٤٩ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٥٠﴾ [النور: 47-50].

والمعنى: يَقُولُ المنافقون بألسنتهم: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِه وَأَطَعْنا حكمهما من غير اعتقاد منهم بذلك، ثُمَّ تُعرِضُ جماعةٌ مِنْهُمْ عن طاعة الله ورسوله بالتزام حكمهما مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الادعاء بالألسنة، ويطلبون حكم غيرهما، وهؤلاء ليسوا بِالْمُؤْمِنِينَ، وإذا علموا مسبقًا أن الْحَقُّ لهم يُذْعِنوا وينقادوا لحكم الله ورسوله، ومشكلة هؤلاء أن في قُلُوبِهِمْ مَرَضَ الكفر والنفاق والريبة من حكم الله تعالى ورسوله، وبالتالي فقد ظلموا أنفسهم لإعراضهم عن حكم الله تعالى ورسوله، سواءً أكان الحكم لهم أو عليهم(78).

وقال تعالى حكاية عن المنافقين أيضًا: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا﴾ [النساء: 60].

والمعنى: يخاطب الله تعالى نبيه محمدًا، موجهًا الأمر إليه للنظر في حال الذين يزعمون أنهم صدّقوا بما أُنزل إليك من القرآن، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من الكتب، ويريدون أن يتحاكموا في خصوماتهم إلى الطواغيت التي يعظمونها، ويرضون بحكمها من دون حكم الله ورسوله، على الرغم من أنهم أمروا أن يكفروا بها، ويؤمنوا بالله وحده، ويريد الشيطان أن يصدَّ هؤلاء المتحاكمين إلى طواغيتهم عن سبيل الحق والرشاد الذي يكون في الرضا بحكم الله تعالى ورسوله(79).

ونظرًا لعظم إجرام الكافرين والمنافقين في تركهم للحكم بما أنزل الله تعالى فقد جعل الله تعالى من جهنم مرتعًا ومقامًا لهم.

قال تعالى: ﴿وَقَدۡ نَزَّلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أَنۡ إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓۚ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ﴾ [النساء: 140].

وحرصًا من الله تعالى على فلاح المؤمنين في الدنيا، ونجاتهم من عذاب الله في الآخرة حذرهم من الركون إلى الظالمين المفسدين في الأرض بتحكيمهم غير شريعة الله تعالى، والأخذ بآرائهم ونصائحهم؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ١١٣ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ١١٤﴾ [هود: 113-114].

والمعنى: ولا تميلوا، أيها الناس، إلى قول الذين كفروا بالله، فتأخذوا منهم وتوافقوا أعمالهم؛ فلا تنصرون في الدنيا ويتسلط عليكم عدوّكم، وتكون النار مثواكم في الآخرة بفعلكم هذا وحينها لا يكون لكم من دون الله من مؤيد يؤيدكم، أو وليّ يلي أمركم(80).

ثانيًا: اتباع الهوى:

عبد الناس عبر التاريخ كثيرًا من الطواغيت، وفي كل مرة كانوا يعبدون فيها طاغوتًا جديدًا، كانت أهواؤهم تبتكر لهم إلهًا آخر ليعبدوه من دون الله تعالى، ولعل من أبرز ما يدعو الناس إلى اتباع الأهواء على الرغم من علمهم بأنها تقودهم إلى الفساد والهلاك هو الرغبة في التحرر من التكاليف التي تترتب على الإيمان بالله تعالى، وإرضاء الشهوات، وتقديم العاجل على الآجل.

ومراعاة لمصالح العباد حذّر الحق جل وعلا من اتباع الهوى، والوقوع في حبائله، نجد ذلك واضحًا جليًّا في:

قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٣﴾[الجاثية: 23].

والمعنى: أنه مطواع لهوى النفس يتّبعها في كل ما تدعوه إليه، فهو يعبدها من دون الله تعالى، فضلّ بذلك على علم منه، واختار الضلال وفعله، فهو لا يقبل وعظًا، ولا يعتقد حقًّا، ولا يبصر سبيلًا، فمن ذا الذي بعد ذلك يذكّره بالحق وينفعه به(81).

وقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾[القصص: 50].

والمعنى: ﴿وَمَنۡ أَضَلُّ﴾ عن طريق الهدى والرّشاد، ﴿مِمَّنِ ٱتَّبَعَ﴾ هوى نفسه بغير حجةٍ من اللّه، والله ﴿ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي﴾ قومًا يتبعون أهواءهم دون أن يكون عندهم برهان ودليل(82).

الصلة بين اتباع الهوى والحكم بالعدل في القرآن:

وقد بيّن القرآن الكريم الصلة بين اتباع الهوى، والحكم بالعدل من خلال العديد من الآيات، والتي منها:

قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٣٥﴾[النساء: 135].

والمعنى: يا أيها المؤمنون كونوا على جاهزية تامة للقيام بما أمر الله تعالى به من الإقساط عند الشهادة حتى وإن كانت على أنفسكم، أو على الوالدين أو الأقارب، فقولوا الحق، ولا تميلوا لغنيٍّ لغناه على فقير، ولا لفقير لفقره على غنيّ، فتظلموا بذلك، فإن الله الذي سوّى بين الغنيّ والفقير عند القضاء هو الأولى في الحكم بينهما، وهو أعلم بما فيه مصلحة كلّ واحد منهما منكم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليهما، وإياكم أن تتبعوا أهواء أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها فتقولوا غير الحق، ولكن قوموا فيها بالقسط، وأدّوا الشهادة كما أمركم الله بأدائها، بالعدل لمن شهدتم له وعليه(83).

وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48].

والمعنى: ولقد أنزلنآ إليك يا محمد القرآن موافقًا لأصول ما جاء في الكتب السماوية قبله، ﴿وَمُهَيۡمِنًا﴾ عليها ﴿فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم﴾ بما شرع الله فيه من الأحكام دون الأخذ بما في التوراة والإنجيل، فقد جعل الله تعالى لكل أمة من الأمم شريعة خاصة بها، ولو شاء الله تعالى لجمعكم على منهج واحد، وشريعة واحدة، ولكنه لم يفعل ذلك؛ لاختبار مدى استجابة الناس لأمر الله تعالى الذي يقتضي اتباع الناسخ، وترك المنسوخ(84).

وقوله تعالى: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ﴾ [ص: 26].

والمعنى: يخاطب الله تعالى نبيه داود قائلًا: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ﴾ لمن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق ﴿فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ﴾ بحكم الله تعالى العادل، ولا تتبع هوى نفسك في قضائك فتضلّ عن سبيل الله تعالى وشرعه، وإنّ الله تعالى سيعذّب ﴿ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ تعالى وحكمه، بسبب تناسيهم يوم الحساب والعرض على الله عز وجل (85).

موقف الناس من الحكم بالعدل

إن الناس أمام الحكم بالعدل صنفان، صنف يسعى لتطبيق حكم الله، وعلى ذلك فإنه يسمع ويطيع، وينقاد ويستسلم، وينشرح صدره، وصنف يتولى ويعرض ويصد عند تحكيم شريعة الله تعالى، وبيان هذين الصنفين فيما يأتي:

أولًا: موقف المؤمنين:

مما لا شك فيه أن موقف المؤمنين سيكون إيجابيًّا من أي قضية ربانية، وبالأخص إذا كانت تشتمل على الأوامر والنواهي التي تشكّل بمجموعها المنهاج الذي ينبغي للمؤمن أن يسير عليه في الدنيا؛ لينال رضا الرحمن في الآخرة، ومن المظاهر الإيجابية التي يجب أن يكون عليها المؤمنون في التعامل مع الأحكام الإلهية ما يأتي:

  • السمع والطاعة.

يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].

والمعنى: لقد آمن وصدّق الرسول صلى الله عليه وسلم بما أوحى إليه من ربه من القرآن، وما فيه من تشريعات، وغير ذلك من سائر ما فيه من المعاني التي حواها، وقد تابعه المؤمنون في ذلك الإيمان اعتقادًا في قلوبهم، وإقرارًا بألسنتهم(86).

  • التسليم والانقياد.

يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦﴾ [الأحزاب: 36].

والمعنى: أنه لا يجوز للمؤمنين بحال من الأحوال إذا صدر الأمر الإلهي بالفعل، أو الترك، أن يختاروا ما يشاؤون على وفق رغباتهم؛ فإن من يخالف شرع الله تعالى وحكمه قد حاد عن الصراط السوي وابتعد(87).

  • انشراح الصدر.

ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء: 65].

والمعنى: إنه لا يصح إيمان العبد حتى يقبل بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يعرض لهم من الأمور، ثم لا يجد في قلوبهم ضيقًا من حكم الله ورسوله، ويسلّم لحكم الله ورسوله(88).

ثانيًا: موقف الكافرين:

معلوم أن الكافر جاحد لما أنزل الله تعالى على الرسول صلى الله عليه وسلم من الوحي، ومن ثمّ فهو منكر لأحكام الشريعة الإسلامية التي جاءت ضمن الوحي الإلهي، ومن مظاهر هذا التنكّر ما يأتي:

  • التولي عن حكم الله.

يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 49].

والمعنى: أنزلنا إليك القرآن وفيه حكم الله تعالى الحق، فاحكم بما جاء من الأحكام، واحذر أن يصرفك الفاسدون عن بعض هذه الأحكام ولو كان أقلّ قليلٍ، بتصوير الباطل بصورة الحق، فإن رفضوا الحكم بما أنزل الله تعالى وأرادوا غيره، فاعلم أن الله تعالى يريد أن يحملهم جريرة ذنوبهم المتمثلّة في تولّيهم عن حكم الله عزّ وجلّ، ﴿وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ متمرّدون في الكفر، متشبّثون به، خارجون عن طاعة الله تعالى الآمر العدل(89).

  • الإعراض.

يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ [آل عمرآن: 23].

والمعنى: انظر يا محمد وتعجّب من حال هؤلاء الذين ﴿أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ﴾ التوراة وفيه البشارة بك، ومع ذلك يعرضون عن القرآن وما فيه من الأحكام الواضحة البينة الموافقة لما جاء مكتوبًا عندهم في التوراة؛ إرضاءً لأهوائهم وأباطيلهم(90).

  • الصّدود.

يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا ٦٠ وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا ٦١﴾[النساء: 60-61].

المعنى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ﴾ أوحي إليك من المنافقين الذين يريدون تحكيم الطواغيت من كهنة اليهود وسحرتهم فيما يعرض لهم من القضايا التي تحتاج للحكم فيها، مع أنهم ﴿أُمِرُوٓاْ﴾ بتكذيب تلك الطواغيت، ﴿وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ﴾ عن الهدى وعن الحق ﴿ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا﴾، وفي المقابل إذا دعي هؤلاء المنافقون إلى حكم الله تعالى الوارد في كتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تراهم يعرضون إعراضًا(91).

فإن قيل: ما الفرق بين الإعراض، والصدود، والتولي؟ فالجواب: أنّ الإعراض هو أخذ جانب بعيد عن المعرض عنه(92)، أمّا الصدود فهو من الصدّ وهو الصّرف، ومن ثمّ يكون معنى صدّ عن الشيء أي: صرف عنه، وقد يكون الصّرف بالإقناع أو بالإكراه، أمّا التولي فهو عدم الانتفاع(93).

أثر تحكيم الشريعة على المجتمع

أحكام الشريعة إلهية المصدر، فالذي خلق يعلم مخلوقه وما يحتاجه، فمما لا ريب فيه أن لتحكيم الشريعة الإسلامية أثرًا بالغًا في رفعة الأمة، وتقدّمها وازدهارها، ويرجع هذا الفضل العظيم للشريعة الإسلامية على الأمة المنقادة لها إلى عدة عوامل، منها:

  • أحكام الشريعة الإسلامية تفضّ النزاعات بين المتخاصمين على أساس العدل.
  • أحكام الشريعة الإسلامية تنصف المظلوم، وتعيد له حقوقه المنزوعة.
  • أحكام الشريعة الإسلامية تردع الظالم مهما كان منصبه، وتنزل بحقه العقوبة المناسبة.
  • أحكام الشريعة الإسلامية تعتمد ميزان التقوى كأساس للتفاضل بين الناس في المجتمع.

هذه العوامل جعلت لهذه الشريعة الغراء أطيب الأثر على المجتمع المسلم، ويتمثل هذا الأثر فيما يأتي:

  • انتشار العدل في المجتمع.

يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].

فهذه الآية الكريمة تأمر المؤمنين بأن يكونوا على أتم الجاهزية لتطبيق كل ما يأمرهم به، والابتعاد عن كل ما ينهاهم عنه، وألّا تدفعهم كراهيتهم لقوم على ظلمهم، أو ظلم غيرهم، ثم تبين أن التزام العدل في الأقوال والأفعال هو الأقرب إلى تحقيق التقوى في النفوس، وبعد ذلك تحذّر الآية من مخالفة التعليمات الواردة فيها من خلال التأكيد على مراقبة الله تعالى لسلوك عباده(94).

  • سيادة الأمن داخل المجتمع.

يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥﴾ [النساء: 75].

تحث هذه الآية الكريمة المؤمنين على الجهاد في سبيل الله تعالى نصرة للمستضعفين في الأرض، ورفعًا للظلم والجور عنهم، وتوفيرًا للأمن لهم، فهم أحوج ما يكونون لذلك، لاسيما وأن الظّلمة يستأسدون في حملاتهم الشرسة ضد الضعفاء من النساء والشيوخ والأطفال، الذين لا حول ولا قوة لهم إلا بالله العظيم(95).

  • تعزيز الوحدة بين أفراد المجتمع.

يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [آل عمرآن: 103].

يأمر الله تعالى عباده بالالتفاف ليكونوا جماعة واحدة حول شريعة الله تعالى التي بفضلها منّ الله تعالى على عباده بالألفة والمحبة، بعد الفرقة والعداوة، فصاروا إخوانًا يرحم بعضهم بعضًا، ويؤازر بعضهم بعضًا، بعد أن كادت عداوتهم تتسبب في هلاكهم، ثم بيّن سبحانه أن الغاية من البيان السابق هي هداية المجتمع، والحفاظ على وحدته(96).

  • ترسيخ مبدأ المساواة في المجتمع.

يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ [الحجرات: 13].

والمعنى: يبيّن الله تعالى لعباده في هذه الآية الكريمة أن ميزان التفاضل بينهم هو التقوى فقط، وليس شيئًا سوى التقوى، كما يؤكد سبحانه على علمه بأحوال عباده، وقدرته على التمييز بينهم بحسب مراقبتهم له سبحانه، وخشيتهم منه(97).

  • إيجاد مجتمع متكافل.

يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ٢٧٣ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [البقرة: 273-274].

والمعنى: يحث الله تعالى المؤمنين في هاتين الآيتين على تحقيق التكافل الاجتماعي من خلال مدّ يد العون لإخوانهم المحتاجين غير القادرين على كسب ما يسدّ حاجتهم، والذين تمنعهم العفة عن طلب المساعدة من الآخرين، ويأتي هذا الحث من خلال سبيلين، الأول: التشجيع على تقديم يد العون للمحتاجين سواءً أكانت المعونة قليلة أم كثيرة، الثاني: التشجيع على المداومة على الإنفاق لضمان استمرارية انتفاع المحتاجين بما يقدّم لهم من نفقات(98).

  • إيجاد مجتمع متعلم.

يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [الزمر: 9].

يبرز الحق جل وعلا في هذه الآية علو شأن العالمين العابدين من العلماء، وطلبة العلم الذين هم دائمو التذكر لعظمة الخالق من خلال التفكر في إبداع الخلق؛ فيكون ذلك دافعًا لهم للزوم طاعة الله تعالى (99).

  • إيجاد مجتمع طاهر.

ويقصد بالطهارة ما يأتي:

  • الطهارة النفسية.

يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٣٠ وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [النور: 30-31].

والمعنى: في هاتين الآيتين الكريمتين يأمر الله تعالى عباده المؤمنين رجالًا ونساءً بما يحفظ المجتمع المسلم عفيفًا طاهرًا، من غضٍّ للبصر عن النظر إلى ما حرم الله تعالى، وحفظٍ للفرج عن قضاء الشهوة في ما حرّم، ثم يخص النساء بالأمر بإخفاء ما يثير الفتنة من الزينة، وبارتداء الحجاب الذي يسترها ويصونها، وألّا يظهرن ما عندهن من الزينة إلّا لأزواجهن، أو آبائهن، أو آباء أزواجهن، أو أبنائهن، أو أبناء أزواجهن، أو إخوانهن، أو أبناء إخوانهن، أو أبناء أخواتهن، أو النساء المؤمنات، أو ما ملكن من العبيد، أو البله من الرجال الذين لا حاجة لهم في النساء، أو الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم من الذين لا علم لهم بعورات النساء.

ثم نهاهن عمّا كان سائدًا في الجاهلية من ضرب النساء عند سيرهن بأرجلهن ليسمع صوت ما يخفين من الزينة كالخلاخيل وغيرها، ثم يعمم الله تعالى الأمر للمؤمنين والمؤمنات بالتوبة إلى الله تعالى من كل ما قد يكون بدر منهم من المخالفات خصوصًا ما يتعلق بخدش الحياء والعفة(100).

  • الطهارة البدنية.

يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].

والمعنى: يأمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة العباد بما يحفظهم طاهرين أصحّاء، من المحافظة على النظافة الشخصية، وعدم الإسراف في تناول الأطعمة والأشربة، ثم علل الحق جل وعلا هذه الأوامر بأنه يبغض المتجاوزين لحدود الاعتدال في سائر الأمور(101).

  • إيجاد مجتمع قوي عزيز مسالم.

يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٦٠ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [الأنفال: 60-61].

والمعنى: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين في هاتين الآيتين أن يكونوا على أتم الاستعداد والجاهزية لحماية أنفسهم ممّا يهددهم من الأخطار القادمة من ناحية أعداء الإسلام والمسلمين في كل مكان وزمان، ودلّهم على الوسيلة التي يحقّقون من خلالها الأمن لأنفسهم، وهي امتلاك القوة بكافة أنواعها ووسائلها، وحثّ على الإنفاق في سبيله لتيسير ذلك، ثم وضّح الموقف الذي ينبغي على المؤمنين أن يتخذوه في حالة طلب أعدائهم للسّلام معهم، وهو الموافقة شريطة أن تكون مبادئ السلم محقّقةً العزة للمؤمنين، متفقةً مع أحكام الشريعة الإسلامية(102).

موضوعات ذات صلة:
الحرية، الخلافة، السياسة، الشورى، العدل

الحواشي

  1. انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد 1/564، تهذيب اللغة، الأزهري 4/69، مختار الصحاح، الرازي، ص78، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار 1/539. ↩
  2. تفسير المراغي 19/73. ↩
  3. تفسير لطائف الاشارات 2/422. ↩
  4. التعريفات، ص92. ↩
  5. المفردات، الراغب الأصفهاني ص126. ↩
  6. انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص 212- 215. ↩
  7. المفردات، الراغب الأصفهاني ص 248. ↩
  8. انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص255. ↩
  9. مختصر الفقه الإسلامي، التويجري ص1001. ↩
  10. انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري 1/190. ↩
  11. انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 8/329، مختار الصحاح، الرازي ص240. ↩
  12. انظر: فتح القدير، الشوكاني 3/524، تفسير الشعراوي، 2/1052. ↩
  13. انظر: مجمل اللغة، ابن فارس 1/ 514، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار 2/1241. ↩
  14. التعريفات، ص129. ↩
  15. انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 3/450. ↩
  16. انظر: متخير الألفاظ، ابن فارس ص184. ↩
  17. موسوعة الفقه الإسلامي، محمد التويجري 2/265. ↩
  18. الموجز في أصول الفقه، عبد الجليل القرفشاوي وآخرون، ص20. ↩
  19. المصدر السابق، ص23. ↩
  20. انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجي وحامد قنيبي، ص98. ↩
  21. انظر: قواطع الأدلة في الأصول، أبو المظفر التميمي 1/64. ↩
  22. انظر: لسان العرب، ابن منظور 1/754. ↩
  23. انظر: بيان المختصر، أبو القاسم الأصفهاني 2/68. ↩
  24. انظر: الوسيط، الواحدي 1/401. ↩
  25. انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ص75. ↩
  26. انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف، الكويت 2/376. ↩
  27. انظر: نيل المرام من تفسير آيات الأحكام، محمد صديق خان ص228. ↩
  28. انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار 1/481. ↩
  29. انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف، الكويت 17/319. ↩
  30. انظر: تفسير آيات الأحكام، السايس ص227. ↩
  31. انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار 3/1924. ↩
  32. انظر: الموجز في أصول الفقه، عبد الجليل القرفشاوي وآخرون ص20. ↩
  33. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس، 1/96، رقم 444. ↩
  34. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحية المسجد بركعتين، 1/495، رقم 714. ↩
  35. انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار 2/1022. ↩
  36. انظر: علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، ص117. ↩
  37. انظر: تاج العروس، الزبيدي 19/404. ↩
  38. انظر: علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، ص118. ↩
  39. انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 2/203، مختار الصحاح، الرازي، ص299. ↩
  40. انظر: أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله، عياض السلمي، ص58. ↩
  41. انظر: الموجز في أصول الفقه، عبد الجليل القرفشاوي وآخرون، ص23. ↩
  42. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/62. ↩
  43. انظر: شرح مسائل الجاهلية، محمد بن عبد الوهاب، صالح الفوزان، ص153. ↩
  44. انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 4/503. ↩
  45. انظر: جامع البيان، الطبري 17/300. ↩
  46. انظر: السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، محمد أبو شهبة 2/354. ↩
  47. انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي 1/33. ↩
  48. انظر: علم المقاصد الشرعية، نور الدين الخادمي، ص8. ↩
  49. انظر: روضة الناظر، ابن قدامة المقدسي 1/615. ↩
  50. انظر: التشريع الإسلامي صالح للتطبيق في كل زمان ومكان، محمد فهمي، ص110. ↩
  51. انظر: رسالة لطيفة جامعة، أصول الفقه المهمة، السعدي ص61. ↩
  52. انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي 1/37. ↩
  53. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص965. ↩
  54. انظر: مدارك التنزيل، النسفي 1/449. ↩
  55. انظر: تأويلات أهل السنة، الماتردي 3/532. ↩
  56. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6/190. ↩
  57. انظر: تأويلات أهل السنة، الماتردي 6/543. ↩
  58. انظر: الهداية، مكي بن أبي طالب12/8159. ↩
  59. انظر: لباب التأويل، الخازن1/336. ↩
  60. انظر: جامع البيان، الطبري21/399. ↩
  61. انظر: جامع البيان، الطبري 20/336. ↩
  62. انظر: روح البيان، إسماعيل حقي 7/249، التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/127. ↩
  63. انظر: تفسير السمرقندي 1/397. ↩
  64. انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري 1/639. ↩
  65. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، رقم 3475. ↩
  66. انظر: جامع البيان، الطبري 8/518. ↩
  67. انظر: المصدر السابق 10/394. ↩
  68. انظر: مدارك التنزيل، النسفي 2/218. ↩
  69. انظر: الوجيز، الواحدي، ص463. ↩
  70. انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 7/3. ↩
  71. انظر: موسوعة الفقه الإسلامي، التويجري 4/461. ↩
  72. انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 4/2204. ↩
  73. انظر: التيسير في أحاديث التفسير، محمد مكي الناصري 2/61. ↩
  74. المصدر السابق 2/61. ↩
  75. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/454. ↩
  76. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق1/16، رقم 34. ↩
  77. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/176، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص42 ↩
  78. انظر: التفسير المنير، وهبة الزحيلي 18/272. ↩
  79. انظر: جامع البيان، الطبري 8/507. ↩
  80. انظر: المصدر السابق 15/500. ↩
  81. انظر: مدارك التنزيل، النسفي 3/303. ↩
  82. انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي 8/177. ↩
  83. انظر: جامع البيان، الطبري 9/302. ↩
  84. انظر: الهداية، مكي بن أبي طالب 3/1771، تفسير القرآن العزيز، العز بن عبدالسلام 1/390. ↩
  85. انظر: مدارك التنزيل، النسفي3/152. ↩
  86. انظر: جامع البيان، الطبري 6/124. ↩
  87. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/377. ↩
  88. انظر: تفسير السمرقندي 1/315. ↩
  89. انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 3/47. ↩
  90. انظر: التفسير الواضح، محمد محمود حجازي 1/219. ↩
  91. انظر: تفسير السمرقندي 1/313. ↩
  92. انظر: المصباح المنير، الفيومي 2/402. ↩
  93. انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 8/261، الكليات، الكفوي ص309. ↩
  94. انظر: لباب التأويل، الخازن 2/20. ↩
  95. انظر: أوضح التفاسير، محمد الخطيب، ص104، التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص90. ↩
  96. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 4/31. ↩
  97. انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 8/123. ↩
  98. انظر: التفسير المنير، د. وهبة الزحيلي 3/71. ↩
  99. انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 7/245. ↩
  100. انظر: المصدر السابق 6/170، التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص353. ↩
  101. انظر: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص 154. ↩
  102. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص324-325. ↩
البحث السابقالحقوق