مفهوم الحقوق
أولًا: المعنى اللغوي:
جاء في كتب اللغة في مادة (حقق) أنّ الحقّ نقيض الباطل وجمعه «حقوقٌ» و«حقاقٌ» وليس له بناء أدنى عدد، وهو مصدر قولهم:حقّ الشيء، أي: وجب، ويطلق في اللغة على عدة معانٍ، منها: الأمر الواجب، والموجود الثابت، وحقّ الشيء يحق بالكسر، أي: وجب، وأحققت الشيء، أي: أوجبته، وحقّ عليه القول وأحققته أنا، أي: ثبت.
وحقّ الأمر يحقّه حقًّا وأحقّه، كان منه على يقين تقول: حققت الأمر وأحققته إذا كنت على يقين منه، ويقال: ما لي فيك حقٌّ ولا حقاقٌ، أي: خصومة(1).
وعرّف المناوي الحق في اللغة بأنه «الثابت الذي لا يسوغ إنكاره»(2).
وقال الراغب الأصفهاني: «إن أصل الحق: المطابقة والموافقة»(3).
وبهذا يمكن القول: إن المعنى اللغوي للحق يتضمن معاني: الوجوب، والإلزام، والثبات، والإحكام، والصحة.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
اختلفت عبارات العلماء وتعريفاتهم لمفهوم «الحقوق» في الاصطلاح، وأورد من ذلك عدة تعريفات مبتدأ بأقربها لموضوع البحث:
أولًا: أنّ الحق هو المطلب الذي يجب لأحد على غيره(4).
ثانيًا: أنّ الحق مصلحة ثابتة للشخص على سبيل الاختصاص والاستئثار يقررها الشارع الحكيم(5).
ثالثًا: أنّ الحق هو مجموعة القواعد والنصوص التشريعية التي تنظم على سبيل الإلزام علائق الناس من حيث الأشخاص والأموال(6).
رابعًا: أنّ الحق هو الحكم المطابق للواقع، وهو يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك(7).
وذكر بعض الباحثين أنه يمكن من خلال التعريفات السابقة استنباط أبرز ما يتضمنه مفهوم «الحقوق» اصطلاحًا ملخصة على هذا النحو:
- النصوص الشرعية من الكتاب والسنة.
- القواعد والمبادئ التي تضمنتها هذه النصوص.
- تنظيم علاقات الناس.
- الوجوب والإلزام في تطبيق تلك القواعد(8).
ويمكن استنادًا إلى كل ما سبق تعريف الحق بأنه: أمور واجبة على المرء نحو غيره ألزمه بها الشرع أو ألزم بها نفسه.
فالمعنى الاصطلاحي تفصيل للمعنى اللغوي ولا يخرج عنه.
الحقوق في الاستعمال القرآني
وردت مادة (حق) في القرآن (10) مرات(9).
والصيغ التي وردت هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| فعل الماضي | 2 | ﴿فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا﴾ [المائدة: 107] |
| اسم | 8 | ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ﴾ [الأنعام: 141] |
ولم يرد لفظ (الحقوق) في القرآن مجموعًا، وورد مفردًا بمعناه اللغوي، وهو: وجب(10)، ولم يخرج في استعماله القرآني عن معناه اللغوي.
الألفاظ ذات الصلة
الواجبات:
الواجبات لغة:
أصل الوجوب في اللغة السقوط يقال: وجبت الشمس إذا سقطت، ووجب الحائط إذا سقط، وسمعت وجبةً يعني سقطة، والوجوب أيضًا بمعنى الإلزام، وجب الشيء يجب وجوبًا، أي: لزم وأوجبه هو وأوجبه اللّه واستوجبه، أي: استحقّه، ويقال: وجب الشيء يجب وجوبًا إذا ثبت ولزم(11).
الواجبات اصطلاحًا:
والواجب في عرف الفقهاء ما ثبت وجوبه بدليل شرعي فيه شبهة العدم كخبر الواحد، وهو ما يثاب بفعله ويستحق بتركه عقوبة لولا العذر(12).
الصلة بين الواجبات والحقوق:
الحقوق أمور واجبة على المرء نحو غيره ألزمه بها الشرع أو ألزم بها نفسه، والواجبات أعم منها؛ إذ إنها تشمل الحقوق نحو النفس ونحو الغير.
المظالم:
المظالم لغة:
الظّلم هو وضع الشيء في غير موضعه، يقال: ظلمه يظلمه ظلمًا وظلمًا ومظلمةً، فالظّلم مصدرٌ حقيقيٌّ، والظّلم الاسم يقوم مقام المصدر، وتظلّم منه، أي: شكا من ظلمه، وتظلّم الرجل أحال الظّلم على نفسه، ويقال: تظلّم فلانٌ إلى الحاكم من فلانٍ فظلّمه تظليمًا، أي: أنصفه من ظالمه وأعانه عليه(13).
المظالم اصطلاحًا:
والظّلامة، والظّليمة، والمظلمة بفتح اللام هي ما تطلبه عند الظالم وهو اسم ما يؤخذ من المرء بدون حق، تقول عند فلان ظلامتي(14).
وعرّف المناوي المظلمة بأنها الخصلة التي يقع فيها الظلم وليست مصدرًا، بل هي بمعنى الشيء المظلوم به(15).
الصلة بين المظالم والحقوق:
يمكن الربط بين الحق والمظالم بأن رفع المظالم عن الناس هو صورة من صور الحق، أو معلم من معالمه، وأن المظالم هي سلب لحقوق الناس وإهدار لها.
حقوق الإنسان:
شاع في العصر الحاضر اصطلاح حقوق الإنسان، وأصبح يستخدم على نطاق واسع في المحافل العلمية والقانونية، والمنظمات الدولية والإقليمية، وأنشأت لأجله منظمات وهيئات، وعقدت بشأنه الندوات والمؤتمرات، وسعت الدول الغربية إلى تطبيقه على حسب أهوائها، فإذا كان الأمر يخصهم ويخص ذويهم، فإنهم ينادون بتطبيقه في كل وقت وحين، وإن كان الأمر لا يعنيهم ولا يعني أتباعهم، فإنهم أكثر الناس انتهاكًا لحقوق الإنسان وإهدارًا لها.
الحقوق لغة:
تتضمن معاني: الوجوب، والإلزام، والثبات، والإحكام، والصحة.
حقوق الإنسان اصطلاحًا:
هذه بعض التعريفات الخاصة بهذا المصطلح:
أولًا: أنّ حقوق الإنسان المراد بها: حماية مصلحة الشخص سواء أكان حقًّا عامًّا كتحقيق الأمن، وقمع الجريمة، ورد العدوان، والتمتع بالمرافق العامة، أم خاصًّا كحق الزوجة في النفقة وحق الأم في الحضانة لطفلها، وحق الأب في الولاية على أولاده ونحوه..(16).
ثانيًا: أنّ المقصود بها حرمات الله -تعالى- فهو الذي تفضل بها على الإنسان؛ ولأنّ حمايتها والذود عنها قربى لله تعالى؛ فلا يجوز لصاحبها أن يفرط فيها(17).
ثالثًا: أنّ المراد بحقوق الإنسان: تلك المبادئ والقوانين العامة التي اتفقت عليها القوانين الدولية فيما يتعلق باحترام الإنسان في مجال عقيدته، وحريته، وثقافته، وفي مجال حقوق المرأة والطفل، والقضايا السياسية، وحرية التفكير... وهي حقوق كفلتها الشريعة الإسلامية وجميع الأديان والقوانين الدولية(18).
رابعًا: أنّ حقوق الإنسان تتمثل في المعايير الأساسية التي تفضل بها الله تعالى على العباد، وبما يكفل للناس كافة أن يعيشوا بكرامة كبشر(19).
وبالنظر إلى كل هذه التعريفات نجد أنها لا تخرج عن الإطار الشرعي الذي كفله الإسلام للإنسان أيًّا كان جنسه أو لونه أو عقيدته أو موطنه، فالله تعالى قد أمر بحفظ حقوق الإنسان في جميع مراحل حياته، وبعد مماته.
أنواع الحقوق
تنقسم الحقوق إلى قسمين: حقوق الله عز وجل، وحقوق العباد، وهناك قسم ثالث يجتمع فيه الحقان، وهذه الحقوق على مراتب ودرجات، وبيان ذلك على النحو الآتي:
أولًا: حقوق الله تعالى:
حق الله عز وجل عرفه التفتازاني: بأنه ما يتعلق به النفع العام للعالم من غير اختصاصٍ بأحدٍ، فينسب إلى الله تعالى، لعظم خطره، وشمول نفعه(20).
وأشار ابن القيم إلى التفرقة بين حق الله تعالى وحق العبد بأن حق الله عز وجل هو ما لا مدخل للصلح فيه؛ كالحدود والزكوات والكفارات وغيرها(21).
ويمكن تعريف حق الله تعالى بأنه ما أوجبه الله عز وجل لنفسه؛ كعبادته، وشكره، وطاعة أمره، وغير ذلك.
وأبرز حقوق الله تعالى على العباد حق العبادة وعدم الشرك به، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [النور: 55].
وقال جل شأنه: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
فهذه الآيات الكريمة تشير إلى حقوق الله تعالى التي من أجلها خلق الخلق ومكنهم في الأرض واستعمرهم فيها، ويسر لهم سبل العيش فيها، مما يقتضي معه من العباد أن يقوموا بتلك الحقوق لله تعالى.
وفي حديث معاذ بن جبلٍ قال: (كنت ردف النّبي صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلاّ مؤخرة الرّحل فقال: (يا معاذ بن جبلٍ). قلت: لبّيك رسول اللّه وسعديك، ثمّ سار ساعةً ثمّ قال: (يا معاذ بن جبلٍ). قلت: لبّيك رسول اللّه وسعديك. ثمّ سار ساعة ثمّ قال: (يا معاذ بن جبلٍ). قلت: لبّيك رسول اللّه وسعديك. قال: (هل تدري ما حقّ اللّه على العباد). قال: قلت: اللّه ورسوله أعلم. قال: (فإنّ حقّ اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا). ثمّ سار ساعةً، ثمّ قال: (يا معاذ بن جبلٍ). قلت: لبّيك رسول اللّه وسعديك. قال: (هل تدري ما حقّ العباد على اللّه إذا فعلوا ذلك). قال: قلت: اللّه ورسوله أعلم. قال: (أن لا يعذّبهم)(22).
وكل العبادات التي أمرنا الله تعالى بها على اختلاف درجاتها ومراتبها من صلاة وزكاة وصيام وحج وذكر واستغفار وقراءة قرآن وغير ذلك إنما هي حقوق لله تعالى علينا.
ثانيًا: حقوق العباد:
حق العبد: هو ما يتعلق به مصلحة خاصة له، كحرمة ماله. قال ابن القيم: «وأما حقوق العباد، فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها»(23).
وحقوق العباد في الشريعة تنقسم باعتبار ما يضاف إليه الحق، أما حق الإنسان فهو أكثر من أن يخص، وهو ينقسم إلى عام وخاص، فالعام ما ترتب عليه مصلحة عامة للمجتمع من غير اختصاص بأحد في مثل: التعليم -المساواة- القضاء. والخاص ما تعلقت به مصلحة خاصة بالفرد؛ كحقه في إدارة عمله، وحق الزوج على زوجته.
وثمت أمور يجتمع فيها حقان حق لله عز وجل، وحق للعبد، وفي بعضها يكون حق الله تعالى هو الغالب، وفي بعضها الآخر يغلب حق العبد.
فمن النوع الأول: الذي فيه الحقان وحق الله تعالى هو الغالب:
حد القذف عند أكثر العلماء، فإنه من حيث إنه يقع نفعه عامًّا بإخلاء العالم عن الفساد حق الله تعالى؛ إذ لم يختص بهذا إنسان دون إنسان، ومن حيث إنّ فيه صيانة العرض ودفع العار عن المقذوف حق العبد؛ إذ هو الذي ينتفع به على الخصوص ثم في هذا حق الله تعالى أيضًا؛ لأنّ في النفس حقين حق الاستعباد لله وحق الانتفاع للعبد فكان الغالب حق الله تعالى، فليس للمقذوف إسقاط الحد؛ لأن حق الله لا يسقط باسقاط العبد وإن كان غير متمحض له كما يشهد به دلالة الإجماع على عدم سقوط العدة بإسقاط الزوج إياها لما فيها من حق الله عز وجل(24).
قلت: وبناء على كون حق الله تعالى هو الغالب فإنه لم يفوض استيفاء الحد إلى المقذوف ليقيمه؛ لأنّ حقوقه تعالى لا يستوفيها إلا الإمام، لاستنابة الله تعالى إياه في استيفائها دون غيره، كذلك فإن حد القذف لتهمة القاذف المقذوف بالزنا، وحد الزنا حق لله تعالى اتفاقًا، فلم يكن استيفاؤه للمقذوف.
ومن النوع الثاني الذي اجتمع فيه الحقان وحق العبد هو الغالب:
القصاص اتفاقًا، فإن لله تعالى في نفس العبد حق الاستعباد، وللعبد حق الاستمتاع؛ ففي شرعية القصاص إيفاء للحقين وإخلاء للعالم عن الفساد إلا أن وجوبه بطريقة المماثلة المنبئة عن معنى الجبر؛ وفيه معنى المقابلة بالمحل فكان حق العبد راجحًا؛ ولهذا فرض استيفاؤه للوارث وجرى فيه الاعتياض بالمال والعفو(25).
حقوق العباد
أولًا: حقوق الأنبياء والرسل:
الأنبياء والرسل هم صفوة خلق الله تعالى، أرسلهم لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، هم المبلغون عن رب العباد جل وعلا مراده من العباد، أودع الله تعالى فيهم خصائص وصفات كمال ليست في غيرهم، ليكونوا أقدر على تحمل عبء النبوة والرسالة، تحملوا الإيذاء والجحود من أقوامهم، فازدادوا بذلك رفعة عند الله.
ولذلك كان من حقهم على الناس الطاعة والامتثال، والاقتداء بهم والاهتداء، وهذا طرف مما ورد في القرآن الكريم من حقوق الأنبياء عامة، ومن حقوق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وأتناول ذلك في فرعين على هذا النحو:
الفرع الأول: من حقوق الأنبياء والرسل على جهة العموم:
1. حق الإيمان بالأنبياء والرسل.
الإيمان بالأنبياء والرسل واجب، نصت عليه آيات كثيرة في كتاب الله تعالى، ورتب الله تعالى على الإيمان بالرسل خيرًا كبيرًا ونفعًا عظيمًا في الدنيا والآخرة، وتنوعت هذه النصوص فجاءت في معرض الكلام عن نبي الله عيسى عليه السلام، وفي معرض الكلام عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي غيرها من المواضع العامة والخاصة، ومن هذه النصوص ما يلي:
1 - قوله تعالى ﴿فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٧٩﴾ [آل عمران: 179].
قال أبو جعفر الطبري: «يعني جل ثناؤه بقوله: «وإن تؤمنوا»، وإن تصدّقوا من اجتبيته من رسلي بعلمي وأطلعته على المنافقين منكم «وتتقوا» ربكم بطاعته فيما أمركم به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وفيما نهاكم عنه=«فلكم أجر عظيم»، يقول: فلكم بذلك من إيمانكم واتقائكم ربكم، ثوابٌ عظيم»(26).
2- قوله تعالى ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].
ومن لطائف الآية ما ذكره الرازي مُبيِّنًا مراتب الإيمان بالرسل في أربعة أمور:
المرتبة الأولى: أن يعلم كونهم معصومين من الذنوب. المرتبة الثانية: أن يعلم أن النبي أفضل ممن ليس بنبي.
المرتبة الثالثة: تفضيلهم على الملائكة، على تفصيل واسع في هذه المسألة وخلاف لا محل لذكره هنا.
المرتبة الرابعة: أن يعلم أن بعضهم أفضل من البعض على تفصيل في المسألة(27).
2. حق التقدير والتعظيم والنصرة للأنبياء والرسل.
جعل الله تعالى تقدير الأنبياء والمرسلين وتعظيمهم ونصرتهم حق لهم واجب على أتباعهم، فقال جل شأنه: ﴿وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: 12].
قال أبو جعفر النحاس: «قال أبو عبيد: عزرتموهم عظمتموهم، وقال يونس: أثنيتم عليها، وأحسن من هذين القولين قول ابن أبي نجيح عن مجاهد أن معنى عزرتموهم: نصرتموهم، والتعظيم داخل في النصرة، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] وأصل التعزير في اللغة: المنع، ومنه عزرت فلانًا، أي: أنزلت به ما يمتنع من أجله من المعاودة» (28).
3. حق الطاعة لجميع الأنبياء والرسل.
وذلك وارد في أكثر حوارات الأنبياء مع أقوامهم، حيث كلف الله تعالى أتباع الأنبياء بطاعتهم، وحث كل نبي أمته على ذلك كما في حوار سيدنا نوح عليه السلام مع قومه في قول الله تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: 108].
وكذا في قوله تعالى في سورة: ﴿أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: 3].
وما فعله نبي الله نوح عليه السلام من أمره قومه بالطاعة، فعله غيره من الأنبياء مثل:سيدنا هود، وسيدنا صالح، ولوط، وشعيب، وهارون، وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين، على نحو ما هو مبسوط في مواضع عدة من سور القرآن الكريم، لاسيما سورة الشعراء.
والناظر في الآيات الكريمة التي أمر فيها الأنبياء أقوامهم بطاعتهم يلحظ فيها أمرين:
أولهما: تأكيد الأنبياء والمرسلين عليهم السلام على قومهم بضرورة الطاعة، مع إعادة التأكيد مرة أخرى من بعضهم؛ كنبي الله نوح وهود وصالح وعيسى عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة أتم التسليم.
وثانيهما: التذكير بنعم الله تعالى عليهم؛ كنعم الأمن، وسعة الرزق، والبسط في العمر والمال، والربط بين الطاعة وبين الفلاح والخير.
الفرع الثاني: من حقوق النبي محمد صلى الله عليه وسلم على جهة الخصوص:
1. حق الطاعة من حقوق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذا مبسوط في آيات عدة من القرآن، حيث ورد مقرونًا في أكثر المواضع بطاعة الله تعالى ومن ذلك:
قول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [آل عمران: 128].
وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: 59].
وفي الأمر بطاعة الرسول ومدلوله هنا يقول الطبري: «يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته»(29).
وقوله تعالى: ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النور: 54].
والآية تؤكد على ضرورة طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم مع التنبيه على أن الطاعة سبب الهداية.
وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ﴾ [محمد: 33].
وقد ذكر الماوردي فيها وجهين:
أحدهما: أطيعوا الله بتوحيده، وأطيعوا الرسول بتصديقه.
والثاني: أطيعوا الله في حرمة الرسول، وأطيعوا الرسول في تعظيم الله(30).
ومواضع أخرى في المائدة: 92، والأنفال:1، و46، والنور:56، والمجادلة: 11، والتغابن12، و16).
2. حق الصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
أمر الله تعالى المسلمين بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل ذلك فرض عين على كل مسلم، فقال جل شأنه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
قال الجصاص: «قد تضمن الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وظاهره يقتضي الوجوب، وهو فرض عندنا، فمتى فعلها الإنسان مرة واحدة في صلاة أو غير صلاة فقد أدى فرضه، وهو مثل كلمة التوحيد والتصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم، متى فعله الإنسان مرة واحدة في عمره فقد أدى فرضه»(31).
وفي معنى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ﴾ ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن صلاة الله تعالى عليه ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، قاله أبو العالية.
الثاني: أن صلاة الله تعالى عليه المغفرة له، وصلاة الملائكة الاستغفار له، قاله سعيد بن جبير.
الثالث: أن صلاة الله تعالى عليه رحمته، وصلاة الملائكة الدعاء له، قاله الحسن، ومعنى قول عطاء بن أبي رباح.
الرابع: أن صلاتهم عليه أن يباركوا عليه، قاله ابن عباس(32).
وحكى الماوردي عن ثعلب أن معنى قولنا: «اللهم صل على محمد»، أي: زد محمدًا بركة ورحمة، ويجري فيه التأويلات المذكورة، وأن قوله تعالى: ﴿وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: سلموا لأمره بالطاعة له تسليمًا.
الثاني: وسلموا عليه بالدعاء له تسليمًا، أي: سلامًا(33).
3. حق الاتباع والاقتداء من حقوق النبي محمد صلى الله عليه وسلم(34).
أمر الله تعالى المؤمنين باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في غير موضوع من كتابه العزيز، فمن ذلك قوله جل شأنه: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158].
قال ابن عادل الدمشقي: «وهذا الأمر يدلّ على وجوب متابعة الرّسول عليه الصّلاة والسّلام في كلّ ما يأتي به قولًا كان أو فعلًا أو تركًا إلا ما خصه الدّليل»(35).
وقوله جل ثناؤه: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21].
والأسوة هنا بمعنى القدوة، وأكثر المفسرين على أن الآية وإن كانت واردة في سبب خاص، وهو التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم في الصبر ونحوه مما ابتلي به يوم أحد، فإنها تشير إلى ضرورة الاقتداء به في كل فعل وقول على جهة العموم(36).
4. حق توقير النبي صلى الله عليه وسلم واحترامه وعدم إيذائه أو إيذاء آل بيته.
من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم علينا التي وردت في القرآن الكريم وجوب تقديره وتكريمه واحترامه، وعدم التعرض له صلى الله عليه وسلم بإيذاء؛ بالقول أو بالفعل، سواء كان الإيذاء لشخصه الكريم أو لآل بيته الطيبين الأطهار؛ رجالًا كانوا أو نساء.
وقد جاء هذا الحق في آية كريمة شاملة في سورة الأحزاب، وهي قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ يُؤۡذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسۡتَحۡيِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡيِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 53].
وقد ورد في سبب نزولها ما أخرجه الشيخان أنّ أنس بن مالكٍ قال: (أنا أعلم النّاس بهذه الآية آية الحجاب، لمّا أهديت زينب إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كانت معه فى البيت، صنع طعامًا، ودعا القوم، فقعدوا يتحدّثون، فجعل النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- يخرج، ثمّ يرجع، وهم قعودٌ يتحدّثون، فأنزل اللّه تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ﴾ إلى قوله: ﴿مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ﴾ فضرب الحجاب، وقام القوم)(37).
5. حب النبي صلى الله عليه وسلم من حقوقه علينا.
حب النبي صلى الله عليه وسلم واجب علينا، وهومن حقوقه المنصوص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
قال الله تعالى: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ [التوبة: 24].
قال القاضي عياض: «فكفى بهذا حضًّا وتنبيهًا ودلالة وحجة على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعظم خطرها، واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم، إذ قرع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله وأوعدهم بقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ﴾ ثم فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله (38).
6. حرمة التقدم على النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الصوت عليه.
من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم التي وردت في القرآن حرمة رفع الصوت أمامه عليه السلام؛ وذلك امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ ٣ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٤ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥﴾ [الأحزاب: 1-5].
والنهي عن التقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد في معناه أقوال:
الأول: أن ناسًا كانوا يقولون: لو أنزل فيّ كذا، لو أنزل فيّ كذا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة.
الثاني: أنهم نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه، قاله ابن عباس.
الثالث: معناه ألا يقتاتوا على الله ورسوله، حتى يقضي الله على لسان رسوله، قاله مجاهد.
الرابع: أنها نزلت في قوم ضحوا قبل أن يصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يعيدوا الذبح، قاله الحسن.
الخامس: لا تقدموا أعمال الطاعات قبل وقتها الذي أمر به الله تعالى ورسوله، قاله الزجاج(39).
والنهي عن رفع الصوت في الآية قيل: المراد به رفع الصوت أو الجهر به أمام النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل: رفع الصوت عند منبره يوم الجمعة، وقيل:المراد داعؤه بإسمه فقط(40).
وأيًّا كان المقصود بالتقدم على النبي صلى الله عليه وسلم أو رفع الصوت عليه، فإن هذا يتنافى مع مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يتفق مع مكارم الأخلاق، ونحن مأمورن بتعظيم شأن النبي وتقديره حق قدره.
وفي سبب نزول مقدمة سورة الحجرات روايات عدة كلها في الصحيح.
الأولى: ما رواه ابن أبى مليكة قال: كاد الخيّران أن يهلكا - أبا بكرٍ وعمر رضي الله عنهما رفعا أصواتهما عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميمٍ، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابسٍ أخي بني مجاشعٍ، وأشار الآخر برجلٍ آخر -قال نافعٌ لا أحفظ اسمه- فقال أبو بكرٍ لعمر: ما أردت إلاّ خلافي، قال: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل اللّه ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ﴾ الآية. قال ابن الزّبير: فما كان عمر يسمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتّى يستفهمه. ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني: أبا بكرٍ(41).
الثاني: أخرجه مسلم عن أنس بن مالكٍ أنّه قال: لمّا نزلت هذه الآية ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ﴾ إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيسٍ فى بيته وقال: أنا من أهل النّار. واحتبس عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فسأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذٍ فقال: (يا أبا عمرٍو ما شأن ثابتٍ أشتكى). قال سعدٌ: إنّه لجاري وما علمت له بشكوى. قال: فأتاه سعدٌ فذكر له قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال ثابتٌ: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أنّي من أرفعكم صوتًا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فأنا من أهل النّار. فذكر ذلك سعدٌ للنّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (بل هو من أهل الجنّة)(42).
وذكر الواحدي أن قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ﴾ نزلت في خلاف سيدنا أبي بكر وعمر، والنهي عن رفع الصوت نزلت في ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنه وقر وكان جهوري الصوت وكان إذا كلم إنسانًا جهر بصوته فربما كان يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتأذى بصوته، فأنزل الله تعالى هذه الآية(43).
ثانيًا: حقوق الوالدين:
من أعظم الحقوق على الإنسان بعد حق الله عز وجل حقوق الوالدين، حيث إن فضلهما كبير، ومنزلتهما عظيمة، ولهذا استحقا أن يقرن الله عز وجل شكرهما بشكره تعالى، وتعددت آيات القرآن الكريم التي توصي بالوالدين، وكذا نصوص السنة النبوية لا سيما بالأم. وأورد من ذلك ما يلي:
1. حق الإحسان إلى الوالدين مقترن بعبادة الله تعالى.
وهذا ما وردت به آيات عديدة، منها قول الله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ﴾ [البقرة: 83].
ويلحظ في الآية أن الوصية بالوالدين أمر معروف في كل الشرائع السماوية، وليس في الشريعة الإسلامية فقط.
ومنها: قوله تعالى: ﴿قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ﴾ [الأنعام: 151].
ومنها: قوله جل شأنه: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ﴾ [الإسراء: 23].
وبتدبر تلك الآيات الكريمة نجد أن الوصية بالإحسان للوالدين جاءت عقب الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، مما يدل على عظم منزلة الوالدين وفضلهما عند الله تعالى.
قال الجصاص: «يدل على تأكيد حق الوالدين ووجوب الإحسان إليهما كافرين كانا أو مؤمنين؛ لأنه قرنه إلى الأمر بعبادته تعالى»(44).
وقال في موضع آخر: «فقرن تعالى ذكره إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده وأمر به كما أمر بهما كما قرن شكرهما بشكره في قوله تعالى: ﴿أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ﴾ وكفى بذلك دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والإحسان إليهما»(45).
وفي طائفة آخرى من الآيات جاء النص بالإخبار في صورة أمر كما في قول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [العنكبوت: 8].
وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ﴾ [الأحقاف: 15].
وهنا جاء الأمر بالإحسان مقرونًا ببيان فضل الأم وما لاقته من عنت ومشقة في الحمل والولادة والرضاع.
وفسّر الإحسان بأنه تأدية حقوقهما ومجانبة عقوقهما والمحافظة على برهما(46).
ونكر لفظ الإحسان وجاء منونًا لمعان ذكرها بعض المفسرين، منها ما ذكره الألوسي من أن التنوين للتفخيم(47).
قال ابن العربي: «بر الوالدين ركن من أركان الدين في المفروضات، وبرهما يكون في الأقوال والأعمال؛ فأما في الأقوال فكما قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا﴾ [الإسراء: 23]. فإن لها حق الرحم المطلقة، وحق القرابة الخاصة؛ إذ أنت جزء منه، وهو أصلك الذي أوجدك، وهو القائم بك حال ضعفك وعجزك عن نفسك»(48).
هذا والإحسان إلى الوالدين فيه جوانب مادية؛ كالإنفاق عليهما من ماله، وجوانب معنوبة؛ كالبر والطاعة وحسن معاملتهما، على تفصيل مبسوط في كتب الفقه وكتب السنة وغير ذلك.
2. طاعة الوالدين فيما لا يخالف شرع الله.
أمر الله تعالى الأبناء بطاعة الوالدين، مع اشتراط أن لا تكون تلك الطاعة مخالفة لشرع الله تعالى، أو متضمنة الأمر بالشرك ونحوه كما نصت عليه الآيات في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [العنكبوت: 8].
وروى مسلم عن مصعب بن سعدٍ عن أبيه أنّه نزلت فيه آياتٌ من القرآن، قال: حلفت أمّ سعدٍ أن لا تكلّمه أبدًا حتّى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب. قالت: زعمت أنّ اللّه وصّاك بوالديك وأنا أمّك وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثًا حتّى غشى عليها من الجهد فقام ابنٌ لها يقال له عمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعدٍ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ في القرآن هذه الآية ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ﴾ ﴿وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي﴾ وفيها ﴿وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ﴾... الحديث(49).
وكما في قوله جل شأنه: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ١٤ وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [لقمان: 14-15].
ومن أروع الأمثلة في الطاعة طاعة نبي الله إسماعيل عليه السلام لأبيه الخليل إبراهيم عليه السلام في قصة الذبح.
قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ ١٠١ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٠٢﴾ [الصافات: 102].
3. عدم إيذائهما أو التأفف منهما.
قال تعالى: ﴿إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا﴾[الإسراء: 23].
وهنا عبرت الآية بلفظ (أف) ونهي الإنسان عن قولها لوالديه أو لأحدهما، ومن معاني هذه الكلمة والمقصود منها لدى المفسرين ما قاله قتادة أنها «الكلام الرديء، كأن تقول: اللهم أرحني منهما، أو تغلظ عليهما في القول عند كبرهما، ومعالجتك إياهما وعند إماطة القذر عنهما»، وروي نحوه عن مجاهد(50).
وقيل: المقصود بها أنه استقذار الشيء وتغير الرائحة.
وقيل: إنها كلمة تدل على التبرم والضجر، خرجت مخرج الأصوات المحكية، والعرب أف وتف، فالأف وسخ الأظفار، والتّف ما رفعته من الأرض بيدك من شيء حقير، وحكى الجصاص أن هذا دلالة على تحريم ما فوق هذه الكلمة من نحو الضرب والشتم(51).
وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٧ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ﴾ [الأحقاف: 16-18].
4. إلانة القول لهما وخفض الجناح.
قال الله تعالى: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ٢٣ وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ﴾ [الإسراء: 23-24].
أمر الله تعالى الأبناء بإلانة القول للوالدين وحسن اختيار الكلام معهما، وخفض الجناح بمعنى التذلل لهما وعدم الترفع عليهما أو التكبر، فاستعار للذل جناحًا، وأضافه إليه؛ مبالغة؛ فإنّ الطير إذا تذلل أرخى جناحه إلى الأرض، كذلك الولد، ينبغي أن يخضع لأبويه، ويلين جانبه، ويتذلل لهما غاية جهده، وقيل المراد: حسن التدبير لأمورهما وكفالتهما ورعايتهما(52).
5. الدعاء لهما في حياتهما وبعد وفاتهما.
من حقوق الوالدين على الأبناء الدعاء لهما، سواء كانا حيين أو ميتين(53)، كما قال الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا﴾ [الإسراء: 24].
وهذا الدعاء للمؤمنين فقط، كما قال الجصاص: «فيه الأمر بالدعاء لهما بالرحمة والمغفرة إذا كانا مسلمين؛ لأنه قال في موضع آخر: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ﴾ فعلمنا أن مراده بالدعاء للوالدين خاص في المؤمنين»(54).
ثالثًا: حقوق الأقارب:
الأقارب أنواع، منهم الأصول، كالآباء والأجداد، ومنهم الفروع كالأبناء وأبناء الأبناء والبنات، ومنهم الحواشي كالإخوة والأخوات، وهناك ذوو الأرحام، وكل هؤلاء قرابة المرء، لهم عليه حقوق، بعضها فرض، وبعضها مستحب، وقد ورد ذكر ذوي القربى في مواضع عدة من كتاب الله تعالى مبينًا فيها حقوقهم والوصية بهم ماديًّا ومعنويًّا، ومن هذه الحقوق ما يلي:
1. الإنفاق عليهم.
قال تعالى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [البقرة: 177].
قال الماوردي: «يريد قرابة الرجل من طرفيه من قبل أبويه، فإن كان ذلك محمولًا على الزكاة، روعي فيهم شرطان: أحدهما: الفقر، والثاني: سقوط النفقة، وإن كان ذلك محمولًا على التطوع لم يعتبر واحد منهما، وجاز مع الغنى والفقر، ووجوب النفقة وسقوطها؛ لأن فيهم مع الغنى صلة رحم مبرور»(55).
وقال تعالى: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 215].
2. الإحسان إليهم والمراد به صلتهم، والبر بهم(56).
وقد ورد الأمر بالإحسان لذوي القربى في آيات، منها قوله تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦].
ومن لطائف الآية ما ذكره الرازي «اعلم أن الوالدين من الأقارب أيضًا، إلا أن قرابة الولاد لما كانت مخصوصة بكونها أقرب القرابات وكانت مخصوصة بخواص لا تحصل في غيرها، لا جرم ميزها الله تعالى في الذكر عن سائر الأنواع، فذكر في هذه الآية قرابة الولاد، ثم أتبعها بقرابة الرحم»(57).
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ﴾ [البقرة: ٨٣].
3. إيفاؤهم حقهم.
أمر القرآن الكريم بإيفاء ذوي القربى حقوقهم من البر والصلة والعون والنصرة، وذلك في غير موضع، منها قول الله تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦].
وقوله جل وعلا: ﴿فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨].
وفي هذا المعنى روي عن قتادة في قوله تعالى ﴿فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ﴾ قال: «إذا كان لك ذو قرابة فلم تصله بمالك ولم تمش إليه برجلك فقد قطعته»(58).
4. جعل نصيب لهم عند حضور القسمة.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينُ فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا﴾ [النساء: ٨].
عن عكرمة: ﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ قال: كان ابن عباس يقول: «إذا ولي شيئًا من ذلك، يرضخ لأقرباء الميت. وإن لم يفعل، اعتذر إليهم وقال لهم قولا معروفًا»(59).
وذكر الماوردي في هذه الآية ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها ثابتة الحكم. قال سعيد بن جبير: هما وليان، أحدهما يرث وهو الذي أمر أن يرزقهم، أي: يعطيهم، والآخر لا يرث وهو الذي أمر أن يقول لهم قولًا معروفًا، وبإثبات حكمها قال ابن عباس، ومجاهد، والشعبي، والحسن، والزهري.
وروي عن عبيدة أنه ولي وصية فأمر بشاة فذبحت، وصنع طعامًا لأجل هذه الآية وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي.
والقول الثاني: أنها منسوخة بآية المواريث، وهذا قول قتادة، وسعيد بن المسيب، وأبي مالك، والفقهاء.
والثالث: أن المراد بها وصية الميت التي وصّى بها أن تفرق فيمن ذكر وفيمن حضر، وهو قول عائشة.
فيكون ثبوت حكمها على غير الوجه الأول(60).
فبان من هذه النصوص القرآنية مدى ما يتمتع به أولو القربى من حقوق كفلها لهم القرآن الكريم.
رابعًا: حقوق الجار:
أوصى القرآن الكريم بالجار على اختلاف أنواعه في آية كريمة اشتملت على الوصية بأصناف عدة وهي قول الله تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا﴾ [النساء: 36].
والمراد بالجار ذي القربى هو الجار الذي يمت لك بصلة قرابة، والجار الجنب، هو جارك من قوم آخرين؛ هكذا روي عن ابن عباس ومقاتل وقتادة ومجاهد(61)، وهناك نوع آخر من الجيران وهو غير المسلم.
ولهذا فإن الجار الذي بينك وبينه قرابة له ثلاثة حقوق (حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام)، والجار الذي ليس بقريب له حقان (حق الجوار وحق الإسلام)، والجار غير المسلم له حق واحد وهو الجوار(62).
وقد قال القرطبي بعد أن أورد تقسيم الجيران: «وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلمًا كان أو كافرًا، وهو الصحيح. والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه»(63).
ومن أبرز حقوق الجار:
1. محبة الجار والتودد إليه.
فقد أخرج مسلم عن أنس بن مالكٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال (لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه - أو قال لجاره - ما يحبّ لنفسه)(64).
2. عدم إيذائه بقول أو فعل.
فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنّة من لا يأمن جاره بوائقه)(65).
ومن لطائف التفسير ما ذهب إليه أبي بن كعب بتفسير الفاحشة في قول الله تعالى بالبذاء على الجيران والإحماء أو على الزوج؛ بحيث أن بقاء أمثالهن في جوار أهل البيت يفضي إلى تكرر الخصام فيكون إخراجها من ارتكاب أخف الضررين(66).
3. عدم كشف ستره أو التجسس عليه.
وذلك إعمالًا للنص الوارد في النهي عن التجسس مطلقًا ﴿وَلَا تَجَسَّسُواْ﴾ [الحجرات: 12].
قلت: وإذا كان التجسس محرم على جهة العموم، في حق الجار وغير الجار، فلا شك أن حرمته في حق الجار أشد؛ نظرًا لقرب ما بين الجيران في السكن.
وهناك حقوق أخرى للجار وردت في السنة النبوية، بعضها حقوق مادية وبعضها معنوية، لا يناسب ذكرها في هذا البحث التفسيري.
خامسًا: حقوق الصحبة:
قال الفيروزآبادي: «الصاحب هو الملازم، إنسانًا كان أو غيره، ولا فرق بين أن يكون مصاحبته بالبدن - وهو الأكثر - أو بالعناية والهمة. ولا يقال فى العرف إلا لمن كثرت ملازمته(67).
والصحبة من الأمور الهامة في حياة الناس، حيث لا يستطيع كثير من الناس العيش بمفردهم بل لابد لهم من أصحاب أو أصدقاء يأنسون لهم، ويستشيرونهم، ويتعاونون معهم على في السراء والضراء، والمعهود من قديم الزمان وجود الأصحاب والأصدقاء.
وللصحبة ضوابطها في الإسلام، وللأصحاب حقوقهم في القرآن والسنة، ولقد اهتم القرآن الكريم بحقوق الصحبة ونصت الآيات الكريمة على بيان فضلها في مواطن، فمن ذلك ما يلي:
1. نصرة الصاحب لصاحبه ومعاونته إياه.
وهذا يتجلى في موقف سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة، حيث أثنى الله تعالى على صحبة أبي بكر الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة، وما أبلاه رضي الله عنه في هذه الرحلة، بل وما أبلاه نحو الإسلام ونحو الدعوة عبر حياته.
قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40].
ويتجلى من هذه الآية الكريمة طرف من العبر واللطائف بيانها على النحو الآتي:
- أنّ سيدنا أبا بكر رضي الله عنه كان يخاف على نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ذهاب التوحيد والإسلام، ولم يكن يخاف على نفسه(68).
- أنّ الآية تضمنت عتابًا لجميع الناس عدا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كما قال الشعبي: «عاتب الله عز وجل أهل الأرض جميعًا في هذه الآية غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه»(69).
قلت: وما ذلك إلا لبلاء أبي بكر رضي الله عنه وجهوده في خدمة دين الله تعالى، ولذلك استحق هذا الثناء، وما لحقه من ثناء من النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث عدة مبسوطة في كتب المناقب من كتب السنة المطهرة.
وقد ورد لفظ الصاحب في القرآن الكريم في عدة مواضع وتجلى في هذه المواضع بعض حقوق الصحبة منها:
2. الإحسان إلى الصاحب.
وذلك كما في قول الله تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا ٣٦﴾ [النساء: 36].
وفسر الصاحب بالجنب هنا بتفسيرات عدة منها: أن المراد به الرفيق الصالح، وهو مروي عن علي وابن مسعود وغيرهم(70).
ومنها: أنه الرفيق في السفر، حيث روي هذا عن مجاهد وابن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك وغيرهم(71).
ومنها: أن المراد بها زوجة الرجل، حيث روي هذا أيضًا عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما(72).
ومنها: أنه الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك، وهو قول ابن زيد(73).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير الأصحاب عند الله خيره لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره)(74).
3. دعوة الصاحب إلى الهدى والرشاد.
وذلك كما فعل سيدنا يوسف عليه السلام من دعوته رفقاء السجن إلى دين الله عز وجل، كما في الآية ﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٣٩ مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۚ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [يوسف: 39-40].
وهنا يلحظ أن نبي الله يوسف عليه السلام كرر النداء عليهم مرتين بـ ﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ﴾ حتى تجتمع أنفسهما لسماع الجواب، ونسبهما إلى السجن باعتبار أنهما من سكانه حينئذٍ(75).
4. اجتماع الأصحاب على الخير والطاعة وبذل النفس في سبيل الله.
وهذا نراه واضحًا في أروع مثال ضربه فريق من الأصحاب (أهل الكهف) من البذل والتحمل في سبيل الله، والاتفاق على نصرة دينه، والصدع بالحق أمام الظالم، فنالوا من الأذى ما نالوا، وفروا بدينهم، فكرمهم الله تعالى بمعجزة باهرة وآية عظيمة.
قال تعالى: ﴿أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا ٩ إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا [الكهف:9-10].
ثم تلا ذلك بضعة عشر آية تذكر قصتهم العجيبة، فانظر كيف اجتمعت صحبتهم على الطاعة واشتروا دينهم بدنياهم فكرّمهم الله تعالى في الدنيا والآخرة، ولله درها من صحبة، اجتمعت فيها القلوب على هدف واحد بالرغم من اختلافهم طبقاتهم ودرجاتهم، كما هو معلوم في القصة من وجود الغني والفقير فيهم، والراعي وأحد مستشاري الملك.
5. تقديم النصيحة للصاحب إذا كان على غير رشد.
وهذا ما نراه واضحًا في قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف ﴿قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧ لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٣٨ وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا﴾ [الكهف: 37-39].
قلت: ليس في الآيات ما يدل على نوع هذه الصحبة، فقد ذهب المفسرون إلى أقوال في ذلك: منها أنهما شريكان، ومنها أنهما كانا أخوين ورثا مالا عن أبيهما (76).
سادسًا: حقوق العلماء:
العلماء ورثة الأنبياء، وهم أهل الفضل والمنة على كثير من الناس، وهم منارات في الأرض يهتدي بها الناس، يفقهون الناس في دينهم، ويشرحون لهم ما أشكل عليهم، ويبينون لهم الحلال والحرام.
روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سلك طريقًا يبتغي به علمًا سلك الله له طريقًا إلى الجنّة، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضًى لطالب العلم بما يصنع، وإنّ العالم ليستغفر له من في السّماوات ومن في الأرض حتّى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب، وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنّ الانبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنّما ورّثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظٍّ وافرٍ)(77).
وقد اهتم القرآن الكريم بهم في غير موضع، وأمر بإيفائهم حقهم من التقدير والاحترام، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 28].
قال الجصاص: «فيه الإبانة عن فضيلة العلم وأن به يتوصل إلى خشية الله وتقواه؛ لأن من عرف توحيد الله وعدله بدلائله أوصله ذلك إلى خشية الله وتقواه؛ إذ كان من لا يعرف الله ولا يعرف عدله وما قصد له بخلقه لا يخشى عقابه ولا يتقي»(78).
وقال جل شأنه: ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [الزمر: 9].
وأورد هنا طرفًا من حقوق العلماء علينا:
1. تقديرهم واحترامهم وموالاتهم.
قال الإمام ابن أبي العز الحنفي بعد آية﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]: «يجب على كل مسلمٍ بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن؛ خصوصًا الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدي بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، فإنّهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته، فبهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا»(79).
2. عدم غيبتهم وإيذائهم.
حرم القرآن الكريم الغيبة، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ﴾ [الحجرات: 12].
وإذا كانت الغيبة محرمة على جهة العموم فقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ غيبة العلماء أشدّ وآثم من غيبة غيرهم، لما يترتّب على ذلك من المفاسد العظيمة في غيبتهم، ولهذا نصّ بعض العلماء على أنّ الغيبة إذا كانت في أهل العلم وحملة القرآن الكريم فهي كبيرةٌ، وإلا فصغيرةٌ (80).
3. طاعتهم فيما يأمرون به.
من حقوق العلماء علينا حق الطاعة لهم فيما يأمروننا به من تعاليم وإرشادات، وقد ورد في القرآن الكريم الأمر بطاعة أولي الأمر، في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: 59].
وقد فسر بعض السلف كجابر بن عبد الله والحسن ومجاهد وعطاء رضي الله عنهم جميعًا أولي الأمر بأنهم العلماء(81).
فقد أخرج ابن أبي شيبة بسنده عن جابر بن عبد الله: ﴿وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ قال: أولو الفقه أولو الخير(82).
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ قال: هم العلماء(83).
سابعًا: حقوق الضعفاء:
الضعفاء أصناف شتى من الناس بعضهم ضعفه حسي؛ كالمرضى وذوي الإعاقات، وبعضهم ضعفه معنوي؛ كاليتيم وابن السبيل، والعبيد والخدم، وبعضهم ضعفه بأصل الخلقة التي خلقه الله عليها كالمرأة، وقد اهتم الإسلام ممثلًا في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بحقوق هؤلاء على اختلاف أنواعهم، فحذرت النصوص القرآنية والنبوية من التعدي عليهم، أو الإساءة لهم بالقول أو بالفعل، أو أكل حقوقهم، كما أمرت بالإحسان إليهم، وهو ما أتناوله على النحو التالي:
الفرع الاول:حقوق النساء:
كرّم القرآن الكريم النساء أيما تكريم، وحسبهن أن سميت باسمهن سورة في كتاب الله تعالى اشتملت على طائفة من الأحكام والتشريعات الخاصة بالنساء، وبنحوهن من الضعفاء؛ كاليتامى والمساكين.
وحقوق النساء أكثر من أن تذكر في هذه السطور القليلة، فهي مبسوطة في كتب السنة وأبواب الفقه المختلفة.
وجعل تعالى بين الرجل والمرأة حقوقًا متبادلة، أجملها في آية وفصلها في آيات أخرى، فقال جل شأنه: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 228].
قال الجصاص: «أخبر الله تعالى في هذه الآية أن لكل واحد من الزوجين على صاحبه حقًّا، وإن الزوج مختص بحق له عليها ليس لها عليه مثله بقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ﴾ ولم يبين في هذه الآية ما لكل واحد منهما على صاحبه من الحق مفسرًا، وقد بينه في غيرها وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم»(84).
وأشير هنا إلى طرف من حقوق النساء في القرآن الكريم بإيجاز على هذا النحو:
1. إحسان العشرة الزوجية.
وذلك يتجلى في نصوص قرآنية حثت على إباحة تعدد الزوجات مع شرط العدل بينهن، ونصوص أخرى حثت على التعامل مع نشوز النساء بحلول شرعية تناسب كل النساء، ونصوص ثالثة حثت على إدخال التحكيم أو الصلح في نزاع المرأة مع زوجها، ونصوص رابعة تنهى عن الحيف على المرأة وتأمر بالاعتدال في حالة التعدد.
فمن النوع الأول: قول الله تعالى: ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ﴾ [النساء: 3].
ومنه أيضًا قوله جل شأنه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء: 19].
فنصت الآية على سبيل الوجوب بإحسان عشرة النساء مع الإشارة إلى أن الله تعالى قد يكون قدر الخير في تلك المرأة التي يبغضها زوجها.
والمعاشرة بالمعروف المقصود بها المصاحبة لهن بالإحسان كما ذكره مقاتل(85).
وقال الشافعي رحمه الله في معناها في موضع: «وجماع المعروف إتيان ذلك بما يحسن لك ثوابه وكف المكروه»، وفي موضع آخر: «وجماع المعروف بين الزوجين: كف المكروه وإعفاء صاحب الحق من المؤنة في طلبه، لا بإظهار الكراهية في تأديته فأيهما مطل بتأخيره فمطل الغني ظلم»(86).
وذكر الزمخشري أن المراد بالمعاشرة بالمعروف النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في القول(87).
ويفسر المعروف كذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: (لا يفرك مؤمنٌ مؤمنةً إن كره منها خلقًا رضى منها آخر). أو قال: (غيره)(88).
ومنه كذلك ﴿وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء: 129].
ومن النوع الثاني من النصوص الآمرة بحسن العشرة: قوله جل شأنه: ﴿وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا﴾ [النساء: 34].
ومن النوع الثالث: قول الله تعالى: ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا ٣٥﴾ [النساء: 35].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا﴾ [النساء: 128].
ومن إحسان عشرة النساء عدم إمساكهن كرهًا، فإما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، قال الله تعالى: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ﴾ [البقرة: 229].
وقال جل شأنه: ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 231].
2. إيفاء النساء صداقهن.
جعل الله الصداق حقًّا من حقوق النساء، فأمر الأزواج بإيفائه لهن، وضرب مثالًا لعظمه ومقداره بالقنطار، ونهى عن أخذ شيء منه إلا عن طيب نفس من الزوجة، ونهى عن استرداده.
فقال جل شأنه: ﴿وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا ٤﴾ [النساء: 4].
وقال تعالى: ﴿وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٢٠ وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٢١﴾ [النساء: 20-21].
والآيتان تدلان على عظم قدر الصداق، وفيها دليل على جواز المغالاة في المهور؛ لأنّ الله تعالى لا يمثل إلا بمباح وقد روي أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب على المنبر فقال: «أَلَا لا تغالوا في صداقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا وتقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية» فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا أنت؟ أليس الله سبحانه يقول: ﴿وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ﴾ فقال عمر: «امرأة أصابت وأمير أخطأ»(89).
والآية تدل كذلك عدم جواز أخذ شيء منه بعد الزواج، فالصداق حق كامل للمرأة بالدخول، أو المسيس أو الخلوة الشرعية، وحق متنصف إذا طلقت قبل الدخول على ما هو معروف في أبواب النكاح.
وقال جل شأنه: ﴿وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا﴾ [النساء: 24].
فأبانت الآية أن المهر حق للمرأة، فإن شاء تنازلت عنه أو عن شيء منه فلا حرج عليه ولا على الزوج في ذلك.
3. حق النساء في الميراث.
أعطى الإسلام للمرأة حقها في الميراث زوجة كانت أو بنتًا أو أمًّا أو جدةً، أو أختًا أو بنت ابن..الخ، وجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل، وفي بعض الحالات تتساوى معه أو تزيد عليه.
قال تعالى في شأن توريث النساء على جهة العموم: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ أَوۡ كَثُرَۚ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ٧﴾ [النساء: 7].
وأخرج البخاري عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: «كان المال للولد، وكانت الوصيّة للوالدين، فنسخ اللّه من ذلك ما أحبّ، فجعل للذّكر مثل حظّ الأنثيين، وجعل للأبوين لكلّ واحدٍ منهما السّدس والثّلث، وجعل للمرأة الثّمن والرّبع، وللزّوج الشّطر والرّبع»(90).
وأورد الطبري عن قتادة في قول الله تعالى قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ﴾ [النساء: 32]، كان أهل الجاهلية لا يورّثون المرأة شيئًا ولا الصبيّ شيئًا، وإنما يجعلون الميراث لمن يحترف وينفع ويدفع، فلما نجز للمرأة نصيبها وللصبيّ نصيبه، وجعل للذكر مثل حظّ الأنثيين، قال النساء: «لو كان جعل أنصباءنا في الميراث كأنصباء الرجال»! وقال الرجال: «إنا لنرجو أن نفضّل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهن في الميراث»! فأنزل الله: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ﴾ [النساء: 32]، يقول: المرأة تجزى بحسنتها عشر أمثالها، كما يجزى الرجل، قال الله تعالى: ﴿وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۗ﴾ [النساء: 32](91).
وورد في سورة النساء آيات تنص على حق توريث المرأة بجميع حالاتها الأم والجدة، والبنت وبنت الابن، والاخت، والزوجة.... على ما هو معروف في آيات سورة النساء.
4. عدم عضل المرأة في النكاح.
نهى القرآن الكريم الأولياء عن عضل النساء في الزواج، سواء كانت المرأة ابنة الولي أو أخته أو يتيمة في حجره، فقال جل شأنه: ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوۡاْ بَيۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ ذَٰلِكُمۡ أَزۡكَىٰ لَكُمۡ وَأَطۡهَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 232].
قال الإمام الشافعي: «حتم لازم لأولياء الأيامى، والحرائر البوالغ إذا أردن النكاح، ودعوا إلى رضى من الأزواج. أن يزوجوهن؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوۡاْ بَيۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ﴾ فإن شبّه على أحد بأن مبتدأ الآية على ذكر الأزواج؛ ففي الآية دلالة على أنه إنما نهى عن العضل الأولياء؛ لأن الزوج إذا طلق، فبلغت المرأة الأجل فهو أبعد الناس منها، فكيف يعضلها من لا سبيل ولا شرك له في أن يعضلها في بعضها؟!»(92).
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ﴾ [النساء: 19].
وسبب نزول ذلك كما ذكره الماوردي: «أن أهل المدينة في الجاهلية كانوا إذا مات أحدهم عن زوجة، كان ابنه وقريبه أولى بها من غيره ومنها بنفسها، فإن شاء نكحها كأبيه بالصداق الأول، وإن شاء زوجها وملك صداقها، وإن شاء عضلها عن النكاح حتى تموت فيرثها أو تفتدي منه نفسها بصداقها، إلى أن توفّي أبو قيس بن الأسلت عن زوجته كبيشة بنت معن بن عاصم فأراد ابنه أن يتزوجها فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فنزلت هذه الآية»(93).
5. تشريع كفارة الظهار من حقوق النساء.
شرع الله تعالى كفارة الظهار حلًّا لإشكالية وقعت لامرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان في ذلك رحمة بكثير من الأسر التي توشك أن تنهار بسبب الظهار، بل إن الله تعالى قد أنزل سورة كاملًا تحمل اسم «المجادلة» والتي صدرت آياتها بقصة السيدة خولة ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ١ ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ ٢ وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٣ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 1-4].
روي عن عبد اللّه بن سلامٍ عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت: (ظاهر منّي زوجي أوس بن الصّامت فجئت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أشكو إليه، ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه، ويقول: (اتّقي اللّه فإنّه ابن عمّك)، فما برحت حتّى نزل القرآن ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا﴾ إلى الفرض، فقال: (يعتق رقبةً)، قالت: لا يجد، قال: (فيصوم شهرين متتابعين)، قالت: يا رسول اللّه، إنّه شيخٌ كبيرٌ ما به من صيامٍ، قال: (فليطعم ستّين مسكينًا)، قالت: ما عنده من شيءٍ يتصدّق به، قالت: فأتى ساعتئذٍ بعرقٍ من تمرٍ، قلت: يا رسول اللّه، فإنّي أعينه بعرقٍ آخر، قال: (قد أحسنت اذهبي فأطعمي بها عنه ستّين مسكينًا وارجعي إلى ابن عمّك)(94).
6. النهي عن معاشرة المرأة في حال العذر الشرعي:
من حقوق المرأة كذلك أن القرآن الكريم نهى الأزواج عن معاشرة زوجاتهم خلال الحيض ونحوه؛ كالنفاس، واصفًا ذلك بأنه أذى، وهذا وإن كان أمرًا شرعيًّا يتعلق بالطهارة، وحفظ الصحة، ونحوهما؛ فهو حق للمرأة كذلك، حيث لا يحل لزوجها إجبارها على المعاشرة وهي على هذه الحالة، قال تعالى: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِۖ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
وقد حكى الرازي - عند تفسير هذه الآية- اتفاق المسلمين على حرمة الجماع في زمن الحيض، واتفاقهم على حل الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة ودون الركبة، واستنبط من الآية فائدة جليلة جديدة وهي أن يكون قوله: ﴿فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِۖ﴾ نهيًا عن المباشرة في موضع الدم، وقوله: ﴿وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ﴾ يكون نهيًا عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع(95).
الفرع الثاني:حقوق اليتامى:
اليتيم هو من فقد أباه دون البلوغ ويمكن أن يطلق أيضًا على من بلغ استصحابًا للأصل(96).
وقد ورد ذكر اليتامى في القرآن الكريم في اثنين وعشرين موضعًا، بعضها بالإفراد وأكثرها بالجمع، وموضع في الكهف بالتثنية.
وقد أوصى القرآن الكريم باليتامى خيرًا في غير موضع، وحث على إيفائهم حقوقهم وعدم أكل أموالهم، وذكر نعمته جل وعلا على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي نشأ يتيمًا فآواه الله عز وجل.
وأبرز حقوق اليتامى التي ورد الأمر بها في القرآن الكريم ما يلي:
1. الإحسان إليهم.
وذلك في آيات عدة منها:
قول الله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ﴾ [البقرة: 83].
وقوله جل شأنه: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا ٣٦﴾ [النساء: 36].
2. عدم أكل مال اليتامى ظلمًا.
كما في قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا ٢ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ ٣﴾ [النساء: 3].
وحذر القرآن الكريم من أكل أموال اليتامى مصورًا إياه في أبشع صورة ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا ١٠﴾ [النساء: 10].
وأكل مال اليتامى ظلمًا معدود من أكبر الكبائر ومن السبع الموبقات بنص حديث أبى هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السّبع الموبقات). قالوا: يا رسول اللّه، وما هنّ؟ قال: (الشّرك باللّه، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم اللّه إلاّ بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)(97).
3. عدم الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده.
وذلك جاء في موضعين من مواضع الوصايا الواردة في سورتي الأنعام والإسراء، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۖ﴾ [الأنعام: 152] [الإسراء:30].
4. النصح لليتيم.
من حقوق اليتيم النصح له، وذلك بالنظر فيما يصلح شأنه ماديًّا ومعنويًّا، وحسن التصرف في ذلك، مصداقًا، لقول الله تعالى: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [البقرة: 220].
وذكر البخاري أن ابن سيرين كان أحبّ الأشياء إليه في مال اليتيم أن يجتمع إليه نصحاؤه وأولياؤه فينظروا الّذي هو خيرٌ له. وكان طاوسٌ إذا سئل عن شيءٍ من أمر اليتامى قرأ ﴿وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ﴾. وقال عطاءٌ فى يتامى الصّغير والكبير: ينفق الوليّ على كلّ إنسانٍ بقدره من حصّته (98)..
5. التصدق على اليتيم.
ومن حقوقه أيضًا: التصدق عليه كما في قول الله تعالى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾ [البقرة: 177].
وكما في حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ هذا المال خضرةٌ حلوةٌ، فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السّبيل)، أو كما قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (وإنّه من يأخذه بغير حقّه كالّذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة)(99).
6. الإحسان إلى يتامى النساء.
أمر القرآن الكريم بالإحسان إلى اليتيمات من النساء خاصة؛ نظرًا لما كان عليه العرب من هضم حقوقهن، وإهدارها،والتزوج منهن كرهًا حتى يستولي عليها وعلى مالها، فقال تعالى: ﴿وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗا﴾ [النساء: 127].
وسبب نزولها كما في الصحيحين: ما رواه عروة بن الزّبير أنّه سأل عائشة عن قول اللّه تعالى: ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ﴾. فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها، تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوّجها، بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهنّ، إلاّ أن يقسطوا لهنّ، ويبلغوا لهنّ أعلى سنّتهنّ في الصّداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النّساء سواهنّ. قال عروة قالت عائشة وإنّ النّاس استفتوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فأنزل اللّه ﴿وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ﴾ قالت عائشة وقول اللّه تعالى فى آيةٍ أخرى ﴿وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، قالت: فنهوا أن ينكحوا عن من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النّساء، إلاّ بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كنّ قليلات المال والجمال(100).
الفرع الثالث: حقوق العبيد ونحوهم:
العبيد والإماء صنف من الناس ابتلوا بالرق لظروف ألمت بهم، وقد اهتم الإسلام بأمرهم، وحث على الإحسان إليهم، ووردت في أكثر الكفارات صنف من خصال الكفارة عن عتق الرقاب، وقد كان الرق منتشرًا قبل الإسلام، فلما أنعم الله تعالى على البشرية بالرسالة المحمدية، سعت الشريعة إلى تضييق نطاق الرق بتجفيف منابعه، وذلك من خلال الحث على الإعتاق:
فجاء الأمر بالعتق في كفارات (اليمين، والظهار، والقتل الخطأ، والجماع في رمضان)، وهذا أبرز حق من حقوق العبيد وهو: السعي في إعتاقهم، والنصوص القرآنية وافرة في هذا الشأن:
قال الله تعالى في شأن كفارة القتل الخطأ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا﴾ [النساء: 92].
وقال جل شأنه في كفارة اليمين: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [المائدة: 89].
وقال عز من قائل في كفارة الظهار: ﴿وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ [المجادلة: 3].
وقال تعالى مرغبًا في الإعتاق على جهة العموم: ﴿فَلَا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ ١١ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡعَقَبَةُ ١٢ فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣﴾ [البلد: 11-13].
ومن حقوق العبيد التي وردت في القرآن الكريم مكاتبتهم إن أرادوا التحرر من ربقة العبودية.
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ﴾ [النور: 33].
ومن حقوق الإماء عدم إكراههم على الفاحشة، تطبيقًا لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [النور: 33].
وسبب الآية كما أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنّ جاريةً لعبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول يقال لها: مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، فكان يكرههما على الزّنى، فشكتا ذلك إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأنزل اللّه: ﴿وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾(101).
ومن حقوق العبيد التصدق عليهم، وذلك من خصال البر، كما في قول الله: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾ [البقرة: 177].
ومن حقوق العبيد والإماء ويلحق بهم الخدم عدم التقصير في نفقتهم، وتعليمهم أمور الشرع وحثهم على الطاعات.
وعدم تكليفهم بما لا يطاق، فإن كلفوا بعمل شاق، فينبغي مساعدتهم، وهذا الحق وإن لم ينص عليه صراحة في كتاب الله تعالى إلا أنه مستفاد من نصوص قرآنية عامة، مثل قول الله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 233].
وقد نصت السنة النبوية على هذا الحق كما في الصحيح عن المعرور بن سويدٍ قال: رأيت أبا ذرٍّ الغفاريّ رضي الله عنه وعليه حلّةٌ وعلى غلامه حلّةٌ فسألناه عن ذلك فقال: (إنّى ساببت رجلًا فشكاني إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال لي النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (أعيّرته بأمّه؟). ثمّ قال: (إنّ إخوانكم خولكم جعلهم اللّه تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل، وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم)(102). وللعبيد حقوق أخرى مبسوطة في مواضعها من كتب الفقه.
الفرع الرابع: حقوق المرضى وذوي الإعاقات:
المرض ضعف في القوى يترتب عليه خلل في الأفعال، أو هو خروج البدن عن الاعتدال الخاص(103).
والأمراض من البلايا التي يبتلى بها البشر وغيرهم، وقد جعل الله تعالى المرض مشتملًا على فوائد وحكم متعددة، وللمرضى حقوق كفلتها لهم الشريعة الإسلامية مراعاة لأحوالهم وظروفهم، وأبرز حقوق المرضى والضعفاء التي وردت في القرآن الكريم هي التخفيف عن المرضى في العبادات وما يتعلق بها:
حيث خفف الله تعالى عن المرضى في العبادات، ورخص لهم ويسر عليهم أمورهم في الطهارة، والصلاة، والصوم، والحج، والجهاد، والاستئذان، والأكل من بيوت الأقارب، ونحوها مما ورد في القرآن الكريم:
ففي معرض الرخص في العبادات نجد في الطهارة قول الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا﴾ [المائدة: 6].
وفي الصلاة قال الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٠٢ فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا﴾ [النساء: 102-103].
وفي الآيتين اعتبار لعذر المرض في صلاة الخوف، وفي الصلاة من قعود أو على جنب عند العجز عن القيام.
وقال جل شأنه في معرض الأمر بالتخفيف في القراءة في الصلاة: ﴿فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرۡضَىٰۙ وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِۙ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ﴾ [المزمل: 30].
وفي الصيام قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٤ شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [البقرة: 182-183].
وفي الحج قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ﴾ [البقرة: 196].
وفي رفع الحرج عن المريض في الجهاد والإذن له بالتخلف، قال الله تعالى: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 91].
وقال جلَّ شأنه أيضًا: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبۡهُ عَذَابًا أَلِيمٗا﴾ [الفتح: 17].
وفي الأكل من بيوت الأقارب نجد قول الله تعالى: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [النور: 61].
وفي المقصود بهذه الآية خمسة أقاويل:
أحدها: أن الأنصار كانوا يتحرجون أن يؤاكلوا هؤلاء إذا دعوا إلى الطعام فيقولون: الأعمى لا يبصر أطيب الطعام، والأعرج لا يستطيع الزحام عند الطعام، والمريض يضعف عن مشاركة الصحيح في الطعام، وكانوا يقولون: طعامهم مفرد ويرون أنه أفضل من أن يكونوا شركاء، فأنزل الله هذه الآية فيهم ورفع الحرج عنهم في مؤاكلتهم، قاله ابن عباس، والضحاك، والكلبي.
الثاني: أنه ليس على هؤلاء من أهل الزمانة حرج أن يأكلوا من بيوت من سمى الله بعد هذا من أهاليهم، قاله مجاهد.
الثالث: أنه كان المذكورون من أهل الزمانة يخلفون الأنصار في منازلهم إذا خرجوا بجهاد وكانوا يتحرجون أن يأكلوا منها فرخص الله لهم في الأكل من بيوت من استخلفوهم فيها، قاله الزهري.
الرابع: أنها نزلت في إسقاط الجهاد عمن ذكروا من أهل الزمانة.
الخامس: ليس على من ذكر من أهل الزمانة حرج إذا دعي إلى وليمة أن يأخذ معه قائده(104).
هذا وللمريض حقوق كفلتها السنة النبوية؛ كالزيارة، والدعاء له بالشفاء ونحوها مما ورد في مواضعه، مما لا يتسع المقام لذكره لعدم صلته المباشرة بآيات قرآنية.
الفرع الخامس: حقوق أبناء السبيل:
ابن السبيل صنف من الأصناف التي ورد ذكرها في آية مصارف الزكاة، وقد اختلف في المقصود به وأشهر ما في ذلك قولان:
أولًا: أنه المسافر الغريب أو عابر الطريق، الذي انقطعت به النفقة، وسمي بذلك كأن الطريق ولدته(105).
ثانيًا: أن المراد به الضيف، أو المسافر الذي يمر بحي من الأحياء، حيث يجب إكرامه(106).
ولابن السبيل جملة من الحقوق ورد ذكرها في القرآن الكريم بيانها على هذا النحو:
1. الأخذ من الزكاة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [التوبة: ٦٠].
2. الإنفاق عليه.
قال تعالى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [البقرة: 177].
وقال تعالى في آية النفقة: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 215].
3. الإحسان إليه.
قال تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦].
4. استحقاقه من الغنيمة.
قال الله تعالى: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41].
5. إيفاؤه حقه.
قال تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦].
وكما في قوله تعالى: ﴿فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨].
8. استحقاقه من الفيء.
قال تعالى: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الحشر: 7].
الفرع السادس: حقوق الأطفال:
اهتم الإسلام بالطفولة الكريمة وجعلها أساس المجتمع السوي، وأعطاها اهتمامًا بالغًا، فحض على الزواج وعلى حسن اختيار كل من الزوجين للآخر لما في ذلك من أثر في حسن العشرة والنشأة الكريمة للأطفال، وورد في القرآن الكريم طائفة من حقوق الأطفال على هذا النحو:
1. حق الرضاعة.
من أبرز حقوق الطفل بعد ولادته حق الرضاعة التي تقوم بها الأم أو أي امرأة أخرى بالأجر مع التزام والد الطفل بهذا الأجر، مع ملاحظة أن الرضاع ليس بواجب على الأم، ولا تجبر عليه، إلا إذا لم يوجد غيرها، مما يترتب على ترك الرضاع إضرار بالطفل، وقد نص القرآن الكريم على ذلك في غير موضع منها:
قال الله تعالى: ﴿وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [البقرة: 233].
قال الطبري: «وليس ذلك بإيجاب من الله تعالى ذكره عليهن رضاعهم، إذا كان المولود له ولد، حيًّا موسرًا؛ لأن الله تعالى ذكره قال في سورة النساء القصرى: ﴿وَإِن تَعَاسَرۡتُمۡ فَسَتُرۡضِعُ لَهُۥٓ أُخۡرَىٰ﴾ [الطلاق: 6].
فأخبر تعالى ذكره: أن الوالدة والمولود له إن تعاسرا في الأجرة التي ترضع بها المرأة ولدها، أن أخرى سواها ترضعه، فلم يوجب عليها فرضًا رضاع ولدها. فكان معلومًا بذلك أن قوله: ﴿وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ﴾ دلالة على مبلغ غاية الرضاع التي متى اختلف الوالدان في رضاع المولود بعده، جعل حدًّا يفصل به بينهما، لا دلالة على أن فرضًا على الوالدات رضاع أولادهن»(107).
وجاء في نفس الآية: ﴿وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [البقرة: 233].
2. حق التربية والتقويم.
تربية الأولاد وتقويمهم من الحقوق التي كفلها الإسلام لهم، وحض عليها الوالدين، وذلك وارد كثيرًا في السنة النبوية بتوسع، وأصول التربية وارد بعضها في كتاب الله تعالى، وأبرزها في موطنين:
الموطن الأول: في وصف سيدنا إسماعيل عليه السلام حيث كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وهذا جانب من جوانب التربية.
قال تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤ وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥﴾ [مريم: 54-55].
الموطن الثاني: في تعليم الأطفال الاستئذان.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ﴾ [النور: 58].
والمراد بهم الأطفال الأحرار دون البلوغ(108)، على تفصيل في الآية وخلاف هل المقصود بها الذكور والإناث أم الذكور فقط، وليس هذا موضع لبسط الخلاف في المسألة.
قال الجصاص: «وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ﴾ يدل على أن من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح وإن لم يكن من أهل التكليف على جهة التعليم؛ كما أمرهم الله تعالى بالاستئذان في هذه الأوقات»(109).
وفي نفس السورة: ﴿وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [النور: 59].
هذا وحقوق الأطفال على جهة الإجمال كثيرة مبسوطة في كتب السنة النبوية مما لا مجال لذكره.
وقد نص القرار رقم: 113 (7/12)[1] بشأن موضوع حقوق الأطفال والمسنين، والصادر عن مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية، من 25 جمادى الآخرة 1421هـ ـ 1 رجب 1421هـ الموافق 23 - 28 أيلول (سبتمبر) 2000م. على عدة توصيات تتعلق بحقوق الأطفال مستمدة من القرآن والسنة تصل في مجملها إلى عشرة بنود(110).
ثامنًا: حقوق الفقراء والمساكين:
الفقراء والمساكين صنفان من أصناف الزكاة الواردة في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [التوبة: ٦٠].
وللعلماء كلام طويل في تعريف كل منهما والتفرقة بينهما أشير إليه بإيجاز:
- أنّ الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه(111).
- أنّ الفقير الذي لا يسأل الناس، كما قال الله تعالى في صفة الفقراء: ﴿لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، والمسكين هو الذي يسأل الناس، كما قال الله تعالى: ﴿وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] وقد جاء يسأل(112).
- أنّ الفقير الذي يسأل ويظهر افتقاره وحاجته إلى الناس، استدلالًا بقوله عز وجل: ﴿وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ﴾، والمسكين هو الذي به زمانة لا يسأل ولا يعطى له، كما قال الله تعالى: ﴿أَوۡ مِسۡكِينٗا ذَا مَتۡرَبَةٖ﴾ [البلد: 16] أي: لاصقًا بالتراب من الجوع والعرى(113).
- أنّ الفقير هو الذي له بلغة لا تكفيه لعيش عامه، والمسكين هو من ليس لديه شيء بالكلية (114).
- أن الفقير هو الذي يقدر على ما يقع موقعًا من كفايته إلا إنه لا يكفيه(115).
- أن الفقير هو الذي لا يجد شيئًا ألبته، أي: قطعًا، أو يجد شيئًا يسيرًا من الكفاية دون نصفها من كسب أو غيره مما لا يقع موقعًا من كفايته، والمسكين الذي يجد معظم الكفاية أو نصفها، من كسب أو غيره(116).
الفرق بين الفقير والمسكين:
للعلماء في التفرقة بين الفقير والمسكين أو التشابه بينهما أقوال أوجزها في ثلاثة:
القول الأول: أن الفقير أحسن حالًّا من المسكين، قال ابن السكيت: سألت أعرابيًّا أفقير أنت؟ فقال: لا والله، بل مسكينٌ.
القول الثاني: أنّ المسكين أحسن حالًّا من الفقير؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ﴾ [الكهف: 79]. وكانت تساوي جملة، وقال في حقّ الفقراء: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾[البقرة: 273].
القول الثالث: أنهما صنف واحد، وهو الذي لا شيء له، فجعلهما سواء(117).
هذا وقد حثت نصوص القرآن الكريم على وجوب إيتاء حق المساكين في غير موضع كما في قوله تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا﴾ [الإسراء: 26].
وقوله جل شأنه: ﴿فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٣٨﴾ [الروم: 38].
وأبرز ما يمكن ملاحظته من حقوق الفقراء والمساكين في القرآن الكريم ما يلي:
1. دفع الزكاة إليهم.
وذلك بنص الآية: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [التوبة: ٦٠].
هذا وقد لاحظ بعض العلماء أن الفقير والمسكين يأخذون منها أخذًا مستقرًّا، لا يجب عليهم رد ما أخذوه بأي حال حتى لو استغنوا(118).
2. مراعاة شعورهم في دفع الصدقات بأفضلية إخفاء الصدقة.
كما في قوله تعالى: ﴿إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٧١﴾ [البقرة: ٢٧١].
وللعلماء كلام طويل في المقارنة بين الإخفاء والإظهار في هذا الصدد، لا مجال لذكره(119).
3. المبادرة بإعطائهم قبل السؤال، لا سيما المتعففون منهم الذين لا يسألون الناس إلحافًا.
كما في قوله تعالى: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ٢٧٣﴾ [البقرة: ٢٧٣].
4. الحث على تزوج الفقراء مع وعد الله تعالى لهم بالغنى بسبب الزواج.
كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ﴾[النور: ٣٢].
5. جعل نصيب للفقراء والمساكين في الغنيمة.
كما في قوله تعالى: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ﴾ [الأنفال: ٤١].
6. جعل نصيب لهم عند حضور القسمة.
كما في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينُ فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا﴾ [النساء: ٨].
7. جعل نصيب لهم من النفقة.
كما في قول الله تعالى: ﴿قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ﴾ [البقرة: ٢١٥].
8. الإحسان إليهم.
كما في قول الله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ﴾ [البقرة: ٨٣].
9. التصدق عليهم بالطعام والشراب.
كما في قول الله تعالى: ﴿وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨].
وقوله جل شأنه في سورة البلد: ﴿أَوۡ مِسۡكِينٗا ذَا مَتۡرَبَةٖ﴾ [البلد: 16].
والمراد به: مسكينًا ذا لصوق بالأرض لحاجته وشدة فقره، يقال: ترب فلان: إذا افتقر والتصق بالتراب، ويقال أيضًا ترب بمعنى افتقر، وأترب، أي: استغنى، كأنّ الهمزة للسّلب(120).
10. جعل نصيب للمساكين من الكفارات المالية.
كما في قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ﴾ [المائدة: ٨٩].
وقوله تعالى في جزاء الصيد: ﴿أَوۡ كَفَّٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥].
وقوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ٤﴾ [المجادلة: ٤].
تاسعًا: حقوق غير المسلمين:
كفل الإسلام لغير المسلمين جملة من الحقوق التي يتمتعون بها في ظل الإسلام، بغض النظر عن تقسيماتهم المختلفة، وينقسم غير المسلمين من حيث عداوتهم ومسالمتهم إلى صنفين: مسالمين ومحاربين، والمسالمون هم: الذميون، والمعاهدون، والمستأمنون، وهذا طرف مما ورد في القرآن الكريم من حقوقهم.
- البر والقسط مع المسالمين من غير المسلمين.
وهم الذين لم يتعرضوا للمسلمين بضرر أو سوء، ولم يحاربوهم فهؤلاء لم ينه الله تعالى عن برّهم والإقساط إليهم، كما في قوله تعالى: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨ إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الممتحنة: 7-8].
فهؤلاء لهم حقّ البرّ والقسط؛ وفي معنى القسط إليهم ثلاثة أوجه ذكرها الماوردي:
أحدها: يعني وتعدلوا فيهم، قاله ابن حبان. فلا تغلوا في مقاربتهم، ولا تسرفوا في مباعدتهم.
الثاني: معناه أن تعطوهم قسطًا من أموالكم، حكاه ابن عيسى.
الثالث: أنه الإنفاق على من وجبت نفقته منهم، ولا يكون اختلاف الدين مانعًا من استحقاقها(121).
وهذه الآية ذهب بعض مفسري السلف إلى أنها منسوخة بآيات القتال، ولكن ذهب شيخ المفسرين الطبري إلى أن المعنى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبرّوهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله عزّ وجلّ عمّ بقوله: ﴿ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ﴾ جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضًا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ؛ لأن برّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرّم ولا منهيّ عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح»(122).
- دعوة غير المسلمين إلى دين الإسلام.
من حقوق غير المسلمين علينا أن ندعوهم إلى الدخول في دين الله تعالى، حرصًا على نشر دينه، وحرصًا على مصلحتهم وسلامتهم من العذاب يوم القيامة، والعديد من نصوص القرآن الكريم تأمر بذلك، ومن هذا القبيل قول الله تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦۖ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ [النحل: 125].
والمراد بسبيل الله هنا هو دينه وطاعته تعالى(123).
- عدم مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٤٦﴾ [العنكبوت: 46].
وهذه الآية ذهب البعض كقتادة ومعمر إلى أنها منسوخة بآية السيف، وذهب آخرون كابن زيد إلى أنها ليست منسوخة(124). وفي المقصود بالتي هي أحسن أربعة أقوال:
أحدها: أن الّتي هي أحسن قول: (لا إله إلا الله)، قاله ابن عباس. والثاني: الكف عنهم عند بذل الجزية منهم وقتالهم إن أبوا، قاله مجاهد.والثالث: أنهم إن قالوا شرًّا فقولوا لهم خيرًا، رواه ابن أبي نجيح. والرابع: وهو أن يحتج لشريعة الإسلام ولا يذم ما تقدمها من الشرائع.
وفي المراد بــ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ﴾ أقوال:
أحدها: أنهم أهل الحرب، قاله مجاهد.
والثاني: من منع الجزية منهم، رواه خصيف.
والثالث: ظلموا بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم، قاله ابن زيد. والرابع: ظلموا في جدالهم فأغلظوا لهم، قاله ابن عيسى(125).
- الوفاء بالعهود لهم.
الأصل في العهد أو الالتزام أنه يجب الوفاء به امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ﴾ [الأنعام: 1].
وجرى خلاف كبير في المقصود بالعقود في الآية على خمسة أقوال(126).
منها أن المراد بها العقود التي يتعاقدها الناس بينهم، ويعقدها المرء على نفسه وأشهرها خمسة: عقدة الأيمان، وعقدة النكاح، وعقدة العهد، وعقدة البيع، وعقدة الحلف. وهذا مروي عن عبد الرحمن بن زيد(127).
وفيما يتعلق بالعهد مع غير المسلمين يقول المولى عز وجل: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 4].
والآية تنص على على وجوب الوفاء بالعهد مع غير المسلمين الذين التزموا به إلى تمام وقته، فلا يجوز نقضه من جانب المسلمين إلا إذا غدر المشركون وخانوا(128).
أداء الحقوق
لما كانت الحقوق على اختلاف أنواعها ودرجاتها ذات أهمية كبيرة في الدنيا والآخرة، فقد أمر الله تعالى الناس بأدائها، ورتب على ذلك الثواب الكبير والفضل العظيم، وحذّر من تضييعها أو إهدارها والتعدي عليها، ورتب على ذلك العواقب الوخيمة في الدنيا والآخرة.
ونصوص القرآن الكريم وافرة في هذا الصدد، منها ما هو صريح أمرًا ونهيًا، ومنها ما استنبطه المفسرون والفقهاء من الآيات المتعددة التي تدل على استيفاء الحقوق، وما يسقط منها بالتوبة وما لا يسقط، وما تكفره الحسنات وما لا تكفره، وأتناول ذلك على النحو الآتي:
أولًا: ثواب المؤدين للحقوق:
- الحقوق بجميع أقسامها أمانة اختص الإنسان بحملها.
قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾ [الأحزاب: 72].
فسرت الأمانة في الآية الكريمة بتفسيرات عدة، ففسرها البعض بأنها طاعة الله عز وجل وفرائضه وشرائعه، روي هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك، والحسن وأبي العالية، ومقاتل، وقتادة، وسعيد بن جبير وغيرهم(129).
وذهب بعضهم إلى أن الأمانة هي غسل الجنابة، وذهب أبو الدرداء وغيره إلى أن الأمانة هي حفظ الفرج للرجال والنساء(130)، وذهب السدي إلى أن المقصود بها ائتمان قابيل على أخيه(131).
وذهب ابن مسعود إلى أن الأمانة هنا المقصود بها أمانات الناس من الودائع ونحوها(132)، وأورد فيها حديث «القتل في سبيل اللّه يكفّر الذّنوب كلّها غير الأمانة، يؤتى بالشّهيد في سبيل اللّه فيقال: أدّ أمانتك، فيقول: من أين أؤدّيها فقد ذهبت الدّنيا؟ قال: فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية، حتّى إذا انتهي به إلى قرار الهاوية، مثّلت له أمانته كهيئتها يوم ذهبت فيحملها فيضعها على عاتقه، فيتصعد في النّار حتّى إذا رأى أنّه قد خرج منها فهوت، وهوى في إثرها أبد الآبدين، ثمّ قرأ عبد اللّه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾»(133).
- الحقوق أمانة واجبة الأداء.
جميع الحقوق التي شرعها الله تعالى أمانة في أعناقنا يجب علينا أداؤها ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا﴾ [النساء: 58].
قال الطبري تعقيبًا على قول ابن جريج إنّ هذه الآية نزلت في عثمان بن طلحة، «إنه جائز أن تكون نزلت فيه، وأريد به كل مؤتمن على أمانة، فدخل فيه ولاة أمور المسلمين، وكلّ مؤتمن على أمانة في دين أو دنيا. ولذلك قال من قال: عني به قضاء الدين، وردّ حقوق الناس»(134).
- إيفاء حقوق الناس عاقبته الفلاح.
أمر الله تعالى بإيتاء حقوق الغير لا سيما إن كان له درجة خاصة، أو ظروف خاصة؛ كالأقارب والمساكين وأبناء السبيل.
قال تعالى: ﴿فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الروم: 38].
والمعنى هنا يجوز أن يكون مراده الصدقات الواجبة في آية مصارف الزكاة، وجائز أن يكون الحق الذي يلزمه إعطاؤه عند الضرورة إليه(135).
وقيل: «المقصود إيتاء ذي القربى حقه من صلة المال وحسن المعاشرة ولين القول، قال الحسن «حقه» المواساة في اليسر وقول ميسور في العسر»(136).
- إيفاء الحقوق من أهم وصايا الأنبياء إلى قومهم.
أرسل الله تعالى أنبياءه ورسله لهداية الناس وإرشادهم وتحذيرهم من عاقبة مخالفة الله تعالى، وأكل حقوق الناس، ولهذا جاءت آيات القرآن لتبرز وصايا الأنبياء لقومهم في هذا الشأن.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك: وصية سيدنا شعيب عليه السلام لقومه ﴿وَيَٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ﴾ [هود: 85].
أي: لا تنقصوا الناس حقوقهم، كما روي عن صالح بن حي، وقتادة(137).
- الوصايا القرآنية الإجمالية داخلة جميعها في الحقوق.
وردت وصايا قرآنية على سبيل الإجمال في سورتي الأنعام والإسراء بلغت عشر وصايا في الأولى، واثنتا عشرة وصية في الثانية، واشتملت هذه الوصايا على طائفة كبيرة من الحقوق، سواء كانت حقوقًا لله تعالى أم للعباد.
فوصية سورة الأنعام في قول الله تعالى: ﴿قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٥١ وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۖ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١٥٢ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٥٣﴾ [الأنعام: 151-153].
ووصية سورة الإسرء في قوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ٢٣﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا ٣٧ كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا ٣٨﴾ [الإسراء: 23-39].
قلت: وهذه الحقوق السابق ذكرها في الأنعام والإسراء ورد ذكر أكثرها بالتفصيل في المبحث السابق.
- استيفاء الحقوق في الدنيا.
شرع الله عز وجل الولاية العظمى، وما يستتبعها من الولايات الأخرى، لإقامة العدل في الأرض، وأنزل الأحكام الشرعية لتكون دستورًا يحفظ للناس حقوقها، فكانت مشروعية القصاص والحدود والتعازير على نحو ما هو معروف في الشريعة الإسلامية، ولذلك نجد ضوابط الشريعة الإسلامية الحاكمة لاستيفاء الحقوق.
وبالنظر إلى الحقوق من حيث استيفاؤها إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما لا بد فيه من الرفع إلى القضاء، باتفاق الفقهاء؛ كتحصيل العقوبات وما يخاف من استيفائه الفتنة، وذلك لخطرها وكذلك ما كان من الحقوق مختلفًا في أصل ثبوته.
الثاني: ما لا يحتاج إلى القضاء باتفاق الفقهاء، لتحصيل الأعيان المستحقة، وتحصيل نفقة الزوجة والأولاد.
الثالث: ما اختلف في جواز تحصيله من غير قضاء، كاستيفاء الديون(138).
ثانيًا: عاقبة المفرطين في الحقوق:
حذرت الشريعة الإسلامية من التعدي على الحقوق، سواء كانت من حقوق الله تعالى أو من حقوق العباد، وورد في نصوص الكتاب العزيز آيات تحذر من ذلك، وأورد في هذا المطلب جوانب من التحذير في تعدي الحدود والتفريط في الحقوق، وما يتعلق بها على النحو التالي:
- التعدي على الحقوق يعتبر كفر أو فجور.
قال تعالى: ﴿وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ عَلَيۡهَا غَبَرَةٞ ٤٠ تَرۡهَقُهَا قَتَرَةٌ ٤١ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَفَرَةُ ٱلۡفَجَرَةُ ٤٢﴾ [عبس: 40-42].
حيث ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد: أن الموصوفين بهذا (كفرة) في حقوق الله تعالى، (فجرة) في حقوق العباد، وأنهم لما جمعوا الفجور إلى الكفر جمع إلى سواد وجوههم الغبرة(139).
- حقوق العباد لا تكفرها الصدقة.
يخطئ من يظن أن الصدقة وفعل الخيرات تكفر كل الذنوب، أو تعفي المرء من كل التبعات، فهي لا تعفيه من تبعات حقوق الناس؛ لأن حقوق الناس تقوم على المشاحَّة.
قال الله تعالى: ﴿إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ [البقرة: 271].
ذكر الإمام الماوردي أن كلمة (من) هنا للتبعيض؛ لأن حقوق العباد لا تكفرها الصدقة(140).
- حقوق العباد لا تسقط بالتوبة.
التوبة لها شروط معروفة عند العلماء، سواء تعلقت بحقوق الله تعالى أو بحقوق العباد، وأهم شرط فيما يتعلق بالتوبة من حقوق العباد هو التحلل من تبعاتهم ومظالمهم، وهذا معروف بلا خلاف في عامة الحقوق، وفيه خلاف يسير فيما إذا كانت حقوق الناس استولي عليها بالحرابة ونحوها.
أما عن الأول فهذا مستفاد من نصوص قرآنية كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا﴾[النساء: 6].
حيث استنبط منها بعض المفسرين أن حقوق الناس لا تسقط بالتوبة(141).
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ﴾ [هود: 114].
قال الألوسي: «ولا يمكن على ذلك التقدير حملها على الظاهر لما أن السيئة حينئذ تشمل حقوق العباد والإجماع على أن الحسنات لا تذهبها وإنما تذهبها التوبة بشروطها المعتبرة المعلومة»(142).
وأما عن الثاني وهو عدم سقوط حقوق الناس عن المحارب، فقد قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [المائدة: 34].
استفيد من الآية أن المحارب إذا تاب منهم قبل القدرة عليهم وهو قبل أن يظفر به الإمام تسقط عنه كل عقوبة وجبت حقًّا لله، ولا يسقط ما كان من حقوق العباد فإن كان قد قتل في قطع الطريق يسقط عنه بالتوبة قبل القدرة عليه تحتم القتل، ويبقى عليه القصاص لولي القتيل فإن شاء عفا عنه وإن شاء استوفاه، وإن كان قد أخذ المال يسقط عنه القطع وإن كان قد جمع بينهما يسقط عنه تحتم القتل والصلب، ويجب ضمان المال وهو قول الشافعي رضي الله عنه(143).
- حقوق العباد لا تسقط بالتقادم.
المعروف في الشريعة الإسلامية أن الحقوق يطرأ عليها العفو والتقادم ونحوهما، فما مدى أثر العفو والتقادم على سقوط الحقوق من عدمه؟.
يمكن القول بأن التقادم يسري على حقوق العباد، وعلى حقوق الله تعالى، فأما حقوق العباد فإنها لا تسقط بالتقادم بل تسمع الدعوى فيها متى ما تقدم صاحب الحق بالمطالبة بحقه، وأما الحقوق الخالصة لله تعالى كالحدود، فإن أقر بها الشخص بطوعه واختياره فلا أثر للتقادم فيها، وإن كانت أثيرت بناء على شهادة الشهود فهذا محل خلاف بين الفقهاء(144).
- حقوق العباد لا يصح الرجوع فيها بعد الإقرار بها طوعًا.
لا يجوز للمرء أن يرجع في حق أقر به من حقوق العباد، وإن رجع فلا يقبل رجوعه، فقد نصت المادة (1588) من مجلة الأحكام العدلية على ما يلي: (لا يصح الرجوع عن الإقرار في حقوق العباد، فعليه لو قال أحد: إنني مدين لفلان بكذا درهمًا فيلزم بإقراره، ولا يعتبر قوله بعد ذلك: إنني رجعت عن إقراري)(145).
وهذا آخر ما يسره الله تعالى في هذا البحث، أسأل الله جل وعلا أن يرزقه رضى وقبولًا، وأن ينفع به من قرأه ووقف عليه، وأن يعفو عن زلاتي ويقيل عثراتي، إنه تعالى نعم المولى ونعم النصير.
| موضوعات ذات صلة: |
| الأبوة، الأمومة، الألوهية، البنوة، الحق، الرحم |
الحواشي
- الصحاح، الجوهري 4/1460، لسان العرب، ابن منظور 10/49. ↩
- التوقيف، المناوي ص 287. ↩
- المفردات، الراغب الأصفهاني ص 125. ↩
- المدخل الفقهي العام، مصطفى الزرقا 3/10. ↩
- انظر: المدخل للفقه الإسلامي، أحمد عيسوي ص338، الإسلام وحقوق الإنسان، القطب محمد ص38. ↩
- انظر: المدخل الفقهي العام، مصطفى الزرقا 3/9-10. ↩
- التعريفات، الجرجاني ص 120. ↩
- المنهج الأخلاقي وحقوق الإنسان في القرآن الكريم، يحيى زمزمي ص 20. ↩
- انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص604-605. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 2/ 15. ↩
- لسان العرب، ابن منظور 1/793. ↩
- انظر: التعريفات، الجرجاني ص 322. ↩
- لسان العرب، ابن منظور12/273. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 12/273، مختار الصحاح، الرازي ص407. ↩
- التوقيف، المناوي ص 664. ↩
- الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي 4/14. ↩
- حقوق الانسان أمام القضاء، البشري الشوربجي، مجلة كلية الشريعة والقانون، جامعة الأزهر، عدد 3، سنة 1981م، ص283. ↩
- محمد النجيمي في جريدة الرياض بتاريخ 13/10/2003م. ↩
- حقوق الإنسان الثقافية بين الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية، داود درويش حلش ص7. ↩
- التلويح على التوضيح، التفتازاني 2/300. ↩
- إعلام الموقعين، ابن القيم 1/85. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من لقي اللّه بالإيمان وهو غير شاكٍّ فيه دخل الجنّة وحرم على النّار، رقم 152. ↩
- إعلام الموقعين، ابن القيم 1/85. ↩
- انظر: تيسير التحرير، أمير باد شاه 2/259، التقرير والتحبير، ابن أمير الحاج 2/148. ↩
- انظر: شرح التلويح على التوضيح، التفتازاني 2/315، التقرير والتحبير، ابن أمير الحاج 2/148. ↩
- جامع البيان، الطبري 7/428. ↩
- مفاتيح الغيب، 7/105 بتصرف. ↩
- معاني القرآن، النحاس 2/279-280. ↩
- جامع البيان، الطبري 8/495 بتصرف. ↩
- النكت والعيون، الماوردي 5/305-306. ↩
- أحكام القرآن، الجصاص 5/243. ↩
- النكت والعيون، الماوردي 4/421. ↩
- المصدر السابق. ↩
- الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض 2/9. ↩
- اللباب في علوم الكتاب 9/346. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 20/235، الجواهر الحسان، الثعالبي 3/223، اللباب في علوم الكتاب، لابن عادل 15/526. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم)، رقم 4792، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب، رقم 3578. ↩
- الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض2/18 بتصرف يسير. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 5/326. ↩
- انظر: تفسير مقاتل 3/258، جامع البيان، الطبري 14/169، النكت والعيون، الماوردي 5/326. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، تفسير سورة الحجرات، باب (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)، رقم 4845. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله، رقم 329. ↩
- انظر: أسباب النزول، الواحدي ص 286. ↩
- أحكام القرآن، الجصاص 1/47. ↩
- المصدر السابق 3/155. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/185. ↩
- روح المعاني، الألوسي 26/17. ↩
- أحكام القرآن، ابن العربي 2/358. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل سعد بن أبي وقاص، رقم 6391. ↩
- انظر: تفسير مقاتل 2/254، جامع البيان، الطبري 17/415. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 3/283، أحكام القرآن، الجصاص 2/89. ↩
- انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 5/25، البحر المحيط، أبو حيان 6/25-26، البحر المديد، ابن عجيبة 4/120. ↩
- انظر:أحكام القرآن، الجصاص 5/20، تفسير السمرقندي 2/307. ↩
- أحكام القرآن، 5/20. ↩
- النكت والعيون، 1/226. ↩
- تفسير مقاتل 1/229. ↩
- مفاتيح الغيب، 10/75. ↩
- أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 3/103. ↩
- أخرجه الطبري في تفسيره 7/16. ↩
- النكت والعيون، الماوردي 1/465. ↩
- انظر: تفسير القرآن، عبد الرزاق الصنعاني 1/159، جامع البيان، الطبري 8/335. ↩
- تفسير السمرقندي، 1/327. ↩
- الجامع لأحكام القرآن 5/184. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدّليل على أنّ من خصال الإيمان أن يحبّ لأخيه المسلم ما يحبّ لنفسه من الخير، رقم 179. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب تحريم إيذاء الجار، رقم 181. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 28/270. ↩
- بصائر ذوي التمييز، 3/387 بتصرف. ↩
- انظر: تفسير السمرقندي، 2/60، معالم التنزيل، البغوي 4/49. ↩
- معالم التنزيل، البغوي 4/49. ↩
- جامع البيان، الطبري 8/341. ↩
- انظر: تفسير القرآن، عبد الرزاق الصنعاني 1/95، جامع البيان، الطبري 8/341. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 8/342. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 1/485. ↩
- أخرجه الترمذي في سننه، كتاب البر والصلة، باب حق الجوار، رقم 1944.
قال الترمذي: حديث صحيح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/620، رقم 3270. ↩ - انظر: جامع البيان، الطبري 16/104، تفسير القرآن، السمعاني 3/31، المحرر الوجيز، ابن عطية 3/256. ↩
- انظر: الكشف والبيان، الثعلبي 6/169. ↩
- أخرجه أبو داود في سننه، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، رقم 3643، والترمذي في سننه، أبواب العلم، باب ما جاء في فضل الفقة على العبادة، رقم 2682.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/1079، رقم 6297. ↩ - أحكام القرآن، الجصاص 5/246-247. ↩
- شرح العقيدة الطحاوية 1/327. ↩
- السراج المنير، الشربيني4/88 بتصرف. ↩
- انظر: تفسير القرآن، عبد الرزاق الصنعاني 1/166، جامع البيان، الطبري 8/501. ↩
- أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، 12/212، رقم 33200. ↩
- أخرجه عبدالرزاق في تفسيره 1/166. ↩
- أحكام القرآن، 2/68. ↩
- انظر: تفسير مقاتل 1/364. ↩
- أحكام القرآن، الشافعي1/133، والموضع الثاني رواية ثانية عند المزني. ↩
- الكشاف 1/522. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، رقم 3721. ↩
- أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم10420 6/180. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب (ولكم نصف ما ترك أزواجكم)، رقم 4578. ↩
- أخرجه الطبري في تفسيره 8/265-266. ↩
- أحكام القرآن، الشافعي 1/131. ↩
- النكت والعيون، الماوردي 1/466. ↩
- أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب في الظهار، رقم 2216.
وصححه ابن الملقن في البدر المنير 8/148. ↩ - مفاتيح الغيب، 6/413. ↩
- معجم ألفاظ القرآن الكريم، 2/1213. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب قول اللّه تعالى: (إنّ الّذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنّما يأكلون فى بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا)، رقم 2766. ↩
- علق هذه الآثار البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب قول اللّه تعالى: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاحٌ لهم خيرٌ)، 4/10. ↩
- جزء من حديث طويل أخرجه البخاري رقم 1465في كتاب الزكاة، باب الصدقة على اليتامى. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى)، رقم 4547، ومسلم في صحيحه، كتاب التفسير، باب (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله)، رقم 3027. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التفسير، باب (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) رقم 3029. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق، باب قول النبي في العبيد: (إخوانكم خولكم)، رقم 2545. ↩
- التوقيف، المناوي ص649. ↩
- النكت والعيون، الماوردي 4/123. ↩
- انظر: البحر المديد، ابن عجيبة 1/219. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري 1/244، التحرير والتنوير، ابن عاشور 15/77. ↩
- جامع البيان، الطبري 5/31. ↩
- انظر: تفسير مقاتل 2/245، جامع البيان، الطبري 19/212. ↩
- أحكام القرآن، 5/195. ↩
- انظر: قرارات المجمع 1/195، ومجلة مجمع الفقه الإسلامي، عدد 12، ص1986. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8/169. ↩
- وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، كما في المبسوط للسرخسي3/14. ↩
- وهو رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، كما في المبسوط3/14. ↩
- وهو مشهور عن ابن عرفة المالكي، كما في شرح خليل للخرشي2/212. ↩
- تعريف الفقير هكذا مروي عن الشافعي وبعض أصحابه، كما في المجموع 6/190، وتعريف المسكين مروي عن بعض الشافعية كما في المجموع، للنووي 6/195. ↩
- كشاف القناع، البهوتي 2/272. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 5/60، 13/211، المصباح المنير، الفيومي 1/283. ↩
- كشاف القناع، البهوتي 2/285. ↩
- انظر: معاني القرآن، النحاس 1/301، زاد المسير، ابن الجوزي 1/326، أحكام القرآن، ابن العربي 1/472. ↩
- انظر: اللباب في علوم الكتاب4/389، البحر المديد 8/472. ↩
- النكت والعيون، الماوردي 5/520. ↩
- جامع البيان، 23/323. ↩
- انظر: تفسير السمرقندي، 2/297. ↩
- انظر:جامع البيان، الطبري 20/47، النكت والعيون، الماوردي 4/286. ↩
- انظر:النكت والعيون، 4/286. ↩
- انظر: تفسير مقاتل 1/276، جامع البيان، الطبري 9/449- 451، النكت والعيون، الماوردي 2/5-6. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 9/453. ↩
- انظر: تفسير السمرقندي 2/39. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 20/336 - 338، النكت والعيون، الماوردي 4/428. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 20/339، النكت والعيون، الماوردي 4/428. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 4/428. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 20/340. ↩
- أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الوديعة باب ما جاء فى الترغيب فى أداء الأمانات، رقم13067.
وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، رقم 1763. ↩ - جامع البيان، 8/493. ↩
- أحكام القرآن، الجصاص 5/21. ↩
- المحرر الوجيز، ابن عطية 4/392. ↩
- انظر: تفسير مقاتل 2/128، جامع البيان، الطبري 15/443-446. ↩
- الموسوعة الجنائية الإسلامية 1/371. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 6/210. ↩
- المصدر السابق. ↩
- روح البيان، إسماعيل حقي 2/134. ↩
- روح المعاني 4/170. ↩
- انظر: معالم التنزيل، البغوي 3/50. ↩
- الموسوعة الجنائية الإسلامية 1/283 . ↩
- مجلة الأحكام العدلية 1/311. ↩
