مفهوم البر
أولًا: المعنى اللغوي:
الباء والراء في المضاعف أربعة أصولٍ: الصدق، وحكاية صوتٍ، وخلاف البحر، ونبتٌ.
أما الصدق، فكالقول: فلانٌ بارٌ في يمينه، أي صادقٌ فيها، وأما حكاية الصوت، فالبر الصوت بالغنم إذا سيقت، والبربرة صوت المعز، وأما خلاف البحر، فيقال: أبر الرجل، أي صار على البر، وأبحر الرجل، أي صار في البحر، وخرج إلى البرية أي ذهب إلى الصحراء، وأما النبت، فالبر هو الحنطة(1).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
ذكر العلماء عدة معانٍ للبر، منها: التقوى والجنة والخير والإسلام والإيمان(2)، وقد عرفه أبو حيان الأندلسي بأنه: «الإتيان بما كلفه الإنسان من تكاليف الشرع، اعتقادًا وفعلًا وقولًا»(3)، وعرفه الشوكاني بأنه: «اسمٌ جامعٌ للخير»(4)، وعرفه أحمد المراغي بأنه: «الإيمان وما يتبعه من الأعمال باعتبار اتصاف البار بها وقيامه بعملها»(5).
وبالنظر في التعريفات السابقة يمكن القول بأنه يمكن دمجها في تعريف واحد هو: البر اسم جامع لكل ما يرضي ربنا جل وعلا.
مما سبق يظهر ترابط وثيق بين المعنى اللغوي لكلمة البر الذي بمعنى الصدق والطاعة، وبين المعنى الاصطلاحي لها، ولكن المعنى اللغوي أعم من الاصطلاحي، فالمعنى اللغوي يشمل الصدق مع أيٍ كان وطاعته، أما المعنى الاصطلاحي فيقتصر على الصدق مع الله تعالى، وطاعته جل وعلا، وهذا يتفق مع مفهوم العبادة.
البر في الاستعمال القرآني
وردت مادة (بر) في القرآن الكريم (20) مرة(6).
والصيغ التي وردت هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| الفعل المضارع | 2 | ﴿وَلَا تَجۡعَلُواْ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ﴾ [البقرة: 224] |
| صفة مشبهة | 9 | ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ٢٨﴾ [الطور: 28] |
| اسم فاعل | 1 | ﴿كِرَامِۭ بَرَرَةٖ ١٦﴾ [عبس: 16] |
| اسم | 8 | ﴿وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المجادلة: 9] |
وورد البر في القرآن على ثلاثة أوجه(7):
الأول: الصلة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجۡعَلُواْ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]. لئلا تصلوا القرابة.
الثاني: الطاعة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: ٢]. أراد بالبر الطاعة وترك المعصية.
الثالث: التقوى: ومنه قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ﴾[آل عمران: ٩٢]. يعني لن تنالوا التقوى.
الألفاظ ذات الصلة
التقوى:
التقوى لغةً:
من وقى. الواو والقاف والياء كلمة واحدة تدل على دفع شيء بشيء آخر. (8)
التقوى اصطلاحًا:
أصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه(9).
الصلة بين البر والتقوى:
من خلال تعريف كلٍ من البر والتقوى يمكن القول بأن البر فعل ما يرضي الله تعالى، واجتناب معصيته، بينما التقوى هي الاحتراز والوقاية من عذاب الله تعالى بأعمال البر.
الخير:
الخير لغة:
الخير ضد الشر (10).
الخير اصطلاحًا:
الخير ما يرغب فيه الكل كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع (11).
الصلة بين البر والخير:
يفهم من تعريفي البر والخير السابقين أن بينهما فارقًا وهو أن البر هو اسم جامع لكل ما يرضي ربنا عن قصد، أما الخير فقد لا يكون عن قصد إرضاء الله تعالى فقد يقع الخير من كافر كأن يتبرع لبناء مستشفى، أو لعلاج مريض، أو لتعليم طالب فقير أو غير ذلك. (12)
الإحسان:
الإحسان لغة:
مصدر حسن، والحسن: ضد القبح ونقيضه، والإحسان: ضد الإساءة(13)
الإحسان اصطلاحًا:
هو: إتقان الأعمال والتطوع بالزائد عن الفرائض، ومقابلة الخير بأفضل منه، والشر بأقل منه(14).
الصلة بين البر والإحسان:
يظهر من خلال تعريفي البر والإحسان أن الإحسان أعلى درجة من البر فالبر هو اتيان العمل الصالح، بينما الإحسان هو اتقان العمل الصالح.
الإثم:
الإثم لغة:
من أثم. الهمزة والثاء والميم أصل واحد، يدل على التأخر(15)
الإثم اصطلاحًا:
عرفه الجرجاني بأنه:»ما يجب التحرز منه شرعًا وطبعًا»(16)، وهو أيضًا التأخر عن فعل الطاعات(17)، وقد عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:)والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)(18)، وهذا يعني أن ارتكاب الآثام أمر يشعر صاحبه بالضيق.
الصلة بين البر والإثم:
البر من القربات التي حث عليها ربنا جل وعلا، أما الإثم فهو مما نفر منه الشارع الحكيم، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: ٢].
العدوان:
العدوان لغة:
التعدي في الأمر، وتجاوز ما ينبغي له أن يقتصر عليه(19).
العدوان اصطلاحًا:
التجاوز ومنافاة الالتئام، والإخلال بالعدالة في المعاملة(20).
الصلة بين البر والعدوان:
البر اجتهاد في طاعة الله تعالى، أما العدوان فهو تجاوز لحدود ما شرع الله تعالى لعباده، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: ٢].
المعصية:
المعصية لغة:
من عصوى. العين والصاد والحرف المعتل أصلان صحيحان، إلا أن بينهما تباينًا فأحدهما يدل على التجمع، والآخر يدل على الفرقة، والمعصية هي المخالفة، والعاصي هو المخالف، والمعصية ضدها الطاعة.(21)
المعصية اصطلاحًا:
هي «مخالفة الأمر قصدًا».(22)
الصلة بين البر والمعصية:
يلاحظ من خلال تعريفي البر والمعصية أن هنالك اختلافًا بينهما فالبر هو الطاعة عن قصد، والمعصية هي المخالفة عن قصد.
صلة البر بالإيمان والتقوى
إن المتتبع لنصوص القرآن الكريم التي ورد فيها لفظ «البر» يجد أن هنالك اقترانًا بين البر وبين الإيمان والتقوى.
قال تعالى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن حقيقة البر تكمن في الإيمان بالله، والآخرة، والملائكة، والقرآن، والأنبياء، وكذلك في الإنفاق في سبيل الله تعالى على المحتاجين من الأقارب، والأيتام، والمساكين، والمنقطع عن ماله وأهله في سفر، والسائلين، والعبيد، ويكمن الإيمان كذلك في المداومة على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، وبالصبر على الشدائد، وعند مواجهة العدو، ثم يعقب تعالى بالتأكيد على أن الملتزمين بما سبق من مكامن البر هم الأتقياء الصادقون(23).
ويلاحظ أن الآية الكريمة قد بينت أن الذي يجمع بين العناصر التي يكمن فيها البر هو العبد التقي، وفي ذلك دلالة واضحة على أن لزوم البر يؤدي إلى الحصول على مرتبة التقوى.(24)
وقال تعالى: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩].
يعلم الله تعالى عباده في هذه الآية أن الأهم في السؤال هو أن يكون سبيلًا للحصول على الجواب النافع لأمر الدين، فقد أوحى الله تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إجابة للسؤال عن الأهلة تبين علاقة الأهلة بما ينفع الناس من أحكام الدين، وتحديدًا علاقة الأهلة بتحديد المواقيت الزمانية لأشهر الحج، ثم يبين الله تعالى أنه ليس من البر أن يدخل المحرم بيته من ظهره، ولكن البر بلزوم تقوى الله تعالى في السر والعلن، ثم يأمر الله تعالى عباده بالدخول إلى البيوت من أبوابها حتى في حال الإحرام، وبلزوم التقوى في القول والعمل(25).
وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: ٢].
يأمر الله تعالى عباده في هذه الآية الكريمة بالتعاون على أداء الطاعات التي يتقى بها من العذاب الأليم(26).
ويلاحظ أن الآية الكريمة قد قرنت بين البر والتقوى؛ وذلك لبيان أن أعمال الخير لابد وأن يراعى فيها تقوى الله عز وجل(27)، فقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
أن الله تعالى يجعل ما عمله الكفار في الدنيا من أعمال البر باطلًا لا ثواب له(28).
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَنَٰجَيۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ [المجادلة: ٩].
ينهى الله تعالى عباده المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن التناجي بالقبيح من الأقوال مما لا يتفق مع ما دعا إليه الإسلام، ثم يبين لهم جل وعلا أنه في حال لزمت النجوى فلتكن بما فيه الخير(29).
ويلاحظ من الآية السابقة اقتران البر بالتقوى، ولعل السبب في ذلك هو أنه لابد عند التناجي من مراعات أمرين، الأول: التناجي بما فيه المصلحة للمؤمنين، الثاني: الحذر من التناجي بالمعصية(30).
مما سبق يتضح أن اقتران البر بالتقوى يرجع إلى الأسباب الآتية:
- بيان أن لزوم البر يرقى بالعبد حتى يصل إلى مرتبة التقوى.
وفي ذلك يقول تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
فقدم الله تعالى في هذه الآية أمره لعباده المؤمنين بالصبر والمصابرة والمرابطة، على أمره لهم بالتقوى، وذلك لأن الأمور المتقدمة ترقى بالعبد المؤمن إلى مرتبة التقوى، وشرح ذلك أن أمر الله تعالى لعباده المؤمنين بالصبر يشمل الصبر على طاعة الله تعالى، والصبر عن معصيته، والصبر على المحن والشدائد، كما يتضمن أمر الله تعالى لعباده المؤمنين بالمصابرة الجلد مع الأعداء بحيث يفوق صبرهم صبر أعداءهم، وكذا يتضمن أمر الله تعالى لعباده المؤمنين بالمرابطة حماية حدود المسلمين من أذى المتربصين بهم من أعداء الإسلام والمسلمين(31)، ويعد جميع ما سبق من أعمال البر التي من شأنها أن تقي صاحبها من عذاب الله تعالى وسخطه.
- لابد من مراعاة تقوى الله تعالى عند القيام بالأعمال الصالحة، وذلك حتى ينتفع بها صاحبها يوم الدين.
وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٠ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ لَهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَۚ كَذَٰلِكَ يَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠-٣١].
تبين هذه الآيات الكريمة أن جزاء الصالحين من عباده الأتقياء الأنقياء الذين يستشعرون مراقبة الله تعالى لهم في كل عمل يقومون به، ويجتهدون في التقرب إليه سبحانه بما يحب من الطاعات، ويحذرون من الوقوع فيما نهاهم عنه من المخالفات هو الدخول في جنان النعيم المقيم في الآخرة(32).
وقال تعالى أيضًا في بيان حسن عاقبة المؤمنين الأتقياء: ﴿أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٦٣ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢-٦٤].
- لبيان أنه لابد للمؤمن أن يكون بارًا فلا يقدم إلا على الطاعات، وأن يكون تقيًا ورعًا، فيحذر من الوقوع في المعاصي.
فائدة:
تختلف لفظتا البر والتقوى في المعنى إذا اجتمعتا في الآية، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: ٢].
فالبر هنا بمعنى اتيان الطاعات، والتقوى الاحتراز عن المنهيات(33)، وتتفق اللفظتان في المعنى إذا افترقتا في الآية، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
فمعنى البر هنا هو التقوى كما هو واضح من الآية الكريمة(34).
مجالات البر
أكرم الله تعالى عباده بدين البر والرشاد، قال تعالى: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وكما يتضح من الآية الكريمة فإن الله تعالى قد ميز للناس طريق الهداية من طريق الضلال، وبعدها ترك لهم الخيار في سلوك أحد الطريقين، وبين أن المحق من العباد هو من سيختار طريق الهدى والرشاد، وذلك لما تميز به هذا الطريق من الدعوة إلى لزوم البر في كافة المجالات والتي منها ما يأتي:
أولًا: البر في الإيمان:
قرن الله تعالى أركان الإيمان بالبر في قوله تعالى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
ويتضح من الآية الكريمة أن الله تعالى قد بين أن ارضاءه والتقرب منه لا يكون بمجرد القيام بأداء بعض هيئات العبادات، وإنما يكون بإخلاص النية وسلامة المعتقد، ويتمثل ذلك بما يأتي:
1. البر في الإيمان بالله تعالى.
الإيمان بالله تعالى هو الركن الأول من أركان الإيمان، وهو كذلك الركيزة التي استندت إليها دعوات الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣].
والمنادي الذي نادى للإيمان هو محمد صلى الله عليه وسلم (35)، ويفهم من دعاء المؤمنين الوارد في فاصلة هذه الآية الكريمة أن الذي يموت على الإيمان بالله تعالى فهو من الأبرار المقبولين عند الله تعالى، وقال تعالى أيضًا على لسان يوسف عليه السلام: ﴿قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٧ وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٣٨ يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٧-٣٩].
ويفهم من هذه الآيات الكريمة أن ملازمة البر في المعتقد تتطلب الإيمان بالله تعالى وحده.
2. البر في الإيمان باليوم الآخر .
الإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان وقد تقدم على غيره من الأركان في آية البقرة؛ لأنه من أبرز ما أنكره الكفار والمنافقين من أركان الإيمان بعد الإيمان بالله تعالى، وهذا ما هون عليهم انكار باقي أركان الإيمان، وكما هو معلوم فإن الكفار والمنافقين أنكروا على المؤمنين تحويل القبلة، ورأوا أن ذلك أمر جلل، ومن شأنه أن يشوه أمر المسلمين ويقدح في دينهم، فكان الرد عليهم من الله تعالى: بأن صلاح أمر المسلمين وبرهم بخالقهم جل وعلا لا يكون بالتوجه بالصلاة إلى هذه الناحية أو تلك بالدرجة الأولى، وإنما يكون بالتجرد لله تعالى وسلامة المعتقد قبل كل شيء، لا كما فعلتم أنتم يا من أفسدتم معتقداتكم وأنكرتم ما هو أعظم من تحويل القبلة (36).
ومن الملاحظ أن القرآن الكريم قد قرن العديد من أعمال البر بالإيمان باليوم الآخر وذلك كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨].
ويأتي هذا الاقتران نظرًا لأن المكافأة على تلك الأعمال إنما يكون في الآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٢].
كما أن الإيمان باليوم الآخر هو أحد أبرز الدوافع للقيام بأعمال البر.
3. البر في الإيمان بالملائكة.
الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، وقد جعل الله تعالى الاعتقاد به من أصناف البر التي لا يصح إيمان عبد دونه، وهو من المعتقدات التي خالف فيها أهل الضلال النهج السليم الذي بينه ربنا جل وعلا في كتابه العزيز، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩].
وتظهر هذه الآية الكريمة أن المشركون وصفوا الملائكة بالأنوثة، وهذا أمر غير جائز كما هو معلوم؛ والعلة في عدم الجواز أن الملائكة عالم غيبي بالنسبة للبشر، والحديث عن تفاصيل تخص هذا العالم أمر يحتاج إلى دليل شرعي، وبما أنه لا دليل شرعي يصف الملائكة بالذكورة أو الأنوثة، فإن ادعاء المشركين بأن الملائكة إناثًا هو محض افتراء على الله تعالى، والأمر لم يقف عند هذا الوصف بل تعداه إلى مناصبة أهل الشرك والضلال العداوة للملائكة، قال تعالى: ﴿قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٩٧ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوّٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 97-٩٨].
وقد جاء عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (سمع عبد الله بن سلامٍ، بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في أرضٍ يخترف، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمهن إلا نبيٌ: فما أول أشراط الساعة؟، وما أول طعام أهل الجنة؟، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: (أخبرني بهن جبريل آنفًا) قال: جبريل؟: قال: (نعم)، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 97].
(أما أول أشراط الساعة فنارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعامٍ يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوتٍ، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت)، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، يا رسول الله، إن اليهود قومٌ بهتٌ، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أي رجلٍ عبد الله فيكم). قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: (أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلامٍ). فقالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه، قال: فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله)(37).
والشاهد من الحديث الشريف أن اليهود كانوا يعادون جبريل عليه السلام من الملائكة، ومن المعلوم أن معاداة الملائكة إنما هي معاداة لله تعالى؛ وذلك لأن الملائكة لا تقوم بشيء حتى يأمرها ربها جل وعلا.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٩ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩ ٥٠﴾ [النحل: 49-50].
وبالتالي فإن البر يقتضي الإيمان بالملائكة لا بإنكارها، أو وصفها بما لا دليل من القرآن أو السنة عليه، أو مناصبتها العداء خصوصًا وأن مناصبة الملائكة العداء من أعمال الكافرين الباطلة.
4. البر في الإيمان بالكتب .
الإيمان بالكتب السماوية هو الركن الثالث من أركان الإيمان، وتعتبر الكتب السماوية المصدر الأساس لمعرفة أعمال البر المطلوب من العباد لزومها سواءً بالاعتقاد أو بالقول أو بالعمل، وذلك نظرًا لما تحويه من قواعد وتشريعات إلهية يعد الالتزام بها من أعمال الخير والبر التي تقرب العباد من ربهم جل وعلا، وقد جاء تصديق ذلك في قوله تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَا ١ قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا﴾ [الكهف: ١-٢].
ومعنى قيمًا: أي مستقيمًا بذاته فلا اعوجاج فيه، مقومًا لغيره ممن لزمه واقعًا تطبيقيًا(38)، كما جاء في قوله تعالى أيضًا: ﴿قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا ١ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا﴾ [الجن: ١-٢].
وبالتالي فإن الإيمان بالقرآن من أعمال البر وهو النتيجة التي أدت إليها دعوة القرآن إلى الرشد كما يتضح من الآيتين الكريمتين، ويقال في باقي الكتب السماوية ما قيل في القرآن الكريم فالكل صادر عن الله تعالى، ولو لم يكن الإيمان بجميع الكتب من البر لما دعا إلى ذلك ربنا جل وعلا في كتابه العزيز في قوله: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦].
5. البر في الإيمان بالرسل.
الإيمان بالرسل هو الركن الرابع من أركان الإيمان، ويعد الرسل هم الأساتذة الذين يعلمون البشرية الاستقامة على طريق الهدى والرشاد، وهم القدوة الحسنة التي يجب على العباد السير على خطاهم، ولو لم يكونوا كذلك لما أمر الله تعالى بطاعتهم وحسن اتباعهم في غير موضع من كتاب الله تعالى، منها قوله تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وهذا يدل على وجوب الاقتداء بالأنبياء عليهم السلام فيما اتفقوا عليه من الأصول التشريعية والخلقية والتعبدية(39).
ومما يدلل أيضًا على وجوب اتباع الأنبياء والاقتداء بهم قوله تعالى: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ٤١ يَوۡمَئِذٖ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوۡ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضُ وَلَا يَكۡتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثٗا﴾ [النساء: ٤١-٤٢].
وكلمة رسول هنا اسم جنس(40)، وبالتالي فالمقصود بها كل رسول يرسله الله تعالى إلى قوم من الأقوام.
ولو لم يكن الإيمان بالرسل واتباعهم من أعمال البر لما أثاب الله تعالى الرجل الداعية الذي دعا قومه للإيمان بالرسل واتباعهم بالجنة كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٠ ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٢١ وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٢ ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ ٢٣ إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٤ إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ ٢٥ قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ ٢٦ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٧﴾ [يس: ٢٠-٢٧].
ولما وعد الله تعالى المؤمنين بالرسل بالمغفرة والرحمة(41)، كما في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [الحديد: ٢٨].
6. البر بملازمة التقوى.
من أكثر ما حثت عليه الشريعة الإسلامية تقوى الله تعالى في السر والعلن، ففي القرآن الكريم جاء قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وجاء في السنة المطهرة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تدرون ما أكثر ما يدخل النار؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الأجوفان: الفرج والفم، وأكثر ما يدخل الجنة؟ تقوى الله وحسن الخلق)(42).
وتكمن أهمية التقوى في كونها الضابط الذي يلزم العباد بالقيام بأعمال البر التي تقرب صاحبها من نعيم الله تعالى وتبعده عن عذابه.
وبالتالي يكون المراد بالأمر الإلهي بالوقاية من عذاب النار الوارد في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
هو الإقبال على أعمال البر وحث الأهل عليها، والحذر من أعمال الفجور وتحذير الأهل منها (43).
كما أن قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا﴾ [الأحزاب: ٧٠]. فيه الدعوة إلى ضرورة أن يتلازم كل من التقوى وأعمال البر في كل عمل يقوم به المؤمن، وكذا قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
وكذا قوله صلى الله عليه وسلم:(اتقوا النار ولو بشق تمرةٍ، فإن لم تجد فبكلمةٍ طيبةٍ)(44)، فيه الدعوة إلى لزوم التقوى من خلال أعمال البر المتمثلة بالصدقة وإن كانت قليلة، وبالكلام الطيب.
ثانيًا: البر في العبادة:
كما بيَن الله تعالى أن حقيقة البر تكمن في سلامة المعتقد، بيَن أنها تكمن أيضًا في حسن العبادة.
فقال تعالى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقد ذكرت الآية الكريمة أن البر يكون في صنفين أساسيين من أصناف العبادات هما الصلاة والزكاة، وتفصيل ذلك كما يأتي:
1. البر في إقامة الصلاة.
الصلاة هي عمود الدين والركن الثاني من أركان الإسلام الخمسة وذلك كما بين المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فقد جاء عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فقال لي: (إن شئت أنبأتك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه قال: قلت: أجل يا رسول الله، قال: أما رأس الأمر فالإسلام، وأما عموده فالصلاة، وأما ذروة سنامه فالجهاد)(45).
وقد جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان)(46).
ولهذا كانت الصلاة من أعظم أعمال البر التي تقرب العبد من ربه جل وعلا، وقد اهتم القرآن الكريم بعبادة الصلاة اهتمامًا بالغًا فأوجب إقامتها على وقتها، فقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا﴾ [النساء: ١٠٣].
وشرع الطهارة قبل أدائها، فقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ﴾ [المائدة: ٦].
وجعلها الواقي من اتيان الفواحش والمنكرات، فقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وما كان لهذا الاهتمام أن يكون إلا لأن الله تعالى عالم بما للصلاة من كبير أثر على من أقامها، كيف لا يكون ذلك وهي عبادة جامعة للعديد من أوجه البر التي دعا إليها الإسلام الحنيف كقراءة القرآن، والدعاء، والذكر وغير ذلك.
2. البر في إيتاء الزكاة .
كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الركن الثاني من أركان الإسلام الصلاة، وبين الركن الثالث الزكاة، وذلك في آيات من الذكر الحكيم، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
كما قرن الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك بين الصلاة والزكاة، في عدة مواطن منها ما جاء عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال:(بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلمٍ)(47).
ويفهم من الآية الكريمة أن العبد إذا أقام الصلاة، وآتى الزكاة، ولازم جماعة المؤمنين فإنه يكون بذلك ملك الأسس التي من شأنها أن تقوده إلى الالتزام بباقي متطلبات الدين، كما يفهم من الحديث الشريف أن أخذ النبي صلى الله عليه وسلم البيعة على ثلاثة أمور منها إقام الصلاة وإيتاء الزكاة دليل على عظم مكانة هاتين العبادتين عند الله تعالى، ومدى تأثيرهما على حياة العباد، فالصلاة تطهر الأبدان، والزكاة تطهر الأموال، ولعل هذا من أبرز ما أدى إلى اقتران الصلاة بالزكاة في كثير من النصوص الشرعية.
ومن المعلوم أن الزكاة بتطهيرها للأموال تعين أيضًا على تطهير القلوب من البخل والكبر والحقد والحسد، ولهذا عظيم الأثر في توطين النفوس على طاعة الله تعالى وبره في اتيان كل ما أمر، واجتناب كل ما نهى، ولكي يتحقق البر في إيتاء الزكاة لابد من الالتزام بشروطها، وانفاقها في مصارفها الثمانية التي حددها القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [التوبة: ٦٠].
وكذلك أن تحقق الغرض الذي شرعت من أجله وهو تحقيق التكافل والتعاضد، والحث على صدقة التطوع، وعلى غيرها من أعمال البر.
3. البر في الصيام .
صوم رمضان هو الركن الرابع من أركان الإسلام، وقد شرعه الله تعالى لعباده المؤمنين ليكون بابًا من أوسع أبواب البر والطاعة، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
فقوله تعالى في فاصلة الآية الكريمة: ﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ فيه بيان الغاية المرجوة من تشريع صيام شهر رمضان وهي الوصول بالعباد إلى درجة التقوى(48).
ومما يدلل على أن الصيام من أعظم أبواب البر ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث منها ما جاء عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعملٍ يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألتني عن عظيمٍ، وإنه ليسيرٌ على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)(49).
ومنها ما جاء أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)(50).
فهذان الحديثان وغيرهما من الأحاديث مما يبرز قيمة الصوم في تقريب العباد من رضوان الله تعالى، وابعادهم عن سخطه، ولو لم يكن الأمر كذلك لما خصص الله تعالى أحد أبواب الجنة الثمانية للصائمين، وسماه باب الريان.
وفي ذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله، هذا خيرٌ، فمن كان من أهل الصلاة، دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد، دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة، دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام، دعي من باب الريان) (51).
ومما يعزز مكانة الصيام كأحد أبرز أعمال البر ارتباطه بأوجه أخرى عظيمة من أوجه البر، ومن هذه الأوجه العظيمة الاجتهاد في قراءة القرآن الكريم.
والسر في ارتباط الصيام بقراءة القرآن هو أن نزول القرآن الكريم كان في شهر رمضان المبارك، قال تعالى: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ومن الأوجه أيضًا الصدقة، ومن المعلوم أن زكاة الفطر واجبة في شهر رمضان، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حث المسلمين على التبرع للمحتاجين من خلال جوده في التصدق خلال شهر رمضان على ذوي الفاقة والعوز، حتى أن ابن عباس رضي الله عنهما وصفه قائلًا: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة)(52).
ومن أوجه البر المرتبطة بالصيام العمرة، وصلة الأرحام، وقيام الليل وغير ذلك من الأوجه المباركة الخيرة.
4. البر في الحج.
الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وله عند الله تعالى من القدر والجلال ما له؛ وذلك لأهميته في تقوية الإيمان، وتهذيب الأخلاق، وتكفير الذنوب والخطايا، وهذا الذي أهل هذه العبادة العظيمة لأن تكون من أهم وأعظم أوجه البر التي يتقرب بها المؤمن من ربه جل وعلا.
وتأصيلًا لذلك يقول الله تعالى: ﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۚ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [البقرة: ١٩٧].
فقول الله تعالى:﴿وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ﴾ بعد نهيه عن فعل الشر لحث العباد على اغتنام الحج للاستزادة من الخير بفعل الخيرات، واجتناب المعاصي(53).
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه)(54).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (رجع كيوم ولدته أمه) يعني أن الحاج الذي خلا حجه من الرفث والفسق يعود من حجه وقد حط الله تعالى عنه سائر ذنوبه وخطاياه(55).
ويعد الحج من الأعمال التي حث النبي صلى الله عليه وسلم على تكرارها بقوله:(تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب، والفضة، وليس للحجة المبرورة ثوابٌ إلا الجنة)(56).
وبما أن ما ذكر في الحديثين الشريفين من الوعد بالمغفرة والنعيم هو الغاية الأسمى التي يسعى عباد الله تعالى الأبرار للوصول إليها من خلال محافظتهم على أعمال البر التي شرعها الله تعالى لهم.
ثالثًا: البر في الأخلاق:
يتميز الدين الإسلامي باهتمامه بالتحلي بالأخلاق الحميدة؛ وذلك لما لها من عظيم الأثر على الفرد في ضبط سلوكه وتقويمها، وعلى المجتمع في رقيه وزيادة تماسك أفراده، وقد مدح الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بسمو أخلاقه.
فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾ [القلم: ٤].
كما نبه النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية التحلي بالأخلاق الحسنة بقوله: (إن خياركم أحاسنكم أخلاقًا)(57).
كما فسر صلى الله عليه وسلم البر بأنه هو حسن الخلق بقوله: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)(58).
ومن الأخلاق الرئيسية التي لابد للبر أن يتوجها ما يأتي:
1. الوفاء بالعهد.
الوفاء بالعهد من الأخلاق التي أمر الله تعالى بها، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ﴾ [المائدة: ١].
والعقود هي أوثق العهود(59) كما جعل الله تعالى هذه صفة من الصفات التي يتحلى بها المؤمنون السائرون على طريق الصلاح والفلاح، فقال تعالى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ٢ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ ٣ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ ٤ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٦ فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٧ وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٨﴾ [المؤمنون: ١-٨].
كما عد الله تعالى الاتصاف بالوفاء بالعهود من الأخلاقيات الملازمة للأبرار، فقال تعالى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقد رفع الله تعالى من قدر خلق الوفاء بالعهد لما له من أهمية بالغة في إعلاء شأن المؤمنين، وإعطاء الصورة المشرقة عن الإسلام، ولكي يعد الوفاء بالعهد من أوجه البر الأمور الآتية:
- الوفاء بالعهود مع الله تعالى.
والتي في مقدمتها الإيمان بوحدانية الله تعالى في ألوهيته وربوبيته وأسماءه وصفاته، وقد أخذ الله تعالى على بني آدم العهد والميثاق على ذلك، وهذا ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰۛ شَهِدۡنَآۛ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
ويقود هذا العهد العباد إلى الإيمان بوحدانية الله تعالى في ألوهيته وأسمائه وصفاته، وبيان ذلك أن الآية ذكرت إقرار بني آدم عليه السلام جميعًا بربوبية الله تعالى، وتوحيد الربوبية لله تعالى أساس لتوحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية يشمل الاعتقاد بأن الله تعالى هو الذي خلق ورزق وأنعم، وهذا الفضل والإنعام يستوجب الطاعة والانقياد ممن انتفع وتنعم، وبعبارة أخرى فإن الرب جل وعلا الذي خلق العباد ورزقهم وتكفل بجميع شؤونهم ليستحق منهم حسن الطاعة والانقياد وهذا هو جوهر توحيد الألوهية، كما من المعلوم أنه لا يليق لمن اتصف بالألوهية والربوبية إلا أن تكون أسماؤه حسنى، وصفاته صفات كمال، وبهذا يكون الإيمان بالله تعالى مكتمل الأركان، وبالتالي يعتبر من أعمال البر التي تقرب العباد من ربهم جل وعلا.
- الوفاء بالعهود التي تكون بين المؤمنين والمؤمنين.
وتشمل هذه العهود كافة أنواع التعاملات المشروعة التي يجريها المؤمنون مع بعضهم البعض.
- الوفاء بالعهود المشروعة التي تكون بين المؤمنين وغير المؤمنين.
والضابط لهذه العقود أن يلتزم بها الكفار، قال تعالى: ﴿كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧].
ويلاحظ من الآية مجيء فاصلتها « إن الله يحب المتقين» جملة تعليلية عللت ما قبلها من تشريع، فتبين بذلك أن الاستقامة على العهود مع الملتزمين بها من غير المسلمين من التقوى التي يحب الله تعالى من اتصف بها.
2. الصبر.
خلق الصبر من أجمل ما يتصف به العبد المؤمن، وسر جمال هذا الخلق الرفيع يكمن في أمرين، الأول: أن الله تعالى حث عليه وأعد الأجر العظيم لمن اتصف به، والثاني: أن الصبر من أبرز ما اتصف به الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، أما بالنسبة لحث الله تعالى.
فقد قرر سبحانه معيته وتأييده للصابرين، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
وأما بالنسبة لعظم أجر الصابرين قال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [الزمر: ١٠].
وأما بالنسبة لاتصاف الأنبياء بهذه الصفة الخلقية الرفيعة قال تعالى على لسان رسله عليهم السلام: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢].
وهذا القول من الرسل لأقوامهم يثبت صبرهم على ما جوبهوا به من قبل أقوامهم ردًا على دعوتهم لهم(60)، وحتى يكون الصبر من أعمال البر التي تقرب العبد من ربه جل وعلا لابد من الاتصاف بأنواعه الثلاثة وهي:
- الصبر على طاعة الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ﴾ [طه: ١٣٢].
والمعنى واصبر على أدائها على أتم وجه، والمداومة على إقامتها في مواعيدها، والدعوة إليها(61)، وينطبق على سائر الطاعات ما ينطبق على الصلاة.
- الصبر عن المعصية.
ومعلوم أن النفس الأمارة بالسوء والشيطان لا يكفان عن الدعوة لاقتراف ما نهى الله تعالى عنه.
وهذا يتطلب من العبد مجاهدة كبيرة لعدم الانجرار إلى تلك الدعوة، وفي هذا المضمار يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات)(62).
وهذا الحديث يبث الأمل في نفس المؤمن فهو يعلم أن صبره على عدم الانجرار خلف الأهواء والشهوات لن يضيع هباءًا منثورًا، وإنما سيجزيه الله تعالى الجزاء الأوفى على صبره يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
- الصبر على المحن والمصائب.
وفي هذا المقام يقول الله تعالى: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٥ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥-١٥٧].
وبشارة الله تعالى للمؤمنين الصابرين تتضمن حسن الثواب في الآخرة.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي، فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد)(63).
3. إتيان البيوت من أبوابها.
تعود قصة الأمر بإتيان البيوت من أبوابها إلى ما كان يقوم به الأنصار إذا أحرموا من الامتناع عن دخول البيوت من أبوابها، وإذا لزمهم دخول البيوت فإنهم يعمدون إلى ثقب في ظهر البيت فيدخلون من خلاله، ويعدون ذلك من البر.
فنبههم الله تعالى إلى أن ذلك ليس من البر، والبر هو أن يأتوا البيوت من أبوابها سواء أكانوا محلين أو محرمين.
وذلك في قوله تعالى: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩].
وقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: (نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا، لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجلٌ من الأنصار، فدخل من قبل بابه، فكأنه عير بذلك، فنزلت: ﴿وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ﴾)(64).
ويفهم من سبب النزول أن البر في تقوى الله تعالى، وطاعته فيما أمر ونهى لا في العدول عن تشريعاته(65).
وقد وضع الإسلام لقبول العمل الذي يبتغى فيه وجه الله تعالى الكريم شرطين أساسيين:
الأول: الإخلاص لله تعالى(66).
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه)(67).
والشرط الثاني: موافقة العمل لما جاء به الشرع.
وفي ذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو ردٌ)(68).
4. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
جعل الله تعالى قيام الأمة بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أبرز أسباب خيرتها وأفضليتها على من سواها من الأمم، فقال تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠].
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهمة الأنبياء، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التقاعس عن أداء هذه المهمة العظيمة فقال (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) (69).
وحتى يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم القربات إلى الله تعالى لابد أن تراعى فيه الأمور الآتية:
- مراعاة أحوال المدعوين أثناء أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
وقد علم الله تعالى عباد المؤمنين كيف يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يظهر ذلك في عدة مواضع من كتاب الله تعالى منها:
قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨].
وتبرز هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد راعى أحوال المؤمنين عندما أمرهم بالجهاد في سبيله، فالناس يميلون الراحة وعدم الخروج لملاقاة العدو، خصوصًا إذا كانت أوضاع الناس المعيشية في حالة من الرغد والسعة.
وقد نزلت هذه الآية في الحر الشديد حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهز لغزو الروم، فأراد الله تعالى أن يشحذ همم المؤمنين للجهاد في سبيله من خلال بيان أن النعيم الدنيوي الذي يثبطهم عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى قليل بالنسبة لنعيم الآخرة(70).
وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢].
تنهى الآية الكريمة المؤمنين عن رفع الأصوات فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن الجهر له بالقول كما يجهر الواحد من المؤمنين لغيره من الناس.
ويعبر هذا النهي من الله تعالى لعباده المؤمنين عن مدى المراعاة لأحوالهم فهم على مقربة شديدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا التقارب إضافة إلى تواضع النبي صلى الله عليه وسلم في معاملته لهم، وطبيعة تعامل المؤمنين مع غيرهم من الناس أثناء محادثتهم قد يؤدي إلى اعتقاد المؤمنين بجواز رفع الصوت فوق مستوى صوته صلى الله عليه وسلم أثناء محادثته، أو الجهر إليه بالقول كما يجهر لغيره من عامة الناس، فجاء التنبيه الإلهي ليحول دون وقوع ذلك الأمر الذي يتسبب في إحباط أعمال المؤمنين الصالحة. (71)
- الحلم والتلطف مع المدعوين خلال أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
وقد أثنى الله تعالى على رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لاتصافه باللين في تعامله مع الناس.
فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وبالتالي فلا يكفي الداعية أن يكون حاملًا للحق، وإنما يجب عليه أن يمتلك الوسيلة الحسنة ليقنع الناس بإتيان الحق، وترك الباطل، ومما يمثل لبراعة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الميدان، موقفه من الرجل الذي بال في المسجد فاجتمع إليه الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم ليزجروه، فينهاهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا تزرموه دعوه فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا البول، ولا القذر إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة وقراءة القرآن)(72).
وربما لو لم يتدخل الرسول صلى الله عليه وسلم حينها ليمنع الناس من زجره، لترك الإسلام أو لوقع في نفسه البغض للمسلمين، وهذا مالا يرضي ربنا جل وعلا.
- الشجاعة والجرأة في قول الحق.
وقد ذكر القرآن الكريم قصصًا لدعاةٍ أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر بكل جرأة وشجاعة فبذلوا في سبيل ذلك الغالي والنفيس، ومن هذه القصص، قصة الرجل المؤمن الذي دعا قومه لاتباع الرسل فقتلوه.
قال تعالى: ﴿وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٠ ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٢١ وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٢ ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ ٢٣ إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٤ إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ ٢٥ قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ ٢٦ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٧﴾ [يس: ٢٠-٢٧].
يتضح من الآيات الكريمة أن الرجل المؤمن قد تحلى بشجاعة وإقدام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأمر قومه باتباع الرسل عليهم السلام، وأظهر لهم إيمانه فقتلوه بسبب ذلك، فادخله الله تعالى الجنة (73).
ويستفاد من تلك القصة أنه على الداعية الذي يقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون شجاعًا جريئًا لا يخاف في الله لومة لائم، فيقول الحق مهما كان الثمن لقوله.
5. التناجي بالبر والتقوى.
يعمد الناس إلى التناجي في حال أرادوا التحدث بكلام لبعض الأشخاص دون غيرهم في جماعة واحدة، ونظرًا للأثر السلبي الذي تخلفه النجوى على المستثنين من سماع الكلام الذي يدور من خلال النجوى فقد وضعت الشريعة الإسلامية ضوابط وآداب تضمن لمن التزمها في نجواه تجنب التأثير السلبي للنجوى، وتتمثل هذه الضوابط والآداب بما يأتي:
- عدم التناجي إلا بالبر والتقوى.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَنَٰجَيۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ [المجادلة: ٩].
وبناءًا على ما جاء في هذه الآية من النهي عن التناجي بالإثم والعدوان، فإن المؤمن لا ينزعج إذا رأى إخوة له يتناجون دون إشراكه في سماع ما يدور بينهم من حديث؛ لعلمه بأن ما يتناجون به خير ليس فيه شيء مما نهى الله تعالى عنه.
- إذا كانت الجماعة مكونة من ثلاثة أشخاص فلا يتناج اثنان دون الثالث.
قال صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم ثلاثةً، فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، أجل أن يحزنه).(74)
6. التعاون على البر والتقوى.
من حكمة الله تعالى أن جعل الإسلام دين جماعة، يظهر ذلك جليًا في النصوص الشرعية الواردة في القرآن الكريم والسنة المطهرة، والتي يتوجه فيها الخطاب للجماعة كالأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وغيرها، وتعزيزًا لذلك أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].
ويشمل التعاون على البر والتقوى جميع مجالات التعاون في ما أباح الله تعالى اتيانه والتعاون في تأديته كالبناء، وصناعة الأشياء المباحة، وعمل الشركات، وتصنيف الكتب النافعة ونشرها، وغير ذلك.
7. الصدق.
أثنى الله تعالى على عباده الملازمين للبر في عقائدهم وعباداتهم وأخلاقهم بأنهم صادقون.
فقال تعالى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
كما أن خلق الصدق من الأخلاق الحميدة التي دعا إليها الله تعالى في كتابه العزيز، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
وأمر الله تعالى المؤمنين بتقواه ولزوم الصدق في النية والقول والعمل فيه دلالة على رفعة منزلة الصدق في أخلاق المؤمنين الأتقياء.
وفي هذا الشأن يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب كذابًا)(75).
والعبد إذا كتب عند الله تعالى من الصديقين لملازمته الصدق في القول والفعل والمعتقد، فإنه يكتب عند الله تعالى مع الذين أنعم عليهم.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا﴾ [النساء: ٦٩].
البر والصلات الاجتماعية
أنعم الله تعالى على البشرية بأن خلق آدم وخلق منه زوجه حواء؛ ليسكن إليها، ويأنس بها، قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ﴾ [الروم: ٢١].
كما أنعم الله تعالى على الناس بأن جعلهم يتناسلون ويتكاثرون، قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ﴾ [النحل: ٧٢].
ومن المعلوم أن الله تعالى قد خلق الإنسان ليؤدي مهمة الخلافة في الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ﴾ [البقرة: ٣٠].
ولأداء هذه المهمة العظيمة لابد للفرد من أن يعمل ضمن الجماعة، ولإيجاد الجماعة لابد من ترابط الأفراد.
وقد ربط الله تعالى بين الأفراد بأمرين أساسيين:
الأول: العبادات.
والثاني: المعاملات.
ومما تتضمنه المعاملات الإسلامية الصلات الاجتماعية التي تقوي الروابط بين مكونات المجتمع، كما لم يغفل التشريع الإسلامي الروابط والصلات التي تربط المجتمع المسلم بغيره من المجتمعات، فشرع أنواع من التعاملات التي تربط المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى.
وقد جعل الله تعالى البر هو العنوان الرئيس لكافة العلاقات والروابط، سواء أكانت بين الأفراد في المجتمع المسلم، أو كانت بين المجتمع المسلم وغيره من المجتمعات الأخرى، وبيان ذلك فيما يأتي:
أولًا: البر وصلة الرحم:
من فضل الله تعالى على عباده أنه أوجدهم وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ومن أعظم هذه النعم نعمة الوالدين والأقارب.
وتكمن عظمة هذه النعمة في أن كلًا من الوالدين والأقربين يمثلون الحاضنة التي توفر للإنسان ما يحتاجه من الرعاية التي لا غنى له عنها في أي مرحلةٍ من مراحل حياته.
وبالتالي فينبغي على الإنسان أن يشكر الله تعالى الذي من عليه بهذه النعمة العظيمة، وذلك من خلال أمرين:
الأول: بر الوالدين والإحسان إليهما.
الثاني: الإحسان إلى الأقارب.
أما الأمر الأول وهو بر الوالدين والإحسان إليهما، فقد قال الله تعالى فيه: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ٢٣ وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا﴾ [الإسراء: ٢٣-٢٤].
والملاحظ من الآيتين الكريمتين أن الله تعالى قد شدد على ضرورة الإحسان إلى الوالدين في جميع أحوالهما وبالذات حين يضعفهما الكبر في السن.
وهذا يتطلب من الابن أن يشعر بأنه مدانٌ لوالديه بالكثير؛ فهما اللذان اعتنيا به حين كان صغيرًا لا يقوى على القيام بشيء من احتياجاته، هذا فضلًا عن أنهما كانا السبب في وجوده.
ومن الملاحظ أيضًا في الآية الأولى أن الله تعالى قد أمر بالإحسان إلى الوالدين بعد الأمر بإفراده بالعبادة، وهذا يدل على مدى أهمية الإحسان إلى الوالدين.
كما يلاحظ في الآية الثانية أن الإحسان إلى الوالدين لا يقتصر على فترة وجودهما في الحياة، وإنما يبقى مستمرًا إلى ما بعد وفاتهما.
وهذا ما فهمه الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يلقى أعرابيًا فيسلم عليه، وينزل عن حماره ليحمل عليه الأعرابي، ويهديه عمامته، فيقول له حينها عبد الله بن دينار رحمه الله تعالى: أصلحك الله إنهم الأعراب ويرضون باليسير، فيرد عليه ابن عمر رضي الله عنهما قائلًا: إن هذا كان ودًا لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه)(76).
ويقول الإمام القشيري: « أمر -أي الله تعالى- بالإحسان إلى الوالدين ومراعاة حقهما، والوقوف عند إشارتهما، والقيام بخدمتهما، وملازمة ما كان يعود إلى رضاهما، وحسن عشرتهما، ورعاية حرمتهما، وألا يبدى شواهد الكسل عند أوامرهما، وأن يبذل المكنة فيما يعود إلى حفظ قلوبهما... هذا فى حال حياتهما، فأما بعد وفاتهما فبصدق الدعاء لهما، وأداء الصدقة عنهما، وحفظ وصيتهما على الوجه الذي فعلاه، والإحسان إلى من كان من أهل ودهما ومعارفهما»(77).
وبالتالي فإن بر الوالدين يعد من أعظم أبواب البر والخير التي يجب على الأبناء أن يتزاحموا ويتسابقوا لولوج الجنة من خلالها.
وأما الأمر الثاني الذي يشكر العبد ربه من خلاله على نعمة الرعاية فهو الإحسان إلى الأقارب.
وفيه يقول الله تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ﴾ [الإسراء: ٢٦].
وتشمل حقوق ذوي القربى زيارتهم، وحسن التعامل معهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتقديم العون لهم، والإنفاق عليهم حال فقرهم، وغير ذلك من أوجه برهم.
وقد جعلهم الله تعالى في الدرجة الثانية بعد الوالدين نظرًا لكون الوالدين أعظم فضلًا على العبد من باقي أقاربه.
ثانيًا: البر بالمسلمين:
أكرم الله تعالى عباد المؤمنين برباط الأخوة الإيمانية المتين الذي ألف به بين القلوب المتنافرة.
قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٢ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [الأنفال: ٦٢-٦٣].
وقال رسول الله: صلى الله عليه وسلم (إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك أصابعه)(78).
وتتطلب هذه النصوص الشرعية من المسلمين حسن رعاية بعضهم لبعض، وممن خصهم الله تعالى بالذكر للحث على رعايتهم الأصناف الآتية:
1. اليتامى.
قال تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ﴾ [البقرة: ١٧٧].
واليتيم هو من فقد أباه وهو صغير(79)، وقد خصه الله تعالى بالذكر وجعل النفقة عليه من أوجه البر؛ نظرًا لأنه قد فقد من يعيله ويتولى النفقة عليه بالعادة، وتركه للفقر أمر فيه مفسدة عظيمة.
2. الفقراء.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ﴾ [التوبة: ٦٠].
والفقير هو من لا مال له(80)، وبالتالي فهو في أمس الحاجة إلى يعينه على لوازم الحياة.
3. المساكين.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠].
والمسكين هو من لا يملك ما يكفيه ومن يعيله من المال(81).
وقد جعل الله تعالى هذا الصنف من مصارف الزكاة؛ حتى يتمكن من الحصول على ما يسد به حاجته، ويكفيه ذل المسألة.
4. السائلين.
قال تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
والسائل هو الذي يطلب العون والمساعدة من الآخرين(82).
وقد خصهم الله تعالى بالذكر والحث على مساعدتهم؛ لأن سؤالهم ناجم عن فقرهم، وعدم قدرتهم على الكسب، وفي معونتهم سد لحاجاتهم.
5. الجار.
قال تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦].
وتوصي الآية الكريمة بالإحسان إلى الجيران عمومًا سواء أكانوا أقارب وأرحام، أو كانوا أجانب، وسواء أكانوا ملاصقين في سكناهم أو بعدت أماكن سكناهم، وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الجار نظرًا لتعدد الحقوق التي تكون للجار على جاره، فمثلًا إن كان الجار مسلمًا ومن ذوي الأرحام كانت له حقوق الإسلام والجيرة والقرابة، وإن لم يكن من الأقارب كانت له حقوق الإسلام والجوار، وإن لم يكن مسلمًا كانت له حقوق الجوار فقط(83).
وقد أكد المصطفى صلى الله عليه وسلم على ضرورة الإحسان إلى الجار في أحاديث متعددة، منها:
قوله صلى الله عليه وسلم (ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه)(84).
وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها عندما سألته عن المقدم بالهدية من الجيران قائلةً: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: (إلى أقربهما منك بابًا)(85).
وهذا يدل على أن الجار الأقرب هو الأولى بالهدية من الأبعد؛ لأنه ينظر إلى يدخله الجار إلى بيته من المتاع بخلاف الأبعد(86).
6. ابن السبيل.
قال تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وابن السبيل هو المنقطع عن أهله وماله في سفر(87)، وقد جعل الله تعالى إعانة ابن السبيل أحد أوجه البر لما في الانفاق عليه بغية إيصاله إلى بلده وماله من التيسير على المعسر الذي انقطع عن ماله في غير بلده.
7. في الرقاب.
قال تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
والمراد بمن في الرقاب هم العبيد(88).
وقد حث الله تعالى على فكاكهم في غير موضع من القرآن الكريم؛ لما في فكاكهم وتخليصهم من الرق والعبودية من الحفظ لكرامتهم، والإعلاء لشأنهم.
ثالثًا: البر مع الأعداء:
لم يقتصر فضل البر على المسلمين فحسب، وإنما تعدى الأمر المسلمين ليصل إلى غيرهم من غير المسلمين، وما ذلك إلا تعبيرًا عن سماحة الإسلام وأهله.
وفي هذا الشأن يقول الله تعالى: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨ إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨-٩].
وتبين الآية الكريمة أن البر إلى غير المسلمين جائز شريطة أن يكونوا مسالمين وأن يلتزموا بعهودهم ومواثيقهم التي أبرموها مع المسلمين.
قال تعالى: ﴿كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧].
أما المحاربين فلا تجوز مودتهم؛ لأنهم ناصبوا المسلمين العداء، وبذلوا كل جهد للقضاء على الإسلام والمسلمين، فهؤلاء ليس لهم عند المسلمين إلا القتال حتى يغلبوا وينتهي شرهم، ولا يعني ذلك جواز تجاوز الحد المأذون به شرعًا في معاقبة الأعداء، أو معاقبة غير المعتدين(89)؛ فإن العدل مع الأعداء من البر الذي دعا إليه الإسلام.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
والبر إلى المسالمين من غير المسلمين يكون في التعامل معهم في مختلف المجالات بالرفق واللين، وعدم هضم حقوقهم أو الانتقاص من شأنهم، وذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسٍ، فأنا حجيجه يوم القيامة)(90).
ولا يشمل البر إلى المسالمين من غير المسلمين موالاتهم في معتقداتهم الفاسدة، فالغرض من برهم هو دعوتهم إلى الهدى والإيمان وليس التأثر بمعتقداتهم الباطلة.
قال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ ١ لَآ أَعۡبُدُ مَا تَعۡبُدُونَ ٢ ٢ وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ٣ وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٞ مَّا عَبَدتُّمۡ ٤ وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ٥ لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ ٦﴾ [الكافرون: ١-٦].
آثار البر في الدنيا والآخرة
مما لا شك فيه أن للبر آثار جليلة تعود بالنفع على الأبرار في الدنيا والآخرة، كيف لا يكون ذلك والله تعالى هو الذي أمر بالبر وحث عليه المؤمنين، ولمعرفة تلك الآثار لابد للنظر في نصوص القرآن الكريم، وبيان ذلك فيما يأتي:
أولًا: آثار البر في الدنيا:
1. محبة الله تعالى.
وقد أكد الله تعالى محبته للقائمين بأعمال البر التي حثت الشريعة الإسلامية في غير موضع من كتاب الله تعالى.
قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
والآية الكريمة تبين أن الإنفاق في سبيل الله تعالى في السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الآخرين، والإحسان في الأمور كلها تستدعي محبة الله تعالى، ومما لا شك فيه أن الأمور التي ذكرتها الآية الكريمة من أعمال البر.
وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
والآية الكريمة تحث على الصبر والتحمل في سبيل إعلاء شأن الإسلام، وعدم الفتور والضعف والاستكانة مهما أصابهم من قتل وجراح وغير ذلك في سبيل الله تعالى(91).
ومعلوم أن الصبر من أعظم الأخلاقيات التي حث عليها الإسلام.
2. الطمأنينة وانشراح الصدر.
قال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢٥ وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥-١٢٧].
يبين الله تعالى في هذه الآيات الكريمة أن الذي يهديه الله تعالى للإسلام يشرح صدره بأن يقذف في قلبه نورًا يميز من خلاله الحق فيقتنع به ويهتدي إليه، وتطمئن نفسه إلى المسلك الذي يسير فيه(92).
قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
والمقصود بالظلمات في الآية الكريمة هو ظلمات الكفر، والنور هو نور الإيمان(93).
وهذا النور الذي يجده المؤمن في حياته هو سبب الراحة النفسية التي يعيشها، كما أن الطمأنة الإلهية للمؤمنين الأبرار هي مفتاح السعادة بالنسبة لهم.
وقد جاءت هذه الطمأنة في الحديث القدسي الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته)(94).
يبين هذا الحديث الشريف أن الاجتهاد في أعمال البر أمر يٍوجب محبة الله تعالى، كما أن الله تعالى يكرم الأبرار بلذة وراحة أثناء قيامهم بأعمال البر.
وفي ذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)(95).
ولا يقتصر انشراح صدر المؤمن البار واطمئنانه خلال فترة حياته فحسب، بل إن الملائكة الكرام تتنزل عليه عند قبض روحه لطمأنته وتبشيره(96).
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
3. الحياة الطيبة.
قال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
والملاحظ أن الآية الكريمة عبارة عن جملة شرطية، ومعلوم أن أسلوب الشرط يعمد إلى الربط بين أمرين فلا يتحقق الأمر الثاني إلا إذا تحقق الأمر الأول، وبالتالي فإن تحقق حصول الحياة الطيبة للعبد في الدنيا أمر مرهون باستقرار الإيمان في قلبه، ومداومته على العمل الصالح، ويقول الله تعالى في موضع آخر: ﴿قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ﴾ [طه: ١٢٣].
وتبين هذه الآية الكريمة أن اتباع الهدى شرط لعدم الضلال والشقاء.
ثانيًا: آثار البر في الآخرة:
وضع الله تعالى شرطًا للنجاة من عذابه الأليم في الآخرة، فقال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ [الكهف: ١١٠].
وتوضح الآية الكريمة أن الشرط هو المداومة على العمل الصالح، وعدم الاشراك بالله تعالى مطلقًا، وقد أكد الله تعالى في غير موضع من القرآن الكريم على حسن مآل الأبرار المحسنين، كما حدد آثار البر والعمل الصالح على الأبرار في الآخرة، والتي منها ما يأتي:
1. الأمان من الخوف والحزن.
قال تعالى: ﴿أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢-٦٤].
تبين الآيات الكريمة أن أولياء الله تعالى من المؤمنين الأبرار لا خوف عليهم مما سيكون يوم القيامة من أهوال مخيفة، ولا هم يحزنون على ما أسلفوا، لأنهم لم يقدموا إلا صالحًا(97).
يقول شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري في تفسير هذه الآية: «يقول تعالى ذكره: ألا إن أنصار الله لا خوف عليهم في الآخرة من عقاب الله، لأن الله رضي عنهم فآمنهم من عقابه، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا»(98).
2. النجاة من النار والفوز بالجنة ونعيمها.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ٢٣ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ ٢٤ يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ ٢٥ خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسۡنِيمٍ ٢٧ عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ ٢٨﴾ [المطففين: ٢٢-٢٨].
تبين الآيات الكريمة حسن ما أعده الله تعالى لعباده الأبرار من النعيم والثواب في جنانه التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وقد قال الله تعالى عما في هذه الجنان: ﴿لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧].
وقال تعالى أيضًا: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٣٠ نَحۡنُ أَوۡلِيَآؤُكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣٠-٣١].
فهذه الآيات تحتوي على البشارات الواضحة بدخول المؤمنين الصالحين الأبرار جنان ربهم جل وعلا، وحصولهم فيها على ما يشاؤون من النعم والمتع، كما جاءت آيات أخرى تبين الطريقة التي من خلالها ادخال المؤمنين إلى جنان ربهم جل وعلا، منها قوله تعالى: ﴿يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا﴾ [مريم: ٨٥].
وتعني كلمة وفدًا أي: ركبانًا(99).
وهذا مما يدل على تكريم الله تعالى لهم لما قدموه من العمل الصالح في الدنيا.
ومن الآيات أيضًا التي تبين حسن استقبال المؤمنين البررة عند دخولهم الجنة قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].
وتبين الآية الكريمة أن خزنة الجنة من الملائكة يستقبلون الأبرار من المؤمنين الأتقياء أحسن الاستقبال عند دخولهم الجنة، وحين يرى المؤمنون حسن استقبالهم وما أعده الله تعالى لهم من الأجر الكبير يقولون: ﴿وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤].
| موضوعات ذات صلة: |
| الإحسان، التطوع، الخير، العطاء |
الحواشي
- انظر: جمهرة اللغة، أبو بكر الأزدي 1/67، مقاييس اللغة، ابن فارس 1/179،181، المحكم، ابن سيده 10/240،243، مشارق الأنوار، السبتي 1/84. ↩
- انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي 2/425، مفاتيح الغيب، الرازي 8/289، لباب التأويل، الخازن 1/268. ↩
- البحر المحيط 2/170. ↩
- فتح القدير 1/199. ↩
- تفسير المراغي 2/54. ↩
- انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي ص 117. ↩
- انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 129،130. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 6/131. ↩
- جامع العلوم والحكم، ابن رجب ص138 ↩
- انظر: تاج العروس، الزبيدي 11/ 238. ↩
- روح البيان، إسماعيل حقي 7/ 348. ↩
- انظر: الفروق اللغوية، العسكري 1/170. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 13/117. ↩
- التفسير المنير 14/ 212. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/60. ↩
- التعريفات ص 9. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 5/2648. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تفسير البر والإثم 4/1980، رقم 2553. ↩
- العين الفراهيدي 2/213. ↩
- المفردات، الراغب الأصفهاني ص553. ↩
- انظر: المصباح المنير، أحمد الفيومي 2/414. ↩
- التعريفات، الجرجاني ص222. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 1/224. ↩
- انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي 10/449. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن 1/121،120. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص218. ↩
- انظر: تفسير الشعراوي 5/2908. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن 3/311. ↩
- انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي 18/539. ↩
- انظر: البحر المديد، ابن عجيبة 7/341. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي 2/382. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص439. ↩
- انظر: تفسير ابن عرفة 2/84. ↩
- انظر: الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري ص132. ↩
- انظر: تفسير مقاتل بن سليمان، 1/321. ↩
- انظر: محاسن التأويل، القاسمي 1/481. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (من كان عدوًا لجبريل)، 6/19، رقم 4480. ↩
- انظر: معجم وتفسير لغوي لألفاظ القرآن الكريم، حسن الجمل 3/421. ↩
- انظر: تفسير السمرقندي 1/466. ↩
- انظر: البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي 3/644. ↩
- انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي 9/541. ↩
- أخرجه البخاري في كتاب الأدب المفرد، باب حسن الخلق إذا فقهوا ص108، رقم 289.
قال عنه أبو عيسى الترمذي: حديث صحيح غريب. ↩ - انظر: جامع البيان، الطبري 23/491. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب طيب الكلام 8/11، رقم 6028. ↩
- أخرجه الحاكم في مستدركه، كتاب الجهاد 2/86، رقم 2408.
وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ↩ - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي عليه الصلاة والسلام: « بني الإسلام على خمس» 1/11، رقم 8. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب البيعة على ايتاء الزكاة 2/106، رقم 1401. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 1/237. ↩
- أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة 4/308، رقم 2616,
وقال: حديث حسن صحيح. ↩ - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب ما يذكر في المسك 7/164، رقم 5927. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب من جمع الصدقة، وأعمال البر 2/711، رقم 1027. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام 1/8، رقم 6. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن 1/130. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور 2/133، رقم 1521. ↩
- انظر: الإفصاح عن معاني الإصحاح، ابن هبيرة 6/410. ↩
- أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الحج، باب ما جاء في ثواب الحج والعمرة 3/166، رقم 810.
قال: حسن صحيح غريب. ↩ - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء، وما يكره من البخل 8/13، رقم 6035. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تفسير البر والإثم 4/1980، رقم 2553. ↩
- انظر: الوجيز، الواحدي ص306. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 16/539. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 3/434. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها 4/2174، رقم 2822. ↩
- أخرجه الترمذي، أبواب الجنائز، باب فضل المصيبة إذا احتسب 2/332، رقم 1021، قال عنه الترمذي: حديث حسن غريب. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب العمرة، باب قول الله تعالى: ﴿وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ﴾، 3/8، رقم 1803. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 1/203. ↩
- انظر: محاسن التأويل، القاسمي 6/228. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله 4/2289، رقم 2985. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود 3/184، رقم 2697. ↩
- أخرجه الترمذي، أبواب الفتن، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 4/38، رقم 2169.
وقال: حديث حسن. ↩ - انظر: لباب التأويل، الخازن 2/360. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 22/277. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، وأن الأرض تطهر بالماء، من غير حاجة إلى حفرها 1/236، رقم 285. ↩
- انظر: الوجيز، الواحدي ص899. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا باس بالمسارة والمناجاة 8/65، رقم 6290. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله 4/2012، رقم 2607. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة أصدقاء الأب والأم، ونحوهما 4/1979، رقم 2552. ↩
- لطائف الإشارات، القشيري 2/344-343. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره 1/103، رقم 481. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن 1/106. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 4/316. ↩
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية الأندلسي 3/48. ↩
- انظر: معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن، حسن الجمل 2/276. ↩
- انظر: تفسير القرآن، أبو المظفر السمعاني 1/426. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب الوصاة بالجار 8/10، رقم 6015. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب بمن يبدأ بالهدية 3/159، رقم 2595. ↩
- انظر: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، القسطلاني 9/26. ↩
- انظر: فتح البيان، القنوجي 5/182. ↩
- انظر: معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن، حسن الجمل 3/274. ↩
- انظر: التفسير البسيط، الواحدي 7/291. ↩
- أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارات 3/170، رقم 3052.
وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع 1/518. ↩ - انظر: النكت والعيون، الماوردي 1/427. ↩
- انظر: البحر المديد، ابن عجيبة 2/168. ↩
- انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي الغرناطي 1/132. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب التواضع 8/105، رقم 6502. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان 1/12، رقم 16. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن 2/452. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص368. ↩
- جامع البيان، الطبري 15/118. ↩
- جامع البيان، الطبري 15/118. ↩
