تنزيل PDF

الإحسان

المجلد الأول الأخلاق حرف أ ١٬٠٢٨ قراءة · ١٬٩٠٧ تنزيلاً

مفهوم الإحسان

أولًا: المعنى اللغوي:

الإحسان لغة: مصدر حسن، والحسن: ضد القبح ونقيضه، والإحسان: ضد الإساءة(1)، قال ابن فارس: «(حسن) الحاء والسين والنون أصل واحد، فالحسن ضد القبح، يقال: رجل حسن وامرأة حسناء وحسانة، والمحاسن من الإنسان وغيره: ضد المساوي»(2). وهو مصدر أحسن يحسن إحسانًا، ويتعدى بنفسه، أو بغيره، تقول: أحسنت كذا، إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان، إذا أوصلت إليه النفع(3).

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.

قال الراغب: الإحسان يقال على وجهين:

أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلان.

والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا عَلِمَ عِلْمًا حسنًا، أو عمل عملًا حسنًا»(4).

وقال ابن العربي: «الإحسان مأخوذ من الحسن، وهو كل ما مدح فاعله»(5).

وعرف الإمام القرطبي الإحسان بأنه: «إتقان العبادة ومراعاتها بأدائها المصححة والمكملة، ومراقبة الحق فيها، واستحضار عظمته وجلاله حالة الشروع، وحالة الاستمرار»(6).

الإحسان في الاستعمال القرآني

وردت مادة (حسن) في القرآن (194) مرة، يخص موضوع البحث منها (108) مرات(7).

والصيغ التي وردت عليها هي:

الصيغةعدد المراتالمثال
الفعل الماضي17﴿ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ﴾ [الأنعام: 154]
الفعل المضارع2﴿وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٢٨﴾ [النساء: 128]
فعل الأمر2﴿وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ﴾ [القصص: 77]
أفضل التفضيل36﴿ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩﴾ [النساء: 59]
المصدر12﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ﴾ [البقرة: 229]
اسم الفاعل39﴿بَلَىٰ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ﴾ [البقرة: 112]

وجاء الإحسان في الاستعمال القرآني بمعنى: إجادة العمل وإتقانه وإخلاصه، وهو ضد الإساءة. ويأتي متعديًا بنفسه، كقولك: أحسنت كذا، و في كذا، إذا حسنته وكملته، ومتعديًا بحرف جر، كقولك: أحسنت إلى كذا، أي: أوصلت إليه ما ينتفع به (8).

الألفاظ ذات الصلة

الإفضال:

الإفضال لغةً:

هو: الإحسان، يقال: ورجل مفضال وامرأة مفضالة على قومها إذا كانت ذات فضل سمحة، وأفضل عليه وتفضل بمعنى(9)، قال ابن فارس: «(فضل) الفاء والضاد واللام أصل صحيح يدل على زيادة في شيء، من ذلك الفضل: الزيادة والخير(10).

الإفضال اصطلاحًا:

يستعمل لمطلق النفع(11).

وقد وردت آيات في كتاب الله تعالى تدل على أن الإفضال هو الإحسان

منها قوله تعالى: ﴿فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤﴾ [آل عمران: 174]

وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٧٣﴾ [النساء: 73].

فالمراد به بالفضل في الآيتين: الإحسان من الله بالعافية والسلامة والغنيمة ﴿وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ﴾ يعني: «والله ذو إحسان وطول عليهم بصرف عدوهم الذي كانوا قد هموا بالكرة إليهم، وغير ذلك من أياديه عندهم وعلى غيرهم بنعمه عظيم عند من أنعم به عليه من خلقه»(12).

الصلة بين الإحسان والإفضال:

أن في كليهما نفعًا للغير لكن الإحسان لفظ عام؛ لأن فيه معنى الإتقان والإحكام، وفيه معنى الإحسان من العبد مع الله تعالى.

الامتنان:

الامتنان لغةً:

الامتنان لغة: الإحسان والإنعام، من عليه يمن مَنًا: أحسن وأنعم، والاسم المنة، والمن القطع، ويقال النقص(13).

الامتنان اصطلاحًا:

إحسان المحسن غير معتد بالإحسان، وفي أسماء الله تعالى: الحنان المنان، أي: الذي ينعم غير فاخر بالإنعام(14)، قال ابن الأثير: «هو المنعم المعطي من المن في كلامهم بمعنى الإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه»(15).

الصلة بين الإحسان والامتنان:

أن الامتنان هو الإحسان والإنعام وأن الإحسان أعم منه.

الإنعام:

الإنعام لغةً:

من النعمة، بالفتح، وهي المسرة والفرح والترفه، ومعنى قولهم: أنعمت على فلان، أي: أصرت إليه نعمة(16)، والنعيم والنعمى والنعماء والنعمة، كله: الخفض والدعة والمال، وهو ضد البأساء والبؤسى. والتنعم: الترفه، والاسم النعمة، ونعم الرجل ينعم نعمة، والنعمة: اليد البيضاء الصالحة والصنيعة والمنة وما أنعم به عليك، ونعمة الله، بكسر النون: ما أعطاه الله العبد مما لا يمكن غيره أن يعطيه إياه؛ كالسمع والبصر(17).

الإنعام اصطلاحًا:

إيصال النعمة والإحسان إلى الغير(18).

الصلة بين الإحسان والإنعام:

أن الإنعام لا يكون إلا من المنعم على غيره؛ لأنه متضمن بالشكر الذي يجب وجوب الدين، ويجوز إحسان الإنسان إلى نفسه، تقول لمن يتعلم العلم: إنه يحسن إلى نفسه، ولا تقول: منعم على نفسه، والإحسان متضمن بالحمد ويجوز الحامد لنفسه(19).

الإكرام:

الإكرام لغةً:

الإكرام والتكريم لغة هو: أن يوصل إلى الإنسان بنفع لا تلحقه فيه غضاضة، أو يوصل إليه بشيء شريف(20).

الإكرام اصطلاحًا:

الإكرام والتكريم اصطلاحا هو: التفضيل والاحترام(21)، ومنه قوله تعالى: ﴿۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠﴾ [الإسراء: 70].

وفي الإكرام المذكور في الآية أقوال: روي عن ابن عباس أنه قال: هو أكلهم باليد، وسائر الحيوانات يأكلون بأفواههم، وقيل: امتداد القامة وانتصابها، والدواب منكبة على وجوهها، وقيل: بالعقل والتمييز، وقيل: بأن سخر جميع الأشياء لهم، وقيل: بأن جعل فيهم خير أمة أخرجت للناس، وقيل: بالخط والقلم(22).

الصلة بين الإحسان والإكرام:

أن الإكرام هو الإحسان مع التفضيل والتشريف.

الإحسان في حق الله تعالى

إن الإحسان في حق الله تعالى يتمثل في كون الإحسان صفة من صفات الله تعالى، وفي إحسان الله تعالى الخلق، وفي إحسان الله تعالى في الرزق، وفي إحسان الله تعالى في الحكم، وفي إحسان الله تعالى في الأجر والثواب، وبيان ذلك في المطالب الآتية:

أولًا: الإحسان من صفات الله تعالى:

إن الإحسان صفة من صفات الله عز وجل الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة، والإحسان في حق الله تعالى يأتي بمعنيين:

الإنعام على الغير، وهو زائد على العدل، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدۡ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزۡقًا﴾ [الطلاق: 11]. وقوله تعالى: ﴿وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ﴾ [القصص: 77].

الإتقان والإحكام، ومنه قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ ٧﴾ [السجدة: 7]. وقوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣﴾ [التغابن: 3](23).

الدليل من القرآن الكريم:

  • قوله تعالى: ﴿قَدۡ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزۡقًا﴾ [الطلاق: 11]. وقوله تعالى: ﴿وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ﴾ [هود: 88].
  • وقوله تعالى: ﴿وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ﴾ [القصص: 77].
  • وقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ ٧﴾ [السجدة: 7].
  • وقوله جل شأنه: ﴿وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣﴾ [التغابن: 3].
  • الدليل من السنة النبوية:
  • ما رواه أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا حكمتم؛ فاعدلوا، وإذا قتلتم؛ فأحسنوا؛ فإن الله محسن يحب الإحسان)(24).
  • ما رواه شداد بن أوس رضي الله عنه؛ قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتين؛ أنه قال: (إن الله عز وجل محسن يحب الإحسان، فإذا قتلتم؛ فأحسنوا القتلة)(25) (26).

والمحسن من أسماء الله تعالى، ومعناه: «إن المحسن مشتق من أحسن يحسن إحسانًا، ومعناه: أن الإحسان وصف لازم له لا يخلو موجود من إحسانه طرفة عين، فلا بد لكل مكون من إحسانه إليه بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، والله جل وعلا يحب من خلقه أن يتقربوا إليه بمقتضى معاني أسمائه، فهو الرحمن يحب الرحماء، وهو الكريم يحب الكرماء، وهو المحسن يحب المحسنين» (27).

وبعبارة أخرى: فإن المحسن في صفات الله معناه: المنعم المتفضل الذي أحسن للناس عقيدة ودينًا وأحسن لهم خلقًا ورزقًا وأحسن لهم مثوبة وأجرًا كرمًا منه وتفضلًا، وبهذا يتبين أن اسم الله المحسن من صفات الذات الثابتة بالسنة النبوية.

ومن خلال الأدلة السابقة يتبين أن الإحسان من صفات الله الفعلية الثابتة بالقرآن والسنة، والصفات الفعلية هي: التي تتعلق بالمشيئة والقدرة، ومنها: الخلق - الرزق الإحسان العدل، وضابط: الصفات الفعلية أنها هي التي تنفك عن الذات، على معنى أن الله إذا شاء لم يفعلها، وأن الصفات الذاتية لا تنفك عن الذات، أما الصفات الفعلية يمكن أن تنفك عن الذات، ولكن مع ذلك فإن كلا النوعين يجتمعان في أنهما صفات لله تعالى أزلًا وأبدًا لم يزل ولا يزال متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًاP لائقان بجلال الله عز وجل(28).

ثانيًا: الإحسان في الخلق:

إن الله تعالى أحسن في الخلق بصفة عامة، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ ٧﴾ [السجدة: 7].

والإحسان في الخلق معناه: أتقن كل شيء وأحكمه، هو مثل قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠﴾ [طه: 50].

فلم يجعل خلق البهائم في خلق الناس، ولا خلق الناس في خلق البهائم ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرًا، قال مجاهد ﴿ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ﴾: أعطى كل شيء خلقه، قال: الإنسان إلى الإنسان، والفرس للفرس، والحمار للحمار(29).

يقول تعالى مخبرًا: إنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها، وقال مالك عن زيد بن أسلم ﴿ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ﴾ قال: أحسن خلق كل شيء، كأنه جعله من المقدم والمؤخر(30).

أما الإحسان في خلق الإنسان على وجه الخصوص، فقال تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣﴾ [التغابن: 3].

يقول: ومثلكم فأحسن مثلكم، وقيل: أنه عني بذلك تصويره آدم، وخلقه إياه بيده(31).

قال القرطبي: «﴿وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ يعني: آدم عليه السلام، خلقه بيده كرامة، له، قاله مقاتل، الثاني: جميع الخلائق، معنى التصوير: أنه التخطيط والتشكيل. فإن قيل: كيف أحسن صورهم؟ قيل له: جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه صورة، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته أنه خلق منتصبًا غير منكب، كما قال عز وجل: ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ ٤﴾ [التين: 4]»(32).

والمعنى: ﴿وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ﴾ أي: أحسن أشكالكم، كقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ ٦ ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِيٓ أَيِّ صُورَةٖ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ ٨﴾ [الانفطار: 6-8].

وكقوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡ﴾ [غافر: 64](33).

وقوله تعالى: ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ ٤﴾ [التين: 4].

قال الإمام ابن جرير: «ومعناه: في أعدل خلق، وأحسن صورة، قال ذلك ابن عباس، وقال آخرون: بل معنى ذلك: لقد خلقنا الإنسان، فبلغنا به استواء شبابه وجلده وقوته، وهو أحسن ما يكون، وأعدل ما يكون وأقومه، وقال آخرون: قيل ذلك لأنه ليس شيء من الحيوان إلا وهو منكب على وجهه غير الإنسان. قال ذلك عن ابن عباس: ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ﴾ قال: خلق كل شيء منكبًا على وجهه، إلا الإنسان.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: إن معنى ذلك: لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة وأعدلها»(34).

ولهذا أنكر الله تعالى على من يدعو من لا يخلق فضلًا عن أن يكون محسنًا في الخلق، قال تعالى: ﴿أَتَدۡعُونَ بَعۡلٗا وَتَذَرُونَ أَحۡسَنَ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٢٥﴾ [الصافات: 125].

والمعنى: ﴿أَتَدۡعُونَ﴾ أتعبدون ﴿بَعۡلٗا﴾ هو علم لصنم كان من ذهب وكان طوله عشرين ذراعًا وله أربعة أوجه، فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن، وجعلوهم أنبياء، وكان موضعه يقال له: بك، فركب وصار بعلبك، وهو من بلاد الشأم، ﴿وَتَذَرُونَ أَحۡسَنَ ٱلۡخَٰلِقِينَ﴾ وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن المقدرين(35).

ثالثًا: الإحسان في الرزق:

إن الله سبحانه وتعالى أحسن في الرزق كما أحسن في الخلق.

قال تعالى: ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨﴾ [هود: 88].

قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: قال شعيب لقومه: يا قوم أرأيتم إن كنت على بيان وبرهان من ربي فيما أدعوكم إليه من عبادة الله، والبراءة من عبادة الأوثان والأصنام، وفيما أنهاكم عنه من إفساد المال ﴿وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ﴾، يعني: حلالًا طيبًا»(36).

قال الماوردي: ﴿وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه المال الحلال، قاله الضحاك، قال ابن عباس، وكان شعيب كثير المال، الثاني: أنه النبوة، ذكره ابن عيسى(37)، قال الإمام ابن كثير: «قيل أراد النبوة وقيل أراد الرزق الحلال ويحتمل الأمرين»(38).

وقال تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٦٧﴾ [النحل: 67].

فقد رزق الله تعالى من ثمرات النخيل والأعناب، الرزق الحسن، وهو يؤكل من الأعناب والتمور(39)، قال ابن عباس: ﴿وَرِزۡقًا حَسَنًاۗ﴾ فهو الحلال من الخل والزبيب والنبيذ وأشباه ذلك، فأقره الله وجعله حلالًا للمسلمين(40).

قال الماوردي: «قوله عز وجل: ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۗ﴾.

فيها أربعة تأويلات:

أحدها: أن السكر: الخمر، والرزق الحسن: التمر والرطب والزبيب، وأنزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر، ثم حرمت من بعد، قال ابن عباس: السكر: ما حرم من شرابه، والرزق الحسن: ما حل من ثمرته، وبه قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير: والسكر: الخمر، والنبيذ المسكر.

واختلف من قال بهذا هل خرج مخرج الإباحة أو مخرج الخبر على وجهين:

أحدهما: أنه خرج مخرج الإباحة ثم نسخ، قاله قتادة.

الثاني: أنه خرج مخرج الخبر أنهم يتخذون ذلك وإن لم يحل، قاله ابن عباس.

الثاني: أن السكر: النبيذ المسكر، والرزق الحسن: التمر والزبيب، قاله الشعبي والسدي، وجعلها أهل العراق دليلًا على إباحة النبيذ.

الثالث: أن السكر: الخل بلغة الحبشة، الرزق الحسن: الطعام.

الرابع: أن السكر: ما طعم من الطعام، وحل شربه من ثمار النخيل والأعناب، وهو الرزق الحسن، وبه قال أبو جعفر الطبري»(41).

وإحسان الله تعالى في الرزق لا يقتصر على الدنيا، بل ذلك يشمل أيضًا الآخرة.

قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٥٨﴾ [الحج: 58].

وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ قَدۡ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزۡقًا ١١﴾ [الطلاق: 11] أي: رزقهم الله الجنة التي لا ينقطع نعيمها، ولا يزول(42).

ويعني بالرزق: ما رزقهم فيها من المطاعم والمشارب، وسائر ما أعد لأوليائه فيها، فطيبه لهم(43).

رابعًا: الإحسان في الحكم:

بين الله تعالى أنه أحسن الحاكمين، قال تعالى: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠﴾ [المائدة: 50].

قال تعالى موبخًا اليهود الذين أبوا قبول حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ولهم من اليهود، ومستجهلًا فعلهم ذلك منهم، ومن هذا الذي هو أحسن حكمًا، أيها اليهود، من الله تعالى ذكره عند من كان يوقن بوحدانية الله، ويقر بربوبيته؟ يقول تعالى ذكره: أي حكم أحسن من حكم الله، إن كنتم موقنين أن لكم ربًا، وكنتم أهل توحيد وإقرار به؟(44).

والمعنى: أن الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع، وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء، فضارعوا الجاهلية في هذا الفعل(45).

وفي الآية ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم.

قال تعالى: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ﴾ أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون، ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء(46).

وبمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠﴾ [المائدة: 50].

وردت آيات في كتاب الله تعالى، منها: قوله تعالى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ ٥٧﴾ [الأنعام: 57].

وقوله تعالى: ﴿فَٱصۡبِرُواْ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ بَيۡنَنَاۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٧﴾ [الأعراف: 87].

وقوله تعالى: ﴿وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَٱصۡبِرۡ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ١٠٩﴾ [يونس: 109].

﴿وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ﴾، أي: أن الله خير من يفصل وأعدل من يقضي؛ لأنه لا يقع في حكمه ميل إلى أحد، ولا محاباة لأحد(47)، يعني: أنه حاكم منزه عن الجور والميل والحيف(48).

وقوله تعالى: ﴿وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٤٥﴾ [هود: 45].

يعني: أنت وعدتني أن تنجي أهلي ﴿وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ﴾ يعني: وأنت أحكم الحاكمين بالعدل(49).

قال الزمخشري: «أي: أعلم الحكام وأعدلهم؛ لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل»(50).

وقوله تعالى: ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَحۡكَمِ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨﴾ [التين: 8].

أي: أتقن الحاكمين صنعًا في كل ما خلق، وقيل: أحكم الحاكمين: قضاء بالحق، وعدلًا بين الخلق(51).

قال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَحۡكَمِ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨﴾ [التين: 8]: «يقول تعالى ذكره: أليس الله يا محمد بأحكم من حكم في أحكامه، وفصل قضائه بين عباده؟»(52).

خامسًا: الإحسان في الأجر والثواب:

إن الإحسان في الأجر والثواب من الله تعالى لمن آمن وعمل صالحًا ثابت في آيات كثيرة.

قال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧﴾ [النحل: 97].

يعني: الإحسان الذي كانوا يعملون في الدنيا، فيجزيهم بأحسن أعمالهم، ويبقى سائر الأعمال فضلًا(53).

قال الماوردي: ﴿وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ «يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يجازى على أحسن الأعمال وهي الطاعة، دون المباح منها.

الثاني: مضاعفة الجزاء وهو الأحسن، كما قال تعالى ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ﴾ [الأنعام: 160]»(54).

وقوله تعالى: ﴿لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٨﴾ [النور: 38].

وفي الآية تقرير وتنبيه على كمال القدرة، ونفاذ المشيئة، وسعة الإحسان؛ لأن ﴿بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ كناية عن السعة، وأنه لا يدخل تحت حساب الخلق وعدهم(55).

والمراد بـ﴿أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾: أعمالهم الحسنة الصالحة؛ لأنها أحسن ما عملوا؛ لأنهم يعملون المباحات وغيرها، فالثواب لا يكون إلا على العمل الحسن(56).

وقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٧﴾ [العنكبوت: 7].

والمعنى: ولنثيبنهم على صالحات أعمالهم في إسلامهم، أحسن ما كانوا يعملون في حال شركهم مع تكفيرنا سيئات أعمالهم(57).

وقيل: نعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن، كما قال: ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ﴾ [الأنعام: 160](58).

وقوله تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ١٦﴾ [الأحقاف: 16].

﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ يعني: أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا، وكلها حسن، والأحسن بمعنى الحسن، فيثيبهم عليها، وتتجاوز عن سيئاتهم، فلا نعاقبهم عليها، ﴿وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾، وهو قوله عز وجل: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ [التوبة: 72](59).

وقوله تعالى: ﴿فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤٨﴾ [آل عمران: 148].

قال أبو جعفر الطبري: «يعني بذلك تعالى ذكره: فأعطى الله الذين وصفهم بما وصفهم، من الصبر على طاعة الله بعد مقتل أنبيائهم، وعلى جهاد عدوهم، والاستعانة بالله في أمورهم، واقتفائهم مناهج إمامهم على ما أبلوا في الله ﴿ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا﴾، يعني: جزاء في الدنيا، وذلك: النصر على عدوهم وعدو الله، والظفر، والفتح عليهم، والتمكين لهم في البلاد ﴿وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ﴾، يعني: وخير جزاء الآخرة على ما أسلفوا في الدنيا من أعمالهم الصالحة، وذلك: الجنة ونعيمها»(60).

وقوله تعالى: ﴿هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ ٦٠﴾ [الرحمن: 60].

أي: ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن الله إليه في الآخرة(61).

والمعنى: هل ثواب خوف مقام الله عز وجل لمن خافه، فأحسن فى الدنيا عمله، وأطاع ربه، إلا أن يحسن إليه في الآخرة ربه، بأن يجازيه على إحسانه ذلك في الدنيا(62).

وقوله تعالى: ﴿فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥﴾ [آل عمران: 195].

أي: أجاب الله دعاءهم، دعاء العبادة، ودعاء الطلب، وقال: ﴿أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ﴾، فالجميع سيلقون ثواب أعمالهم كاملًا موفرًا(63).

وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ١٤﴾ [آل عمران: 14].

فقوله: ﴿وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ﴾ أي: حسن المرجع والمنقلب، وهي الجنة(64).

مجالات الإحسان

مجالات الإحسان في القرآن الكريم أربعة، هي: الإحسان في الاعتقاد، والإحسان في العبادة، والإحسان في المعاملات، والإحسان في الأخلاق، ويمكن بيان ذلك في المطالب الآتية:

أولًا: الإحسان في الاعتقاد:

العقيدة هي: الأمور التي تصدق بها النفوس وتطمئن إليها القلوب، وتكون يقينًا عند أصحابها لا يمازجها ريب ولا يخالطها شك مما جاء عن الله تعالى في كتابه الكريم وصح عن رسوله في سننه(65).

والإحسان في الاعتقاد يكون بتوحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، فالإحسان بتوحيد الربوبية هو بإفراد الله تعالى بالوحدانية، والإقرار بأنه واحد في أفعاله، لا شريك له فيها، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة، وتدبير الأمور والتصرف في الكون، وغير ذلك مما يتعلق بربوبيته.

قال تعالى: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ٢ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ ٣ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ ٤﴾ [الإخلاص: 1-4] (66).

فتوحيد الربوبية هو: توحيد الله تعالى بأفعاله، والإقرار بأنه خالق كل شيء ومليكه، وإليه يرجع الأمر كله في التصريف والتدبير، فهو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وهو الذي يرسل الرسل، ويشرع الشرائع، ليحق الحق بكلماته، ويقيم العدل بين عباده شرعًا وقدرًا إلى غير ذلك مما لا يحصيه العد، ولا تحيط به العبارة، وهذا النوع من التوحيد قد أقرت به الفطرة، وقام عليه دليل السمع والعقل(67).

والإحسان في توحيد الألوهية: يكون بتوحيده بأفعال العبادة، كالدعاء والخوف والرجاء والتوكل والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر، وغيرها من أنواع العبادة التي يجب إفراده بها، فلا يصرف منها شيء لغيره، ولو كان ملكًا مقربًا، أو نبيًا مرسلًا، فضلًا عمن سواهما.

وبمعنى آخر فتوحيد الإلهية: هو إفراد الله بالعبادة: قولًا، وقصدًا، وفعلًا، فلا ينذر إلا له، ولا تقرب القرابين إلا إليه، ولا يدعى في السراء والضراء إلا إياه، ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، إلى غير ذلك من أنواع العبادة(68).

والإحسان في توحيد الأسماء والصفات: هو إثبات كل ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات على وجه يليق بكماله وجلاله، دون تكييف أو تمثيل، ودون تحريف أو تأويل أو تعطيل، وتنزيهه عن كل ما لا يليق به.

كما قال الله عز وجل: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١١﴾ [الشورى: 11].

فجمع في هذه الآية بين الإثبات والتنزيه، فالإثبات في قوله: ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ والتنزيه في قوله: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾ فله سبحانه وتعالى سمع لا كالأسماع، وبصر لا كالأبصار، وهكذا يقال في كل ما ثبت لله من الأسماء والصفات(69).

وقد وردت في القرآن آيات تدل على الإحسان في الاعتقاد، قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥﴾ [النساء: 125].

فالآية تدل على أن الإحسان في الاعتقاد هو لمن استسلم وجهه لله فانقاد له بالطاعة، مصدقا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند ربه وهو محسن، يعني: وهو عامل بما أمره به ربه، محرم حرامه ومحلل حلاله، ﴿وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ﴾ يعني بذلك: واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، وأمر به بنيه من بعده وأوصاهم به، ﴿حَنِيفٗاۗ﴾ يعني: مستقيمًا على منهاجه وسبيله(70).

وقوله تعالى: ﴿۞ وَمَن يُسۡلِمۡ وَجۡهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰۗ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٢٢﴾ [لقمان: 22].

أي: من أسلم فقد استمسك بقول: لا إله إلا الله، وهي العروة الوثقى(71)، وذلك بأن يخلص عبادته وقصده إلى الله تعالى وهو محسن؛ لأن العبادة من غير إحسان ولا معرفة القلب لا تنفع(72).

ثانيًا: الإحسان في العبادة:

عرف شيخ الإسلام ابن تيمية العبادة، بأنها: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة»(73).

والإحسان في العبادة يكون بالإخلاص لله تعالى فيها، وقد أمر الله تعالى بالإخلاص في العبادة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ٢﴾ [الزمر: 2].

وقال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ ٥﴾ [البينة: 5].

والإسلام قد أسبغ على أعمال الإنسان كلها صفة العبادة، إذا تحقق فيها شرطا قبول العمل، وهما:

أولًا: الإخلاص: بأن يكون العمل خالصًا لوجه الله الكريم، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ﴾ [البينة: 5].

فينوي العبد أن يكون عمله، وقوله وإعطاؤه، ومنعه، وحبه، وبغضه لله وحده، لا شريك له؛ إذ الأعمال لا تقوم إلا بالنيات، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات)(74)؛ فالنية تتحكم في العمل، وتقلبه إلى عبادة(75).

ثانيًا: المتابعة: بأن يكون العمل على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهديه القويم، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾ [الحشر: 7].

فالأعمال لا اعتبار لها إلا إذا كانت على الوجه الذي رسمه الشرع، فقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد)(76).

وكل عمل بلا متابعة، فإنه لا يزيد عامله إلا بعدًا من الله؛ فإن الله عز وجل إنما يعبد بأمره، لا بالأهواء، ولا الآراء، والمسلك الحسن ليس في إخلاص العمل لله عز وجل فحسب، ولا في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فقط، بل في مجموعهما معًا، فإن الله عز وجل ذكر العمل الصالح، فقال: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ [الكهف: 110].

والعمل الصالح هو الخالص الصواب، فإذا جمع العمل هذين الشرطين، كان عبادة(77).

وبخصوص الإحسان في أعمال الحج.

قال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٧﴾ [الحج: 37].

قال ابن جرير: «لم يصل إلى الله لحوم بدنكم ولا دماؤها، ولكن يناله اتقاؤكم إياه إن اتقيتموه فيها فأردتم بها وجهه، وعملتم فيها بما ندبكم إليه وأمركم به في أمرها وعظمتم بها حرماته ﴿وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ﴾ قال: ما أريد به وجه الله، ﴿وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾: يقول: وبشر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة في الآخرة(78)، والمحسنون هم المخلصون في أعمالهم»(79).

ولا يقتصر الإحسان على أعمال الحج فقط، بل يشمل جميع العبادات؛ لعموم قوله تعالى: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٩٠﴾ [النحل: 90].

فإن من معاني الإحسان في الآية: أداء الفرائض والإخلاص لله تعالى فيها(80).

ثالثًا: الإحسان في العلاقات الاجتماعية:

إن الإحسان في المعاملات في القرآن يأتي في أمور هي:

  • 1. الإحسان إلى الوالدين.

أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين في آيات كثيرة، منها:

قوله تعالى: ﴿۞ وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا﴾ [النساء: 36].

أي: أحسنوا إليهم بالقول الكريم والخطاب اللطيف والفعل الجميل بطاعة أمرهما واجتناب نهيهما والإنفاق عليهما وإكرام من له تعلق بهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا بهما، وللإحسان ضدان، الإساءة وعدم الإحسان، وكلاهما منهي عنه(81).

فكل قول وفعل يحصل به منفعة للوالدين أو سرور لهما، فإن ذلك من الإحسان، وإذا وجد الإحسان انتفى العقوق(82).

وقوله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ ٨٣﴾ [البقرة: 83].

وقوله تعالى: ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ٢٣﴾ [الإسراء: 23].

ومعنى قضى في الآية: أمر ووصَى، قال ابن عباس: «يريد: وأمر ربك، ليس هو قضاء حكم»، وهو قول مجاهد، والحسن، وقتادة، وعامة المفسرين(83)، وقرن الأمر بالإحسان إلى الوالدين بعبادته وحده جل وعلا يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين(84).

وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٥﴾ [الأحقاف: 15].

والمعنى: ووصينا ابن آدم بوالديه أمرناه بالإحسان إليهما في صحبته إياهما أيام حياتهما، والبر بهما في حياتهما وبعد مماتهما(85).

  • 2. الإحسان إلى الزوجة والأولاد.

إن الإحسان إلى الزوجة يكون بالمعاشرة بالمعروف فقد ورد الأمر بذلك في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا ١٩﴾ [النساء: 19].

فقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [البقرة: 228](86).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقًا، وخيركم خيركم لنسائهم)(87).

والإحسان إلى الزوجة كما يكون في حال الزوجية يكون كذلك في حال الطلاق، قال تعالى: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ﴾ [البقرة: 229].

فالإمساك الذي هو بمعروف بعد الطلقة الثانية هو أن يحسن صحابتها، أو تسريح بإحسان، قال ابن عباس رضي الله عنه: أن يسرحها بإحسان، فلا يظلمها من حقها شيئًا، بأن يوفيها حقها ولا يؤذيها ولا يشتمها، وقال: من خالع امرأته فأخذ منها شيئًا أعطاها، فلا أراه سرحها بإحسان(88).

كما جعل الله تعالى من الإحسان إلى الزوجة بعد الطلاق أن أمر لها بالمتعة، وهي عطية يعطيها الزوج لمطلقته.

قال تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٣٦ وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٣٧﴾ [البقرة: 236-237].

أي: هذا التمتيع حق ثابت على المحسنين الذين يحسنون إلى أنفسهم بامتثالهم لأوامر الله، وبترضيتهم لنفوس هؤلاء المطلقات اللاتي تأثرن بسبب هذا الفراق. فالآية الكريمة ترفع الإثم عن الرجال الذين يطلقون النساء قبل الدخول بهن وقبل تسمية المهر لهن، متى كانت المصلحة تستدعى ذلك، وتبين الحقوق التي للمرأة على الرجل في هذه الحالة(89).

بل نبه الله تعالى الزوج بأن لا ينسى الإحسان إلى الزوجة حتى بعد الطلاق فقال سبحانه في آخر الآية: ﴿وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 237].

والمعنى كما قال البيضاوي: ﴿وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ﴾ «أي: ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يضيع تفضلكم وإحسانكم»(90).

أما الإحسان إلى الأولاد، فيدل عليه عموم قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ ٨٣﴾ [البقرة: 83].

وقوله تعالى: ﴿۞ وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا ٣٦﴾ [النساء: 36].

فقد أمر الله بالإحسان إلى ذوي القربى بعد الوالدين، ويشمل ذلك جميع الأقارب، قربوا أو بعدوا، بأن يحسن إليهم بالقول والفعل، وأن لا يقطع برحمه بقوله أو فعله(91)؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ عام يشمل الأصل وهو الأبوان وما يتصل بالمرء من ناحيتهما من أصولها وفصولهما، ويشمل الفصل وهو الأبناء والبنات وما يتصل به منهما من فصول، غير أن الوالدين لمزيد العناية بهما خصصا بالذكر في الآيات المتقدمة، وإن كانا داخلين في هذا العموم(92).

فيكون الإحسان إلى الأولاد بجميع أنواع الإحسان المادية والمعنوية من تربيتهم تربية حسنة وتعليمهم والتلطف بهم ورحمتهم والإنفاق عليهم والعدل بينهم في العطايا والهبات.

لما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفعلت هذا بولدك كلهم؟) قال: لا، قال: (اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم)، فرجع أبي، فرد تلك الصدقة(93).

  • 3. الإحسان إلى الأقارب.

إن المراد بالأقارب: من تربطك بهم صلة القرابة سواء أكانوا من المحارم أم لا(94).

وقد أمر الله بالإحسان إلى ذوي القربى بعد الوالدين، ويشمل ذلك جميع الأقارب، قربوا أو بعدوا، بأن يحسن إليهم بالقول والفعل، وأن لا يقطع برحمه بقوله أو فعله.

قال تعالى: ﴿۞ وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا ٣٦﴾ [النساء: 36](95).

وإنما أمر بالإحسان إلى ذي القربى استبقاء لأواصر الود بين الأقارب، إذ كان العرب في الجاهلية قد حرفوا حقوق القرابة فجعلوها سبب تنافس وتحاسد وتقاتل(96).

قال الرازي: «ومعلوم أن الإحسان إلى هؤلاء إنما يكون بالمال، ثم ذم المعرضين عن هذا الإحسان فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا﴾ [النساء: 36]»(97).

وقد جعل الله تعالى لذوي القربى حقًا في مال القريب، قال تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا ٢٦﴾ [الإسراء: 26].

قال ابن عطية: «اختلف المتأولون في «ذي القربى»، فقال الجمهور: الآية وصية للناس كلهم بصلة قرابتهم، خوطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد: الأمة، وألحق في هذه الآية ما يتعين له من صلة الرحم وسد الخلة والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكل وجه، قال بنحو هذا الحسن وعكرمة وابن عباس وغيرهم، وقال علي بن الحسين في هذه: هم قرابة النبي عليه السلام، أمر النبي عليه السلام بإعطائهم حقوقهم من بيت المال»(98).

قال ابن الجوزي: في قوله تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ﴾ «فيه قولان:

أحدهما: أنه قرابة الرجل من قبل أبيه وأمه، قاله ابن عباس، والحسن، فعلى هذا في حقهم ثلاثة أقوال:

أحدها: أن المراد به: برهم وصلتهم.

والثاني: النفقة الواجبة لهم وقت الحاجة.

والثالث: الوصية لهم عند الوفاة»(99).

وإن من حكمة التربية أن يبدأ من الأوامر بما تعين فطرة النفوس الإنسانية على قبوله ببداهة الفكرة أو بشعور العاطفة، وكلتا هاتين يحبب للنفس إيتاء حق القريب فابتدى به في الأمر ليكون تقبلها له أسهل ومبادرتها للامتثال أسرع، فاذا سخت النفوس بإيتاء حق القريب ومرنت عليه اعتادت الإيتاء وصار من ملكاتها فسهل عليها إيتاء كل حق، ولو كان لأبعد الناس. وشيء آخر، وهو أن الأقارب قد تكون بينهم المنافسات والمنازعات لقرب المنازل، أو تصادم المنافع أو التشاح على المواريث ما لا يكون بين الأباعد، فيقطعوا حق القرابة ويهدموا بناء الأسرة، ويعود ذلك عليهم أولًا بالوبال، ويرجع ثانيًا على مجتمعهم بالتضعضع، فكان هذا من جملة ما يقتضي الابتداء بحقهم إلى المقتضيات المتقدمة الأخرى(100).

وللقرابة حقان: حق الصلة، وحق المواساة، قال تعالى: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٢١٥﴾ [البقرة: 215](101).

قال أبو جعفر الطبري: «يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك أصحابك يا محمد، أي شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به؟، وعلى من ينفقونه فيما ينفقونه ويتصدقون به؟ فقل لهم: ما أنفقتم من أموالكم وتصدقتم به، فأنفقوه وتصدقوا به واجعلوه لآبائكم وأمهاتكم وأقربيكم، ولليتامى منكم، والمساكين، وابن السبيل، فإنكم ما تأتوا من خير وتصنعوه إليهم فإن الله به عليم، وهو محصيه لكم حتى يوفيكم أجوركم عليه يوم القيامة، ويثيبكم على ما أطعتموه بإحسانكم عليه، والخير الذي قال جل ثناؤه في قوله: ﴿قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ﴾، هو المال الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من النفقة منه، فأجابهم الله عنه بما أجابهم به في هذه الآية»(102).

  • 4. الإحسان إلى اليتامى والمساكين.

أمر الله تعالى بالإحسان إلى اليتامى والضعفاء والمساكين في قوله تعالى: ﴿۞ وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا ٣٦﴾ [النساء: 36].

قال ابن عادل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ﴾ [البقرة: 83]: «وظاهر الآية يدل على أن الإحسان إلى ذي القربى واليتامى والمساكين كان واجبًا على بني إسرائيل في دينهم، وكذا القول الحسن للناس كان واجبًا عليهم؛ لأن أخذ الميثاق يدل على الوجوب، وذلك لأن ظاهر الأمر للوجوب، والأمر في شرعنا أيضًا كذلك من بعض الوجوه»(103).

والمسكين: هو المتخشع المتذلل من الفاقة والحاجة، والمسكنة هي ذل الحاجة والفاقة(104).

وفي الآيتين السابقتين يبين به الله سبحانه أصحاب الحقوق الواجبة على الإنسان نحوهم، إما لصلة قرابة تجمعهم إليه، وتجعلهم بعضًا منه، أو تجعله بعضًا منهم.. وإما لصلة إنسانية عامة، تلك الصلة التي تقوم على أساس أن الفرد عضو فى الجسد الاجتماعي كله، وأن كل عضو سليم فى هذا الجسد من واجبه أن يحمل بعض أعباء الأعضاء المريضة فيه، شأن الجسد حين تضعف فيه حاسة، أو تعجز عن العمل، فتتولى أقرب الحواس إليها، وأشكلها بها، أداء وظيفتها بوجه أو بآخر حتى يستقيم للجسد أمره(105).

  • 5. الإحسان إلى الجيران.

أمر الله تعالى بالإحسان إلى الجيران، فقال سبحانه: ﴿۞ وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا ٣٦﴾ [النساء: 36].

فقوله تعالى: ﴿وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ﴾ أما الجار فقد أمر الله تعالى بحفظه والقيام بحقه والوصاة برعي ذمته في كتابه وعلى لسان نبيه. ألا تراه سبحانه أكد ذكره بعد الوالدين والأقربين فقال تعالى: ﴿وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ أي: القريب، يعني: الذي بينك وبينه قرابة ﴿وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ﴾ أي: الغريب الذي ليس بينك وبينه قرابة، قاله ابن عباس، وقال نوف الشامي: ﴿وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ المسلم ﴿وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ﴾ اليهودي والنصراني، وقال جابر الجعفي عن الشعبي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهم: ﴿وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ يعني: المرأة، وقال مجاهد أيضًا في قوله: ﴿وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ﴾ يعني: الرفيق في السفر(106).

قال القرطبي: «وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلمًا كان أو كافرًا، وهو الصحيح، والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه. روى البخاري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما زال يوصيني جبريل بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه)(107)»(108).

والجوار ضرب من ضروب القرابة، فهو قرب بالمكان والسكن، وقد يأنس الإنسان بجاره القريب أكثر مما يأنس بالنسيب، فيحسن أن يتعاون الجاران، ويكون بينهما الرحمة والإحسان، فإذا لم يحسن أحدهما إلى الآخر فلا خير فيهما لسائر الناس، وقد حث الدين على الإحسان فى معاملة الجار عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره»(109).

وإكرام الجار من شيم العرب قبل الإسلام، وزاده الإسلام توكيدًا بما جاء فى الكتاب والسنة، ومن إكرامه إرسال الهدايا إليه، ودعوته إلى الطعام، وتعاهده بالزيارة والعيادة إلى نحو ذلك(110).

  • 6. الإحسان إلى عموم الناس.

أمر الله تعالى بالإحسان إلى عموم الناس، فقال سبحانه: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ ٨٣﴾ [البقرة: 83].

فقوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا﴾ [البقرة: 83].

أي: كلموهم طيبًا، ولينوا لهم جانبًا.

ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف(111).

وقوله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ يَنزَغُ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ٥٣﴾ [الإسراء: 53].

والمعنى: قل لعبادي المؤمنين يقولوا للكافرين الكلمة التي هي أحسن، قال الحسن: يقولون له: يهديك الله، إن الشيطان هو الذي يفسد بينهم؛ لأنه عدو للإنسان ظاهر العداوة(112).

وفي الآية يأمر تبارك وتعالى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك، نزع الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، وأوقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع عن السجود لآدم، وعداوته ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان ينزع في يده، أي: فربما أصابه بها(113).

وقوله تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦۖ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٢٥﴾ [النحل: 125].

قال ابن كثير: «يقول تعالى آمرًا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة، قال ابن جرير الطبري: «وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة والموعظة الحسنة، أي: بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس، ذكرهم بها ليحذروا بأس الله تعالى، وقوله: ﴿وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كقوله تعالى: ﴿۞ وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ﴾ [العنكبوت: 46].

فأمره تعالى بلين الجانب كما أمر به موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ ٤٤﴾ [طه: 44]»(114).

  • 7. الإحسان في الجهاد.

إن الإحسان في الجهاد من صفات المحسنين. قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٦٩﴾ [العنكبوت: 69].

يقول تعالى: والذين قاتلوا هؤلاء المفترين على الله كذبًا من كفار قريش، المكذبين بالحق لما جاءهم فينا، مبتغين بقتالهم علو كلمتنا، ونصرة ديننا ﴿لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ﴾ أي: لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام الذي بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ يقول: وإن الله لمع من أحسن من خلقه، فجاهد فيه أهل الشرك، مصدقًا رسوله فيما جاء به من عند الله بالعون له، والنصرة على من جاهد من أعدائه(115).

وقد تكفل الله تعالى بأنه لايضيع من أحسن في الجهاد.

قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢٠﴾ [التوبة: 120].

كما يكون الإحسان في الجهاد بالإنفاق في سبيل الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِۛ وَأَحۡسِنُوٓاْۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٩٥﴾ [البقرة: 195].

أي: أنفقوا في سبيل الله فمن أنفق في سبيل الله فهو محسن، فقوله: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 195] وكل ما أمر الله به من الخير فهو في سبيل الله وأكثر ما يستعمل في الجهاد، لأنه السبيل الذي يقاتل فيه(116).

﴿وَأَحۡسِنُوٓاْۛ﴾ أي: بالإنفاق على من تلزمكم مؤنته ونفقته. وقيل: أحسنوا في الإنفاق ولا تسرفوا ولا تقتروا، نهوا عن الإسراف والإقتار في الإنفاق. وقيل: معناه: وأحسنوا في أداء فرائض الله تعالى. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾، أي: يثيبهم على إحسانهم(117).

كما يكون الاحسان في الجهاد بالالتزام بتعاليم الإسلام في قتال أعدائه، وذلك بعدم المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ، الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة، لما رواه بريدة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله، ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا)(118).

وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (إن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان)(119).

وكذلك فعل الخلفاء الراشدون، ففي وصية أبي بكر رضي الله عنه لأسامة بن زيد حين بعثه إلى الشام: «لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيرًا إلا لمأكله، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم له»(120).

رابعًا: الإحسان في الأخلاق:

إن الإحسان في الأخلاق يكون بالتخلق بالقرآن الكريم في الأقوال والأفعال وجميع التصرفات، فإن أحسن الناس خلقًا هو من يتخلق بالقرآن، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عنه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤﴾ [القلم: 4].

والمعنى: أنت على الخلق الذي أمرك الله به في القرآن(121)، أي: على الخلق الذي أدبك الله به مما نزل به القرآن من الإحسان إلى الناس، والعفو، والتجاوز، وصلة الأرحام، وإعطاء النصفة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما أشبه ذلك.

وفي حديث سعد بن هشام، قال: أتيت عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين، أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: (كان خلقه القرآن). أما تقرأ القرآن، قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤﴾ [القلم: 4](122)(123).

وما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «أن هذه الآية التي في القرآن: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٤٥﴾ [الأحزاب: 45].

قال في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا»(124).

وقال تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا﴾ [البقرة: 83] أي: كلموهم طيبًا، ولينوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف كما قال الحسن البصري في قوله تعالى ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا﴾ فالحسن من القول يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويحلم ويعفو ويصفح، ويقول للناس حسنًا كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله(125).

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا ٨٦﴾ [النساء: 86].

فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ﴾.

التحية: هي دعاء بطول الحياة، والمراد بالتحية هاهنا: السلام، يقول: إذا سلم عليكم مسلم فأجيبوا بأحسن مما سلم أو ردوها كما سلم، فإذا قال: السلام عليكم، فقل: وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله، فقل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد مثله، روي أن رجلًا سلم على ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئًا، فقال ابن عباس: إن السلام ينتهي إلى البركة(126).

وقال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ يَنزَغُ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ٥٣﴾ [الإسراء: 53].

يأمر تبارك وتعالى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك، نزع الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، وأوقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع عن السجود لآدم، وعداوته ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان ينزع في يده، أي: فربما أصابه بها(127).

وقال تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦۖ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٢٥﴾ [النحل: 125].

«يقول تعالى آمرًا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة، وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة والموعظة الحسنة، أي: بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس، ذكرهم بها ليحذروا بأس الله تعالى.

وقوله: ﴿وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كقوله تعالى: ﴿۞ وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ﴾ [العنكبوت: 46].

فأمره تعالى بلين الجانب كما أمر به موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ ٤٤﴾ [طه: 44]»(128).

جزاء المحسنين

إن جزاء المحسنين يكون في الدنيا: بالإحسان من الله تعالى، ورضاه ومحبته، ومعيته، ورحمته، والذكر الحسن في العالمين، وبأن الله لا يضيع أجر المحسنين، وبالبشارة بالخير، والمجازاة بأحسن ما كانوا يعملون، ويكون جزاء المحسنين في الآخرة بالجنة ونعيمها، وبيان ذلك في المطلبيين الآتيين:

أولًا: جزاء المحسنين في الدنيا:

  • 1. الإحسان من الله تعالى.

إن الله تعالى أحسن على الإنسان بجميع النعم تفضلًا منه وكرمًا.

قال تعالى: ﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ ٣٤﴾ [إبراهيم: 34].

وقال سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨﴾ [النحل: 18].

وقال عز وجل: ﴿أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ٢٠﴾ [لقمان: 20].

يقول تعالى ذكره: ﴿أَلَمۡ تَرَوۡاْ﴾ أيها الناس ﴿أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ من شمس وقمر ونجم وسحاب ﴿وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ من دابة وشجر وماء وبحر وفلك، وغير ذلك من المنافع، يجري ذلك كله لمنافعكم ومصالحكم، لغذائكم وأقواتكم وأرزاقكم وملاذكم، تتمتعون ببعض ذلك كله، وتنتفعون بجميعه، ﴿وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ﴾(129).

والإسباغ: الإفاضة والشمول، عن سعة وكثرة. والنعم السابغة: الكثيرة المتعددة والنعم الظاهرة: ما يعرفها الإنسان، ويلمسها بحواسه، أو يدركها بعقله والنعم الباطنة، هى ما لا يعلمه الإنسان من أسرار هذا الوجود الذي يعيش فيه(130).

وقد أحسن الله للإنسان في خلقه، قال تعالى: ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ ٤﴾ [التين: 4].

وأحسن إليه بالصحة والعافية، وذلك على المعنى الوارد في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٠﴾ [النحل: 30].

وفي قوله تعالى: ﴿قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠﴾ [الزمر: 10].

فحسنة الدنيا المذكورة في الآيتين هي الحسنة: الصحة والعافية(131).

قال الماوردي: «وفيما أريد بالحسنة التي لهم في الدنيا أربعة أوجه: أحدها: العافية والصحة، قاله السدي. الثاني: ما رزقهم الله من خير الدنيا، قاله يحيى بن سلام، الثالث: ما أعطاهم من طاعته في الدنيا وجنته في الآخرة ، قاله الحسن، الرابع: الظفر والغنائم، حكاه النقاش. ويحتمل خامسًا: إن الحسنة في الدنيا الثناء وفي الآخرة الجزاء»(132).

ومن إحسان الله تعالى على العبد الإحسان المعنوي المتمثل في السعادة.

قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ ١٠١﴾ [الأنبياء: 101].

قال المفسرون: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ﴾: عني به: كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه أنه عن النار مبعد(133).

وقيل: الآية عامة في كل من سبقت لهم من الله السعادة.

وقال أكثر المفسرين: عني بذلك: كل من عبد من دون الله وهو لله طائع ولعبادة من يعبده كاره(134).

والحسنى: الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن؛ إما السعادة، وإما البشرى بالثواب وإما التوفيق للطاعة، يروى أن عليًا رضي الله عنه قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم، وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه(135).

ومن المفسرين من قال: إن المراد: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ يعني: عزيرًا والمسيح والملائكة ﴿عَنۡهَا﴾ عن جهنم ﴿مُبۡعَدُونَ﴾ لأنهم لم يرضوا بعبادتهم، وقيل: المراد بقوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ﴾: جميع المؤمنين لما روي أن عليًا رضي الله عنه قرأ هذه الآية ثم قال: « أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن ابن عوف»(136).

والواجب على العبد تجاه إحسان الله تعالى في الدنيا ما يأتي:

1. الإحسان في الاعتقاد والعبادة وجميع الأعمال.

قال تعالى: ﴿هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ ٦٠﴾ [الرحمن: 60].

وفي معناها وجوه:

أحدها: هل جزاء التوحيد غير الجنة، أي: جزاء من قال: لا إله إلا الله إدخال الجنة.

ثانيها: هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا الإحسان في الآخرة.

ثالثها: هل جزاء من أحسن إليكم في الدنيا بالنعم وفي العقبى بالنعيم إلا أن تحسنوا إليه بالعبادة والتقوى.

وأما الأقرب فإنه عامٌ، فجزاء كل من أحسن إلى غيره أن يحسن هو إليه أيضًا(137).

2. الشكر للمحسن سبحانه وذلك بالاعتراف بذلك.

كما قال يوسف عليه السلام: قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ١٠٠﴾ [يوسف: 100].

أي: وقد أحسن بي ربي إذ أخرجني من السجن، وسما بي إلى عرش الملك، وجاء بكم من البادية حيث كنتم تعيشون فى شظف العيش وخشونته، ونقلكم إلى الحضر حيث تعيشون في نعم الاجتماع ونشر الدين الحق، وتتعاونون على ترقي العلوم والصناعات(138).

وكذلك ببذل الإحسان إلى الآخرين من المستحقين والمساكين.

قال تعالى: ﴿وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ﴾ [القصص: 77].

  • 2. رضا الله سبحانه.

بين سبحانه أنه يرضى عن المحسنين في إتباع السلف الصالح.

قال تعالى: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠﴾ [التوبة: 100].

قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: والذين سبقوا الناس أولًا إلى الإيمان بالله ورسوله من المهاجرين، الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم، وفارقوا منازلهم وأوطانهم والأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل الكفر بالله ورسوله ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ﴾، يقول: والذين سلكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله، والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، طلب رضا الله ﴿رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ﴾»(139).

قال الزجاج: «﴿رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ﴾ تأويله: والله أعلم أن الله رضي أفعالهم، وأنهم رضوا ما جازاهم الله به»(140).

هو عرض كاشف لمنزلة هؤلاء الصفوة من عباد الله، وأن الله رضي عنهم، بما كان منهم من إحسان، وأنهم رضوا، بما أرضاهم الله به، ونعموا فيه.

وفي قوله تعالى: ﴿وَرَضُواْ عَنۡهُ﴾رضوان فوق رضوان من عند الله، يحفهم به، ويزيدهم نعيمًا إلى نعيم؛ إذ جعل الله سبحانه وتعالى رضاهم عنه بما أعطاهم معادلًا لرضاه عنهم، حتى لكأنه سبحانه وتعالى، يتبادل الرضا معهم، فيرضى عنهم، ويرضون عنه. فسبحانه، ما أعظم لطفه، وما أوسع فضله، وما أكرم عطاءه، وأسبغ إحسانه(141).

  • 3. محبة الله تعالى.

أثبت الله تعالى محبته للمحسنين في الدنيا بصفة عامة، قال تعالى: ﴿فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤٨﴾ [آل عمران: 148].

وذلك جزاء من قال: ﴿وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤٧ فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤٨﴾ [آل عمران: 147-148] (142).

وفي معرض الحث على الإنفاق في سبيل الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِۛ وَأَحۡسِنُوٓاْۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٩٥﴾ [البقرة: 195].

والمعنى: أحسنوا أيها المؤمنون في أداء ما ألزمتكم من فرائضي، وتجنب ما أمرتكم بتجنبه من معاصي، ومن الإنفاق في سبيلي، وعود القوي منكم على الضعيف ذي الخلة، فإني أحب المحسنين في ذلك(143)، أي: أنفقوا في سبيل الله فمن أنفق في سبيل الله فهو محسن(144).

وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤﴾ [آل عمران: 134].

فإن الله يحب من عمل بهذه الأمور التي وصف أنه أعد للعاملين بها الجنة التي عرضها السماوات والأرض، والعاملون بها هم المحسنون، وإحسانهم، هو عملهم بها، أي: وذلك الإحسان، وأنا أحب من عمل به(145)، لفظ: ﴿ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ للجنس، فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون، وقد تكون للعهد فتكون إشارة إلى هؤلاء(146).

وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦۙ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣﴾ [المائدة: 13].

قال أبو جعفر الطبري: «وهذ أمر من الله عز ذكره نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالعفو عن هؤلاء القوم الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليه من اليهود. يقول الله جل وعز له: اعف، يا محمد، عن هؤلاء اليهود الذين هموا بما هموا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جرمهم بترك التعرض لمكروههم، فإني أحب من أحسن العفو والصفح إلى من أساء إليه»(147).

﴿فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ ظاهره الأمر بالمعروف والصفح عنهم جميعهم، وذلك بعث على حسن التخلق معهم ومكارم الأخلاق.

قال الإمام أبو جعفر الطبري: يجوز أن يعفو عنهم في غدرة فعلوها ما لم ينصبوا حربًا، ولم يمتنعوا من أداء جزية(148).

  • 4. معية الله تعالى.

أخبر الله تعالى بأنه مع المحسنين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ ١٢٨﴾ [النحل: 128].

يقول تعالى ذكره ﴿إِنَّ ٱللَّهَ﴾ يا محمد ﴿مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾ الله في محارمه فاجتنبوها، وخافوا عقابه عليها، فأحجموا عن التقدم عليها.

﴿وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ﴾ يقول: وهو مع الذين يحسنون رعاية فرائضه، والقيام بحقوقه، ولزوم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه(149).

والمراد من هذه المعية: المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة(150)، وهذه معية خاصة كقوله: ﴿إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ﴾ [الأنفال: 12].

وقوله لموسى وهارون: ﴿قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ ٤٦﴾ [طه: 46].

وقول النبي صلى الله عليه وسلم للصديق وهما في الغار: ﴿لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ﴾ [التوبة: 40].

ومعنى ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ﴾ أي: تركوا المحرمات، ﴿وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ﴾ أي: فعلوا الطاعات، فهؤلاء الله يحفظهم ويكلؤهم، وينصرهم ويؤيدهم، ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم(151).

وقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٦٩﴾ [العنكبوت: 69].

أي: إن الله لمع من أحسن من خلقه، فجاهد فيه أهل الشرك، مصدقًا رسوله فيما جاء به من عند الله بالعون له، والنصرة على من جاهد من أعدائه(152).

وقوله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ تأويله إن الله ناصرهم؛ لأن قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا﴾ الله معهم، يدل على نصرهم، والنصرة تكون في علوهم على عدوهم بالغلبة بالحجة والغلبة بالقهر والقدرة(153).

وروي عن ابن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهديننهم سبل ثوابنا. وإن الله لمع المحسنين، بالنصر والمعونة في دنياهم وبالثواب والمغفرة في عقباهم(154).

5. رحمة الله تعالى.

إن من جزاء الإحسان في الدنيا، أن يكون العبد قريبًا من رحمة الله.

قال تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦﴾ [الأعراف: 56].

في الآية تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور به هو الإحسان المطلوب منكم، ومطلوبكم أنتم من الله هو رحمته القريبة من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه خوفًا وطمعًا، فقرب مطلوبكم منكم وهو الرحمة بحسب أدائكم لمطلوبه منكم وهو الإحسان الذي هو في الحقيقة إحسان إلى أنفسكم.

قال ابن القيم(155): في قوله: ﴿إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾: «له دلالة بمنطوقه، ودلالة بإيمائه وتعليله، ودلالة بمفهومه:

  • فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الإحسان.
  • ودلالته بتعليله وإيمائه على أن هذا القرب مستحق بالإحسان، فهو السبب في قرب الرحمة منهم.
  • ودلالته بمفهومه على بعد الرحمة من غير المحسنين.

فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة، وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة منهم؛ لأنها إحسان من الله أرحم الراحمين، وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته، وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة، بعدًا ببعد، وقربًا بقرب، فمن تقرب بالإحسان تقرب الله إليه برحمته، ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته، والله سبحانه يحب المحسنين، ويبغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه، ومن أبغضه فرحمته أبعد شيء منه.

والإحسان هاهنا: هو فعل المأمور به، سواء كان إحسانًا إلى الناس، أو إلى نفسه. فأعظم الإحسان: الإيمان والتوحيد، والإنابة إلى الله، والإقبال عليه، والتوكل عليه، وأن يعبد الله كأنه يراه إجلالًا ومهابةً وحياءً ومحبةً وخشيةً، فهذا هو مقام الإحسان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقد سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه)(156).

وإذا كان هذا هو الإحسان فرحمة الله قريب من صاحبه، فإن الله إنما يرحم أهل توحيده المؤمنين به وإنما كتب رحمته: للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون، والذين يتبعون رسوله، فهؤلاء هم أهل الرحمة، كما أنهم هم المحسنون، وكما أحسنوا جوزوا بالإحسان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ يعني: هل جزاء من أحسن عبادة ربه إلا أن يحسن ربه إليه؟

قال ابن عباس: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله، وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة؟».

  • 6. الذكر الحسن في العالمين.

إن من جزاء الإحسان في الدنيا: أن الله تعالى يجعل للمحسن ذكرًا جميلًا، وثناء حسنًا في الناس في حياته وبعد موته.

قال تعالى مبينًا بقاء ذكر المحسنين، وعلى رأسهم الأنبياء عليهم السلام، فقال في نوح عليه السلام: ﴿وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ ٧٧ وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٧٨ سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٖ فِي ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٩ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٠ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨١﴾ [الصافات: 77-81].

﴿وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ﴾ أي: لقينا له ثناء حسنًا وذكرًا جميلًا فيمن بعده من الأنبياء والأمم. وقيل: أن يصلى عليه إلى يوم القيامة(157).

قال الماوردي في قوله عز وجل: ﴿وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ﴾» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه أبقى الله الثناء الحسن في الآخرين، قاله قتادة. الثاني: لسان صدق للأنبياء كلهم، قاله مجاهد، الثالث: هو قوله: ﴿سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٖ فِي ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾، قاله الفراء»(158).

وعلل مجازاة نوح عليه السلام بتلك التكرمة السنية من تبقية ذكره، وتسليم العالمين عليه إلى آخر الدهر بأنه كان محسنًا، ثم علل كونه محسنًا بأنه كان عبدًا مؤمنًا؛ ليريك جلالة محل الإيمان، وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم، ويرغبك في تحصيله والازدياد منه(159).

وقال في إبراهيم عليه السلام: ﴿وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٠٨ سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ١٠٩ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٠ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١١﴾ [الصافات: 108-111]

وقوله: ﴿وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وأبقينا عليه فيمن بعده إلى يوم القيامة ثناء حسنًا(160).

قال الإمام الماوردي: «فيه قولان: أحدهما: الثناء الحسن، قاله قتادة. الثاني: هو السلام على إبراهيم ، قاله عكرمة»(161).

وقال تعالى في إل ياسين: ، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ ١٢٧ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٢٨ وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٢٩ سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلۡ يَاسِينَ ١٣٠ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣١ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٣٢﴾ [الصافات: 127-132].

أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن في الآخرين من الأمم بعده(162).

وقال في موسى وهارون: ﴿وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١١٤ وَنَجَّيۡنَٰهُمَا وَقَوۡمَهُمَا مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ١١٥ وَنَصَرۡنَٰهُمۡ فَكَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ١١٦ وَءَاتَيۡنَٰهُمَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلۡمُسۡتَبِينَ ١١٧ وَهَدَيۡنَٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١١٨ وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِمَا فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١١٩ سَلَٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١٢٠ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢١﴾ [الصافات: 114-121].

أي: وتركنا عليهما في الآخرين بعدهم الثناء الحسن عليهما: وذلك أن يقال: سلام على موسى وهارون.

ثم جعل سبحانه ذلك الذكر والثناء عامًا لكل محسن، وذلك في قوله: ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾.

أي: هكذا نجزي أهل طاعتنا، والعاملين بما يرضينا عنهم ﴿إِنَّهُمَا مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٢٢﴾ [الصافات: 122] يقول: إن موسى وهارون من عبادنا المخلصين لنا الإيمان(163).

أي: مثل ذلك الجزاء العظيم نجزي من انقاد لأمر الله؛ إنه من عبادنا المؤمنين أي: الذين أعطوا العبودية حقها، ورسخوا في الإيمان بالله وتوحيده(164)، وهذه سنته تعالى في المحسنين، أن ينشر لهم من الثناء على حسب إحسانهم(165).

قال ابن عاشور: «والمعنى: إنا مثل ذلك الجزاء نجزي المحسنين. وفي هذا تنويه بنوح عليه السلام بأن جزاءه كان هو المثال والإمام لجزاء المحسنين على مراتب إحسانهم وتفاوت تقاربها من إحسان نوح عليه السلام وقوته في تبليغ الدعوة. فهو أول من أوذي في الله فسن الجزاء لمن أوذي في الله، وكان على قالب جزائه، فلعله أن يكون له كفل من كل جزاء يجزاه أحد على صبره إذا أوذي في الله، فثبت لنوح بهذا وصف الإحسان، وهو النعمة السابعة. وثبت له أنه مثل للمحسنين في جزائهم على إحسانهم»(166).

  • 7. لا يضيع الله أجر المحسنين.

أخبر الله تعالى في آيات كثيرة أنه لا يضيع أجر المحسنين، قال تعالى: ﴿وَٱصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٥﴾ [هود: 115].

قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: واصبر، يا محمد، على ما تلقى من مشركي قومك من الأذى في الله والمكروه، رجاء جزيل ثواب الله على ذلك، فإن الله لا يضيع ثواب عمل من أحسن فأطاع الله واتبع أمره، فيذهب به، بل يوفره أحوج ما يكون إليه»(167).

وقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦﴾ [يوسف: 56].

وكذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٠﴾ [يوسف: 90].

قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: وهكذا وطأنا ليوسف في الأرض، يعني: أرض مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ﴾، يقول: يتخذ من أرض مصر منزلًا حيث يشاء، بعد الحبس والضيق ﴿نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ﴾ من خلقنا، كما أصبنا يوسف بها، فمكنا له في الأرض بعد العبودة والإسار، وبعد الإلقاء في الجب ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾، يقول: ولا نبطل جزاء عمل من أحسن فأطاع ربه، وعمل بما أمره، وانتهى عما نهاه عنه، كما لم نبطل جزاء عمل يوسف إذ أحسن فأطاع الله»(168).

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠﴾ [الكهف: 30].

أي: أن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بطاعة الله، وانتهوا إلى أمره ونهيه، ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا﴾ فأطاع الله، واتبع أمره ونهيه، بل نجازيه بطاعته وعمله الحسن جنات عدن تجري من تحتها الأنهار(169)، كما في الآية التي بعدها: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١﴾ [الكهف: 31].

قال ابن الجوزي: «ومعنى: ﴿لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا﴾ أي: لا نترك أعماله تذهب ضياعًا، بل نجازيه عليها بالثواب»(170).

  • 8. البشارة بالخير.

إن البشارة هي: إعلام الرجل بما لم يكن به عالمًا مما يسره من الخبر، قبل أن يسمعه من غيره، أو يعلمه من قبل غيره(171)، والأغلب في البشارة إطلاقها على الإخبار بالخير المنتظر في المستقبل(172).

فقد جعل الله تعالى القرآن الكريم بشارة للمحسنين بحسن عاقبتهم بسبب إيمانهم وإحسانهم.

قال تعالى: ﴿وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةٗۚ وَهَٰذَا كِتَٰبٞ مُّصَدِّقٞ لِّسَانًا عَرَبِيّٗا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُحۡسِنِينَ ١٢﴾ [الأحقاف: 12].

﴿وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُحۡسِنِينَ﴾ الأجود أن يكون (بشرى) في موضع رفع على الابتداء، والمعنى: وهو بشرى للمحسنين، ويجوز أن يكون بشرى في موضع نصب على المصدر على معنى: لينذر الذين ظلموا ويبشر المحسنين بشرى(173).

أي: وهذا القرآن الذي أنزلناه على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مصدق لكتاب موسى الذي هو إمام ورحمة، ومصدق لغيره من الكتب السماوية السابقة وأمين عليها، وقد أنزلناه بلسان عربي مبين، امتنانًا مِنَا على من بعث الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم وهم العرب.

وجعل الله تعالى من وظيفة هذا الكتاب: الإنذار للظالمين بسوء المصير إذا ما أصروا على ظلمهم، والبشارة للمحسنين بحسن عاقبتهم بسبب إيمانهم وإحسانهم(174).

وقد أمر الله تعالى نبيه الكريم أن يبشر المحسنين بالخير.

قال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٧﴾ [الحج: 37].

قال الطبري: ﴿وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾: «يقول: وبشر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة في الآخرة»(175).

وقال الماوردي: ﴿وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: بالقبول. والثاني: بالجنة(176).

  • 9. المجازاة بأحسن ما كانوا يعملون.

إن من جزاء الإحسان في الدنيا المجازاة بأحسن ما كانوا يعملون.

قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢٠ وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢١﴾ [التوبة: 120-121].

قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ﴾، وسائر ما ذكر ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا﴾ ﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ﴾، في سبيل الله ﴿وَلَا يَقۡطَعُونَ﴾، مع رسول الله في غزوه ﴿وَادِيًا﴾ إلا كتب لهم أجر عملهم ذلك، جزاء لهم عليه، كأحسن ما يجزيهم على أحسن أعمالهم التي كانوا يعملونها وهم مقيمون في منازلهم»(177).

وقال الرازي: ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون وفيه وجهان:

الأول: أن الأحسن من صفة فعلهم، وفيها الواجب والمندوب والمباح والله تعالى يجزيهم على الأحسن، وهو الواجب والمندوب، دون المباح.

والثاني: أن الأحسن صفة للجزاء، أي: يجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم وأجل وأفضل، وهو الثواب(178).

﴿أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ أي: يجزيهم على كل واحد جزاء أحسن عمل كان لهم فيلحق ما دونه به توفيرًا لأجرهم(179).

وخلاصة ذلك إنه تعالى يجزيهم بكل عمل مما ذكر جزاء أحسن من جزائهم على أعمالهم الجليلة فى غير الجهاد بالمال والنفس، بأن تكون النفقة الصغيرة فيه كالنفقة الكبيرة فى غيره من أنواع المبرات، والمشقة القليلة فيه كالمشقة الكبيرة فما عداه من الأعمال الصالحات(180).

وقوله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٦ مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧﴾ [النحل: 96-97].

أي: من أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه عمله في الدنيا والآخرة، ثم أخبر بأن دار الآخرة خير من الحياة الدنيا، والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَيۡلَكُمۡ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ﴾ [القصص: 80].

وقال تعالى: ﴿وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ ١٩٨﴾ [آل عمران: 198].

وقال تعالى: ﴿وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ١٧﴾ [الأعلى: 17](181).

﴿وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يجازى على أحسن الأعمال وهي الطاعة، دون المباح منها، الثاني: مضاعفة الجزاء وهو الأحسن، كما قال تعالى: ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ﴾ [الأنعام: 160](182).

وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓۙ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ٣٣ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٤ لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٥﴾ [الزمر: 33-35] (183).

ثانيًا: جزاء المحسنين في الآخرة:

إن جزاء المحسنين في الآخرة هي الجنة ونعيمها.

قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓۙ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ٣٣ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٤ لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٥﴾ [الزمر: 33-35]

وقوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ﴾ أي: لهم عند ربهم يوم القيامة، ما تشتهيه أنفسهم، وتلذه أعينهم ﴿ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ أي: هذا الذي لهم عند ربهم، جزاء من أحسن في الدنيا فأطاع الله فيها، وائتمر لأمره، وانتهى عما نهاه فيها عنه.

وجزى هؤلاء المحسنين ربهم بإحسانهم، كي يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا في الدنيا من الأعمال، فيما بينهم وبين ربهم، بما كان منهم فيها من توبة وإنابة مما اجترحوا من السيئات فيها ﴿وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم﴾ يقول: ويثيبهم ثوابهم ﴿بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ في الدنيا (يعملون) مما يرضى الله عنهم دون أسوئها(184).

﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ﴾ [الزمر: 34] لهم عند الله من الجزاء والكرامة ما يشاءون، ﴿ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [الزمر: 34] في أقوالهم وأعمالهم. ﴿لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ﴾ [الزمر: 35] أي: أعطاهم ما شاءوا، ﴿لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ﴾ [الزمر: 35] يسترها عنهم بالمغفرة، ﴿وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الزمر: 35].

قال مقاتل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم، ولا يجزيهم بالمساوي(185).

ذلك هو جزاؤهم، وجزاء المحسنين كلهم، والمحسنون هم: الذين أحسنوا الاعتقاد والقول والعمل.

وقوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ﴾ أي: من الذنوب والآثام والخطايا والسيئات، أي: وفقهم للإحسان ويسره لهم، ليكفر عنهم أسوأ الذي عملوا وسيئه ويجزيهم أجرهم على إيمانهم وتقواهم وإحسانهم في ذلك بأحسن ما كانوا يعملون وحسنه أيضًا، وإنما يضاعف لهم الأجر، فتكون الحسنات الصغيرة كالكبيرة، فأصبح الجزاء كله على الأحسن، والذي كانوا يعملون هو كل ما شرعه الله تعالى لعباده وتعبدهم به من الإيمان وسائر الطاعات والقربات(186).

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي ظِلَٰلٖ وَعُيُونٖ ٤١ وَفَوَٰكِهَ مِمَّا يَشۡتَهُونَ ٤٢ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٤٤﴾ [المرسلات: 41-44].

قال الطبري في قوله: ﴿كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾: «يقال لهم: كلوا أيها القوم من هذه الفواكه، واشربوا من هذه العيون كلما اشتهيتم، ﴿هَنِيٓـَٔۢا﴾ يقول: لا تكدير عليكم، ولا تنغيص فيما تأكلونه وتشربون منه، ولكنه لكم دائم، لا يزول، ومريء لا يورثكم أذى في أبدانكم، وقوله: ﴿بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾، أي: هذا جزاء بما كنتم في الدنيا تعملون من طاعة الله، وتجتهدون فيما يقربكم منه.

وقوله: ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ يقول: إنا كما جزينا هؤلاء المتقين بما وصفنا من الجزاء على طاعتهم إيانا في الدنيا، كذلك نجزي ونثيب أهل الإحسان فى طاعتهم إيانا، وعبادتهم لنا في الدنيا على إحسانهم لا نضيع في الآخرة أجرهم»(187).

أي: يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم، ثم قال تعالى مخبرًا خبرًا مستأنفًا: ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ أي: هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل(188).

وقال سبحانه في جزاء من أحسن الاعتقاد والعمل: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٤ فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٥﴾ [المائدة: 84-85].

أي: فكافأهم الله تعالى بسبب أقوالهم الطيبة الدالة على إيمانهم وإخلاصهم، ﴿جَنَّٰتٖ﴾ تجرى من تحت بساتينها وأشجارها الأنهار، ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ﴾ أي: باقين في تلك الجنات بقاء لا موت معه، ﴿وَذَٰلِكَ﴾ العطاء الجزيل الذي منحه الله لهم ﴿جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ أي: المؤمنين المخلصين في أقوالهم وأعمالهم(189).

قال تعالى: ﴿۞ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٦﴾ [يونس: 26].

قال الماوردي: «قوله عز وجل: ﴿لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ﴾ يعني: عبادة ربهم. ﴿ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ﴾ فيه خمسة تأويلات: أحدها: أن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى، وهذا قول أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وأبي موسى الأشعري. والثاني: أن الحسنى واحدة من الحسنات، والزيادة مضاعفتها إلى عشر أمثالها، قاله ابن عباس، الثالث: أن الحسنى حسنة مثل حسنة، والزيادة مغفرة ورضوان، قاله مجاهد والرابع: أن الحسنى الجزاء في الآخرة والزيادة ما أعطوا في الدنيا، قاله ابن زيد. والخامس: أن الحسنى الثواب، والزيادة الدوام، قاله ابن بحر، ويحتمل سادسًا: أن الحسنى ما يتمنونه ، والزيادة ما يشتهونه»(190).

قال أبو جعفر الطبري: «يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ﴾، لا يغشى وجوههم كآبة، ولا كسوف، حتى تصير من الحزن كأنما علاها قتر. والقتر: الغبار، ﴿وَلَا ذِلَّةٌۚ﴾، ولا هوان ﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ﴾، يقول: هؤلاء الذين وصفت صفتهم، هم أهل الجنة وسكانها ومن هو فيها ﴿هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾، يقول: هم فيها ماكثون أبدًا، لا تبيد، فيخافوا زوال نعيمهم، ولا هم بمخرجين فتتنغص عليهم لذتهم»(191).

وقوله تعالى: ﴿۞ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ﴾ [يونس: 26].

قال ابن عباس: «للذين قالوا: لا إله إلا الله الجنة»، وزيادة: وهي النظر إلى وجه الله في قول أبي بكر الصديق، وأبي موسى الأشعري، وحذيفة، وابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي.

ونحو ذلك فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي عن صهيب، قال: عن صهيب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل). ثم تلا هذه الآية: ﴿۞ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ﴾ [يونس: 26]» (192) (193).

قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ﴾، قالت فرقة وهي الجمهور: الحسنى: الجنة والزيادة: النظر إلى وجه الله عز وجل، وروي في نحو ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه صهيب، وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وحذيفة وأبي موسى الأشعري وعامر بن سعد وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: «الزيادة» غرفة من لؤلؤة واحدة.

وقالت فرقة: الحسنى: هي الحسنة، و الزيادة: هي تضعيف الحسنات إلى سبعمائة فدونها حسبما روي في نص الحديث، وتفسير قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۗ﴾ [البقرة: 261].

وهذا قول يعضده النظر، ولولا عظم القائلين بالقول الأول لترجح هذا القول، وطريق ترجيحه أن الآية تتضمن اقترانًا بين ذكر عمال الحسنات وعمال السيئات، فوصف المحسنين بأن لهم حسنى وزيادة من جنسها، ووصف المسيئين بأن لهم بالسيئة مثلها فتعادل الكلامان، وعبر عن الحسنات بـ(الحسنى) مبالغة؛ إذ هي عشرة،

وقال الطبري: الحسنى عام في كل حسنى فهي تعم جميع ما قيل.

ووعد الله تعالى على جميعها بالزيادة، ويؤيد ذلك أيضا قوله: أولئك أصحاب الجنة، ولو كان معنى الحسنى الجنة، لكان في القول تكرير بالمعنى، على أن هذا ينفصل عنه بأنه وصف المحسنين بأن لهم الجنة، وأنهم لا يرهق وجوهم قتر ولا ذلة.

ثم قال: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ﴾ على جهة المدح لهم، أي: أولئك مستحقوها وأصحابها حقًا وباستيجاب، و﴿يَرۡهَقُ﴾ معناه: يغشى مع ذلة وتضييق، والقتر: الغبار المسود(194).

قال ابن كثير: «يخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح: الحسنى في الدار الآخرة كقوله تعالى: ﴿هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ ٦٠﴾ [الرحمن: 60]، وقوله: ﴿وَزِيَادَةٞۖ﴾ هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وزيادة على ذلك أيضا، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرة أعين وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه لا يستحقونها بعملهم بل بفضله ورحمته، وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم من السلف والخلف.

وقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك ما رواه صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: ﴿لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ﴾ وقال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى منادٍ: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فو الله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقرَ لأعينهم)(195)»(196).

موضوعات ذات صلة:
البر، التقوى، التطوع، العطاء

الحواشي

  1. انظر: لسان العرب، ابن منظور13/117. ↩
  2. مقاييس اللغة 2/57. ↩
  3. انظر: تعليق محب الدين الخطيب على فتح الباري ابن حجر 1/164. ↩
  4. المفردات، ص235. ↩
  5. أحكام القرآن1/167. ↩
  6. الجامع لأحكام القرآن10/ 167. ↩
  7. انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الحاء، ص433-437. ↩
  8. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 2/57، لسان العرب، ابن منظور 13/117، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 2/68-70. ↩
  9. انظر: لسان العرب، ابن منظور11/ 524. ↩
  10. مقاييس اللغة4/ 508. ↩
  11. انظر: الكليات، الكفوي، ص683. ↩
  12. انظر: جامع البيان، الطبري7/414 ↩
  13. انظر: لسان العرب، ابن منظور13/ 417. ↩
  14. لسان العرب، ابن منظور13/ 418. ↩
  15. النهاية في غريب الحديث والأثر4/365. ↩
  16. انظر: المصدر السابق 5/ 83. ↩
  17. انظر: لسان العرب، ابن منظور12/579، تاج العروس، الزبيدي 33/502. ↩
  18. انظر: الكليات، الكفوي، ص 912، التوقيف على مهمات التعاريف المناوي ص65. ↩
  19. انظر: معجم الفروق اللغوية، العسكري، ص 81. ↩
  20. انظر: تاج العروس، الزبيدي33 /337. ↩
  21. انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد رواس وحامد قنيبي، ص142. ↩
  22. انظر: تفسير القرآن، السمعاني3/ 262. ↩
  23. انظر: الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها، محمد بن خليفة التميمي، ص 65. ↩
  24. أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط رقم 5735، 6/40.
    صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته رقم1824 ، 1/374. ↩
  25. أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه رقم8603 ، 4/492، والطبراني في المعجم الكبير رقم 7121، 7/ 275.
    صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته رقم 1824، 1/374. ↩
  26. انظر: صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة، علوي السقاف، ص50. ↩
  27. انظر: بحث: إثبات أن المحسن اسم من أسماء الله الحسنى، د. عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر، منشور في مجلة البحوث الإسلامية العدد36ص374 الإصدار ربيع الأول- جمادي الثانية لسنة 1413هـ. ↩
  28. انظر: الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها، محمد بن خليفة التميمي، ص 65. ↩
  29. انظر: جامع البيان، الطبري20/170. ↩
  30. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير6/321. ↩
  31. انظر: جامع البيان، الطبري23/416. ↩
  32. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 18/134. ↩
  33. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير8/159. ↩
  34. جامع البيان24/507.
    وانظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 5/ 343. ↩
  35. انظر: مدارك التنزيل، النسفي3/135. ↩
  36. انظر: جامع البيان، الطبري15/ 453. ↩
  37. انظر: النكت والعيون2 / 497. ↩
  38. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير4/ 296. ↩
  39. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج3/ 209. ↩
  40. أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، 7/ 2288. ↩
  41. انظر: النكت والعيون، 3/ 198. ↩
  42. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 5/188. ↩
  43. انظر: جامع البيان، الطبري23/469، التفسير الوسيط، الواحدي4/316. ↩
  44. انظر: جامع البيان، الطبري10/394. ↩
  45. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6/214. ↩
  46. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير3/ 119. ↩
  47. انظر: جامع البيان، الطبري12/ 561. ↩
  48. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 14/315. ↩
  49. انظر: تفسير القرآن، السمعاني2/ 433. ↩
  50. انظر: الكشاف2/ 398. ↩
  51. انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل20/ 411. ↩
  52. انظر: جامع البيان، الطبري24/ 516. ↩
  53. تفسير السمرقندي، 2/ 290. ↩
  54. انظر: النكت والعيون، الماوردي3/212. ↩
  55. انظر: محاسن التأويل، القاسمي7/391. ↩
  56. انظر: تيسير الكريم الرحمن السعدي، ص569. ↩
  57. انظر: جامع البيان، الطبري20 / 11. ↩
  58. انظر: معالم التنزيل، البغوي 3/ 550. ↩
  59. انظر: معالم التنزيل، البغوي 4/ 196. ↩
  60. انظر: جامع البيان، الطبري7 / 275. ↩
  61. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج5 / 103. ↩
  62. انظر: جامع البيان، الطبري23/ 67. ↩
  63. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص162. ↩
  64. انظر: جامع البيان، الطبري6/258. ↩
  65. انظر: الإحسان في ضوء الكتاب والسنة النبوية، أحمد الغامدي، ص190. ↩
  66. انظر: تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، الصنعاني، ص 9. ↩
  67. انظر: مذكرة التوحيد، عبد الرزاق عفيفي، ص 27. ↩
  68. انظر: المصدر السابق. ↩
  69. انظر: تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، الصنعاني، ص 9. ↩
  70. جامع البيان، الطبري9/250.
    وانظر: التفسير الوسيط، الواحدي 2/ 120. ↩
  71. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج4/199، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير6/310. ↩
  72. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي14/74. ↩
  73. العبودية، ابن تيمية، ص 44. ↩
  74. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي صلى الله عليه وسلم، رقم1، 1/6، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ↩
  75. انظر: المفيد في مهمات التوحيد، عبد القادر صوفي، ص 93. ↩
  76. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على جور، فالصلح مردود، رقم 2697، 3/184، ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، رقم 1718، 3/1343. ↩
  77. انظر: المفيد في مهمات التوحيد، عبد القادر صوفي، ص 93. ↩
  78. جامع البيان18/641. ↩
  79. انظر: محاسن التأويل، القاسمي7/ 248. ↩
  80. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي20/ 259. ↩
  81. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص178. ↩
  82. انظر: المصدر السابق، ص 279. ↩
  83. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 2 / 49، التفسير الوسيط، الواحدي3/ 102. ↩
  84. انظر: أضواء البيان الشنقيطي3 / 85. ↩
  85. انظر: جامع البيان، الطبري22/112، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج4/442. ↩
  86. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير2/ 212. ↩
  87. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الرضاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، رقم1162، 3/458، وابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب حسن معاشرة النساء، رقم 1978، 1/636.
    والحديث صححه الترمذي، والبوصيري في مصباح الزجاجة 2/118 ، والألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته، رقم 3265، 1/ 620. ↩
  88. أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، 2/419. ↩
  89. انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي1/542. ↩
  90. أنوار التنزيل1/147. ↩
  91. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج2 /50، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 178. ↩
  92. انظر: تفسير ابن باديس، ص 79. ↩
  93. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة، رقم 1623، 3 /1242. ↩
  94. انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي8/331. ↩
  95. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج2/ 50 تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 178. ↩
  96. التحرير والتنوير5/ 49. ↩
  97. مفاتيح الغيب10/ 78. ↩
  98. المحرر الوجيز3/ 450. ↩
  99. زاد المسير3/ 20. ↩
  100. انظر: تفسير ابن باديس ص 79. ↩
  101. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور15/ 76. ↩
  102. انظر: جامع البيان، الطبري4/ 291. ↩
  103. اللباب في علوم الكتاب2/240. ↩
  104. انظر: جامع البيان، الطبري2/ 292. ↩
  105. انظر: المصدر السابق2/ 293. ↩
  106. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير2/ 261. ↩
  107. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب الوصاة بالجار، رقم 6014، 8/10، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب الوصية بالجار والإحسان إليه، رقم 2625، 4/2025. ↩
  108. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي5/183. ↩
  109. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف، ولزوم الصمت إلا عن الخير وكون ذلك كله من الإيمان، رقم 48، 1/69. ↩
  110. انظر: تفسير المراغي5/ 36. ↩
  111. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير1/ 209. ↩
  112. انظر: التفسير الوسيط، الواحدي3/ 112. ↩
  113. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير5/80. ↩
  114. انظر: تفسير القرآن العظيم4/ 526. ↩
  115. انظر: جامع البيان، الطبري20/ 63. ↩
  116. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج1/266، التفسير الوسيط، الواحدي1/ 293. ↩
  117. انظر: لباب التأويل، الخازن1 / 123. ↩
  118. أخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها، رقم 1731، 3/ 1357. ↩
  119. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب قتل الصبيان في الحرب، رقم 3014، 4/61، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب، رقم 1744، 3/1364. ↩
  120. انظر: روائع البيان تفسير آيات الأحكام، الصابوني 2/460. ↩
  121. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج5/ 204. ↩
  122. أخرجه أحمد في مسنده، رقم 24601، 41/148، والحاكم في المستدرك على الصحيحين، رقم 3842، 2/541.
    قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
    ولم يتعقبه الذهبي، وصححه الارناؤوط في تحقيقه لمسند أحمد41 / 149. ↩
  123. انظر: تفسير القرآن، السمعاني 6 / 18، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8 / 206. ↩
  124. أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب (إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا)، رقم 4838، 6/135. ↩
  125. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير1/ 209. ↩
  126. انظر: معالم التنزيل، البغوي 1/ 669، النكت والعيون، الماوردي1/ 513. ↩
  127. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير5/ 80. ↩
  128. المصدر السابق4/526. ↩
  129. انظر: جامع البيان، الطبري20/ 147. ↩
  130. انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب11/576. ↩
  131. انظر: جامع البيان، الطبري 21/ 269، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج3/ 196. ↩
  132. النكت والعيون5/ 118. ↩
  133. انظر: جامع البيان، الطبري18/ 538. ↩
  134. انظر: معالم التنزيل، البغوي 3/ 318. ↩
  135. انظر: الكشاف، الزمخشري3/ 137. ↩
  136. انظر: مدارك التنزيل، النسفي2/ 422، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير5/331. ↩
  137. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي29/377. ↩
  138. تفسير المراغي13/ 44.
    وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير4 / 353. ↩
  139. انظر: جامع البيان، الطبري14/ 434. ↩
  140. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج2/ 466. ↩
  141. انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 6/ 882. ↩
  142. انظر: لباب التأويل، الخازن1/ 306. ↩
  143. انظر: جامع البيان، الطبري3/ 595. ↩
  144. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج1/ 266، التفسير الوسيط، الواحدي1/294. ↩
  145. انظر: جامع البيان، الطبري7/215. ↩
  146. انظر: الموسوعة القرآنية، جعفر شرف الدين 9/ 259. ↩
  147. انظر: جامع البيان، الطبري10/134. ↩
  148. انظر: البحر المحيط، أبو حيان4/ 206. ↩
  149. انظر: جامع البيان، الطبري17/327. ↩
  150. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 16/51، تفسير القرآن، السمعاني3/ 211. ↩
  151. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير4 / 528. ↩
  152. انظر: جامع البيان، الطبري20/ 63. ↩
  153. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج4/174 التفسير الوسيط، الواحدي3/ 426. ↩
  154. انظر: معالم التنزيل، البغوي 3/ 568، مدارك التنزيل، النسفي2/688. ↩
  155. انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم 3/861. ↩
  156. سبق تخريجه. ↩
  157. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج4/ 308، الكشف والبيان، الثعلبي 8/ 147. ↩
  158. النكت والعيون5/ 53. ↩
  159. انظر: الكشاف، الزمخشري4/ 48. ↩
  160. انظر: جامع البيان، الطبري21/ 90. ↩
  161. النكت والعيون5/ 63. ↩
  162. انظر: جامع البيان، الطبري21/ 99، تفسير القرآن، السمعاني4 / 403. ↩
  163. انظر: جامع البيان، الطبري21 / 95. ↩
  164. انظر: فتح القدير الشوكاني4 / 465. ↩
  165. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص705. ↩
  166. التحرير والتنوير23 / 134. ↩
  167. جامع البيان15 / 526. ↩
  168. انظر: جامع البيان، الطبري16/ 151. ↩
  169. انظر: المصدر السابق، 18/ 16. ↩
  170. انظر: زاد المسير3 / 82. ↩
  171. جامع البيان، الطبري2/ 393. ↩
  172. انظر: النكت والعيون، الماوردي 1 / 382، تفسير الشعراوي 14 / 8835. ↩
  173. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 4/ 441. ↩
  174. انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي13/ 188. ↩
  175. جامع البيان 18/ 641. ↩
  176. انظر: النكت والعيون، الماوردي4 / 28. ↩
  177. جامع البيان14/ 565. ↩
  178. مفاتيح الغيب16/ 170. ↩
  179. انظر: مدارك التنزيل، النسفي1 / 717. ↩
  180. انظر: تفسير المراغي11 / 46. ↩
  181. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير4 / 487. ↩
  182. انظر: النكت والعيون، الماوردي3/ 212. ↩
  183. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير4/ 516. ↩
  184. انظر: جامع البيان، الطبري21/292. ↩
  185. انظر: التفسير الوسيط، الواحدي3/ 581. ↩
  186. انظر: أيسر التفاسير، الجزائري4/ 487. ↩
  187. جامع البيان24/ 143. ↩
  188. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير8 / 305. ↩
  189. انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي4 / 258. ↩
  190. النكت والعيون2 / 432. ↩
  191. انظر: جامع البيان، الطبري15/72، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج3/ 15. ↩
  192. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، رقم 181، 1/ 163. ↩
  193. انظر: التفسير الوسيط، الواحدي2/ 544. ↩
  194. المحرر الوجيز3/ 115. ↩
  195. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، رقم 181، 1/163. ↩
  196. تفسير القرآن العظيم، 4/ 229. ↩
البحث السابقالأجل