تنزيل PDF

العجب

المجلد الثاني عشر الإنسان حرف ع ٢٥٥ قراءة · ٥٢٦ تنزيلاً

مفهوم العجب

أولاً: المعنى اللغوي:

أصل مادة (ع ج ب) تدل على معنيين رئيسين:

الأول: الكبر واستكبار للشيء.

الثاني: خِلقَة من خِلَقِ الحيوان.

ويقال للمتكبر: معجب بنفسه، ويقال للأمر المستعظم: أمرٌ عجيب(1).

قال الراغب الأصفهاني: «العجب والتعجب: حالةٌ تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، ولهذا قال بعض الحكماء: العجب ما لا يعرف سببه»(2).

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الجرجاني رحمه الله: «العجب: تغير النفس بما خفي سببه وخرج عن العادة مثله»(3).

وقال الكفوي رحمه الله: «العجب، بفتحتين: روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء»(4).

يقول الباحث: بعد الاطلاع على أقوال العلماء في معنى العجب نستطيع أن نقول بأن العجب هو: حالة تصيب الإنسان من الاستعظام والذهول عند رؤيته لشيء خرج عن العادة والمألوف.

فالعجب في معنييه: اللغوي والاصطلاحي يدول على استعظام الشيء عند رؤيته.

العجب في الاستعمال القرآني

وردت مادة (عجب) في القرآن بصيغ متعددة، بلغت(27) مرة(5).

والصيغ التي وردت عليها هي:

الصيغةعدد المراتالمثال
الفعل الماضي11﴿بَلۡ عَجِبۡتَ وَيَسۡخَرُونَ ١٢﴾ [الصافات: 12]
الفعل المضارع8﴿۞ وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبٞ قَوۡلُهُمۡ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍۗ﴾ [الرعد: 5]
صيغة المبالغة1﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ ٥﴾ [ص:5]
المصدر5﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ [يونس: 2]
الصفة المشبهة2﴿قَالَتۡ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ وَهَٰذَا بَعۡلِي شَيۡخًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عَجِيبٞ ٧٢﴾ [هود: 72]

وجاء العجب في الاستعمال القرآني على وجهين(6):

الأول: الاستعظام: ومنه قوله تعالى: ﴿بَلۡ عَجِبۡتَ وَيَسۡخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] أي: عجبت من إنكارهم البعث لشدة تحققك بمعرفته(7).

الثاني: الكريم الشريف: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا﴾ [الجن: ١].

أي: كريمًا شريفًا.

الألفاظ ذات الصلة

الذهول:

الذهول لغة:

أصل مادة (ذهل) تدل على شغل عن شيء بذعر أو غيره، ذهلت عن الشيء أذهل، إذا نسيته أو شغلت به، وأذهلني عنه كذا(8).

الذهول اصطلاحًا:

قال الراغب الأصفهاني: «الذهول: شغل يورث حزنًا ونسيانًا»(9).

وقال الكفوي: «الذهول هو عدم استثبات الإدراك حيرة ودهشة»(10).

الصلة بين الذهول والعجب:

هناك صلة وثيقة بين الذهول والعجب، إذ أن الذهول هو حالة ناتجة عن العجب.

العجب:

العُجب لغة:

العجب بالضم: الزهو والكبـر، والمعجب: الإنسان المعجب بنفسه أو بالشيء(11).

العُجب اصطلاحًا:

قال الجرجاني: «العجب: هو عبارة عن تصور استحقاق الشخص رتبة لا يكون مستحقًا لها»(12).

وقيل: «العجب: مسرة بحصول أمر، يصحبها تطاول به على من لم يحصل له مثله، بقول أو ما في حكمه، من فعل، أو ترك، أو اعتقاد»(13).

الصلة بين العَجَب والعُجْب:

العُجب: تصور استحقاق الشخص رتبة لا يكون مستحقًّا لها، أما العَجَب: فهو تغير النفس بما خفي سببه وخرج عن العادة مثله.

التعجب وصوره

التعجب له صور كثيرة ومتعددة، منها ما يكون في العقائد، ومنها ما يكون في الأمور الخارقة للعادة، ومنها ما يكون في الأخلاق والأعمال.

أولًا: صور التعجب في مسائل العقيدة:

1. التعجب من وحدانية الله تعالى.

قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ﴾ [ص: ٥].

ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية وما سبقها من آيات روايات منها: أن جماعة من قريش اجتمعوا في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبى طالب، لنكلمه في شأن ابن أخيه، فلما دخلوا على أبى طالب قالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه، فقال أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قريش، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك، فقال صلى الله عليه وسلم: (يا عم، أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟) قال: وإلام تدعوهم؟ قال: (أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم)، فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك؟ لنعطينها لك وعشرة أمثالها، فقال صلى الله عليه وسلم: (تقولون: لا إله إلا الله)، فنفر أبو جهل وقال: سلنا غير هذا، فقال صلى الله عليه وسلم: (لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي، ما سألتكم غيرها)، فقاموا غضابا، وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي أرسلك بهذا(14).

قال طنطاوي: «والاستفهام للإنكار، أي: أجعل محمد صلى الله عليه وسلم الآلهة المتعددة، إلهًا واحدا، وطلب منا أن ندين له بالعبادة والطاعة؟ ﴿إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ﴾ أي: إن هذا الذي طلبه منا، ودعانا إليه، لشيء قد بلغ النهاية في العجب والغرابة ومجاوزة ما يقبله العقل، وعجابٌ أبلغ من عجيب، فلفظ عجابٌ صيغة مبالغة سماعية.

وقد حكاها سبحانه عنهم للإشعار بأنهم كانوا يرون- لجهلهم وعنادهم- أن ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم هو شيء قد تجاوز الحد في العجب والغرابة، واسم الإشارة يعود إلى جعله صلى الله عليه وسلم الآلهة إلهًا واحدا، لأنهم يرون- لانطماس بصائرهم- أن ذلك مخالف مخالفة تامة لما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم من عبادة للأصنام، وما كان مخالفا لما ورثوه عن آبائهم فهو- في زعمهم- متجاوز الحد في العجب»(15).

2. التعجب من عبادة غير الله.

قال تعالى: ﴿قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [المائدة: 76].

الاستفهام في قوله: ﴿أَتَعۡبُدُونَ﴾ لإنكار واقعهم والتعجيب مما وقع منهم، وتوبيخهم على جهلهم وغفلتهم، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الضالين من النصارى وأشباههم في الكفر والشرك قل لهم: أتعبدون معبودات غير الله تعالى هذه المعبودات وأشباههم في الكفر والشرك، لا تملك لكم ضرًّا، كالمرض والفقر، ولا تملك أيضًا أن تنفعكم بشيء من النفع كبسط الرزق وغير ذلك مما أنتم في حاجة إليه(16).

وقال تعالى: ﴿قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ ٩٥ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الصافات: 95-96].

بعدما وقع من إبراهيم عليه السلام تحطيم الأصنام التي كان يعبدها قومه، جاؤوه مسرعين إليه وهم في قمة الغضب، فلما رآهم إبراهيم عليه السلام لم يأبه بهم، بل رد عليهم ردًّا منطقيًّا سليمًا ﴿قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ ٩٥ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ﴾ أي: قال لهم موبخا ومؤنبًا ومتعجبًا: أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها وتقطعونها من الحجارة أو من الخشب بأيديكم، وتتركون عبادة الله تعالى الذي خلقكم وخلق الذي تعملونه من الأصنام وغيرها(17).

3. التعجب من بشرية الرسل.

قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۚ وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ﴾ [التغابن: 6].

يبين سبحانه الأسباب التي أدت إلى سوء عاقبة الكافرين، وما أصابهم من هلاك ودمار، أنهم كانت تأتيهم رسلهم بالآيات البينات، وبالمعجزات الواضحات، الدالة على صدقهم، فما كان من هؤلاء الأقوام إلا أن أعرضوا عن دعوة الرسل، وقال كل قوم منهم لرسولهم على سبيل الإنكار والتكذيب والتعجب: أبشر مثلنا يهدوننا إلى الحق والرشد؟!!، فما كان منهم إلا الكفر بسبب هذا القول الفاسد(18).

4. التعجب من نزول الوحي على البشر.

قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ﴾ [يونس: 2].

معنى الآية الكريمة: أبلغ الجهل وسوء التفكير بمشركي مكة ومن على شاكلتهم، أن كان إيحاؤنا إلى رجل منهم يعرفهم ويعرفونه لكي يبلغهم الدين الحق، أمرًا عجبًا، يدعوهم إلى الدهشة والاستهزاء بالموحى إليه صلى الله عليه وسلم حتى لكأن النبوة في زعمهم تتنافى مع البشرية، إن الذي يدعو إلى العجب حقًّا هو ما تعجبوا منه؛ لأن الله تعالى اقتضت حكمته أن يجعل رسله الى الناس من البشر؛ لأن كل جنس يأنس لجنسه، وينفر من غيره، وهو سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته(19).

قال الزمخشري رحمه الله: « فإن قلت: فما معنى اللام في قوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ وما الفرق بينه وبين قولك: كان عند الناس عجبا؟

قلت: معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها. ونصبوه علمًا لهم يوجهون نحوه استهزاءهم وإنكارهم، وليس في «عند الناس» هذا المعنى، والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر، وأن يكون رجلًا من أفناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم، فقد كانوا يقولون: العجب أن الله لم يجد رسولًا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبى طالب، وأن يذكر لهم البعث، وينذر بالنار ويبشر بالجنة، وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب، لأن الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلا بشرًا مثلهم.

وقال تعالى: ﴿قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا﴾ [الإسراء: 95].

وإرسال الفقير أو اليتيم ليس بعجب أيضًا؛ لأن الله تعالى إنما يختار من استحق الاختيار لجمعه أسباب الاستقلال لما اختير له من النبوة، والغنى والتقدم في الدنيا ليس من تلك الأسباب في شيء.

قال تعالى: ﴿وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ﴾ [سبأ: 37].

والبعث للجزاء على الخير والشر، هو الحكمة العظمى فكيف يكون عجبًا إنما العجب والمنكر في العقول، تعطيل الجزاء»(20).

وقال تعالى: ﴿أَفَمِنۡ هَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ تَعۡجَبُونَ﴾ [النجم: 59].

والاستفهام في هذه الآية للإنكار والتوبيخ، أي: أفمن هذا القرآن وما اشتمل عليه من هدايات وتشريعات تتعجبون، وتنكرون كونه من عند الله تعالى (21).

5. التعجب من كون الرسول من القوم أنفسهم.

قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ﴾ [ص: 4].

قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوٓاْ﴾ مأخوذ من العجب، وهو تغير في النفس من أمر لا ترتاح إليه، وتخفى لديها أسبابه، والمعنى: وعجب هؤلاء الكافرون من مجيء منذر منهم ينذرهم بسوء عاقبة الشرك، ويأمرهم بعبادة الله تعالى وحده، وقال هؤلاء الكافرون عندما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الدين الحق ﴿هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ﴾ أي: قالوا: هذا الرسول ساحر؛ لأنه يأتينا بخوارق لم نألفها، وكذاب فيما يسنده إلى الله عز وجل من أنه سبحانه أرسله إلينا(22).

6. التعجب من البعث بعد الموت.

قال تعالى: ﴿وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبٞ قَوۡلُهُمۡ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍۗ﴾ [الرعد: 5]

قال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبٞ قَوۡلُهُمۡ﴾ أي: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعد ما كنت عندهم الصادق الأمين، فأعجب منه تكذيبهم بالبعث- لأن من شاهد ما عدد سبحانه من الآيات الدالة على قدرته، أيقن بأن من قدر على إنشائها، كانت الإعادة أهون شيء عليه وأيسره والله تعالى لا يتعجب، ولا يجوز عليه التعجب، لأنه- أي التعجب- تغير النفس بما تخفى أسبابه، وذلك في حقه تعالى محال، وإنما ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون»(23).

وعليه فإن معنى الآية يكون وإن تعجب من شيء- أيها الرسول الكريم- فاعجب من قول أولئك المشركين: ﴿أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍۗ﴾أي: أإذا صرنا ترابا وعظاما نخرة بعد موتنا أإنا بعد ذلك لنعاد إلى الحياة مرة أخرى من جديد، والاستفهام للإنكار، لاستبعادهم الشديد إعادتهم إلى الحياة مرة أخرى لمحاسبتهم على أعمالهم(24).

7. التعجب من أحداث الساعة.

قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة: 3].

والمراد بالإنسان في قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا﴾ جنسه فيشمل المؤمن والكافر، والاستفهام: المقصود به التعجب مما حدث من أهوال، والمعنى: وقال كل إنسان على سبيل الدهشة والحيرة والتعجب، أي شيء حدث للأرض، حتى جعلها تضطرب هذا الاضطراب الشديد(25).

8. التعجب من القرآن المعجز.

قال تعالى: ﴿قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا﴾ [الجن: 1].

أي: قل يا محمد صلى الله عليه وسلم للناس، إن الله تعالى قد أخبرك عن طريق أمين وحيه جبريل: إن جماعة من الجن قد استمعوا إليك وأنت تقرأ القرآن، فقالوا- على سبيل الفرح والإعجاب بما سمعوا-: إنا سمعنا من الرسول صلى الله عليه وسلم قرآنًا عجبًا، أى: إنا سمعنا قرآنا جليل الشأن، بديع الأسلوب، عظيم القدر، ووصفهم للقرآن بكونه قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد يدل على تأثرهم به تأثرًا شديدًا، وعلى إعجابهم العظيم بنظمه المتقن، وأسلوبه الحكيم، ومعانيه البديعة، ولذا أعلنوا إيمانهم به بدون تردد(26).

ثانيًا: صور التعجب في الأمور الخارقة للعادة:

1. الإنجاب عن عقم وكبر.

قال تعالى: ﴿قَالَتۡ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ وَهَٰذَا بَعۡلِي شَيۡخًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عَجِيبٞ ٧٢ قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۖ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٞ مَّجِيدٞ﴾ [هود: 72-73].

عندما تصل المرأة سن اليأس ولم يكن لها ولد، ثم تأتيها مثل هذه البشارة يهتز كيانها، ويزداد عجبها، ولذا قالت على سبيل الدهشة والاستغراب: ﴿قَالَتۡ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ وَهَٰذَا بَعۡلِي شَيۡخًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عَجِيبٞ﴾.

والمراد بها هنا: التعجب لا الدعاء على نفسها بالويل والهلاك، وهي كلمة كثيرة الدوران على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يدهشن له، ويتعجبن منه، أي: قالت بدهشة وعجب عند ما سمعت بشارة الملائكة لها بالولد وبولد الولد: يا للعجب أألد وأنا امرأة عجوز، قد بلغت سن اليأس من الحمل منذ زمن طويل، ﴿وَهَٰذَا بَعۡلِي﴾ أي: زوجي إبراهيم شيخًا كبيرًا متقدمًا في السن، وقد رد عليها الملائكة بقولهم: ﴿قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۖ﴾ أي: أتستبعدين على قدرة الله تعالى أن يرزقك الولد وأنت وزوجك في هذه السن المتقدمة؟ لا أنه لا ينبغي لك أن تستبعدي ذلك، لأن قدرة الله لا يعجزها شيء، فالاستفهام هنا المراد به إنكار تعجبها واستبعادها البشارة، وإزالة أثر ذلك من نفسها إزالة تامة(27).

وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا﴾ [مريم: 8].

قال زكريا عليه السلام مخاطبًا ربه بعد أن بشره بابنه يحيى: يا رب كيف يكون لي غلام، وحال امرأتي أنها كانت عاقرًا في شبابها وفي شيخوختها، وحالي أنا أنني قد بلغت من الكبر عتيًّا، أي: قد تقدمت في السن تقدمًا كبيرًا(28).

قال طنطاوي: «فإن قيل: ما المراد باستفهام زكريا عليه السلام مع علمه بقدرة الله تعالى على كل شيء؟ فالجواب أن استفهامه إنما هو على سبيل الاستعلام والاستخبار؛ لأنه لم يكن يعلم أن الله تعالى سيرزقه بيحيى عن طريق زوجته العاقر، أو عن طريق الزواج بامرأة أخرى، فاستفهم عن الحقيقة ليعرفها، ويصح أن يكون المقصود بالاستفهام التعجب والسرور بهذا الأمر العجيب حيث رزقه الله الولد مع تقدم سنه وسن زوجته، ويجوز أن يكون المقصود بالاستفهام الاستبعاد لما جرت به العادة من أن يأتي الغلام مع تقدم سنه وسن زوجته. وليس المقصود به استحالة ذلك على قدرة الله تعالى؛ لأنه سبحانه لا يعجزه شيء»(29).

2. الإنجاب من غير زوج.

قال تعالى: ﴿قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا﴾ [مريم: 20].

هذا رد مريم عليها السلام على جبريل عليه السلام عندما جاء ليخبرها بأنه سيهب لها بإذن الله عز وجل غلامًا زكيًّا، فتقول مريم عليها السلام في تعجب شديد ﴿قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي﴾ قالت على سبيل التعجب مما سمعته: كيف يكون لي غلام، والحال أنى لم يمسني بشر من الرجال عن طريق الزواج الذي أحله الله تعالى، ولم أك في يوم من الأيام بغيًا؟! أي: فاجرة تبغي الرجال، أو يبغونها للزنا بها(30).

وقال الجمل في حاشيته: «وإنما تعجبت مما بشرها به جبريل؛ لأنها عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا بعد الاتصال برجل، فليس في قولها هذا دلالة على أنها لم تعلم أنه تعالى قادر على خلق الولد ابتداءً، كيف وقد عرفت أن أبا البشر قد خلقه الله تعالى من غير أب أو أم »(31).

3. قصة أصحاب الكهف.

قال تعالى: ﴿أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا﴾[الكهف: 9].

قال الإمام الرازي: «اعلم أن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف، وسألوا عنها الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل الامتحان، فقال تعالى: ﴿أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا﴾ لا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب؛ فإن من كان قادرًا على خلق السموات والأرض، وعلى تزيين الأرض بما عليها من نبات وحيوان ومعادن، ثم يجعلها بعد ذلك صعيدا جرزًا خالية من الكل، كيف يستبعد من قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفة من الناس مدة ثلاثمائة سنة وأكثر في النوم؟!»(32).

يقول الباحث: وعلى ذلك يكون المقصود بهذه الآيات الكريمة، بيان أن قصة أصحاب الكهف ليست شيئًا عجبًا بالنسبة لقدرة الله عز وجل.

4. حوت موسى ويوشع عليهما السلام .

قال تعالى: ﴿قَالَ أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا﴾ [الكهف: 63].

قال يوشع لموسى عليهما السلام تذكر وانتبه واستمع إلى ما سألقيه عليك من خبر هذا الحوت، أرأيت ما دهاني في وقت أن أوينا ولجأنا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين، فإني هناك نسيت أن أذكر لك ما شاهدته منه من أمور عجيبة، فقد عادت إليه الحياة، ثم قفزت في البحر، وأوقع النسيان على الحوت دون الغداء الذي طلبه منه موسى، للإشعار بأن الغداء الذي طلبه موسى منه، هو ذلك الحوت الذي فقداه، وما أنساني تذكيرك بما حدث من الحوت إلا الشيطان الذي يوسوس للإنسان، بوساوس متعددة، تجعله يذهل وينسى بعض الأمور الهامة، وقوله: ﴿وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا﴾ أي: نسيت أن أخبرك بأن الحوت عند ما أوينا إلى الصخرة عادت إليه الحياة، واتخذ طريقه في البحر اتخاذًا عجيبًا، حيث صار يسير فيه وله أثر ظاهر في الماء، والماء من حوله كالقنطرة التي تنفذ منها الأشياء(33).

قال الرازي: قوله: ﴿وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا﴾ فيه وجوه:

الأول: أن قوله ﴿عَجَبٗا﴾ صفة لمصدر محذوف، كأنه قيل: واتخذ سبيله في البحر اتخاذا عجبا، ووجه كونه عجبا، انقلابه من المكتل وصيرورته حيًّا وإلقاء نفسه في البحر.

الثاني: أن يكون المراد منه ما ذكرنا من أنه تعالى جعل الماء عليه كالطاق وكالسراب.

الثالث: قيل: إنه تم الكلام عند قوله واتخذ سبيله في البحر ثم قال بعده: عجبًا والمقصود منه تعجب يوشع من تلك الحالة العجيبة التي رآها، ثم من نسيانه لها »(34).

ثالثًا: صور التعجب في الأخلاق والأعمال:

1. التعجب من ارتكاب الفواحش.

قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٥٤ أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ﴾ [النمل: 54-55].

قال لوط عليه السلام لقومه متعجبًا من فعلهم أتأتون الفاحشة التي لم يسبقكم إليها أحد، وهي إتيان الذكور دون الإناث، وأنتم تبصرون بأعينكم أنها تتنافى مع الفطرة السوية حتى بالنسبة للحيوان الأعجم فأنتم ترون وتشاهدون أن الذكر من الحيوان لا يأتي الذكر، وإنما يأتي الأنثى، حيث يتأتى عن طريقها التوالد والتناسل وعمارة الكون، وقوله سبحانه: ﴿وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ﴾ جملة حالية المقصود بها زيادة تبكيتهم وتوبيخهم؛ لأنهم يشاهدون تنزه الحيوان عنها، كما يعلمون سوء عاقبتها، وسوء عاقبة الذين خالفوا أنبياءهم من قبلهم، وقوله سبحانه: ﴿أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ﴾ تأكيدٌ للإنكار السابق، وتوضيح للفاحشة التي كانوا يأتونها، أي: أإنكم- أيها الممسوخون في فطرتكم وطبائعكم- لتصبون شهوتكم التي ركبها الله تعالى فيكم في الرجال دون النساء اللاتي جعلهن الله تعالى محل شهوتكم ومتعتكم(35).

قال الألوسي: «والجملة الكريمة تثنية للإنكار، وبيان لما يأتونه من الفاحشة بطريق التصريح بعد الإبهام وتحلية الجملة بِحَرْفَيِّ التأكيد، للإيذان بأن مضمونها مما لا يصدق وقوعه أحد، لكمال شناعته، وإيراد المفعول بعنوان الرجولية دون الذكورية، لزيادة التقبيح والتوبيخ »(36).

2. التعجب من مخالفة القول العمل.

قال تعالى: ﴿أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].

كيف يليق بكم يا معشر اليهود، وأنتم تأمرون الناس بأمهات الفضائل، وألوان الخيرات، أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمروا بما تأمرون به غيركم، وأنتم مع ذلك تقرؤون توراتكم، وتدركون أي عقوبة أليمة لمن يأمر الناس بالخير وينسى نفسه، أفلا عقل لكم يحبسكم عن هذا السفه الذي ترديتم فيه، ويحذركم من سوء عاقبته، وقوله تعالى: ﴿وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ﴾ مزيد تقبيح لشأنهم، ذلك أن قراءتهم لكتبهم أبطلت اعتذارهم بالجهل الذي قد يتشبث به بعض الفاسقين على أمر الله عندما ينكر الناس عليهم فسوقهم، وفي قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ أسمى أنواع الهداية والإرشاد السليم، فإن من ألطف الأساليب في الخطاب والتوجيه، أن يكون للموجه إليه النصح صفة من شأنها أن تسوقه إلى خير، ولكنه ينساق إلى غيره من أنواع الشرور فيقع فعله من الناس موقع الدهشة والغرابة والتعجب، فيذكر له مسدي النصح تلك الصفة في معرض الاستفهام بغية تذكيره بأن ما صدر منه لا يلتقى مع ما عرف عنه(37).

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ * كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

والاستفهام في هذه الآية للإنكار والتوبيخ والتعجب من الذي يقول قولًا لا يؤيده فعله؛ لأن هذا القول إما أن يكون كذبًا، وإما أن يكون خُلفًا للوعد، وكلاهما يبغضه الله تعالى، فهذا نداء من الله تعالى يا من آمنتم بالله واليوم الآخر، لماذا تقولون قولًا، تخالفه أفعالكم، بأن تزعموا بأنكم لو كلفتم بكذا لفعلتموه، فلما كلفتم به قصرتم فيه، أو أن تقولوا بأنكم فعلتم كذا وكذا، مع أنكم لم تفعلوا ذلك(38).

قال الزمخشري رحمه الله: «ونداؤهم بالإيمان تهكم بهم وبإيمانهم وهذا من أفصح الكلام وأبلغه في معناه، وقصد في «كبر» التعجب من غير لفظه، ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين؛لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله وأسند إلى أن تقولوا، ونصب مقتًا على التمييز، للدلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، لفرط تمكن المقت منه.

واختير لفظ المقت، لأنه أشد البغض وأبلغه، ومنه قيل: نكاح المقت- وهو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه-، وإذا ثبت كبر مقته عند الله، فقد تم كبره وشدته، وانزاحت عنه الشكوك »(39).

أنواع الإعجاب

الإعجاب له أنواع متعددة، كالإعجاب بالأقوال والإعجاب بالهيئات والإعجاب بالكثرة، هذا سيكون محور حديثنا في هذا المبحث.

أولًا: الإعجاب بالأقوال:

قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾ [البقرة: 204].

ومن الناس فريق يروقك منطقهم، ويعجبك بيانهم، ويحسن عندك مقالهم، فأنت معجب بكلامهم الحلو الظاهر، المر الباطن، وأنت في هذه الدنيا لأنك تأخذ الناس بظواهرهم، أما في الآخرة فلن ﴿يُعۡجِبُكَ﴾ أمرهم لأنهم ستنكشف حقائقهم أمام الله الذي لا تخفى عليه خافية، وسيعاقبهم عقابا أليما؛ لإظهارهم القول الجميل وإخفائهم الفعل القبيح. وعلى هذا التفسير يكون قوله: ﴿فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ متعلقًا بيعجبك.

وبعضهم يجعل قوله: ﴿فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ متعلقًا بالقول، فيكون المعنى عليه ومن الناس فريق يعجبك قولهم إذا ما تكلموا في شؤون الدنيا ومتعها؛ لأنها منتهى آمالهم، ومبلغ علمهم، وأصل حبهم، ومن أحب شيئا أجاد التعبير عنه، أما الآخرة فهم لا يحسنون القول فيها، لأنهم لا يهتمون بها، بل هم غافلون عنها، ومن شأن الغافل عن شيء ألا يحسن القول فيه(40).

ويبدو أن تعلق الجار والمجرور بـ﴿يُعۡجِبُكَ﴾ أرجح، لأنه يتفق مع السياق حيث إن سياق الحديث في شأن الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ويخدعون الناس بمعسول بيانهم مع أن نفوسهم مريضة، وليس في شأن الذين يحسنون الحديث عن شؤونها المختلفة، بل إن بعض الذين يحسنون الحديث في شؤون الدنيا لم يضيعوا أخراهم وإنما عمروها بالعمل الصالح، فهم جامعون بين حسنتي الدنيا والآخرة.

ثانيًا: الإعجاب بالهيئات:

قال تعالى: ﴿وَلَأَمَةٞ مُّؤۡمِنَةٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكَةٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ﴾ [البقرة: 221].

أي: ولأنثى رقيقة مؤمنة مع ما بها من الرق وقلة الجاه والجمال خير في التزوج بها من امرأة حرة مشركة ولو أعجبتكم بجمالها ونسبها وغير ذلك من منافع دنيوية، لأن ما يتعلق بالمنافع الدينية يجب أن يقدم على المنافع الدنيوية، ولأن الزواج ارتباط روحي بين قلبين، ومن العسير أن يتم هذا الترابط بين قلب يخلص لله في عبادته، وقلب لا يدين بذلك(41).

قال طنطاوي: «وصدرت الجملة بلام الابتداء الشبيهة بلام القسم في إفادة التأكيد مبالغة في الحمل على الانزجار، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه أن يجعلوا الدين أساس رغبتهم في الزواج»(42)، فقد أخرج الشيخان عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك)(43).

وقال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ﴾ [الفتح: 29].

قوله تعالى: ﴿يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ﴾ أي: يعجب الخبراء بالزراعة لقوته وحسن هيئته، والمعنى: أن صفة المؤمنين في الإنجيل، أنهم كالزرع، يظهر في أول أمره رقيقا ضعيفا متفرقا، ثم ينبت بعضه حول بعض، ويغلظ ويتكامل حتى يقوى ويشتد، وتعجب جودته أصحاب الزراعة، العارفين بها، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كانوا في أول الأمر في قلة وضعف، ثم لم يزالوا يكثرون ويزدادون قوة، حتى بلغوا ما بلغوا في ذلك (44).

قال الزمخشري: «وهذا مثل ضربه الله تعالى لبدء أمر الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام وحده، ثم قواه الله تعالى بمن معه، كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها، حتى يعجب الزراع»(45).

وقال تعالى: ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ﴾ [الحديد: 20].

قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ﴾ أي: هذه الحياة الدنيا حالها وصفتها ومثلها كمثل مطر أعجب الكفار، وَرَاقَهُمْ وَسَرَّهُمْ ما ترتب على هذا المطر، من نبات جميل نبت من الأرض بعد هطول الغيث عليها، ثم يجف وييبس بعد خضرته، ثم يكون فتاتًا هشيمًا متكسرًا متحطمًا بعد يبسه، تعصف به الرياح(46).

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ﴾ [المنافقون: 4].

يرسم سبحانه للمنافقين صورة تجعل كل عاقل يستهزئ بهم، ويحتقرهم، ويسمو بنفسه عن الاقتراب منهم، والمعنى: وإذا رأيت- أيها الرسول الكريم- هؤلاء المنافقين، أعجبتك أجسامهم، لكمالها وحسن تناسقها، وإن يقولوا قولا حسبت أنه صدق؛ لفصاحته، وأحببت الاستماع إليه لحلاوته، فهم أجسام تعجب، وأقوال تغري بالسماع إليها، ولكنهم قد خلت قلوبهم من كل خير، وامتلأت نفوسهم بكل الصفات الذميمة(47).

قال القرطبي: «قال ابن عباس: كان عبدالله بن أبى، وسيمًا جسيمًا صحيحًا صبيحًا، ذلق اللسان، فإذا قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالته»(48).

ثالثًا: الإعجاب بالكثرة:

قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ﴾ [المائدة: 100].

قل- يا محمد- للناس: إنه لا يستوي عند الله عز وجل ولا عند العقلاء القبيح والحسن من كل شيء، لأن الشيء القبيح- في ذاته أو في سببه أو في غير ذلك من أشكاله- بغيض إلى الله وإلى كل عاقل، وسيكون مصيره إلى الهلاك والبوار، أما الشيء الطيب الحسن فهو محبوب من الله ومن كل عاقل، ومحمود العاقبة دنيا ودينا.

وقوله: ﴿وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ﴾ زيادة في التنفير من الشيء الخبيث، وحض على التمسك بما هو طيب، أي: لا يستوي في ميزان الله ولا في ميزان العقلاء الخبيث والطيب، حتى ولو كان الفريق الخبيث كثير المظهر، براق الشكل، تعجب الناظرين هيئته فلا تغتر به أيها العاقل، ولا تؤثر في نفسك كثرته وسطوته؛ فإنه مهما كثر وظهر وفشا، فإنه سيئ العاقبة، سريع الزوال، لذته تعقبها الحسرة، وشهوته تتلوها الندامة، وسطوته تصحبها الخسارة والكراهية، وطريقه المليئة بالدنس والقذر يجب أن يوصد أبوابها الأخيار الشرفاء، أما الفريق الطيب أو الشيء الطيب فهو محمود العاقبة، لذته الحلال يباركها الله، وثماره الحسنة تؤيدها شريعته وتستريح لها العقول السليمة، والقلوب النقية من كل دنس وباطل وطريقه المستقيم- مهما قل- سالكوه- هو الطريق الذي يوصل إلى كل خير وفلاح(49).

قال الله تعالى: ﴿وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍۙ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ﴾ [التوبة: 25].

أي: ويوم غزوة حنين، وهو اليوم الذي راقتكم فيه كثرتكم فاعتمدتم عليها حتى قال بعضكم: لن نغلب اليوم من قلة، ولكن هذه الكثرة التي أعجبتم بها لم تنفعكم شيئًا من النفع في أمر العدو، بل انهزمتم أمامه في أول الأمر، وضاقت في وجوهكم الأرض مع رحابتها وسعتها بسبب شدة خوفكم، ثم وليتم الكفار ظهوركم منهزمين لا تلوون على شيء(50).

  • [انظر: الغرور: التفاخر والتكاثر بالأموال والأولاد]
موضوعات ذات صلة:
الاستكبار، الدعوة، الغرور

الحواشي

  1. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/234.
    وانظر: لسان العرب، ابن منظور 1/580، مختار الصحاح، الرازي ص200. ↩
  2. المفردات ص547. ↩
  3. التعريفات ص 147. ↩
  4. الكليات ص 655. ↩
  5. انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص446. ↩
  6. انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص338. ↩
  7. انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 4/20. ↩
  8. مقاييس اللغة، ابن فارس 2/363. ↩
  9. المفردات ص 332. ↩
  10. الكليات ص 506. ↩
  11. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 4/243، لسان العرب، ابن منظور، 1/582، تاج العروس، الزبيدي، 3/318. ↩
  12. التعريفات، ص 147. ↩
  13. البحر الزخار، 6/490. ↩
  14. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 7/46. ↩
  15. التفسير الوسيط، سيد طنطاوي 12/133. ↩
  16. انظر: الدر المصون، للسمين الحلبي، 4/379، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص240. ↩
  17. انظر: روح البيان، الألوسي 7/471. ↩
  18. انظر: تفسير السمرقندي 3/455. ↩
  19. انظر: جامع البيان، الطبري 15/12، لباب التأويل، الخازن 2/427. ↩
  20. الكشاف 2/327. ↩
  21. انظر: أيسر التفاسير، الجزائري 5/203. ↩
  22. انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي 3/2194. ↩
  23. الجامع لأحكام القرآن 9/284. ↩
  24. انظر: الصحيح المسبور، حكمت ياسين، 3/105. ↩
  25. انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب، 16/1650. ↩
  26. انظر: التفسير المنير، الزحيلي 29/160. ↩
  27. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 12/118، محاسن التأويل، القاسمي 6/115. ↩
  28. انظر: فتح القدير، الشوكاني، 3/380. ↩
  29. التفسير الوسيط، 9/18. ↩
  30. انظر: نظم الدرر، البقاعي، 12/181. ↩
  31. حاشية الجمل على الجلالين، 3/56. ↩
  32. مفاتيح الغيب، 21/428. ↩
  33. انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 3/321. ↩
  34. مفاتيح الغيب 21/480. ↩
  35. انظر: الدر المنثور، السيوطي 6/368، مدارك التنزيل، النسفي 2/613. ↩
  36. روح البيان 19/216. ↩
  37. انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي، 1/112، بيان المعاني، العاني 5/32. ↩
  38. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 18/78. ↩
  39. الكشاف 4/523. ↩
  40. انظر: جامع البيان، الطبري 4/229، النكت والعيون، الماوردي 1/265. ↩
  41. انظر: تيسير التفسير، القطان 1/125. ↩
  42. التفسير الوسيط، الطنطاوي 1/488. ↩
  43. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، رقم 5090، 7/7، ومسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين، رقم 1466، 2/1086. ↩
  44. انظر: محاسن التأويل، القاسمي، 8/510. ↩
  45. الكشاف، الزمخشري 4/347. ↩
  46. انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب 11/7326. ↩
  47. انظر: معالم التنزيل، البغوي، 5/98. ↩
  48. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 18/125. ↩
  49. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/203، التفسير المنير، الزحيلي 7/74. ↩
  50. انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي، 1/870. ↩
البحث السابقالعتاب