مفهوم المسؤولية
أولًا: المعنى اللغوي:
لم يرد لفظ مسؤولية في القرآن ولا السنة، ولا معاجم اللغة القديمة، بهذه الصيغة الصرفية أعني صيغة المصدر الصناعي، والكلمات التي وجدت على هذه الصيغة فهي قليلة لا تتعدى بضع عشرات؛ منها: جاهلية، عبقرية، فروسية، عبودية، وحدانية.
كلمة مسؤولية إذًا كلمة معاصرة، مشتقة قياسًا على المصدر الصناعي من (مسؤول).
والمسؤول في الأصل: المستدعى منه معرفة أو ما يؤدي إلى المعرفة، أو المستدعى منه مال أو ما يؤدي إلى المال، قال ابن فارس: السين والهمزة واللام كلمة واحدة، يقال: سأل يسأل سؤالًا ومسألة(1).
ويدور معنى السؤال في اللغة على معنى استدعاء المعرفة أو ما يؤدي إلى المعرفة، أو استدعاء مال أو ما يؤدي إلى المال، والسؤال للمعرفة قد يكون للاستعلام وقد يكون للتبكيت؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ﴾ [التكوير: ٨](2).
ومن المعاني التي تناولتها المعاجم وكتب التفسير للفظ (مسؤول)، الآتي:
- مطلوب(3). ومحاسب(4). وفي قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] أي: مطلوبون للحساب(5). قال الطاهر بن عاشور: المسؤول كناية عن المحاسب عليه(6).
- أن يكون الإنسان سببًا في شيء يستحق عليه اللوم.
- صاحب المنصب الرفيع.
فمعنى المسؤول إذًا يدور حول: المطلوب-معرفة أو مالًا-، المحاسب، الكناية عن المحاسب عليه، وصاحب المنصب الرفيع.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
تناول القانونيون والإداريون والسياسيون وغيرهم لفظ المسؤولية كمصطلح، ومن هذه التعريفات الاصطلاحية الآتي:
- الالتزام بإصلاح الخطأ الواقع على الغير طبقًا لقانون(7).
- واجب الأداء بالطريقة المطلوبة، أو تحقيق أهداف معينة.
- واجب القيام بمهمة معينة.
- المحاسبة عن نتائج تم الالتزام بها(8).
- الالتزام بواجب يحاسب عليه الفرد، كمسؤولية الموظف عن عمله(9).
خلاصة القول في المعنى الاصطلاحي هي أن المسؤولية: حالة قائمة بالإنسان نشأت عن تكليف أو تعهد، قد يتعرض بسببها للسؤال المقصود به المحاسبة والمفضي للجزاء.
الألفاظ ذات الصلة
الأمانة:
الأمانة لغة:
ضد الخيانة، كما في مختار الصحاح(10). وهي مصدر مشتق من مادة (أمن) قال في اللسان: «(أمن) الأمان والأمانة بمعنى»(11). يقال: أمن: أمنًا وأمانًا وأمانةً وإمنًا وأمنةً، بمعنى: اطمأن ولم يخف، فهو آمن وأمن وأمين(12).
الأمانة اصطلاحًا:
عرفها الكفوي بقوله: «كل ما افترض على العباد فهو أمانة، كصلاةٍ وزكاة وصيام وأداء دين، وأوكدها الودائع، وأوكد الودائع كتم الأسرار»(13).
وقيل: صيانة الإنسان لكل ما ينبغي صيانته من حقوق، أو فروض، أو واجبات، أو حدود، أو أشياء مادية، أو معنوية، سواء كانت لله تعالى، أم لأبناء المجتمع.
الصلة بين الأمانة والمسؤولية:
المسؤولية ترادف الأمانة والولاية والتكليف والالتزام والتعهد، وبين المسؤولية والأمانة علاقة لزوم، فالأمانة والرعاية من أساليب أداء المسؤولية.
الخيانة:
الخيانة لغةً:
الاحتيال والخداع. فالخيانة خلاف الأمانة(14).
الخيانة اصطلاحًا:
«مخالفة الحق بنقض العهد في السر»(15).
الصلة بين الخيانة والمسؤولية:
الخيانة من المعاني المضادة للمسؤولية.
السائل
السائل: هو الذي يسأل ويحاسب؛ جاء في قاموس المعاني: سأل يسأل سؤالًا وتسآلًا فهو سائل، وسأل فلانًا: حاسبه.
والإشارة إلى الله تعالى بالسائل باعتبار إكمال أركان المسؤولية؛ وهي: السؤال، السائل، المسؤول، والمسؤول عنه.
ويدور هذا المبحث حول معنى السائل الذي يسأل ليحاسب لا ليستعلم، وباعتبار أن الله تعالى محاسب خلقه عما عهد إليهم من المسؤوليات. ويتناول موضوع السائل من النواحي التالية: إثبات القرآن سؤال الله تعالى للمكلفين وعمومه، الإشارات القرآنية لاستحقاق الله سبحانه أن يكون سائلًا، موضوع سؤاله سبحانه، خصائص سؤاله سبحانه، ومراتب سؤاله سبحانه.
أولًا: سؤال الله تعالى للمكلفين:
الله تعالى سائل عامة المكلفين من الثقلين - الإنس والجن - عن مسؤولياتهم التي عهد بها إليهم، يشمل ذلك الرسل والمرسل إليهم؛ المؤمن والمنافق والكافر، قال سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢].
والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع ومحاسبتهم كافرهم ومؤمنهم، إلا من دخل الجنة بغير حساب(16).
ولا تنافي بين ثبوت سؤال الكفار هنا، ونفيه في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨].
وقوله تعالى: ﴿فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ﴾ [الرحمن: ٣٩].
فنفي السؤال إنما كان عن الذنب، وذلك بعد استقرار الكفار والمجرمين في العذاب(17). وتفصيل ذلك في مبحث (المسؤول)، مطلب (الكافرون).
ومن الآيات القرآنية الدالة كذلك على عموم سؤال الثقلين، قوله سبحانه: ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦].
قال أبو جعفر الطبري: يقول تعالى ذكره: فلنخبرن الرسل ومن أرسلتهم إليه بيقين علم بما عملوا في الدنيا فيما كنت أمرتهم به، وما كنت نهيتهم عنه وما كنا غائبين عنهم وعن أفعالهم التي كانوا يفعلونها، فذلك من الله مسألة للرسل على وجه الاستشهاد لهم على من أرسلوا إليه من الأمم، وللمرسل إليهم عمومًا على وجه التقرير والتوبيخ(18).
فهذه الآية تدل على عموم سؤاله تعالى خلقه المرسلين والمرسل إليهم أجابوا أم كفروا وجحدوا. وأن السؤال عن المسؤولية ليس نوعًا واحدًا، بل أنواع عدة، وأن سؤال المؤمنين تقرير، وسؤال الكفار تقريع، والجميع يقص الله عليهم بعلم، فلا استفسار ولا استفهام.
وخلاصة القول الذي دلت عليه الآيات المحكمات أن الله تعالى سيسأل عباده جميعًا ويحاسبهم عن مسؤولياتهم.
ثانيًا: استحقاق الله أن يكون سائلًا:
إن مكانة السائل لا تثبت بمجرد السؤال، بل لابد من جدارة وأحقية للسائل حتى يتسنم هذه المكانة، والقرآن الكريم أشار في كثير من المواطن إلى دلالات استحقاقه تعالى مكانة السائل الذي يعهد بالأمانات والتكاليف ويحاسب عليها ويجازي عنها. وهذا من تمام عدله وحكمته سبحانه فهو يعلمهم بمكانته وجدارته واستحقاقه مكانة العاهد المحاسب المجازي ليهيئهم لقبول التكليف، ويمهد لهم السبيل لإتباع أمره هو لا أمر كل جبار عنيد.
ومن أبرز الدلالات القرآنية على ذلك:
- الربوبية.
أثبت الله تعالى لنفسه الخلق والرزق والتدبير والملك، في كثير من الآيات التي أشار فيها إلى المسؤولية، مما يدل على كون الربوبية من أعظم الإشارات دلالة على كونه تعالى مستحقًا لهذه المكانة كونه سائلًا عاهدًا بالمسؤوليات ومحاسبًا عليها. ونلحظ أن القرآن يقرر هذه الدلالة قبل إيجاب الأعمال والعهد بالتكاليف أحيانًا، كما قال سبحانه: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢ هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٣ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۚ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٤ لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٥ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٦ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ ٧﴾ [الحديد: ١-٧].
فجاء الأمر بالإيمان والإنفاق بعد تقرير ربوبيته سبحانه. وأحيانًا أخرى بعدها، كما في قوله سبحانه: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ٢ أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ ٣ لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدٗا لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٤ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيۡلِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمًّىۗ أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٥ خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ ٦﴾ [الزمر: ٢-٦].
فجاء الأمر بإخلاص العبادة والدين لله أولًا، ثم جاءت الآيات التالية تقرر صفة الربوبية لله سبحانه بعده.
إن الربوبية هي لازمة استحقاق السؤال والمحاسبة، وقبلها العهد بالمسؤوليات وإيجابها على العباد كونها صفة تدل على الفضل، فإن الذي تفضل بالخلق والرزق والتدبير جدير بأن يطاع أمره وأن يحاسب على عهده وأن ينفذ وعده.
- العلو.
إن مكانة السائل تستلزم العلو: علو القدر والمكانة والقهر. والربوبية نفسها لازمها العلو.
قال سبحانه: ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى ١ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ٢ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ٣ وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ ٤ فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحۡوَىٰ ٥﴾ [الأعلى: ١-٥].
فالله سبحانه أمر بتنزيهه سبحانه، وذكره باسمه الأعلى، ثم ذكر دلائل لاستحقاقه هذا التنزيه، فذكر خلقه وتقديره ورزقه، وهي الدلائل على ربوبيته سبحانه.
فلا بد للسائل من العلو ليستحق إسناد المسؤوليات والمحاسبة عليها، وبدون العلو يكون السؤال سؤال طلب أو استجداء لا يلزم المسؤول جوابه، ولا يقدر السائل أن يؤاخذه به. والعلو الظاهر من الآيات السابقة من سورة الأعلى ناتج عن النعمة والفضل، وقد ضرب الله بها مثلًا: نعمة الخلق والتقدير والرزق، وهو ظاهر كذلك في قوله سبحانه: ﴿قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّٗا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَهُوَ يُطۡعِمُ وَلَا يُطۡعَمُۗ قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَسۡلَمَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤].
فمن كان كذلك استحق كمال الاستسلام والطاعة؛ قال الرازي: واعلم أن المذكور في صدر الآية هو المنع من اتخاذ غير الله تعالى وليا. واحتج عليه بأنه فاطر السماوات والأرض وبأنه يطعم ولا يطعم. ومتى كان الأمر كذلك امتنع اتخاذ غيره وليًا(19).
والآيات في هذا الباب كثيرة جدًا. وليس العلو الذي يستحق به السائل مكانته ناتج من الفضل فقط بل هو كذلك ناتج من القهر، كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ ٦١ ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ﴾ [الأنعام: 61-62].
وقال جل من قائل: ﴿وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨].
فالسائل إذًا لا بد له من علو القدر والفضل والقهر التي تشير إلى لزوم طاعته والاستسلام لأمره والخضوع له في أمره ونهيه عن استحقاق وجدارة.
- العلم.
إن السؤال والمحاسبة تحتاج إلى العلم بعمل المسؤول في مسؤوليته وأمانته، والقرآن الكريم يخبرنا عن سؤال الله سبحانه عباده عن علم كامل وحفظ تام.
قال سبحانه: ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ٧﴾ [الأعراف: ٦-٧].
ودلل القرآن على كمال علمه سبحانه بأنه يعلم السر وأخفى ويعلم الغيب بل ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون؛ قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩].
وقال سبحانه: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣].
وقال سبحانه: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٧ بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧-٢٨].
ولذلك فإن حسابه لخلقه لا يقتصر على أعمالهم الظاهرة فقط بل يشمل الأعمال الباطنة، فالمنافقين ليسوا بمنجاة بإضمارهم الكفر وإظهارهم الإسلام، بل هم متوعدون بالحساب عن حقيقة إيمانهم.
قال سبحانه: ﴿لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
قال ابن كثير: يخبر تعالى أن له ملك السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليها الظواهر ولا السرائر والضمائر، وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده(20).
فأما المؤمنون فإن الله يغفر لهم ما حدثتهم به أنفسهم من الإثم ابتداء ما لم يعملوه؛ كما جاء في الحديث الصحيح: (إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست، أو حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به، أو تكلم)(21).
فإن عملوه فهم تحت المشيئة، وأما الكافرون والمنافقون فإنهم متوعدون بالعذاب به. وتمام العلم يحقق التوفية في الحساب والجزاء، وذلك غايته تمام العدل.
قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ كُلّٗا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمۡ رَبُّكَ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ [هود: ١١١].
ورغم علمه سبحانه بما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، إلا أنه سبحانه أعمل في خلقه الرقابة والرصد، وكتب لهم أعمالهم كلها، وأشهد عليهم.
قال سبحانه على لسان عيسى بن مريم عليه السلام: ﴿وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١١٧﴾ [المائدة: ١١٧].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦ إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ١٧ مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨ وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ ١٩ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡوَعِيدِ ٢٠ وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ ٢١﴾ [ق: ١٦-٢١].
قال ابن كثير: يخبر تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه، وعلمه محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر، وأن ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده بإقدار الله لهم على ذلك، فيكتب الملكان المترصدان عن يمين الإنسان وشماله عمله لا يخرمان منه شيئًا، فما يتكلم ابن آدم بكلمة إلا ولها من يراقبها معتدًا ويكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ ١٠ كِرَامٗا كَٰتِبِينَ ١١ يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ ١٢﴾ [الانفطار: ١٠-١٢](22). وعن ابن عباس قال: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل، وحافظين في النهار، يحفظان عليه عمله، ويكتبان أثره(23).
- القدرة.
دلت الآيات على قدرة الله تعالى المطلقة، وربطت بينها وبين المسؤولية في كثير من المواضع، حيث بينت:
- قدرته سبحانه على المراقبة والإحصاء: قال سبحانه: ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [آل عمران: ٢٩].
- قدرته على جمع المسؤولين وإرجاعهم للحساب: قال سبحانه: ﴿وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ أَيۡنَ مَا تَكُونُواْ يَأۡتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [البقرة: ١٤٨]. وقال سبحانه: ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [هود: ٤]. وقال سبحانه: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٞ﴾ [الشورى: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِن مَّآءٖ دَافِقٖ ٦ يَخۡرُجُ مِنۢ بَيۡنِ ٱلصُّلۡبِ وَٱلتَّرَآئِبِ ٧ إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجۡعِهِۦ لَقَادِرٞ ٨﴾ [الطارق: ٥-٨].
- قدرته على الإتيان بالأشهاد: قال سبحانه: ﴿وَيَوۡمَ يُحۡشَرُ أَعۡدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ ١٩ حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٠ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَاۖ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيۡءٖ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢١ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن يَشۡهَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٢﴾ [فصلت: ١٩-٢٢].
- قدرته على الإثابة والعقاب: قال سبحانه: ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [المائدة: ٤٠]. وقال سبحانه: ﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥].
فالله سبحانه له القدرة التامة، متصرف في الكون تصرف المالك ذي السلطان، إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون؛ قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٠﴾ [النحل: ٤٠].
وقال عز من قائل: ﴿إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢﴾ [يس: ٨٢].
وهو في إيجاب المسؤوليات على الخلق قادر على جمعهم للحساب.
قال سبحانه: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٞ ٢٩﴾ [الشورى: ٢٩].
وهو سبحانه قادر على محاسبتهم جميعًا، سريع في ذلك.
قال سبحانه: ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١].
وقال سبحانه: ﴿لِيَجۡزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ [إبراهيم: ٥١].
وقال سبحانه: ﴿ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧].
والله سبحانه قادر على إقامة الشهادة على خلقه من أنفسهم: ﴿ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٦٥﴾ [يس: ٦٥].
وقال سبحانه: ﴿وَيَوۡمَ يُحۡشَرُ أَعۡدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ ١٩ حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٠ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَاۖ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيۡءٖ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩-٢١].
- الحكم الفصل.
حكم الله سبحانه فصل غير متعقب.
قال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١٧﴾ [الحج: ١٧].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ [السجدة: ٢٥].
قال القرطبي: أي يقضي ويحكم بين المؤمنين والكفار، فيجازي كلا بما يستحق(24).
وقال تعالى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧].
فمرجع الحكم كله إليه سبحانه، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وقضاؤه في حكمه الحق، وهو خير الفاصلين، قال البغوي: والفصل يكون في القضاء(25).
إن السائل إذا كان حكمه وحسابه متعقبًا لم يكن أصيلًا في استحقاق كونه سائلًا، بل إنه يكون فرعًا، مسندًا إليه السؤال، لكنه غير مستقل ولا بات فيه. والقرآن يخبرنا أن الله سبحانه أصيل في المحاسبة والسؤال، فلا راد لحكمة ولا معترض على قضائه.
قال سبحانه: ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١].
وهو سبحانه يحكم ما يريد؛ قال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١].
بل ولا يشفع أحد في حكمه، ولا يجرؤ إلا بإذنه.
قال سبحانه: ﴿مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
ولا يشفع الشفعاء إلا لمن ارتضى مع كونهم مشفقون خشية منه.
قال تعالى: ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨].
- الوعد الحق.
فهو سبحانه الذي لا يخلف وعده، فالمكلفون لا محالة مسئولين، والله سبحانه مجازيهم عن أعمالهم كما عهد إليه ووعدهم.
وقد أقسم ربنا سبحانه بذلك فقال سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٢﴾ [الحجر: ٩٢].
وقال سبحانه: ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦].
وفي الآية تأكيد الخبر بلام القسم ونون التوكيد لإزالة الشك في ذلك(26).
وقال تعالى: ﴿إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٤﴾ [يونس: ٤].
فوعده سبحانه حق لا يخلف، فمن أحسن جوزي بالحسنى ومن أساء جوزي بعمله.
قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى ٣١﴾ [النجم: ٣١].
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا. والمقصود أن المسؤول إذا لم يكن الحساب في حقه مجزومًا به فإنه قد لا يلتزم بمسؤولياته وقد يتردد. فكان الجزم بالسؤال والمحاسبة والمجازاة قاطعًا للشك في التبعة، ومفضيًا إلى التخلص من الريب والظن والشك. والسائل الذي لا يجزم بالمسؤولية يكون بذلك قد أمل المكلف في التخلص من التبعة، فإذا حاسبه وألزمه التبعة لم يكن أنصفه. والله سبحانه مع سرعة حسابه هو الحكم العدل.
ثالثًا: موضوع سؤاله سبحانه:
يسأل الإنسان إجمالًا عن لا إله إلا الله: هل صدق بها وعمل بمقتضاها؟، ويسأل تفصيلًا عن الأعمال.
قال سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٢ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٣﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣].
قال ابن عمر: عن لا إله إلا الله(27)، وكذا عن انس ابن مالك مرفوعًا وموقوفًا(28).
والسؤال عن لا إله إلا الله يكون عن الوفاء بها والصدق لمقالها(29).
وعن أبي العالية: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة: عما كانوا يعبدون، وعماذا أجابوا المرسلين، وقال ابن عيينة: عن عملك وعن مالك.
وروى ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معاذ إن المرء يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى كحل عينيه، وعن فتات الطينة بأصبعه فلا ألفينك يوم القيامة وأحد غيرك أسعد بما آتاك الله منك)(30).
وقال عبد الله بن مسعود: والذي لا إله غيره، ما منكم من أحدٍ إلا سيخلو الله به يوم القيامة، كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، فيقول: ابن آدم ماذا غرك مني بي؟ ابن آدم، ماذا عملت فيما علمت ؟ ابن آدم، ماذا أجبت المرسلين(31).
وفي الحديث عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه فيم فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه)(32).
وهذا مصداقه قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].
فموضوع السؤال إذًا مجمل؛ وهو: لا إله إلا الله، هل عمل بها وصدق؟، ومفصل: ويتناول جميع العمل.
رابعًا: خصائص سؤاله سبحانه:
قرر القرآن الكريم أن الله تعالى يسأل الرسل والمرسل إليهم عما عهد إليهم من مسؤوليات.
قال سبحانه: ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦].
وأن هذا السؤال كائن مع علم الله سبحانه المحيط بأفعالهم وأقوالهم وإسرارهم وإعلانهم إذ يقول سبحانه بعد: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧].
وتفسير ذلك: أنه تعالى يخبر الرسل ومن أرسلهم إليهم بعلم يقين بما عملوه في الدنيا فيما أمرهم به ونهاهم عنه، وأنه سبحانه ما غاب عنه شيء عنهم وعن أفعالهم التي كانوا يفعلونها. وقد يشكل على البعض كيف أنه سبحانه يسأل الرسل، والمرسل إليهم، وهو يخبر أنه يقص عليهم بعلم بأعمالهم وأفعالهم فيما أمرهم به ونهاهم عنه؟
والجواب: أن سؤال الله لهم ليس بمسألة استرشاد أو تعرف ما هو غير عالم به، وإنما هو مسألة توبيخ وتقرير معناها الخبر، بأن يقول لهم: ألم يأتكم رسلي بالبينات؟ ألم أبعث إليكم النذر فتنذركم عذابي وعقابي؟
وقد أخبر جل ثناؤه أنه قائل لهم يومئذ: ﴿أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠ وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ﴾ [يس: ٦٠-٦١].
ونحو ذلك من القول الذي ظاهره ظاهر مسألة، ومعناه الخبر والقصص، وهو بعد توبيخ وتقرير(33).
قال ابن عباس: (لا يسألهم هل عملتم كذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول لم عملتم كذا وكذا؟)(34).
أما مسألة الرسل الذي هو قصص وخبر، فإن الأمم المشركة لما سئلت في القيامة قيل لها: ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم؟ أنكر ذلك كثير منهم وقالوا:ما جاءنا من بشير ولا نذير. فقيل للرسل: هل بلغتم ما أرسلتم به ؟ أو قيل لهم: ألم تبلغوا إلى هؤلاء ما أرسلتم به ؟
كما قال جل ثناؤه لأمة نبينامحمدصلى الله عليه وسلم: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ﴾ [البقرة: ١٤٣].
فكل ذلك من الله مسألة للرسل على وجه الاستشهاد لهم على من أرسلوا إليه من الأمم، وللمرسل إليهم على وجه التقرير والتوبيخ، وكل ذلك بمعنى القصص والخبر(35).
فسؤال المجرمين تقرير وتوبيخ وإفضاح، وسؤال الرسل سؤال استشهاد بهم وإفصاح(36).
فأما الذي هو عن الله منفي من مسألته خلقه، فالمسألة التي هي مسألة استرشاد واستثبات فيما لا يعلمه السائل عنها ويعلمه المسؤول، ليعلم السائل علم ذلك من قبله، فذلك غير جائز أن يوصف به الله تعالى، لأنه العالم بالأشياء قبل كونها وفي حال كونها وبعد كونها، وهي المسألة التي نفاها جل ثناؤه عن نفسه بقوله: ﴿فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ ٣٩﴾ [الرحمن: ٣٩].
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]؛ يعني: لا يسأل عن ذلك أحد منهم مستثبت، ليعلم علم ذلك من قبل من سأل منه، لأنه العالم بذلك كله وبكل شيء غيره(37).
من جميع ما سبق تظهر الخصائص التالية لسؤاله سبحانه خلقه:
- أنه سؤال يعم جميع المكلفين.
- أنه سؤال بعلم، فلا يقصد به الاسترشاد أو المعرفة.
- أن غاية السؤال: التوبيخ والتبكيت، أو التقرير، أو الاستشهاد والإفصاح.
- أنه سؤال يفيد الخبر.
خامسًا: كيف يرتب السائل المسؤولية:
إن الله تعالى لا يسأل الناس ويحاسبهم دون موجب، بل إنه سبحانه قدم بين يدي السؤال ما تكون به الحجة للمجيب أو عليه، فإنه سبحانه أسند وعهد إلى عباده بمسؤوليات، ثم هداهم - توجيهًا - وأرشدهم إلى كيفية أدائها وما يترتب على الأداء والإخلال، وأخذ سبحانه على نفسه إحصاء أعمالهم وكتابتها والإشهاد عليهم، ثم إنه تعالى يجمعهم بقدرته لا يتخلف منهم أحد، ثم إنه سبحانه بعد ذلك يسألهم محاسبًا، ويوفيهم حسابهم. ومن هذا الترتيب تظهر مراتب المسؤولية التي رتب الله سبحانه؛ وهي: العهد والإسناد، الهداية والإرشاد، الرقابة والإحصاء والإشهاد، الإرجاع والجمع، والسؤال حسابًا والجزاء.
العهد والإيجاب والإسناد:
العهد يطلق على الأمر والوصية؛ قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ﴾ [آل عمران: ١٨٣].
أي: أمرنا وأوصانا(38).
وقال سبحانه: ﴿أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ﴾ [يس: ٦٠].
والعهد اليمين والعهد الالتزام بشيء، يقال: عهد إليه وتعهد إليه؛ لأنها أمور لا يزال صاحبها يتذكرها ويراعيها في مواقع الاحتراز عن خفرها(39).
والعهد في الآية الذي أخذه الله على بني آدم أن لا يعبدوا غيره، فنقضه يشمل الشرك وقد وصف الله المشركين بنقض العهد في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ﴾ [الرعد: ٢٥].
وفسر بالعهد الذي أخذه الله على الأمم على ألسنة رسلهم أنهم إذا بعث بعدهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ﴾ [آل عمران: ٨١].
و(عهد الله) هو ما عهد به أي: ما أوصى برعيه وحفاظه(40).
وهذا السؤال في آية يس معناه الخبر والقصص، والمقصود به التوبيخ والتقرير(41)، فإنه تعالى يقول للمجرمين وقد فرق بينهم وبين المؤمنين: ألم أوصكم وآمركم في الدنيا أن لا تعبدوا الشيطان فتطيعوه في معصية الله وأقول لكم: إن الشيطان لكم عدو مبين(42). وجعلت ذلك مسؤولية مسندة إليكم.
والعهد يقتضي في معناه الميثاق والاتفاق، فإن الله قد أخذ الميثاق على عباده أنه من أطاعه أدخله الجنة، ومن عصاه حاسبه بما هو أهله فإما عفا عنه وإما عذبه ثم عفا عنه، وإما خلده في العذاب، والآيات القرآنية متواترة في ذلك.
قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا ٧٢﴾ [الأحزاب: ٧٢].
وبمعنى الأمر والإيجاب قال سبحانه: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ٢٣ وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا ٢٤ رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا ٢٥ وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا ٢٦ إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا ٢٧ وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا ٢٨ وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا ٢٩ إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٣٠ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا ٣١ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا ٣٢ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا ٣٣ وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا ٣٤ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا ٣٥ وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا ٣٦ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا ٣٧ كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا ٣٨﴾ [الإسراء: ٢٣-٣٨].
قال الشنقيطي: وقضى ربك معناه: أمر وألزم، وأوجب ووصى ألا تعبدوا إلا إياه(43).
قال ابن عباس والحسن وقتادة: ليس هذا قضاء حكم بل هو قضاء أمر(44).
فالذي يسند المسؤوليات حقيق بالسؤال عنها، ولذلك أوضح الله عز وجل في السياق السابق أن المسؤوليات التي أسندها إلى عباده سيسألهم عنها، وأن السؤال لا يتعلق بعمل الجوارح فقط في أداء المسؤوليات، بل يتعلق كذلك بالتلقي والقبول.
والخلاصة أن الله كلف العباد وألزمهم وأوجب عليهم مسؤوليات على الجملة والتفصيل، وهو سائلهم عنها بموجب كونه المسند لها والعاهد بها.
الهداية والإرشاد:
تبين آيات القرآن الكريم أن الله هدى عباده وأرشدهم إلى كيفية أداء هذه المسؤوليات التي عهد بها إليهم، وأنه سبحانه أعلمهم بعواقب اختيارهم.
قال سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا ٣ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيرًا ٤ إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥﴾ [الإنسان: ٣-٥].
يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ﴾ إنا بينا له طريق الجنة، وعرفناه سبيله(45).
وقال ابن كثير: أي: بيناه له ووضحناه وبصرناه به، كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ﴾ [فصلت: ١٧].
وكقوله: ﴿وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ ١٠﴾ [البلد: ١٠].
أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر. وهذا قول عكرمة، وعطية، وابن زيد، ومجاهد -في المشهور عنه-والجمهور(46).
ثم إنه سبحانه وضح عواقب اختيارهم، فالسلاسل والأغلال والسعير معدة للكافرين، أما الأبرار فإن مآلهم الشراب الهنيء والفضل الكبير.
وتظهر آيات القرآن الكريم -كما في الآية الآنفة الذكر من سورة فصلت- أن الله تعالى أرشد كل أمة إلى سبيل الرشد والخير، وبين لهم عواقب الغي والفساد، وأنه سبحانه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، والقرآن الكريم ذاخر بقصص الرسل مع أقوامهم؛ كيف دعوهم إلى الحق وبينوا لهم سبيل الرشاد.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤﴾ [إبراهيم: ٤].
وهذا من لطفه تعالى بخلقه: أنه يرسل إليهم رسلًا منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم(47).
فالهداية والإرشاد تأتي في المرتبة بعد العهد والإيجاب، وهي الدلالة على السبيل المؤدي إلى أداء المسؤوليات المعهود بها على وجهها الأتم، والتعريف بالسبل التي تصد عن ذلك.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
المراقبة والإحصاء والإشهاد:
إن الله سبحانه بعد أن عهد بالمسؤوليات، وأرشد إلى سبيل أدائها، أخبر أنه سبحانه يراقب أعمال العباد ويحصيها عليهم ويشهد عليها، مع أنه سبحانه العليم الذي أحاط بكل شيء علمًا وأحصى كل شيء عددا، لا يخفى عليه شيء، يعلم الغيب والسر وأخفى.
قال سبحانه في المراقبة: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾ [النساء: ١].
والمعنى: أن الله لم يزل عليكم رقيبًا، أي: حفيظًا، محصيًا عليكم أعمالكم(48).
وقال عز من قائل: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ رَّقِيبٗا﴾ [الأحزاب: ٥٢].
أي: راقبًا أو مراقبًا بمعنى حافظًا ومطلعًا على كل شيء فاحذروا تجاوز حدوده سبحانه وتخطي حلاله إلى حرامه(49).
وقال سبحانه في الإحصاء: ﴿يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦].
أي: أنه سبحانه يبعث الرجال والنساء جميعًا من قبورهم في حالة واحدة فيخبرهم بما عملوا في الدنيا، وأنه سبحانه قد أحصى ذلك عليهم، أي: ضبطه وأثبته وحفظه عليهم في صحائف أعمالهم، ونسوه هم حتى ذكرهم به في صحائفهم، والله على كل شيء من أمر خلقه شاهد يعلمه ويحيط به، فلا يعزب عنه شيء(50).
وقال سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ كِتَٰبٗا﴾ [النبأ: ٢١-٢٩].
أي: وكل شيء أحصيناه فكتبناه كتابا، كتبنا عدده ومبلغه وقدره، فلا يعزب عنا علم شيء منه(51).
وكل شيءٍ من قليل وكثير، وخير وشر مكتوب في اللوح المحفوظ، فلا يخشى المجرمون أن يعذبوا بذنوب لم يعملوها، ولا يحسبوا أنه يضيع من أعمالهم شيء، أو ينسى منها مثقال ذرة.
كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا﴾ [الكهف: ٤٩](52).
وفي الإشهاد: قال ابن زيد: الأشهاد أربعة:
أولها: الملائكة الموكلون بإثبات أعمال العباد. قال تعالى: ﴿وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ ٢١﴾ [ ق: 21].
وقال سبحانه: ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨﴾ [ ق: 18].
وقال عز من قائل: ﴿وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ ١٠ كِرَامٗا كَٰتِبِينَ ١١ يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ ١٢﴾ [الانفطار: ١٠-١٢].
وثانيها: شهادة الأنبياء وهو المراد بقوله سبحانه حكاية عن عيسى عليه السلام: ﴿وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧].
وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم وأمته في هذه الآية: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقال: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ٤١﴾ [النساء: ٤١].
وثالثها: شهادة أمة محمد خاصة. قال تعالى: ﴿وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ﴾ [الزمر: ٦٩].
وقال تعالى: ﴿وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ ٥١﴾ [غافر: ٥١].
ورابعها: شهادة الجوارح وهي بمنزلة الإقرار بل أعجب منه.
قال تعالى: ﴿يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤].
وقال: ﴿ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٦٥﴾ [يس: ٦٥](53).
والإشهاد دلالة على تمام عدله سبحانه، حتى إنه سبحانه يفسح المجال للمجادلة وإيراد الحجج يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتستشهد، كما في آية يس السابقة: ﴿ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٦٥﴾ [يس: ٦٥].
قال ابن كثير: فهذا حال الكفار والمنافقين يوم القيامة، فإنهم إذ ينكرون ما اجترموه ويحلفون أنهم ما فعلوه، يختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم(54).
وفي الصحيح عن أنس بن مالكٍ، قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال: (هل تدرون مم أضحك؟)، قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (من مخاطبة العبد ربه، يقول يا رب: ألم تجرني من الظلم؟، قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بعدًا لكن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل)(55).
قال صالح بن عبد القدوس -وهو أحد شعراء العصر العباسي-:
واذكر مناقشة الحساب فإنه
لا بد يحصى ما جنيت ويكتب
لم ينسه الملكان حين نسيته
بل أثبتاه و أنت لاه تلعب
الجمع والسؤال والحساب:
إن الله سبحانه بعد أن عهد إلى عباده أمره، وهداهم وأرشدهم وإلى طريق الفلاح دلهم، وأخبرهم بأنه رقيب عليهم، وأنه يحصي عليهم أعمالهم و يشهد عليهم، بعد هذا كله توعدهم بأنه سبحانه جامعهم جميعًا لا محالة، وسائلهم عما عهد إليهم، ومحاسبهم على أعمالهم.
قال سبحانه في الجمع: ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يَجۡمَعُكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٦﴾ [الجاثية: ٢٦].
يعني: أنه يجمعكم جميعا أولكم وآخركم، وصغيركم وكبيركم أحياء ليوم القيامة فلا تشكوا في ذلك، فإن الأمر كما وصفت لكم(56).
وقال سبحانه: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٥﴾ [آل عمران: ٢٥].
وقال تعالى: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٩﴾ [آل عمران: ٩].
وقال سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَتُنذِرَ يَوۡمَ ٱلۡجَمۡعِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ فَرِيقٞ فِي ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِيقٞ فِي ٱلسَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
وقال تعالى: ﴿يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِۗ﴾ [التغابن: ٩].
وقال عز من قائل: ﴿ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢].
فالقرآن الكريم أثبت الجمع، وأنه واقع لا محالة، وأنه الجميع مجموع، وذلك في آيات كثيرة.
وقال سبحانه في السؤال: ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦].
فإن الله بعد أن يجمع الخلائق ليوم القيامة يسأل المرسل إليهم عما أجابوا رسله، ويسأل الرسل عن تبليغ الدعوة لأقوامهم حتى يكون أبلغ في التبكيت على من خالفهم، وقد مضى بيان ذلك. والآيات والواردة في السؤال والمحاسبة كثيرة وقد مضى ذكرها.
وقال سبحانه في المحاسبة: ﴿إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم ٢٦﴾ [الغاشية: ٢٥-٢٦].
فالمرجع والمنقلب إلى الله سبحانه، والحساب والجزاء عليه سبحانه على وفق العمل إن خيرا فخير، وإن شرا فشر(57).
وقال سبحانه: ﴿لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
قال الطبري: ﴿يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ يعني بذلك: يحتسب به عليكم من أعمالكم، فمجاز من شاء منكم من المسيئين بسوء عمله، وغافر لمن شاء منكم من المسيئين(58).
القضاء والجزاء:
قال سبحانه في القضاء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٩٣﴾ [يونس: ٩٣]؛ أي: يحكم بينهم ويفصل يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا، فيثيب الطائع ويعاقب العاصي(59).
والحكم والفصل بالعدل بين المتنازعين والمختلفين يقتضي الحساب والسؤال والتقرير بالوقائع. وقضاء الله مبني على العدل والإحسان، فلا تظلم نفس شيئًا.
قال سبحانه: ﴿وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ ٤٧﴾ [الأنبياء: ٤٧].
وقال سبحانه في الجزاء: ﴿ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧].
وهو إخبار عن قيله يوم القيامة حين يبعث خلقه من قبورهم لموقف الحساب؛ يقول: اليوم يثاب كل عامل بعمله، فيوفى أجر عمله، فعامل الخير يجزى الخير، وعامل الشر يجزى جزاءه(60).
وقال جل من قائل: ﴿وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَلِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٢﴾ [الجاثية: ٢٢].
كما في الحديث القدسي: (يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)(61).
وقال سبحانه: ﴿وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩ وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ ٤٠ ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ ٤١﴾ [النجم: ٣٩-٤١].
أي: يجزى الإنسان بسعيه الجزاء الأكمل والأتم(62).
والآيات في ذكر الجزاء وترتيبه بعد الابتلاء كثيرة. والله سبحانه ذو رحمة واسعة وفضل عظيم إذ يعفو عن كثير، فلا يحاسب المؤمنين بحديث النفس، ويغفر الكثير من الخطأ والزلات، ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
وقد جمع الله سبحانه في آية الأنعام المعاني السابقة؛ فقال: ﴿ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢].
فالرد كالرجع في قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨](63)، قيل: يعني العباد يردون بالموت إلى الله مولاهم الحق مالك الكل ومتولي الأمور، الذي له القضاء دون خلقه، وهو إذا حاسب فحسابه سريع؛ لأنه لا يحتاج إلى فكرة ورؤية وعقد يد(64)، بل إنه سبحانه أسرع من يحاسب فلا يتأخر جزاؤه(65).
المسؤول
أولًا: الرسل عليهم السلام:
والرسل عليهم السلام في القرآن: هم من اختارهم الله سبحانه واصطفاهم من الملائكة والناس، وكلفهم بإنفاذ ما شاء من قدره، أو بلاغ ما شاء من رسالاته وشرعه؛ قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَصۡطَفِي مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ ٧٥﴾ [الحج: ٧٥].
فالملائكة رسل الله فيما شاء من شرعه وقدره، ورسله من الناس لإبلاغ رسالاته، وهو سميع لأقوال عباده بصير بهم عليم بمن يستحق ذلك منهم، قال سبحانه: ﴿ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ﴾ [الأنعام: ١٢٤](66). وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ﴾ [الحجر: ٨].
قال: بالرسالة والعذاب(67).
أما الملائكة فإنهم مجبولون على الطاعة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؛ قال تعالى: ﴿لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
وقال سبحانه ردًا على من قال إن الملائكة بنات الله: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦ لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ ٢٧ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ ٢٨﴾ [الأنبياء: ٢٦-٢٨].
فأبطل الله سبحانه دعوى القائلين بذلك، بوصفهم بأنهم عباد مكرمون بكرامته سبحانه لهم، مقربون عنده، وبأنهم لا يسبقونه بالقول أي لا يقولون شيئًا حتى يقوله، أو يأمرهم به، وفي هذا دليل على كمال طاعتهم وانقيادهم. ثم وصفهم بأنهم العاملون بما يأمرهم به سبحانه، التابعون المطيعون له(68). وبمثل هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١﴾ [فاطر: ١].
قال السعدي: وفي ذكره أنه جعل الملائكة رسلًا، ولم يستثن منهم أحدًا، دليل على كمال طاعتهم لربهم، وانقيادهم لأمره(69). فلا يقع عليهم السؤال والمحاسبة إذ لا تقع عليهم المسؤولية والتبعة. وهذا هو الأصل.
وأما الرسل من البشر، فالمسؤولية في حقهم ثابتة، وسؤالهم في القرآن وارد في غير موضع؛ قال تعالى: ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦-٧].
يعني لنسألن الأمم عن إجابتهم الرسل، ﴿وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ عن الإبلاغ ﴿وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ﴾ عن الرسل فيما بلغوا، وعن الأمم فيما أجابوا(70).
مقاصد سؤال الرسل:
إن الرسل أحرى الخلق بالاستقامة على الحق، ولكن ثبت سؤالهم في القرآن الكريم في غير موضع، كما قال ربنا سبحانه: ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦].
والرسل يسألون عن الإبلاغ كما تقدم، والله سبحانه غير غائب عن خبرهم بل يعلم جميع ذلك، فلم يسألهم؟ والجواب أن الله سبحانه يسأل الرسل يوم القيامة لمقاصد عظيمة؛ منها:
- إقامة الشهادة.
قال تعالى: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ٤١ يَوۡمَئِذٖ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوۡ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضُ وَلَا يَكۡتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثٗا ٤٢﴾ [النساء: ٤١-٤٢].
وقال تعالى: ﴿وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤].
وقال تعالى: ﴿وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
فهذه الآيات توضح أن سؤال الرسل عن البلاغ إقامة للشهادة على أقوامهم بأن أمر الله ودعوته وعهده قد وصلتهم، كما يشهد الرسل على إجابتهم ما داموا فيهم، كما جاء في التنزيل على لسان عيسى بن مريم عليه السلام: ﴿وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١١٧﴾ [المائدة: ١١٧].
- تبكيت وتوبيخ المكذبين وتحقيرهم.
وذلك لما يرون من تبرؤ معبوديهم من عبادتهم، وإثبات وصول دعوة الحق لهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١١٦ مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١١٧﴾ [المائدة: ١١٦-١١٧].
قال القرطبي: واختلف أهل التأويل في معنى هذا السؤال وليس هو باستفهام وإن خرج مخرج الاستفهام على قولين؛ أحدهما: أنه سأله عن ذلك توبيخا لمن ادعى ذلك عليه ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب، وأشد في التوبيخ والتقريع(71).
تعريف الرسل بما غير أقوامهم من بعدهم: وهذا هو القول الثاني في الآية السابقة، فإنه سبحانه بهذا السؤال قصد تعريف عيسى عليه السلام أن قومه غيروا بعده، وادعواعليه ما لم يقله(72).
سلوك الرسل حال السؤال:
يظهر الرسل حال سؤالهم عظيم تنزيههم لربهم وتعظيمه ومعرفة قدره سبحانه، وعظيم امتثالهم لأمره وشرعه، وعظيم تواضعهم لله وافتقارهم إليه، واستحالة ادعائهم ما ليس لهم بحق، وجواب عيسى عليه السلام عن السؤال مثال بين على ذلك.
وفي سورة المائدة يسأل الله سبحانه الرسل عما أجابتهم أممهم، وكيف ردوا عليهم حين دعوهم إلى طاعته وتوحيده، قال عز من قائل: ﴿يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩].
فردوا إليه سبحانه العلم إذ أجلوه وتأدبوا معه فيما عندهم من العلم، وفزعوا من هول يوم القيامة، واعترفوا بفوات ما غاب منهم مما هو في صدور الناس، أو مما أحدثوا بعدهم، ومما كان من عاقبة أمرهم(73).
وفي سلوك الرسل حال السؤال إظهار منهجهم في أداء رسالاتهم وأنهم يبلغون رسالات الله ويخشونه، كما قال تعالى ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ﴾ [الأحزاب: ٣٩].
وكمال تأدبهم مع الله سبحانه، والتسليم لأمره ولحكمته.
مسؤولية الرسل:
مسؤولية الرسل في مقام الرسالة تقتصر على البلاغ المبين؛ قال تعالى: ﴿فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].
وهذا سؤال استنكاري يفيد تقرير أن الرسل ليس عليهم إلا التبليغ البين الظاهر الذي يصل إلى القلوب، ولا يبقى لأحد على الله حجة(74).
وقال عز من قائل: ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨].
وهذه الآية تحتمل أن تكون من كلام إبراهيم عليه السلام تكملة لما سبق من كلامه، ويكون المعني بالرسول -بالتالي- إبراهيم، وهذا إظهار في مقام الإضمار لتقرير أن واجب الرسول - أي رسول- هو إبلاغ ما أرسل به بينًا واضحًا(75).
وقال تعالى على لسان الثلاثة الرسل في معرض ضرب المثل لمشركي قريش بأصحاب القرية: ﴿قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ ١٦ وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٧﴾ [يس: ١٦-١٧].
وقد جاء بيان أن مسؤولية الرسل في مقام الرسالة مقتصر على البلاغ المبين في مقام التهديد والوعيد خطابًا للمرسل إليهم، كما جاء في مقام التسلية والتعزية والتخفيف خطابًا للرسل؛ فمما جاء خطابًا للمرسل إليهم قوله تعالى: ﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩].
قال أبو جعفر الطبري: وهذا من الله تعالى ذكره تهديد لعباده ووعيد، فمهمة الرسول أن يؤدي إليكم رسالتنا، والله المطلع على المطيع والعاصي؛ لأنه يعلم ما عمله العامل في الظاهر بجوارحه، وما أخفاه في نفسه من إيمان وكفر أو يقين وشك ونفاق(76).
ومن ذلك أيضًا قوله سبحانه: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢].
وهذه الآية أيضًا في مقام التهديد والوعيد؛ فهو سبحانه يقول للناس: إن الرسول قد أعذر إليكم بالإبلاغ والله ولي الانتقام ممن عصاه وخالف أمره(77).
ومما جاء خطابًا للرسل قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢].
وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أن يخفف عن نفسه، ولا تذهب نفسه حسرات عليهم إن قابلوه بالإعراض وعدم الاستجابة، فيخبره سبحانه أنه ليس عليه من لوم ولا عذل إذ أدى ما عليه من بلاغ ما أرسل به بينًا واضحًا(78)، ويقول له: فلا عليك منهم(79).
ومنه أيضًا قوله سبحانه: ﴿فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظًاۖ إِنۡ عَلَيۡكَ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ﴾ [الشورى: ٤٨].
وتعني: أن الله لم يرسلك رقيبًا تحفظ أعمالهم وتحصيها، فإن أعرضوا ولم يستجيبوا لك فدعهم، فما عليك إلا أن تبلغهم ما أرسلناك به إليهم، فإذا بلغتهم فقد أديت ما عليك(80).
فيظهر من ذلك كله أن مخاطبة المرسل إليهم عن انحصار مهمة الرسل في البلاغ المبين فحواه: التهديد والوعيد بأن خصمهم ليس هو الرسول وإنما من بعثه وهو الله سبحانه وليسوا بأهل لخصومته. ويظهر أن الغرض من مخاطبة المرسلين بذات الخطاب؛ وهو: التخفيف عنهم، وتسليتهم، وبيان لحدود واجبهم.
والرسل في مقام العبودية مخاطبون بفروع الشريعة كما هو شأن عامة المؤمنين، وبالتالي فهم مسؤولون عما أسند إلى عامة المؤمنين من مسؤوليات، فليس معنى اقتصار مسؤوليتهم على البلاغ أنهم غير مخاطبين بفروع الشريعة، بل إن الله سبحانه أمرهم بما أمر به المؤمنين، لكنها مسؤولية خاصة.
فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ﴾، وقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك)(81).
ثانيًا: المؤمنون:
إن الله سبحانه كما يسأل الرسل فإنه يسأل المؤمنين، وقد ثبت في القرآن مسؤولية المؤمنين في غير ما آية.
قال سبحانه: ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٣].
يأتي هذا الحديث في معرض وصايا للمؤمنين، حيث أمرهم الله سبحانه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغي، كما أمرهم بالوفاء بعهد الله ونهاهم عن نقض الأيمان بعد توكيدها، وغيرها. وهذا السياق يدل على أن المسؤولين هم المؤمنون. فالمؤمنون مسؤولون يوم القيامة.
وقال تعالى: ﴿لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا﴾ [الأحزاب: ٨].
وجملة الأقوال في المقصود بالصادقين أربعة؛ منها: ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة، فيشمل بذلك المؤمنين.
وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤].
رجح القرطبي أن يكون المقصود بالذكر هنا القرآن لانبناء الكلام عليه ورجوع المصير إليه.
وأشار الماوردي(82) إلى قولين في قوله تعالى ﴿وَلِقَوۡمِكَۖ﴾ أحدهما: من اتبعك من أمتك، والثاني: لقومك من قريش.
والصحيح أنه شرف لمن عمل به، كان من قريش أو من غيرهم.
وقد وردت الأدلة المتكاثرة أنه لا فضل إلا بالتقوى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين)(83).
فيكون المقصود بقومك المؤمنون، ويكون السؤال عن الشكر عن رفع القدر بهذا القرآن، أو تسألون على ما أوتيتم. وقوله تعالى: ﴿وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ﴾ أي: عن الشكر عليه؛ قاله مقاتل والفراء. وقال ابن جريج: أي: تسألون أنت ومن معك على ما أتاك. وقيل: تسألون عما عملتم فيه؛ والمعنى متقارب(84).
كذلك فقد ثبت في القرآن الكريم أن أمة الإجابة تشهد، ولا تكون الشهادة إلا إجابة عن سؤال.
قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وأمة الإجابة هم المؤمنون في الجملة.
ثالثًا: الكافرون:
إن سؤال الكافرين ثابت في القرآن في آيات كثيرة جدًا، وسؤال الله للكفار في القرآن كله توبيخ وتقريع(85).
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ٱحۡشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزۡوَٰجَهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٢٢ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡجَحِيمِ ٢٣ وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ ٢٤ مَا لَكُمۡ لَا تَنَاصَرُونَ ٢٥﴾ [الصافات: ٢٢-٢٥].
وقوله سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢].
وقال عز من قائل: ﴿وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢].
وقال سبحانه: ﴿وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥].
وقال سبحانه: ﴿وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣].
وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩].
وقال سبحانه: ﴿وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦].
وقال سبحانه: ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ ٢١ لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ ٢٢ إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ ٢٣ فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَكۡبَرَ ٢٤ إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم ٢٦﴾ [الغاشية: ٢١-٢٦].
وقد يشكل على البعض سؤال الكافر بسبب بعض الآيات التي تشير إلى حجب الكفار وعدم سؤالهم وعدم تكليمهم، كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨].
وقوله عز من قائل: ﴿فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ﴾ [الرحمن: ٣٩].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [آل عمران: ٧٧].
وقوله سبحانه: ﴿كَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].
والذي يظهر أنهم مسؤولون لآية الحجر السابقة، ولقوله سبحانه: ﴿وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم﴾ [الغاشية: ٢٥-٢٦](86).
وقد جمع القرطبي توجيهات الجمع بين الآيات عند أهل العلم في وجهين؛ الوجه الأول: أن القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون ذلك فيه. وهو قول عكرمة؛ قال: القيامة مواطن، يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها. الوجه الثاني: وهو قول ابن عباس؛ قال: لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام هل عملتم كذا وكذا ، لأن الله عالم بكل شيء، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ فيقول لهم: لم عصيتم القرآن وما حجتكم فيه ؟ واعتمد قطرب هذا القول(87)؛ فقال: السؤال ضربان، سؤال استعلام، وسؤال توبيخ، فقوله تعالى: ﴿فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ﴾ يعني: استعلاما.
وقوله سبحانه: ﴿لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾يعني: توبيخا وتقريعًا(88).
وقيل: لنسألنهم أجمعين يعني المؤمنين المكلفين، بيانه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].
والقول بالعموم أولى كما ذكر(89).
ويحتمل في الحديث عن عدي بن حاتمٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم أحدٌ إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمانٌ، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرةٍ)(90) أن يكون المقصود المؤمنون، كما يحتمل أن يكون المقصود العموم.
رابعًا: المنافقون:
المنافقون هم آفة هذه الأمة، والنفاق في اللغة من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان الشر، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: النفاق الأكبر؛ وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهو النفاق الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار.
والثاني: النفاق الأصغر؛ وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك(91).
وأصول هذا النوع ترجع إلى خمس خصال ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: (آية المنافق ثلاثٌ، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)(92).
وفي الحديث الآخر قال: (أربعٌ من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلةٌ منهن كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها إذا، اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)(93).
وهي: الكذب، إخلاف الوعد، الفجور في الخصومة، الغدر بالعهد، والخيانة في الأمانة(94).
خص ربنا تعالى المنافقين بالذكر في سورة كاملة بين فيها سبيل النجاة من سبيلهم، وعرف بهم في آيات كثيرة من القرآن.
قال سبحانه: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ ١ ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٣﴾ [المنافقون: ١-٣].
فوصفهم سبحانه بالكذب، وبأن أيمانهم وحلفهم بأنهم منكم ادعاء يريدون به حماية أنفسهم وأموالهم وذراريهم(95)، والإعراض والصد عن سبيل الله، وإضعاف المؤمنين من خلال التغلغل في نسيجهم.
قال سبحانه: ﴿لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧﴾ [التوبة: ٤٧].
وقد دل القرآن الكريم على إمارات التعرف إليهم، والتي تظهر في أقوالهم وأفعالهم.
قال سبحانه: ﴿وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ﴾ [محمد: ٣٠].
فوصف من أقوالهم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.
قال سبحانه: ﴿ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۗ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٦٧﴾ [التوبة: ٦٧].
ووصف منها أيضًا: الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، ويروغون عن مسؤولية قولهم هذا بكونه مجرد خوض ولعب.
قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ [التوبة: ٦٥].
ووصف من أفعالهم التكاسل عن الصلاة، بل إنهم كانوا في عهد رسول الله يغيبون عن صلاتي العشاء والفجر من أجل أن العتمة تخفي الوجوه فلا يعرف الحاضر من الغائب.
قال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [النساء: ١٤٢].
ووصف كذلك من أفعالهم موالاة الكفار وأعداء الأمة المسلمة.
قال سبحانه: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مَّا هُم مِّنكُمۡ وَلَا مِنۡهُمۡ وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤].
وبسبب سوء صنيعهم الذي يشكل معاول لهدم الصف المسلم، وهدم قيمه وثوابته، توعدهم الله سبحانه أشد الوعيد.
قال سبحانه: ﴿بَشِّرِ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨].
وقال عز من قائل: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥].
وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ﴾ [التوبة: ٦٨].
وقد جمع القرآن بين صفاتهم وبيان أنهم سيسألون ويحاسبون، كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢ وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣ وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا ١٤ وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا ١٥﴾ [الأحزاب: ١٢-١٥].
والآيات جاءت في وصف أحداث غزوة الأحزاب حين حاصرت جموع المشركين المدينة، فزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وابتلي المؤمنون أشد البلاء، وأظهرت شدة البلاء ما في قلوب المنافقين من الغيظ، هنالك ادعى المنافقون أن وعد الله ورسوله بالنصر متخلف، وسعى فريق منهم للتخذيل، وفريق سعى للفرار والنأي بنفسه بادعاءات كاذبة وحجج واهية، وأخبر الله سبحانه أنهم لو دخلت عليهم جيوش المشركين التي يريدون قتالها من أطراف المدينة ثم سئلوا أن يكفروا لكفروا، يحملهم على ذلك: الخوف منهم، وخبث الفتنة التي هم عليها من النفا ق عليه. والفتنة هي الكفر، وهي التي يقول الله: ﴿وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ﴾ [البقرة: ١٩١].
أي: الكفر. هذا مع كونهم كانوا عاهدوا الله من قبل ذلك، ألا يولوا عدوهم الأدبار إن لقوهم في مشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، فما أوفوا بعهدهم ﴿وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا﴾ أي: فيسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه(96).
ومن عجيب أمر المنافقين أنهم عند السؤال والحساب يكذبون ويحلفون على الكذب كما كانوا يفعلون في الدنيا، قال تعالى عنهم: ﴿يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيَحۡلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحۡلِفُونَ لَكُمۡۖ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍۚ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨].
فانظر إلى أقوالهم وأفعالهم، وانظر إلى وعد الله لهم بسؤالهم عن عهدهم معه، وانظر إلى جدالهم ربهم عند الحساب، وانظر إلى عاقبة أمر المنافقين، تعرف أن المنافقين من شر العباد.
ويلاحظ أن ذكر السؤال في حق المنافقين رغم سيء أفعالهم، وخبيث خصالهم لم يرد إلا في موضع سورة الأحزاب، وأن الموضع الذي ذكر فيه هو موضع الخيانة والخذلان والتخذيل، ويشير ذلك إلى أن شر المنافقين الأساسي، وضررهم الأكبر يتمثل في هذه الأعمال التي تستهدف تماسك الأمة وروحها المعنوية.
خامسًا: الولاة:
يخبر القرآن الكريم أن الولاية محل للسؤال، وأن الولاة مسؤولون مهما كانت درجة ولايتهم.
قال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا﴾ [النساء: ٥٨].
وقد رأى كثير من المفسرين أن هذه الآية خاصة بالأمراء، قال أبو جعفر الطبري: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قول من قال: هو خطاب من الله ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولوا أمره في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم في القضية، والقسم بينهم بالسوية. يدل على ذلك ما وعظ به الرعية في الآية التالية: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: ٥٩].
فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الراعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة، وبمثل هذا القول قال زيد بن أسلم(97).
ورأت طائفة من المفسرين أن المقصود بها العموم.
قال ابن كثير: وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان، من حقوق الله عز وجل على عباده، من الصلوات والزكوات، والكفارات والنذور والصيام، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك. فأمر الله عز وجل بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة(98).
ورأت طائفة ثالثة أن المقصود بها قضاء الدين، ورد حقوق الناس(99).
قال ابن العربي في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾: (قال ابن زيد: قال أبي:هم السلاطين، بدأ الله سبحانه بهم، فأمرهم بأداء الأمانة فيما لديهم من الفيء، وكل ما يدخل إلى بيت المال حتى يوصلوه إلى أربابه، وأمرهم بالحكم بين الناس بالعدل، وأمرنا بعد ذلك بطاعتهم، فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: ٥٩])، وأردف: (هذه الآية في أداء الأمانة والحكم عامة في الولاية والخلق، لأن كل مسلم عالم، بل كل مسلم حاكم ووال)(100).
فالقرآن هنا إذًا يشير إلى أن الأمانة عامة في كل أمر، وخص بالذكر منها الحكم بعد العموم تنويهًا بكونه أعلى الأمانات شأنًا، وأعظم التكاليف مسؤولية، فإن الولاية العامة تدخل في باب الأمانة باعتبارها رأس الأمانات والتي عليها قوام حياة الناس ومعاشهم، وصلاح دنياهم وأخراهم؛ وفي الحديث عن أبى ذرٍ قال: (قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال فضرب بيده على منكبي ثم قال: (يا أبا ذرٍ إنك ضعيفٌ وإنها أمانةٌ وإنها يوم القيامة خزىٌ وندامةٌ إلا من أخذها بحقها وأدى الذى عليه فيها)(101).
والولاة مسؤولون على مختلف مواقعهم ومراتبهم ومسؤولياتهم، من كان منهم أمير الناس، ومن كان عبدًا عاملًا في مال سيده؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته، الإمام راعٍ ومسئولٌ عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسئولٌ عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولةٌ عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسئولٌ عن رعيته)، قال: وحسبت أن قد قال والرجل راعٍ في مال أبيه ومسئولٌ عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسئولٌ عن رعيته)(102).
إلا أن أشد الناس مسؤولية الذي يكون على رأس الناس، وهو أمير العامة، ويتأكد عظم هذه المسؤولية بما توعد به ربنا سبحانه فقال: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
وبما حذر منه رسولنا صلى الله عليه وسلم الحاكم الظالم الجائر أو الغاش لرعيته، أو المحتجب دون خلتهم وحاجتهم؛ فقال: (ما من والٍ يلي رعيةً من المسلمين فيموت وهو غاشٌ لهم إلا حرم الله عليه الجنة)(103).
وقال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم)، قال أبو معاوية: (ولا ينظر إليهم، ولهم عذابٌ أليمٌ، شيخٌ زانٍ، وملكٌ كذابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ)(104).
والقرآن مع بيان مهام المسؤولين من الولاة، فإنه يوضح المزالق التي تسبب لهم الكبوات والنكبات لا سيما في ولاية العامة.
قال سبحانه: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٨﴾ [البقرة: ١٨٨].
قيل: هي في ولي اليتيم، يرفع المال إلى الحاكم يريد أكل شيء منه بحكمه، فهي في الولاية الخاصة، وقيل معناها: لا تحاجوا عند الحكام فترفعوا إليهم حججكم وأنتم تعلمون أن هذه الأموال التي أخذتموها من الناس إنما أكلتموها واغتصبتموها، وأنكم آثمون فيها، فإن حكم الحاكم أو القاضي لا يحل حرامًا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشرٌ، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعضٍ، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلمٍ، فإنما هي قطعةٌ من النار فليأخذها أو فليتركها)(105).
وقيل: إن المعنى: لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها.
قال ابن عطية: وهذا القول يترجح؛ لأن الحكام مظنة الرشاء إلا من عصم وهو الأقل، وأيضا فإن اللفظين متناسبان: تدلوا من إرسال الدلو، والرشوة من الرشاء، كأنه يمد بها ليقضي الحاجة. ويقوي هذا عطف تدلوا على تأكلوا في موضع الجزم.
وفي مصحف أبي: (ولا تدلوا) بتكرار حرف النهي، وهذه القراءة تؤيد جزم تدلوا في قراءة الجماعة.
وقيل: (تدلوا) في موضع نصب على الظرف، والذي ينصب في مثل هذا عندسيبويه (أن) مضمرة، والهاء في قوله (بها) ترجع إلى الأموال، وعلى القول الأول إلى الحجة ولم يجر لها ذكر، فقوي القول الثاني لذكر الأموال، والله أعلم.
والرشوة معروفة، والرشوة بالضم مثله، والجمع رشى ورشى، وقد رشاه يرشوه، وارتشى: أخذ الرشوة، واسترشى في حكمه: طلب الرشوة عليه(106).
من جملة ما سبق يظهر أن الولاة المسؤولين هم: جميع من استرعي أو ائتمن على رعية أو مال قل ذلك أو كثر. وهم مع التخويف من إهمال مسؤولياتهم موعودون إن أدوها ورعوها حق رعايتها بالأجر العظيم والفضل الكبير؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين عند الله على منابر من نورٍ عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمينٌ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)(107).
ويعرف أخذ الأمانة بحقها، وأداء الذي على المرء فيها بالشرع، فإن الحكم بالعدل إنما يكون على وفق ما أنزل الله، لا أهواء الخلق.
قال سبحانه: ﴿وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩].
المسؤول عنه
أولًا: الرسالة:
يسأل الله تعالى عن الرسالة من ناحيتين، والمقصد من سؤاله ليس الاستعلام ولكن ما يترتب عليه.
يسأل الله تعالى المرسلين عن الرسالة من ناحية تبليغها، وناحية الاستجابة لها.
قال تعالى: ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦].
فيسأل الرسل: هل بلغتم الرسالة؟، ويسأل الذين أرسل إليهم: هل بلغتكم الرسالة؟. والسؤال عن الرسالة لا يعني الاستفهام المفضي إلى العلم -كما سبق بيانه - فالله تعالى عالم بما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، ولا لمحاسبة الرسل عن تبليغهم الرسالة لعلمه أنهم صادقون، ولكن لتبكيت الكافرين(108)، ولإقامة الحجة على المكذبين، بأن الرسل بلغوا ما عليهم من الرسالة بلاغًا مبينًا، إذ أن عدم البلاغ حجة لهم على ترك العمل.
كما قال تعالى: ﴿وَلَوۡلَآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧﴾ [القصص: ٤٧].
فيتحقق على الكافرين السؤال، ويحتاروا في الإجابة.
قال سبحانه: ﴿وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦٥ فَعَمِيَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَآءُ يَوۡمَئِذٖ فَهُمۡ لَا يَتَسَآءَلُونَ ٦٦﴾ [القصص: ٦٥-٦٦].
وثبت هذا أيضًا في قوله سبحانه: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧ لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨﴾ [الأحزاب: ٧-٨].
قال القرطبي: فيه أربعة أوجه:
أحدها: ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم،وفي هذا تنبيه، أي إذا كان الأنبياء يسألون فكيف من سواهم؟.
الثاني: ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم.
الثالث: ليسأل الأنبياء عليهم السلام عن الوفاء بالميثاق الذي أخذه عليهم.
الرابع: ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة(109).
وقال الطبري: يقول تعالى ذكره: أخذنا من هؤلاء الأنبياء ميثاقهم كيما أسأل المرسلين عما أجابتهم به أممهم، ومافعل قومهم فيما أبلغوهم عن ربهم من الرسالة(110).
إن الله سبحانه يسأل الرسل عن إبلاغ الرسالة، ويسأل المرسل إليهم عن وصولها لإقامة الحجة والبينة والبرهان على وصول الرسالة وتبليغها بأحسن بيان.
قال تعالى: ﴿وَلَوۡلَآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧].
فالاحتجاج بانتفاء البلاغ سائغ، فكان سؤال الرسل عن الرسالة حجة في وصولها إلى المرسل إليهم، وكان سؤال المرسل إليهم عنها للتقرير والتبكيت.
قال سبحانه: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ٤١ يَوۡمَئِذٖ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوۡ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضُ وَلَا يَكۡتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثٗا ٤٢﴾ [النساء: ٤١-٤٢].
وقدم سبحانه سؤال المرسل إليهم، ليكون جواب الرسل عن الرسالة شهادة عليهم، كما في قوله سبحانه: ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦].
ثانيًا: العهد مع الله ومع الناس:
قال الزجاج: العَهْدُ كل ما عُوهِدَ اللَهُ عَلَيْه، وكل ما بينَ العِبَادِ من المواثيق فهِيَ عُهُود(111).
وقد صرح القرآن بالسؤال عن العهد؛ فقال تعالى: ﴿وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا﴾ [الإسراء: ٣٤].
قال ابن عاشور: أمروا بالوفاء بالعهد، والتعريف في العهد للجنس المفيد للاستغراق(112)؛ فيشمل العهد مع الله ومع الناس. فيدخل في ذلك ما بين العبد وربه، وما بين العباد بعضهم البعض. وقد رتب سبحانه على الوفاء بالعهد أجزل العطاء، كما رتب على إخلافه أشد الوعيد.
قال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [الفتح: ١٠].
وقال سبحانه: ﴿وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۙ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].
وتفصيل ذلك كالتالي:
- العهد مع الله.
المراد بعهد الله: كل عهد يوثقه الإنسان مع ربه(113).
وفي القرآن أتى الأمر واضحًا جليًا بالوفاء بعهد الله؛ قال سبحانه: ﴿وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
أي: أوفوا بوصية الله التي أوصاكم، بأن تطيعوه فيما أمركم به ونهاكم، وأن تعملوا بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فبهذا يكون الوفاء بعهد الله(114).
وأتى التحذير والوعيد والتهديد من الإخلال بالعهد بأن الله عز وجل سيسأل عن عهده سبحانه الذين عاهدوه(115).
قال عز من قائل: ﴿وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا﴾ [الأحزاب: ١٥].
وقد تضمنت الآية مع التهديد: الوعد والتأكيد بأن الله سائل عن العهد لا محالة(116)، وأن سؤاله سبحانه عن العهد يكون تبكيتًا لناقضه(117).
قال الطاهر بن عاشور: وعهد الله المأمور بالإيفاء به هو كل عهد فيه معنى الانتساب إلى الله الذي اقتضته الإضافة، إذ الإضافة هنا يصح أن تكون إضافة المصدر إلى الفاعل، أي: ما عهد الله به إليكم من الشرائع، ويصح أن تكون إلى مفعوله، أي: ما عاهدتم الله أن تفعلوه والتزمتموه وتقلدتموه، ويصح أن تكون الإضافة لأدنى ملابسة، أي: العهد الذي أمر الله بحفظه، وحذر من ختره، وهو العهود التي تنعقد بين الناس بعضهم مع بعض سواء كان بين القبائل أم كان بين الآحاد.
ولأجل مراعاة هذه المعاني الناشئة عن صلاحية الإضافة لإفادتها عدل إلى طريق إسناد اسم العهد إلى اسم الجلالة بطريق الإضافة دون طريق الفعل، بأن يقال: وبما عاهدتم الله عليه، أو نحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحدًا.
وإذ كان الخطاب بقوله: (تعالوا) للمشركين تعين أن يكون العهد شيئا قد تقررت معرفته بينهم، وهو العهود التي يعقدونها بالموالاةوالصلح أو نحو ذلك، فهو يدعوهم إلى الوفاء بما عاقدوا عليه. وأضيف إلى الله لأنهم كانوا يتحالفون عند التعاقد ولذلك يسمون العهد حلفًا.
فالآية آمرة لهم بالوفاء، وكان العرب يتمادحون به. ومن العهود المقررة بينهم: حلف الفضول، وحلف المطيبين، وكلاهما كان في الجاهلية على نفي الظلم والجور عن القاطنين بمكة، وذلك تحقيق لعهد الله لإبراهيم عليه السلام أن يجعل مكة بلدًا آمنا ومن دخله كان آمنًا.
وقد اعتدى المشركون على ضعفاء المؤمنين وظلموهم مثل عمار،وبلال، وعامر بن فهيرة، ونحوهم، فهو يقول لهم فيما يتلو عليهم أن خفر عهد الله بأمان مكة،وخفر عهودكم بذلك أولى بأن تحرموه من مزاعمكم الكاذبة فيما حرمتم وفصلتم، فهذا هو الوجه في تفسير قوله: ﴿وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ﴾ وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بأمر العهد وصرف ذهن السامع عنه، ليتقرر في ذهنه ما يرد بعده من الأمر بالوفاء، أي: إن كنتم ترون الوفاء بالعهد مدحة فعهد الله أولى بالوفاء وأنتم قد اخترتموه(118).
والقرآن يخبرنا عن أصناف من الناس عاهدوا الله من عند أنفسهم ابتداء، لئن آتاهم من فضله ليتصدقن، يرجون بذلك نواله وفضله.
قال سبحانه: ﴿وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥].
لكنهم أخلفوا عهدهم فأعقبهم الله تعالى نفاقًا في قلوبهم جزاء وفاقًا.
قال سبحانه: ﴿فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٧٦ فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ٧٧﴾ [التوبة: ٧٦-٧٧].
فدل على أن ما يلتزمه الإنسان من عمل البر بنذر أو يمين فهو عهد عاهد ربه عليه(119).
وبين القرآن أن من نقض العهد مع اللهإنما يضر بذلك نفسه، وأن من أوفى به يؤتيه الله الأجر العظيم على ذلك، كما في الآية السابقة، وكما في قوله تعالى: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [الفتح: ١٠].
وبين في موضع آخر: أن نقض الميثاق والعهد يستوجب اللعن، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ﴾ [المائدة: ١٣](120).
وجزاءه سبحانه عن الوفاء بالعهد: توفيه الموفين بعهدهم معه سبحانه الجزاء الفاضل الذي وعدهم حال الوفاء بعهده، فجعله كالعهد منه سبحانه الذي يقابل العهد.
قال سبحانه: ﴿يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].
قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ﴾ أمر وجوابه، وعهد الله المذكور هنا قيل: هو عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه فيدخل في ذلك ذكرمحمدصلى الله عليه وسلم الذي في التوراة وغيره، وهذا قول الجمهور من العلماء وهو الصحيح وعهده تعالى هو أن يدخلهم الجنة. وما طلب من بني إسرائيل من الوفاء بالعهد هو مطلوب منا - أمة محمد صلى الله عليه وسلم- فقال الله تعالى: ﴿أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ﴾(121).
ومع أن وفاءه سبحانه بعهده ووعده تفضل منه سبحانه إلا أنه أتى به في صورة جواب الشرط ويدل على اللزوم، قال الطبري: وقد كان بعض أهل العربية يوجه معنى قوله: ﴿وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا﴾ من قوله سبحانه: ﴿لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا﴾ [الفرقان: ١٦].
إلى أنه معني به: وعدًا واجبًا، وذلك أن المسئول واجب، وإن لم يسأل كالدين، ويقول: ذلك نظير قول العرب، لأعطينك ألفًا وعدًا مسئولًا، بمعنى واجب لك فتسأله. وعن ابن عباس ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا﴾ قال: فسألوا الذي وعدهم وتنجزوه(122).
فالوفاء بالعهد مع الله يأتي بالكرامة، ويكون عاقبة السؤال عليه خيرًا، أما الحنث والنكث فإن السؤال عن العهد به يكون تبكيتًا للمسؤول، والإخبار عن ذلك في القرآن تخويف وتحذير من النكث بالعهد مع الله سبحانه.
- العهد مع الناس.
إن القرآن كما يخبر عن السؤال عن العهد مع الله سبحانه، يشير إلى السؤال عن العهد مع الناس.
قال تعالى: ﴿وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا﴾ [الإسراء: ٣٤].
والوفاء بالعهد مع الناس من مكارم الأخلاق ومحاسن الخلال التي لا خلاف فيها بين أهل العقول، لذلك فإن ربنا سبحانه يوصي ويوجب على أمة الإسلام الوفاء بالعهد، ويحذر سبحانه من النكوث بالعهود، وعدم الوفاء بالعقود، وأبلغ التحذير جعل العهد مسؤولًا عنه، محاسبًا عليه.
قال الإمام أحمد رحمه الله: العهد شديد في عشرة مواضع من كتاب الله، وذكر: ﴿وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا﴾(123).
وفي موضع آخر من القرآن قال سبحانه: ﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٩١﴾ [النحل: ٩١].
وهو أمر من الله تعالى لعباده أن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا، وظاهر الآية أن عهد الله المذكور شامل لجميع العهود فيما بين العبد وربه، وفيما بينه وبين الناس(124).
قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ﴾لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ويلتزمه الإنسان بالعدل والإحسان(125).
والقرآن ينبه إلى ضرورة الوفاء بالعهد والعقد، والذي ينشأ بموجبه حقٌ للمعاهد، لاسيما إذا كان مؤكدًا وموثقًا بالأيمان، ويحذر من نقضه بعد توثيقه بالأيمان وتغليظه بأن جعل الله سبحانه عليه راعيًا، فأمر بعدم مخالفة الأمر الذي تم التعاقد عليه، ونهى عن الحنث في الأيمان المبرمة المؤكدة(126).
ونقض الأيمان: إبطال ما كانت لأجله، فالنقض إبطال المحلوف عليه لا إبطال القسم، فجعل إبطال المحلوف عليه نقضًا لليمين في قوله: ﴿وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ﴾ تهويلًا وتغليظًا للنقض؛ لأنه نقض لحرمة اليمين.
و﴿بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا﴾ زيادة في التحذير، وليس قيدًا للنهي بالبعدية، إذ المقصود أيمان العهد والبيعة، و (بعد) هنا بمعنى (مع)، إذ أثرهما واحد هنا، وهو حصول توثيق الأيمان وتوكيدها، كقوله تعالى: ﴿بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ﴾ [الحجرات: ١١].
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ﴾ [الرعد: ٢٥].
والتوكيد: التوثيق وتكرير الفتل(127).
وفي قوله سبحانه: ﴿وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
أشار بعض أهل التفسير إلى أن العهد هنا عام في جميع ما عهده الله إلى عباده. واحتمال أن يراد به العهود بين الناس، وإضافة ذلك العهد إلى الله سبحانه هو من حيث كونه من أمر بحفظه والوفاء به(128).
والوفاء بالعهد: هو القيام بحفظه على الوجه الشرعي والقانون المرضي، إلا إذا دل دليل خاص على جواز النقض(129).
والعقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله وسنة رسول الله، فإن خالفهما فهو رد لا يجب الوفاء به ولا يحل(130).
ثالثًا: القرآن:
القرآن بيان للرسول وللأمة فيما بها إليه حاجة، وهو تذكرة بأمر الدين والعمل به، وهو شرف لمن عمل به، والقرآن مسؤول عنه.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ﴾ [الزخرف: ٤4].
قوله: ﴿وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ﴾ يعني: القرآن؛ كما قال تعالى: ﴿وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠].
وقال تعالى: ﴿صٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ذِي ٱلذِّكۡرِ﴾ [ص: ١].
فالقرآن ذكر وذو ذكر. وأرجح الأقوال في معنى كون القرآن ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ولقومه: أن القرآن شرف لك ولمن عمل به ممن اتبعك من أمتك؛ فقد قال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا﴾ [الإسراء: ٨٢].
فيبعد أن يكون فيه شرف لقومه صلى الله عليه وسلم الكافرين، لإخباره سبحانه أن القرآن لا يزيد الظالمين إلا خسارًا والشرف خلاف الخسران. فإن كان ثمة تنويه فالمؤمنون أحق به.
وقد جاء في الأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين).
ومنها كذلك: أن القرآن بيان لك ولأمتك فيما بكم إليه حاجة. وتذكرة تذكرون به أمر الدين وتعملون به(131).
إن القرآن هو ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يستمسك بالذي أوحي إليه، ولا يعبأ باستجابة قومه له، مهما كان اختيارهم، وأي مصير من مصائر السابقين كان مآلهم. وهو تذكير لقومه بمآل السابقين، وأحوال الكافرين، ومصائر المكذبين، وقضاء الله سبحانه فيهم. وسيكون السؤال للرسول عن البلاغ، وسيكون السؤال لقومه المرسل إليهم عن إجابتهم وعن وصول هذه التذكرة إليهم؛ كما قال سبحانه: ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦﴾ [الأعراف: ٦].
فالمعنى الظاهر هو: أن القرآن تذكير لك ولقومك، ولا يعني تخصيص قومه بالذكر نفي من سواهم، كقوله تعالى: ﴿لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۖ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٠﴾ [الأنبياء: 10].
وكقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ٢١٤﴾ [الشعراء: 214].
وسوف تسألون عن هذا القرآن وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له(132).
وقيل: سوف تسألون عن الشكر عليه وقيل: تسألون أنت ومن معك على ما آتاك وقيل: تسألون عما عملتم به(133).
وكل هذه المعاني ترجع إلى أن القرآن مسؤول عنه، يسأل عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ويسأل عنه من استجاب له وعمل به، ومن أعرض عنه وصد كل بحسب حاله؛ فأما المستجيبون فيسألون عن مقدار استجابتهم، والإخبار عن السؤال في حقهم حض وحفز للعمل، وأما من أعرض وصد فالإخبار عن السؤال في حقه تهديد ووعيد، وسؤاله عن القرآن سؤال توبيخ وزجر وتقريع(134).
وكما قرر القرآن سؤال أمة الدعوة والإجابة عن القرآن وما فيه من الذكر والتذكرة، فإنه قرر كذلك سؤال المكذبين به الذين عابوه، وسخروا منه.
قال سبحانه: ﴿كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ ٩٠ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِينَ ٩١ فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٢ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٣﴾ [الحجر: ٩٠-٩٣].
قيل: إن المقتسمين هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى آمن كل منهم ببعض الكتاب الذي أنزل إليهم وكفروا ببعضه، وكفر اليهود بالإنجيل، وكفروا جميعًا بالقرآن.
وقيل: سمي أهل الكتاب بالمقتسمين، لأن بعضهم كان يقول لبعض استهزاء بالقرآن هذه السورة لي ويقول الآخر هذه السورة لي.
وقيل: إن المقتسمين قوم صالح الذين تقاسموا بالله ليبيتنه وأهله -وهو بعيد-.
وقيل: هم كفار قريش اقتسموا طرق مكة ومداخلها ليصدوا الناس عن الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته بأن يقول فريق منهم للقادمين للحج والحرم: هو شاعر، وآخرون: هو ساحر، وفريق ثالث: هو كاهن.
وقيل: لأنهم -كفار قريش- اقتسموا القرآن بأن سماه بعضهم شعرًا، وبعضهم كهانة، وبعضهم أساطير الأولين(135).
وقال آخرون: ﴿ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ﴾المتحالفين(136).
و﴿عِضِينَ﴾ أي: أعضاء متفرقة، بمعنى قسموه أوزاعًا فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، فهو كقوله تعالى: ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢].
وقيل: ﴿عِضِينَ﴾ بمعنى مقذوفًا ببهتان، وهو قول الكفار: شعر، كهانة، وسحر. وقيل معناه: السحر(137).
والظاهر أن السؤال في حق كل هؤلاء قائم، فإن معظم الكفار كانوا يقرون ببعض ما في القرآن مع كفرهم به، فهم يقرون بأن الله هو الرب الخالق الرازق المدبر؛ كما قال سبحانه: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٦١﴾ [العنكبوت: ٦١].
بل إنهم يقرون بأن الله سبحانه خلقهم هم أنفسهم؛ قال سبحانه: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٨٧﴾ [الزخرف: ٨٧].
وأقر آخرون بأن ما في القرآن موافق لما في الكتب السماوية التي قبله لكنهم قالوا إن الذي يعلم رسول الله بشر عنده علم الكتاب؛ قال سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ ١٠٣﴾ [النحل: ١٠٣].
فرد عليهم القرآن فريتهم.
وعلى هذا فإن السؤال يمكن أن يكون شاملًا لكل من عضه القرآن، فإنهم جميعًا تحالفوا على حربه فقذفوه بالبهتان، بأن قال بعضهم: هو كلام بشر، وقال آخرون: هو شعر أو كهانة أو سحر، والله سبحانه سائلهم جميعًا عن أعمالهم تلك سؤال زجر وتبكيت وتقريع. كما قال سبحانه: ﴿وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٠﴾ [الأنبياء: ٥٠].
رابعًا: الجوارح:
إن الجوارح هي نعم من نعم الله الكثيرة الجليلة على عباده، وهي أدوات العمل ووسائل إنفاذ الإرادة، والله سبحانه قرر في كتابه العزيز أنه سائل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده(138)؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا﴾ [الإسراء: ٣٦].
والقفو في اللغة هو اتباع الأثر يقال: قفوت فلانا أقفوه وقفيته وأقفيته إذا اتبعت أثره وبه سميت القافية لتتبعهم الآثار، مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور أي: يكون في أقفائها يتبعها ويتعرفها. ﴿إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا﴾ تحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون الإنسان هو المسئول عن السمع والبصر والفؤاد؛ لأنه يعمل بها إلى الطاعة والمعصية.
الثاني: أن السمع والبصر والفؤاد تسأل عن الإنسان؛ ليكونوا شهودًا عليه أو له بما فعل من طاعة وما ارتكب من معصية(139).
وقوله: ﴿كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: كل هذه الجوارح والأعضاء. وعلى القول الأول يرجع (أولئك) إلى أربابها(140).
إن الجوارح رعية استرعاها الله الإنسان، وهي شاهدة عليه تنطق بما عمل بها. لذلك فإنه ينبغي للإنسان أن يحرص أشد الحرص ألا يفتري الكذب ويشهد الزور، فيقول رأيت ولم ير، وسمعت ولم يسمع، وعلمت ولم يعلم، فإن الله تعالى سائل هذه الأعضاء عما قال صاحبها وادعاه، من أنه سمع أو أبصر أو علم، فتشهد عليه جوارحه عند ذلك بالحق(141).
ويحتمل أن يكون المقصود النهي عن تقفي وتتبع وتعرف الأخبار وأحوال الخلق، فإن السمع والبصر أدوات تتبعها، والفؤاد أداة تعقلها وتدبرها وتخيلها، فيكون النهي عن القصد وهو تقفي الأخبار والعورات، ويكون التحذير عن إعمال أدواته وهي السمع والبصر في التتبع، والفؤاد في الإدراك، والله أعلم.
يدل السؤال عن الجوارح على النهي عن القول بلا علم، وعن سماع اللغو وعن النظر إلى الحرام، والحكم على الظن، وأنه سبحانه يسأل العبد عن أعضائه يوم القيامة، فيشهدن عليه(142).
ونظيره قوله سبحانه في حادثة الإفك عمن تساهلوا في النقل والتحدث بما لم يتثبتوا منه: ﴿إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ﴾ [النور: ١٥].
فإن أولئك اتبع بعضهم أثر بعض، وحكى بعضهم عن بعض تقليدًا(143). كذلك نهى ربنا سبحانه عن تتبع الأخبار والعورات، وإطلاق أدواتها، ومصداقه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته)(144).
فالجوارح والحواس والقلب والعقل جميعًا أمانة يسأل الله تعالى عنها يوم القيامة، كما تسأل الجوارح عن عمل الإنسان وتشهد عليه، فهي رعية ضمن ما استرعاه الله تعالى، وحذر من هذه المسؤولية وأكد عليها بإثبات السؤال عنها يوم القيامة(145).
وفي الحديث عن شكل بن حميدٍ، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، علمني تعوذًا أتعوذ به، قال: فأخذ بكتفي، فقال: (قل اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر منيي) يعني: فرجه(146).
وليس في آية سورة النور السابقة دليل لمن يبطل الاجتهاد، لأن الاجتهاد يفضي إلى نوع من العلم، كما قال ربنا سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ﴾ [الممتحنة: ١٠].
فأقام سبحانه غالب الظن القائم على البحث والتحري والتثبت -أي: الاجتهاد- مقام العلم وأمر بالعمل به(147).
خامسًا: الأقوال والأعمال:
يمثل الإتيان بالأقوال والأعمال والكف عنها القسم العملي من التكليف، والفعل والكف جميعه مسؤول عنه، فيؤجر الإنسان على ما وافق من ذلك الشرع، ويأثم ويعاقب على ما خالفه.
1. المسؤولية عن الأقوال.
بين الله سبحانه أن الأقوال مسؤول عنها، وساق هذا المعنى في غير آية، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٦٨ وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَلَٰكِن ذِكۡرَىٰ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٦٩﴾ [الأنعام: ٦٨-٦٩].
وفي هذا الموضع من القرآن الكريم جاءت الإشارة الواضحة بأن الذين يخوضون في آيات الله استهزاء أو سبًا أو تكذيبًا أو تحريفًا أو غير ذلك من أنواع الخوض بالقول مسؤولون محاسبون، وأمر بالإعراض عنهم والصد عنهم والقيام وعدم الجلوس معهم، حال خوضهم، وأشار إلى أن الرضا بفعلهم هذا يدخل الإنسان في التبعة التي رتبها الله سبحانه على فعلهم، وأن من اتقى الله فخافه وأطاعه فيما أمره به واجتنب ما نهاه عنه، فلا تترتب عليه التبعة بعدم الإعراض فيما بينه وبين الله ما دام تركه الإعراض لم يكن عن رضًا بما هم فيه من الخوض وكان متقيًا، وأن الإعراض فائدته تذكيرهم وتنبيههم ليتقوا هذا الفعل ويتحاشوه(148).
وقال البعض من أهل التفسير أن المقصود هو أنه ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك، أي: إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم. ويعضد القول الأخير آية النساء وهي لاحقة لآية الأنعام، حيث فيها إحالة إلى هذه الآية ومعناها.
قال تعالى: ﴿وَقَدۡ نَزَّلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أَنۡ إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓۚ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ١٤٠﴾ [النساء: ١٤٠].
وقال جماعة من أهل التفسير أن الأمر كان في أوله على آية الأنعام حتى جاءت آية النساء فنسختها(149).
وفي آية النساء إشارة إلى أن خطر الأقوال يتعدى قائلها إلى مستمعها ما لم ينكر بأن يكره أو يعرض. والجمع إشارة إلى المسؤولية المترتبة التي تستلزم الجمع للحساب. واستدل ابن العربي(150) بآية الأنعام على صحة القول بوجوب الخروج من أرض البدعة مثل التي يسب فيها السلف، وهو قول مالك(151).
إن من أعظم ما يسأل عنه الإنسان من الأقوال في القرآن الكريم الافتراء؛ وهو الكذب المختلق.
قال تعالى: ﴿وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦].
وفي الآية يخبر الله تعالى عن قبائح فعال المشركين وافترائهم عليه سبحانه بأن شرعوا دينًا لم يأذن به، وجعلوا له سبحانه أندادًا من الأصنام والأوثان، ثم إنهم بعد ذلك يجعلون نصيبًا مما رزقهم الله قرابين لهذه الطواغيت التي ائتفكوها، بل ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ١٣٦﴾ [الأنعام: ١٣٦].
كل ذلك من باب الافتراء والزعم والادعاء المجانب للعلم المتابع للهوى والشيطان، فأقسم الله سبحانه بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه وائتفكوه تبكيتًا وتوبيخًا، وليقابلنهم بشر ما عملوا جزاء وفاقًا(152).
وهذه الآية تدل على أن أشنع الأقوال ما أسس للإشراك بالله، وأن الكلام في مسائل الألوهية والربوبية والأسماء والصفات عن جهل وهوى مرداة ومهلكة. ومن هذا الباب وصف الكفار الملائكة بأنهم بنات الله.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ ١٩﴾ [الزخرف: ١٩].
فجعل كلامهم في هذا الباب من باب الشهادات، وتوعدهم بالسؤال والحساب عن شهادتهم التي أتوا بها عن غير وجه حق، إذ لم يشهدوا خلق الملائكة ولم يحضروا ذلك، فكيف يقررون صفتهم وهم يدفعون كلام الله ولا يقبلونه، وهم لم يشهدوا خلق الملائكة؟، فذلك الذي استحقوا به سؤال التبكيت والتوبيخ.
ومن الافتراء زعم الكفار أنهم يحملون أوزار من صبأ عن إيمانه، واتبع ما هم عليه من تكذيب البعث بعد الممات والكفر بالثواب والعقاب، وقرر كذبهم وافتراءهم، وتوعدهم وهددهم بالسؤال عن أقوالهم التي هي محض الكذب.
قال سبحانه: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنۡ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَيۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٢ وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣﴾ [العنكبوت: ١٢-١٣].
وهذا السؤال عن الأقوال هو في جانب الوعد الباطل الذي لا يمكن ولا يستطاع؛ لأنه لا يملك صاحبه الحكم به.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من قول الزور أشد التحذير؛ فقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر) ثلاثًا ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)، وجلس وكان متكئًا، فقال: (ألا وقول الزور)، قال -الراوي وهو أبي بكرة رضي الله عنه-: فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت(153).
فالسنة قد أيدت معنى المسؤولية عن الأقوال، بل وأكدت أن أعظم ما يدخل الناس النار هو الأقوال. فعن معاذ بن جبلٍ قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعملٍ يدخلني الجنة ويباعدني من النار. قال: (لقد سألتني عن عظيمٍ، وإنه ليسيرٌ على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت). ثم قال: (ألا أدلك على أبواب الخير؛ الصوم جنةٌ والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل). قال ثم تلا ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ ﴿يَعۡمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦-١٧].
ثم قال: (ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه). قلت: بلى يا رسول الله. قال: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد). ثم قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله). قلت: بلى يا نبي الله، قال: فأخذ بلسانه، قال: (كف عليك هذا؟). فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم- أو على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم)(154).
2. المسؤولية عن الأعمال.
صرح القرآن بالسؤال عن الأعمال في غير ما آية؛ فقال سبحانه: ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٣].
وفي هذه الآية الكريمة يخبر الله تعالى أنه لو شاء سبحانه لصير الناس كلهم جميعًا جماعة واحدة، وأهل ملة واحدة لا يختلفون ولا يفترقون، ولكنه خالف بينهم بحكمته وعلمه، فجعلكم أهل ملل شتى، وَفَّقَ فريقًا منهم للإيمان به والعمل بطاعته، فكانوا مؤمنين، وخذل أقوامًا فحرمهم توفيقه، فكانوا كافرين، وأنه سبحانه سيسأل الجميع يوم القيامة عما عملوا في الدنيا فيما أمرهم به ونهاهم عنه، فيجازيهم بما عملوا: المطيع بطاعته، والعاصي بمعصيته(155).
وقال سبحانه: ﴿لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
فهو سبحانه سائل جميع من في السماوات والأرض من عباده ومحاسبهم؛ لأنه فوقهم بالملك والقدرة والقهر، ولا يسأل سبحانه عن قضائه وقدره، وجميع من في السماوات والأرض مسئولون عن أفعالهم، ومحاسبون على أعمالهم وهم في سلطانه لا يخرجون عنه(156).
ومع هذا التقرير للسؤال عن الأقوال والأعمال، فإنه لا بد من التنبيه على أن الله سبحانه لا يؤاخذ الإنسان على ما صدر منه على سبيل الخطأ أو الإكراه أو النسيان من أقوال وأفعال، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)(157).
كما استثنى اللغو في الأيمان. قال سبحانه: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ٢٢٥﴾ [البقرة: ٢٢5].
وحديث النفس؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلم)(158).
سادسًا: نعيم الدنيا:
قال سبحانه: ﴿ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ ٨﴾ [التكاثر: ٨].
أي: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه، من أين وصلتم إليه، وفيم أصبتموه، وماذا عملتم به؟(159).
وقال: اختلف أهل التأويل في ذلك النعيم ما هو؟
فقال بعضهم: هو الأمن والصحة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم ليسألون يومئذ عما أنعم الله به عليهم مما وهب لهم من السمع والبصر وصحة البدن. وفيم استعملوها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال آخرون هو العافية، وقال آخرون: بل عنى بذلك ما يطعمه الإنسان أو يشربه(160).
وقال ابن كثير: أي: ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك(161).
وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا(162).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)(163).
ومن الغبن أن لا يقوم الإنسان بواجب هاتين النعمتين وهو الشكر، والاستفادة منهما في التزود ليوم المعاد.
والذي يظهر أن هذه الآية الواردة في السؤال عن النعيم مرتبطة بما قبلها من الآيات في السورة.
قال تعالى: ﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ ١ حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ ٢ كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣ ثُمَّ كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٤ كَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡيَقِينِ ٥ لَتَرَوُنَّ ٱلۡجَحِيمَ ٦ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيۡنَ ٱلۡيَقِينِ ٧ ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ ٨﴾ [التكاثر: ١-٨].
فالله سبحانه يخبر أن التكاثر والمنافسة والحرص على الاستزادة من الأموال والأولاد والنعم التي يظن الإنسان في الدنيا أنها النعيم، يلهي عن الاستعداد ليوم المعاد، حيث النعيم الحقيقي المقيم، حتى إذا جاء الموت والإنسان غير مستعد للآخرة وهو في شغل وغفلة عنها، أتاه الخبر اليقين في قبره عن مآله في الجحيم ورآه جزاء وفاقًا لسوء صنيعه، ثم يوم القيامة يَصْلَى سعيرًا، ويسأل حينئذ تبكيتًا وتوبيخًا عن النعيم الذي حازه: هل هو نعيم؟
فالسؤال إذًا يكون بمعنى: هل رأيت نعيمًا قط؟
أي: يكون عن ذوق النعيم نفسه، لا عن شكر النعم التي في الدنيا، وفي الحديث عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغةً، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط، هل مر بك نعيمٌ قط فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط، هل مر بك شدةٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤسٌ قط، ولا رأيت شدةً قط)(164).
والمعنى: إن الإنسان إذا رأى الجحيم عيانًا، وتيقن مقعده في النار لم ير ما كان فيه من نعيم الدنيا شيئًا -قليلًا كان أو كثيرًا-، وبدا له من سيئات عمله ما يتلاشى معه أي نعيم ذاقه، وأي نعم حازها في الدنيا.
سابعًا: الولاية العامة والخاصة:
إن القرآن الكريم لم يجعل مسئوليات العباد منحصرة في ذواتهم، بل جعل بعضهم قائمًا على تولي أمور بعض، وجعل هذه الولاية مسؤوليات معهود بها يقوم بها البعض لصلاح حال آخرين. كما في الحديث: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)(165).
قال العلماء: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره، ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته(166).
وبهذا فإنه لا يكاد يخلو إنسان مكلف من مسؤولية عن ولاية. والولاية إما أن تكون مسؤولية أمر يتعلق بالجماعة المسلمة عمومًا فهي ولاية عامة، وإما أن تكون مسؤولية عن فرد، أو مجموعة مخصوصة فهي ولاية خاصة.
أما الولاية العامة فهي التي تقوم على مصالح العامة، وهي الإمامة والإمارة، فتشمل الحكام وأولي العلم والأمراء والوزراء وغيرهم.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره في قوله سبحانه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]: هذا خطاب لولاة المسلمين خاصة، يتناول النبي صلى الله عليه وسلم وأمراءه ومن بعدهم(167).
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [النساء: ٥٨].
قال القرطبي: وهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميع الخلق(168).
وتشمل المسؤولية عن الولاية العامة قسمة الأموال، ورد الظلامات، والعدل في الحكومات(169).
وقد ذهب جمع من المفسرين على أن الآية عامة في جميع الناس، فهي كما تتناول الولاة، تتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه، والصلاة والزكاة وسائر العبادات أمانة الله تعالى(170).
ومن أهم أركان المسؤولية عن الولاية العامة: العدل والإحاطة بالنصح وعدم غش الرعية؛ قال صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز و جل -وكلتا يديه يمين- الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)(171).
وقال عليه الصلاة والسلام: (ما من والٍ يلي رعيةً من المسلمين فيموت وهو غاشٌّ لهم إلا حرم الله عليه الجنة)(172).
وفي رواية مسلم: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)(173).
في آية النساء السابقة دليل عظيم وبينة واضحة على المسؤولية عن الولاية العامة، فالأمر -كما تقرر سلفًا- هو منشأ ومبدأ المسؤولية، والله سبحانه صرح بالأمر في هذه الآية بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ﴾، وكما أن المسؤولية مترتبة على أهل الولايات عن رعاية مصالح الرعية، فكذلك المسؤولية مترتبة على الرعية عن طاعتهم كما في الآية الثانية.
وقد قرر سبحانه لتأكيد المسؤولية أنه سبحانه سميع بصير، لا يخفى عليه شيء من أمر ما أوجب من أداء الأمانات والحكم بالعدل.
وأما الولاية الخاصة فهي التي تتعلق بواجب رعاية مخصوصة، مثل رعاية الأولاد والأهل.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
وفي هذه الآية الأمر بوقاية الإنسان نفسه وأهله النار، فأمر سبحانه المؤمنين وأوجب عليهم وقاية أنفسهم، وما يدخل في حكم النفس من الأولاد، ووقاية أهليهم بوصيتهم وتعليمهم الحلال والحرام وتجنيبهم المعاصي والآثام، وكذلك يخبر أهله بوقت الصلاة ووجوب الصيام ووجوب الفطر إذا وجب. قال مقاتل: ذلك حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه(174).
وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع)(175).
وقد روى مسلم أن النبي صلي الله عليه وسلم كان إذا أوتر يقول: (قومي فأوتري يا عائشة)(176).
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأةً قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء)(177).
ومنه قوله صلي الله عليه وسلم: (أيقظوا صواحب الحجر)(178)(179).
ومثل الآية السابقة آية سورة طه؛ قال تعالى: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ ١٣٢﴾ [طه: ١٣٢].
ومن الولاية الخاصة ترشيد الولي لنفقة السفيه من ماله، وقيامه على رعاية اليتيم وماله وأدائه له عند رشده.
قال سبحانه: ﴿وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا﴾ [النساء: ٥].
وقال سبحانه: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٢٠﴾ [البقرة: ٢٢٠].
وقال عز من قائل: ﴿وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا ٢﴾ [النساء: ٢].
والعمدة في المسؤولية عن الولايات الخاصة والعامة حديث عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته). قال: وحسبت أن قد قال: (والرجل راعٍ في مال أبيه ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته)(180).
وعن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيع حتى يسأل الرجل على أهل بيته)(181).
ولأن الولاية العامة والخاصة تتعلق بمصالح المجتمع والأمة المسلمة والضعفاء، فإن الله سبحانه جعل مسؤوليتها في غاية العظمة، وجعل لمن يرعاها حق رعايتها الجزاء الأوفى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)(182).
وحذر أشد التحذير من عدم رعايتها وأداء ما على الإنسان فيها.
قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
فحذر سبحانه من سبيلين يؤديان لتضييع الأمانة ورعاية الولاية وهما: الظلم الذي يؤدي إليه الميل والعدوان، والجهل بما فيها وما في ضدها. ومن تحذير السنة حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله ألا تستعملني ؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: (يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)(183).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته)(184).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ويلٌ للأمراء، وويلٌ للعرفاء، وويلٌ للأمناء، ليتمنين أقوامٌ يوم القيامة أن ذوائبهم كانت معلقةً بالثريا، يدلدلون بين السماء والأرض، وأنهم لم يلوا عملا)(185).
وبهذا يتضح عظم شأن الولاية بوجه عام، وأنها من المسؤوليات الجسيمة العظيمة، إذ يترتب على التفريط والتعدي فيها أشد الندم وأعظم الخسران.
غير المسؤول عنه
أولًا: لا يسأل الرسل عن مصير الكافرين:
أرشد القرآن إلى أن الرسل لا يسألون عن مصير الكافرين.
قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩].
والتوجيه في الآية للنبي صلى الله عليه وسلم، فبعد أن قص الله تعالى عليه قصص أقوام من اليهود والنصارى، وذكر ضلالتهم، وكفرهم بالله، وجراءتهم على أنبيائه، قال له: ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ﴾ يا محمد ﴿بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا﴾ لمن آمن بك واتبعك ممن قصصت عليك أنباءه ومن لم أقصص عليك أنباءه، ﴿وَنَذِيرٗاۖ﴾ لمن كفر بك وخالفك، فبلغ رسالتي، فإنما عليك البلاغ والإنذار، ولست مؤاخذًا بكفر من كفر بعد التبشير والإنذار، وليس عليك من أعماله - بعد إبلاغك إياه رسالتي - تبعة، ولا أنت مسئول عما فعل بعد ذلك، وكان من أهل الجحيم(186).
ومثل ذلك قوله تعالى مرشدًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: ﴿أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ ٥ فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ ٦ وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٧﴾ [عبس: ٥-٧].
أي: لست مسؤولًا عن هدايته ولا مآله.
وكما صرح القرآن بأن الرسل لا يسألون عن مصير الكافرين، فقد بين هذا المعنى من طريق اللزوم، حيث قصر مسؤولية الرسل على البلاغ المبين في آيات كثيرة، وهو التبليغ الواضح؛ منها قوله سبحانه: ﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٩٩﴾ [المائدة: ٩٩].
وقوله سبحانه: ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٨٢﴾ [النحل: ٨٢].
وقوله سبحانه: ﴿فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظًاۖ إِنۡ عَلَيۡكَ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ﴾ [الشورى: ٤٨].
وقوله سبحانه: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢].
وقد سبق بيان معناها.
وهذا ليس حصرًا على رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، بل ذلك مطرد في جميع الرسل عليهم السلام، والقرآن ذاخر بالأدلة على ذلك؛ منها قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].
وهذا سؤال استنكاري يفيد تقرير أن الرسل ليس عليهم إلا التبليغ البين الظاهر الذي يصل إلى القلوب، ولا يبقى لأحد على الله حجة - كما سبق بيانه-. فإذا بلغتهم الرسل أمر ربهم ونهيه، واحتجوا عليهم بالقدر، فليس للرسل من الأمر شيء، وحسابهم على الله عز وجل، وأما الهداية فهي إلى الله تعالى(187).
والمصير تبع للهداية، وبما أنها ليست إليهم، فيلزم أنهم لا يسألون عنها، كما وضحت الآية التالية.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦].
ومنه قوله عز من قائل: ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨].
وهذه الآية كما تحتمل أن تكون من كلام إبراهيم عليه السلام لتقرير أن واجب الرسول - أي رسول- هو إبلاغ ما أرسل به بينًا واضحًا. كذلك فإنها تحتمل أن يكون الكلام متوجهًا إلى كفار قريش على سبيل الالتفات فيكون المقصود بالرسول: محمد صلى الله عليه وسلم، ويكون المقصود: أن مقام الرسالة لا يقتضي إلا التبليغ الواضح(188).
ومنه قوله تعالى على لسان الثلاثة المرسلون في معرض ضرب المثل لمشركي قريش بأصحاب القرية: ﴿قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ ١٦ وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٧﴾ [يس: ١٦-١٧].
فهذا بيان واضح بأن الرسل لا يسألون عن مصير الكافرين، إذ أن مهمتهم تقتصر على البلاغ المبين، وأن الهداية من الله سبحانه، وأن حساب الأمم عليه سبحانه. وهو إرشاد عظيم للداعية إلى الله أن لا ينشغل بالنتائج، بل يبذل وسعه في التبليغ الواضح، وتوجيه له بألا يتأثر بباطل أهل الزيغ والضلال من الكفار والفسقة والطغاة، ولا يلين لأهوائهم طمعًا في استدراجهم إلى الحق، بل يصدع بما يؤمر ويعرض عن المشركين.
ثانيًا: لا يسأل الإنسان عن عمل غيره:
رسَّخَ القرآن الكريم في آيات عديدة قاعدة هامة؛ وهي: أن الإنسان غير مسؤول عن عمل غيره، ولا هو مؤاخذ به، ما لم يكن من نتاج عمله هو. وقد دلل على هذا المعنى صراحة ولزومًا.
ومن ذلك: التصريح بعدم سؤال الفرق بعضها عن أعمال بعض.
قال تعالى: ﴿قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [سبأ: ٢٥].
وفي سياق هذه الآية يرشد ربنا سبحانه نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يقول للمشركين الذين يخاطبهم: أحد فريقينا على هدى والآخر على ضلال، فلسنا مهتدين جميعًا ولسنا على ضلال كلنا، وأنتم غير مؤاخذين بما نعمل، ولا تسألون عما أجرمنا نحن من جرم إن كان عملنا جرمًا، ولا نسأل نحن عما تعملون أنتم من عمل(189).
وفي الآية إرشاد للنبي محمد صلى الله عليه وسلم لأحكم أساليب الدعوة، بأن يتجنب الكلام الذي يمكن أن يصد ويحجز عن الهدى بما يورث من المعاندة والاستكبار، وأن يعمل في دعوته بما يفتح المجال للتفكر لا ردود الأفعال.
وفيه معنى التبرؤ منهم ومن عملهم، أي: لستم منا ولا نحن منكم، بل ندعوكم إلى الله وإلى توحيده وإفراد العبادة له، فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم، وإن كذبتم فنحن بريئون منكم وأنتم بريئون منا، وإرشاده تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم إلى هذا القول دليل على تقريره.
كما قال تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١](190).
ومما يدل على بعد نسخ آية سبأ المذكورة بآية السيف كما زعم بعض المفسرين(191) أن البناء للمجهول في الفعل المضارع يدل على أن السائل طرف خارج الفريقين، ودلالة المضارعة في السياق على الحال والاستقبال، كما أن الآية التالية لها تتحدث عن الجمع والحكم؛ حيث يتبين المهتدي من الضال وهو فيما يستقبل من أمر الآخرة.
قال سبحانه: ﴿قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٦﴾ [سبأ: ٢٦].
ومن الآيات التي في التصريح بعدم سؤال الإنسان عن عمل غيره قوله سبحانه: ﴿تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤].
وفيها تصريح بأن كل نفس قدمت على الله يوم القيامة، فإنما تسأل عما كسبت وأسلفت، دون ما أسلف غيرها(192).
التصريح بأنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره:
وهذا في القرآن كثير.
قال سبحانه: ﴿قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِي رَبّٗا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيۡءٖۚ وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وقال عز من قائل: ﴿مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ١٥﴾ [الإسراء: ١٥].
وقال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا يُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَيۡءٞ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰٓۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفۡسِهِۦۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٨﴾ [فاطر: ١٨].
وقال عز وجل: ﴿إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧].
وقال تعالى: ﴿أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ٣٦ وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ ٣٧ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ ٣٨﴾ [النجم: ٣٦-38].
ومعنى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ﴾ أنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره(193).
فكل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد(194).
كما هو ظاهر في قوله سبحانه: ﴿وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا يُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَيۡءٞ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰٓۗ﴾ [فاطر: ١٨].
وعدم تحمل أحد ذنب غيره يدل على عدم مسؤوليته عن عمله.
الإشارة إلى أن كسب الإنسان متعلق بعمله هو:
أنَّ آيات عديدة من القرآن الكريم تشير إلى أن عمل الإنسان حسنه وسيئه مقصور عليه هو لا يتعدى لغيره إلا ما كان فضلًا من الله سبحانه.
منها قوله سبحانه: ﴿مَّنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
ومعناها: أن من عمل بطاعة الله في هذه الدنيا، فأتمر لأمره، وانتهى عما نهاه عنه فلنفسه عمل ذلك الصالح من العمل الذي مآله الجنة، ومن عمل بمعاصي الله فيها، فعلى نفسه جنى، لأنه أكسبها بذلك سخط الله، والعقاب الأليم. وما الله سبحانه بحامل عقوبة ذنب مذنب على غير مكتسبه، بل لا يعاقب أحدًا إلا على جرمه الذي اكتسبه في الدنيا، أو على سبب استحقه به منه(195).
ونظيره قوله سبحانه: ﴿مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ﴾ [الإسراء: ١٥].
ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: ٣٩].
أي: كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه(196).
قال الحسين بن الفضل بأن هذا من طريق العدل، أما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما شاء(197).
وقد دل على هذا المعنى القرآن والسنة.
قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ﴾ [الطور: ٢١].
وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جواز الحج عن الغير، وأفادت النصوص والإجماع وصول الدعاء والصدقة للغير. على أنه ينبغي التنبيه إلى أن باب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء(198).
ومن عمل الغير ما يلحق بالإنسان إن كان سببًا فيه، أو داعيًا إليه، أو راضيًا وراغبًا فيه، فيلحق به أجره إن كان صالحًا، ووزره إن كان سيئًا، لأنه في حكم عمله هو. والأدلة على ذلك كثيرة؛ منها: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جارية،ٍ أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له)(199).
فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه)(200).
والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه. والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله.
ومنها ما ثبت في الصحيح: (من دعا إلى هدًى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا)(201).
ومثله قوله سبحانه: ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا﴾ [النساء: ٨٥].
ومنها قوله تعالى: ﴿لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۙ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].
ومنها قوله سبحانه: ﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢].
ومنها الحديث: قال صلى الله عليه وسلم: (لا تقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها؛ لأنه أول من سن القتل)(202).
ومنها قوله صلوات ربي وسلامه عليه: (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم، قال: لا ما صلوا)(203).
خلاصة القول: إن الإنسان لا يسأل عن عمل غيره ولا يؤاخذ بسيئه، إلا ما كان هو السبب فيه، أو الداعي إليه، أو كان راضيًا عنه راغبًا فيه بأن يعمل مثله؛ وذلك في الحقيقة من جملة عمله هو؛ لأنها إما آثار عمل جوارحه، أو هي أعمال قلبه. فلا يكتب عليه إلا ما سعى عدلًا. ومن فضل الله على عبده المؤمن أنه تنفعه بعض أعمال غيره من المؤمنين كالدعاء - وهو شفاعة-، والصدقة والحج عنه.
أثر فقه المسؤولية على سلوك العبد
الفقه هو الفهم الدقيق، والعبد الذي يفقه المسؤولية على وجهها الصحيح يتأثر بذلك في سلوكه تأثرًا بليغًا، حيث يعرف السائل والمسؤول عنه، ويعرف مبدأ المسؤولية ومآلها، ويعرف كيفية التتبع والمحاسبة، ويعرف فحوى السؤال ووقته. فمن عرف ذلك كله أيس من النجاة إلا بسلوك سبيل الحق، وتخلق بالتقوى والصدق، واستعد ليوم الحساب، وعمل ليوم المآب، فجاء سلوكه مستقيمًا متوافقًا مع الشريعة ظاهرًا وباطنًا، وأناب واستجاب وأسلم لله.
إن معرفة السائل، وهو الله سبحانه، تورث الإيمان به ربًّا، كما تورث محبته، ورجاءه، والخوف منه سبحانه؛ محبته سبحانه لجليل صفاته، وعظيم إنعامه وفضله، ورجاءه لعظيم رحمته ومنته وآلائه، وقبوله التوبة والشفاعة، وعفوه عن السيئات، ومضاعفته للحسنات، والخوف منه سبحانه لعظيم عقابه وشديد غضبه، وأليم عذابه وبليغ انتقامه. وهذا يجعل طاعة أوامره والانتهاء عن نواهيه امتثالًا أولى ما يتقرب به العبد إليه من القربات، وتلك هي التقوى، فيأتي سلوك العبد مستقيمًا متسقًا مع منظومة السلوك الإسلامي المستفادة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه يقول: ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ١ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣ مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٤ إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥ ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧﴾ [الفاتحة: ١-٧].
فأعظم ثمرات فقه المسؤولية إذًا: توحيد الله سبحانه توحيدًا خالصًا، والإذعان لأمره، والافتقار إليه، والاستقامة على طاعته، ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا﴾ [النساء: ٦٩].
ومعرفة المسؤول عنه تفضي إلى الاهتمام والعناية به، وتوجه سلوك المسلم نحوه، فلا يتشتت جهد الإنسان في مذاهب شتى، ويضطرب في تحديد الأولويات، ولا يحجم عن العمل بالكلية، بل يتوجه نحو المسؤول عنه بالرعاية التي يستحقها ليأتي شرط السائل على الوجه المراد، ويتحرى فيه الإتقان والإحسان، فتترتب الأولويات، ويكون التركيز على المهمات، ويكون الانشغال بالغايات.
أما معرفة مبدأ المسؤولية ومآلها: التكليف الرباني، والحساب الأخروي؛ فتورث تعظيم المسؤولية في النفوس، وتجذيرها في الهموم، فتجد من الرعاية ما تستحق، ومن العمل ما تحتاج، ومن السعي ما يقوم بها على وجهها.
وأما معرفة كيفية التتبع والمحاسبة، فتفضي بالإنسان إلى المراقبة، إذ أن كل شيء محصى، وكل عمل مكتوب، والله تعالى منه قريب؛ قال سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦﴾ [ق: ١٦].
فيحصل من ذلك الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وأما المحاسبة فإن معرفتها تؤدي إلى الاستعداد، والتوبة من الزلات، والندم على التفريط وعلى ما فات، والعزم على الرشد، والعمل في جد واجتهاد. فمن أدرك المحاسبة وعرف مآلاتها رجا النجاة مقتصدًا أو سابقًا بالخيرات، والنجاة يوم القيامة فوز.
قال سبحانه: ﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ١٨٥﴾ [آل عمران: ١٨٥].
ومن عرف أن السؤال يكون بعد العمل، وأن فحواه الطاعة والعصيان، عمل بطاعة الله، وخاف من عصيانه وتاب وأناب إذا عصاه، واجتهد في وقت العمل للفوز يوم الحساب، ﴿وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨ وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ ٩﴾ [الأعراف: ٨-٩].
ومن فقه أنه مسؤول يقينًا غلب عليه الإشفاق، ومن غلب عليه الإشفاق في الدنيا فهو خائف من عذاب الله راجٍ رحمة الله محبٌّ لله فإنه يعمل بطاعة الله، ويمتثل أمره، ويؤدى ما عليه من المسؤولية، وعن أمثال هؤلاء.
قال تعالى: ﴿وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٥ قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ ٢٦ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ٢٧ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ٢٨﴾ [الطور: ٢٥-٢٨].
ومن أيقن بالسؤال وغلب عليه الإشفاق في الآخرة حين يرى كتابه وكسبه هلك.
قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩﴾ [الكهف: ٤٩].
وقال سبحانه: ﴿تَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُۢ بِهِمۡۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي رَوۡضَاتِ ٱلۡجَنَّاتِۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٢٢﴾ [الشورى: ٢٢].
ففقه المسؤولية يورث الإشفاق في وقت العمل والإنابة، والإشفاق يدفع لامتثال أوامر الله سبحانه، والاستقامة على الشرعة، وأداء المسؤوليات على أفضل الوجوه.
إن فقه المسؤولية إذًا يؤثر إيجابًا على سلوك العبد تأثيرًا بليغًا، إذ يؤثر على التصورات، والدوافع، وطريقة التفكير، والأخلاق والصفات والعادات، ومنهج تقييم التصرفات؛ فيهديه للإيمان، ويوقظ في نفسه الإحسان، ويدفعه للعمل، ويحمله على الإتقان، ويدعوه للصدق والأمانة ومكارم الأخلاق، وطيب الخلال، ويلزمه الاستقامة على الشرعة والاستجابة لله ولرسوله، وأداء الحقوق والواجبات على وجهها، إيمانًا واحتسابًا.
| موضوعات ذات صلة: |
| الأمانة، الجزاء، الحساب، العقاب |
الحواشي
- مقاييس اللغة، ابن فارس، 3/124. ↩
- المفردات، الراغب الأصفهاني، ص437. ↩
- المصباح المنير، الفيومي 1/297. ↩
- معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار، 2/1020. ↩
- معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار، 2/1020. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور، 21/289. ↩
- المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، 1/853. ↩
- الإدارة، سيد الهواري، ص211. ↩
- معجم مصطلحات العلوم الإدارية، أحمد زكي بدوي، ص 344. ↩
- مختار الصحاح، الرازي ص26. ↩
- لسان العرب، ابن منظور13/21. ↩
- المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 1/28. ↩
- الكليات، الكفوي ص 187. ↩
- انظر: المغرب في ترتيب المعرب، الخوارزمي ص 156. ↩
- المفردات، الراغب الأصفهاني ص305. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 10/60. ↩
- أضواء البيان، الشنقيطي، 2/7. ↩
- جامع البيان، الطبري، 12/307-308. ↩
- مفاتح الغيب، الرازي، 6/140. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/728. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان، رقم 6199، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر، رقم 185. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 7/397. ↩
- جامع البيان، الطبري، 22/340-344. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 14/109. ↩
- معالم التنزيل، البغوي، 3/149. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور، 8/26. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/550. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري، 17/150. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/60. ↩
- انظر: تفسير ابن أبي حاتم 7/2273. ↩
- جامع البيان، الطبري، 17/150. ↩
- أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب ما جاء في القيامة وشأن الحساب والقصاص، رقم 2354.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/1221، رقم 7300. ↩ - جامع البيان، الطبري، 12/307. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/551. ↩
- جامع البيان، الطبري، 12/307-309. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 7/164. ↩
- جامع البيان، الطبري، 12/307-309. ↩
- معالم التنزيل، البغوي، 2/144. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور، 1/370. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور، 1/369. ↩
- المصدر السابق 20/542. ↩
- جامع البيان، الطبري، 12/307. ↩
- أضواء البيان، الشنقيطي 3/86. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 10/237. ↩
- جامع البيان، الطبري، 24/92. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 8/286. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/477. ↩
- جامع البيان، الطبري، 7/521. ↩
- روح المعاني، الألوسي، 22/67. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري، 23/236، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 17/289، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 8/41. ↩
- جامع البيان، الطبري، 24/166. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 906. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي، 2/92. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 6/585. ↩
- أخرجه مسلم 5275، كتاب الزهد والرقائق. ↩
- جامع البيان، الطبري، 22/80. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 8/389. ↩
- جامع البيان، الطبري 6/101-102. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 8/381. ↩
- جامع البيان، الطبري 21/366. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والأدب، باب تحريم الظلم، رقم 4680. ↩
- معالم التنزيل، البغوي، 7/417. ↩
- المفردات، الراغب الأصبهاني، 1/393. ↩
- معالم التنزيل، البغوي، 3/151. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 7/280. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 5/454. ↩
- جامع البيان، الطبري، 17/68. ↩
- فتح القدير، الشوكاني، 1/933-934. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص803. ↩
- معالم التنزيل، البغوي، 3/214. ↩
- معالم التنزيل، البغوي، 3/121-122، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 6/375. ↩
- المصادر السابقة. ↩
- معالم التنزيل، البغوي، 3/115-116، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/222. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 10/103، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص440. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور، 20/227. ↩
- جامع البيان، الطبري، 11/96. ↩
- المصدر السابق 23/422. ↩
- المصدر السابق 17/272. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/592. ↩
- جامع البيان، الطبري، 21/556. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، رقم 1692. ↩
- النكت والعيون، الماوردي، 5/227. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه وفضل من تعلم حكمةً من فقهٍ أو غيره فعمل بها وعلمها، رقم 1359.عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 16/94. ↩
- أضواء البيان، الشنقيطي، 2/7. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 10/61. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 10/61. ↩
- معالم التنزيل، البغوي، 4/395-396. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 10/61. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، رقم 6981، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار، رقم 1694. ↩
- جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي، 2/481. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، رقم 32، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، رقم 92، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، رقم 33، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، رقم 91. ↩
- جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي، 2/482-488. ↩
- جامع البيان، الطبري، 23/394. ↩
- جامع البيان، الطبري، 20/221-228. ↩
- جامع البيان، الطبري، 8/490-493. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/338. ↩
- جامع البيان، الطبري، 8/493. ↩
- أحكام القرآن، ابن العربي، 1/572. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب كراهية الإمارة بغير ضرورة، رقم 3410. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، رقم 849، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، رقم 3414، عن عبد الله بن عمر. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب من استرعي رعيةً فلم ينصح، رقم 6645، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، رقم 207. عن معقل بن يسار. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية وتنفيق السلعة بالحلف وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، رقم 159. عن أبي هريرة رضي الله عنه. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم والغصب، باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه، رقم 2290، ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، رقم 3238. عن أم سلمة رضي الله عنها. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 2/340. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، رقم 3412. عن عبد الله بن عمرو. ↩
- معالم التنزيل، البغوي، 6/321. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 14/128. ↩
- جامع البيان، الطبري، 20/213. ↩
- معاني القرآن وإعرابه 3/238. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور، 15/97. ↩
- المصدر السابق 21/289. ↩
- جامع البيان، الطبري،12/225-226. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور، 21/289. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 6/390. ↩
- انظر: فتح القدير، الشوكاني، 3/822. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور، 8/168. ↩
- تفسير المنار، محمد رشيد رضا، 8/170. ↩
- أضواء البيان، الشنقيطي، 2/439. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 1/332. ↩
- جامع البيان، الطبري، 19/246-247. ↩
- المغني، ابن قدامة، 9/400. ↩
- أضواء البيان، الشنقيطي، 2/438. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 10/169. ↩
- جامع البيان، الطبري، 17/281. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور، 14/261. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 7/137. ↩
- فتح القدير، الشوكاني، 3/822. ↩
- فتح القدير، الشوكاني، 3/349. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 16/93، فتح القدير، الشوكاني 4/341. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 7/229. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 16/93. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور، 25/220. ↩
- جامع البيان، الطبري، 17/143-145. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/547. ↩
- جامع البيان، الطبري، 17/147-148. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/259. ↩
- النكت والعيون، الماوردي، 4/243. ↩
- معالم التنزيل، البغوي، 5/92-93. ↩
- جامع البيان، الطبري، 17/446-449. ↩
- تفسير السمرقندي، 2/311. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي، 11/275. ↩
- أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في الغيبة، رقم 4238.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/1323، رقم 7984. ↩ - الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/259. ↩
- أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الوتر، باب في الاستعاذة، رقم 1330، والترمذي في سننه، أبواب الدعوات، باب ما جاء في عقد التسبيح باليد، رقم 3438.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/277، رقم 1292. ↩ - مدارك التنزيل، النسفي، 2/286. ↩
- جامع البيان، الطبري، 11/436-439. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/278. ↩
- أحكام القرآن، ابن العربي، 1/611. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 5/350. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/577. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب ما قيل في قول الزور، رقم 2473، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، رقم 129. عن أبي بكرة نفيع بن الحارث. ↩
- أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، رقم 2558.
قال الترمذي: حسن صحيح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/913، رقم 5136. ↩ - جامع البيان، الطبري، 17/287. ↩
- المصدر السابق 18/425. ↩
- أخرجه ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، رقم 2035.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/1195، رقم 7110. ↩ - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق، باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه ولا عتاقة إلا لوجه الله، رقم 2355، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستمر، رقم 186. ↩
- جامع البيان، الطبري، 24/581. ↩
- المصدر السابق 24/581-586. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 8/474. ↩
- المصدر السابق 8/477. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب لا عيش إلا عيش الآخرة، رقم 5960. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب صبغ أنعم أهل الدنيا فى النار وصبغ أشدهم بؤسًا فى الجنة، رقم 5026. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، رقم 849، و مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر، رقم 3414. ↩
- تعليق محمد فؤاد عبد الباقي على صحيح مسلم 3/1459. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 5/255. ↩
- المصدر السابق 5/258. ↩
- المصدر السابق 5/256. ↩
- المصدر السابق 5/255-256. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر، 3412. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب من استرعي رعية فلم ينصح، رقم 6645، عن معقل بن يسار. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، رقم 207. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 18/195. ↩
- أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، رقم 417.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/744، رقم 4026. ↩ - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة، رقم 1234. عن عائشة رضي الله عنها. ↩
- أخرجه أبو داود، كتاب التطوع، أبواب قيام الليل، باب قيام الليل، رقم 1114.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/657، رقم 3494. ↩ - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب العلم والعظة بالليل، رقم 113. عن أم سلمة رضي الله عنها. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 18/195. ↩
- سبق تخريجه قريبًا. ↩
- أخرجه النسائي، كتاب عشرة النساء، أبواب الملاعبة، باب مسألة كل راع عما استرعي، رقم 8833.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، 1/365، رقم 1774. ↩ - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجماعة والإمامة، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد، رقم 623، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، رقم 1718. عن أبي هريرة. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، رقم 3410. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم، رقم 1668. عن عبد الله بن عمرو. ↩
- أخرجه أحمد في مسنده، 14/275، رقم 8627، والحاكم في المستدرك، كتاب الأحكام، رقم 7066.وصححه. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري، 2/558-5599، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 2/92. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 10/103، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص440. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور، 20/227. ↩
- جامع البيان، الطبري، 20/405. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 6/517. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 14/299. ↩
- جامع البيان، الطبري، 3/129. ↩
- جامع البيان، الطبري، 22/543. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،7/465. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،7/465. ↩
- جامع البيان، الطبري، 21/487. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،7/465. ↩
- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، الملا علي القاري، 3/1228. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد موته، رقم، 3092. ↩
- أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الإجارة، باب الرجل يأكل من مال ولده، رقم 3064، وابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب الحث على المكاسب، رقم 2128، عن عائشة رضي الله عنها وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/440، رقم 2208. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، رقم 4837. عن أبي هريرة رضي الله عنه. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم صلوات الله عليه، رقم 3108، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب بيان أثم من سن القتل، رقم 3184. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع، رقم 3452. ↩
