مفهوم الضلال
أولًا: المعنى اللغوي:
الضاد واللام أصل يدل على ضياع الشيء، وذهابه في غير حقه، يقال: ضَلَّ اللبن في الماء، بمعنى: استهلك وضاع، وأضل الميت، إذا دفن، وكأنه شيء قد ضاع، يقال: ضَلَلْت أَضِلُّ وأَضَلُّ، لغتان، وضَلَلْتُ أَضِلُّ وأَضَلُّ، وهما لغتان أيضًا، والضَّلَال والضَّلَالة بمعنىً واحدٍ، ورجلٌ ضِلِّيلٌ ومُضَلِّلٌ، إذا كان صاحب ضلالٍ وباطلٍ(1).
وكل جائرٍ عن القصد فهو ضالٌ، وما كان ضد الهدى والرشاد فهو ضلالٌ وضلالةٌ(2)، وكل حيادةٍ عن طريق الحق فهو ضلالٌ أيضًا، والنسيان من الضلال(3).
وأما قولهم: الضالة، فإنها لا تقع إلا على الحيوان ذكرًا كان أو أنثى، وأما الأمتعة من غير الحيوان، فلا يقال لها ضالة، ولكنها تسمى لقطة(4).
إن مادة ضل جاءت في اللغة على معانٍ متعددة، منها: ضاع، ومات، وصار ترابًا وعظامًا، وخفي وغاب، ونسي(5).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
إن الضلال والضلالة مصطلحان متقاربان، لكنهما يختلفان في نقاط، أهمها(6):
إن الضلالة والضلال يشتركان في أن كليهما يعني فقد ما يوصل إلى المطلوب، إلا أن الضلال يختص بأنه خطأ الشيء في مكانه دون الاهتداء إليه.
والضلالة بمعنى الهلاك والإضاعة، والضلال بمعنى الضياع والعدول عن الطريق المستقيم.
وعلى هذا فإن الضلالة أعم من الضلال، لكن الضلال أخص وأدق في طبيعة تشخيص أمراض الأمة، كما أنه محل هذه الدراسة، ومن ثم فقد فطن العلماء للفرق بينهما، وهذه بعض تعريفاتهم لمصطلح الضلال، وذلك فيما يأتي:
عرفه السيوطي رحمه الله بأنه: «اعتقاد الباطل حقًا، أو الكذب صدقًا، أو القبح جميلًا، وبالعكس» (7).
وعرفه الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى بأنه: «العدول عن الطريق المستقيم، ويضاده الهداية» (8).
وعرفه الجرجاني والمناوي رحمهما الله تعالى بأنه: «فقدان ما يوصل إلى المطلوب»(9).
وذكر البعض تعريفًا له بأنه: كل عدول عن النهج عمدًا أو سهوًا قليلًا كان أو كثيرًا(10).
وبالنظر إلى التعريفات السابقة لمصطلح الضلال يتبين أن التعريف الأخير هو الراجح؛ لموافقته المعنى اللغوي من جهة، ولاشتماله على جميع المعاني المتفرعة من مادة ضل في القرآن الكريم من جهة أخرى، والله أعلم.
الضلال في الاستعمال القرآني
وردت مادة (ض ل ل) في القرآن الكريم(191) مرة (11).
والصيغ التي وردت، هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| الفعل الماضي | 58 | ﴿وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧﴾ [المائدة: 77] |
| الفعل المضارع | 59 | ﴿لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ﴾ [النساء: 113] |
| المصدر | 48 | ﴿فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ﴾ [يونس: 32] |
| اسم الفاعل | 17 | ﴿وَٱغۡفِرۡ لِأَبِيٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٨٦﴾ [الشعراء: 86] |
| أفعل التفضيل | 9 | ﴿إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِۖ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤﴾ [الفرقان: 44] |
وجاء الضلال في القرآن الكريم على ثلاثة وجوه(12):
الأول: الضلال بمعناه اللغوي الذي هو ضد الهدى، وهو الحيرة والضياع والبعد عن الصواب، ويدخل فيه الغواية والخطأ والخسران وغير ذلك: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ﴾ [يس: 62].يعني: أغوى.
الثاني: الإبطال: ومنه قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ١﴾ [محمد: 1].يعني: أبطلها.
الثالث: الجهل أو النسيان: ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ﴾ [البقرة: 282] يعني: تنسى.
الألفاظ ذات الصلة
الغي:
الغي لغةً:
الإمعان في الضلال، قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ﴾ [النجم: 2].
فهو غاوٍ، وغويٌ وغيان، وأغواه أضله وأغراه(13).
الغي اصطلاحًا:
«سوء التصرف في الشيء، وإجراؤه على ما يسوء عاقبته» (14).
الصلة بين الغي والضلال:
الضلال أوسع دلالةً، إذ إنه يعني: أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقًا أصلًا، سواء أكان حكمًا أو عملًا، والغواية: أن لا يكون له إلى المقصد طريق مستقيم.
الكفر:
الكفر لغة:
الستر والتغطية، يقال لمن غطى درعه بثوب: قد كفر درعه، والمكفر: الرجل المتغطي بسلاحه، وهو ضد الإيمان، لأنه تغطية للحق(15).
الكفر اصطلاحًا:
«الجحود بالوحدانية أو النبوة، أو الشريعة، أو بثلاثتها»(16).
وقيل: هو تغطية الحق بالباطل، بما يكون نقيض الإيمان(17).
الصلة بين الكفر والضلال:
الضلال أوسع مضمونًا من الكفر؛ إذ إن الكفر يعني الجانب العمد من العدول عن المنهج، بما يكون نقيضًا للإيمان.
الشرك:
الشرك لغة:
مأخوذ من شرك، ومنه: «أشرك بالله: كفر أي: جعل له شريكًا في ملكه تعالى الله عن ذلك»(18)، وقد يأتي بمعنى المخالطة والنصيب، لكن المراد هنا هو الكفر.
الشرك اصطلاحًا:
تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه سبحانه(19).
الصلة بين الشرك والضلال:
الشرك والضلال يتفقان أن كونهما عدولٌ عن المنهج، لكن الضلال أعم كونه يشمل العدول سهوًا أو عمدًا، وأن الضلال العمد أعم من الشرك؛ إذ إن من الضلال ما لا يخرج من الدين، ومنه ما يخرج.
الهلاك:
الهلاك لغةً:
الموت، يقال: هلك هلاكًا، وهلكًا، وتهلوكًا وهلوكًا، واستهلك المال: أنفقه وأنفذه، وأهلكه: باعه، والمهلكة: المفازة(20).
الهلاك اصطلاحًا:
«تداعي الشيء إلى أن يبطل ويفنى» (21).
الصلة بين الهلاك والضلال:
الضلال أعم وأشمل من كون أن الهلاك يعني النفاذ والموت والإنفاق والبيع، فقد لا يترتب على فعله حكم شرعي، وقد يترتب، أما الضلال فهو جانب له علاقة بالقلب أولًا من كونه يترتب عليه حكم شرعي غالبًا.
الحق:
الحق لغة:
هو نقيض الباطل وخلافه، وهو مصدر من حق الشيء إذا ثبت وكان واجبا(22)، ولا يصح إنكاره، يقول ابن فارس: يدل على إحكام الشيء وصحته(23).
الحق اصطلاحًا:
هو الحكم المطابق للواقع في الأقوال والعقائد والأديان، ويقابله الباطل(24).
الصلة بين الحق والضلال:
الحق هو ضد الباطل، الذي أعم من الضلال، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير بتغير زمان أو مكان.
الضلال والهداية بيد الله تعالى
من الأمور المسلم بها أن الضلال والهداية بيد الله تعالى؛ فلا يضل أحدٌ إلا بعلمه، ولا يهتدي أحدٌ إلا بإذنه، وسوف يتم تناول هذا -إن شاء الله تعالى- بالتفصيل فيما يلي:
أولًا: الضلال والهداية بمشيئة الله تعالى:
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا صُمّٞ وَبُكۡمٞ فِي ٱلظُّلُمَٰتِۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضۡلِلۡهُ وَمَن يَشَأۡ يَجۡعَلۡهُ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الأنعام: 39].
أي: مثلهم في جهلهم، وقلة علمهم، وعدم فهمهم، كمثل أصم، وهو الذي لا يسمع، أبكم وهو الذي لا يتكلم، وهو مع هذا في ظلماتٍ لا يبصر، فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطريق أو يخرج مما هو فيه، ولهذا فهو المتصرف في خلقه بما يشاء(25).
وقوله: ﴿مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضۡلِلۡهُ﴾ دل على أنه شاء ضلال الكافر وأراده؛ لينفذ فيه عدله، وقوله: ﴿وَمَن يَشَأۡ يَجۡعَلۡهُ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ أي: على دين الإسلام؛ لينفذ فيه فضله، والمشيئة راجعة إلى الكاذبين، فمنهم من يضله ومنهم من يهديه(26).
وقال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنعام: 125].
أي: فمن يرد الله تعالى أن يكتب له الهداية التوفيقية فضلًا عن الإرشادية يشرح صدره، فيوسع قلبه لقبول الإيمان، والخير، وذلك أن الإنسان إذا اعتقد في عملٍ من الأعمال أن نفعه زائد، وخيره راجح، مال بطبعه إليه، وقويت رغبته فيه، فتسمى هذه الحالة سعة النفس وانشراح الصدر، والشرح نورٌ يقذفه الله تعالى في قلب العبد، فيعرف بذلك النور الحق، فيقبله وينشرح صدره له.
وأما من يريد الله تعالى أن يكتب له الضلالة فإنه يجعل صدره ضيقًا؛ حتى لا يدخله الإيمان، فليس للخير فيه منفذ(27).
وقد وردت آية أخرى قريبة من هذا المعنى، وهي قوله تعالى: ﴿مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا﴾ [الكهف: 17].
وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) (28)، ولا يكون ذلك إلا بشرح الصدر وتنويره(29).
وقد وضع القرآن الكريم عدة معالم في هذا الموضوع، منها:
1. لا هادي لمن أضله الله تعالى.
قد ورد معنى كون الهداية والإضلال بيده سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا﴾ [الإسراء: 97].
قال الإمام الرازي: «فالمقصود تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أن الذين سبق لهم حكم الله بالإيمان والهداية وجب أن يصيروا مؤمنين، ومن سبق لهم حكم الله بالضلال والجهل استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال، واستحال أن يوجد من يصرفهم عن ذلك الضلال» (30).
ثم تبين هذه الآية الكريمة أن هؤلاء الضالين الذين أضلهم الله تعالى سيسحبون يوم القيامة على وجوههم، أو يمشون بها، فكما مشوا في الدنيا على أقدامهم سيمشون يوم القيامة على وجوههم(31).
ثم تأتي الفاصلة القرآنية في هذه الآية لتبين عاقبة الضالين بأنهم «كلما أكلت لحومهم، فسكن لهبها، بدلوا أجسادًا أخر، ثم صارت ملتهبةً أكثر مما كانت» (32).
وإن هذه الآية الكريمة حالها كحال الآيات المكية، تبين أن الهداية هنا هداية إلى الإيمان، والضلال فهو استحباب الكفر على الإيمان، ولذلك فإن سحب الولاية المذكور في الآية يأتي في سياق أن الكافرين الضالين إذا اختاروا الضلالة سوف يكتب لهم الغواية، وسيستدرجون إلى مزيد من الذنوب؛ حتى يأخذهم الله تعالى للعذاب الأليم، يضاف إلى أن مبدأ النصرة لهم من دون الله تعالى محالٌ في حقهم.
2. عِلْم الله تعالى بالضالين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦۖ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ [الأنعام: 117].
فقد بينت الآية السابقة أن الرسول صلى الله عليه وسلم إن يطع أكثر أهل الأرض من كفار قريش فيما يدعونه إلى ملة آبائهم؛ فإن أكثر أهل الأرض كانوا كفارًا، وإن هؤلاء الكفار ما يتبعون إلا الظن في أكل الميتة واستحلالها، وما هم إلا كاذبون في استحلالهم الميتة(33).
وتأتي هذه الآية لتبين أن الله تعالى الذي هو رب كل شيءٍ، هو أعلم من يضل عن سبيل الله الذي هو الدين(34).
فهو يعلم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم على الهدى، وأن المشركين ضلوا عن سبيله، وفي هذا بشارةٌ للنبي محمد صلى الله عليه وسلم أنك على الصراط المستقيم، أما المشركون فهم الذين عدلوا عن الصراط المستقيم عمدًا وإمعانًا في الضلال(35).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ [القلم: 7].
أي: إن الله تعالى الذي هو ربك يا محمد صلى الله عليه وسلم هو أعلم بمن عدل عن طريق الحق وهو أعلم أيضًا بالمهتدين الذين يتبعون ذلك الحق.
والمقصود أن الله تعالى يبين بأنه هو الأعلم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأنه المهتدي وأن قومه هم الضالون(36).
3. الإضلال بعد إقامة الحجة بالرسل وورثتهم.
قد ورد ذكر الإضلال بعد إقامة الحجة جليًا في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: 4].
فالمعنى: لست يا محمد صلى الله عليه وسلم ببدعٍ من الرسل، وإنما أرسلناك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، على عادتنا في رسلنا، في أن نبعثهم بألسنة القوم الذين أرسلوا إليهم؛ ليقع البيان والعبارة المتمكنة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يطلب منه أن يبلغ ويبين، ولم يكلف أن يهدي ويضل، بل إن ذلك بيد الله تعالى، ينفذ فيه سابق قضائه، وله في ذلك العزة التي لا تعارض(37).
وإن من لطفه تعالى أنه يرسل إلى خلقه رسلًا منهم بلغاتهم؛ ليفهموا عنهم ما يريدون، وما أرسلوا به إليهم(38)، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لم يبعث الله عز وجل نبيًا إلا بلغة قومه)(39).
وقد أفردت كلمة «لسان» رغم إضافته إلى القوم؛ لأن المراد اللغة، وهي اسم جنس يقع على القليل والكثير(40).
وثمة سؤال يتم طرحه، وهو: كيف تذكر هذه الآية أنه ما من رسولٍ إلا ويبعث بلغة قومه، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى كافة الخلق، مع اختلاف لغاتهم؟ وجواب ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث من العرب بلسانهم، والناس تبعٌ لهم(41).
ثانيًا: نسبة الضلال إلى الإنسان:
قد ورد ذكر نسب الضلال إلى الإنسان جليًا في قوله تعالى: ﴿قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ﴾ [سبأ: 50].
أي: قل يا محمد صلى الله عليه وسلم إن عدلت عن الطريق الواضحة، فإن إثم ضلالتي وعدولي عن المنهج يكون على نفسي(42)، فإن ما تدينت به من الدين إن كان ضلالًا -كما تقولون- فإنما وبال ضلالي يعود إلى نفسي، فكيف أختار الوبال على نفسي، مع أنه لا جنون بي، ولا منفعة دنيوية تعود إلي؟!
وإن كان هذا هدايةً، فليس من قبل نفسي، ولا من عند أحدٍ من أهل هذا البلد؛ لأن ظاهر الأمر أني أميٌ ما كتبت ولا قرأت، فلا يمكن أن يكون هذا القرآن إلا مستقىً من الله تعالى وحيًا فلزم، بل وجب عليكم أن تتبعوني، فتهتدوا كما اهتديت(43).
إن الرد القرآني في هذه الآية الكريمة على الكفار -الذين زعموا أنه صلى الله عليه وسلم غير صادق في دعوى الرسالة، وأنه على ضلال- كان قاطعًا بأنه على هدىً، بقوله: ﴿قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: 49].
وانتقل هنا إلى متاركة جدالهم، وتركهم وشأنهم؛ لقلة جدوى مراجعتهم، وصيغة القصر هنا لتبين أن الضلال المفروض على نفسي لا عليكم؛ لأنهم كانوا يحاولون أن يقلعوه عما دعاهم إليه، ولم يقتصروا على صدودهم(44).
شراء الضلالة
ورد شراء الضلالة في موضعين من القرآن الكريم، وهما:
الأول: قوله تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ﴾ [البقرة: 16].
حيث إن هذه الآية جاءت في سياق الحديث عن المنافقين وصفاتهم؛ حتى حكم عليهم بأنهم أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى، فيكونون بذلك قد استبدلوا الكفر بالإيمان؛ لأن استبدالهم الضلالة بالهدى كان استحبابًا فيه، ومثل هؤلاء المنافقين في الوصف القرآني قوم ثمود؛ حيث قال الله تعالى فيهم: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ﴾ [فصلت: 17].
وتأتي الفاصلة القرآنية لتبين أن النتيجة عند الله تعالى أن صفقتهم في هذه البيعة كانت خاسرة، ومن ثم فإنهم لم يكونوا راشدين في صنيعهم ذلك(45)؛ إذ إنهم أضاعوا ما سعوا له، ولم يعرفوا ما يوصل إلى خير الآخرة، ولا ما يضر المسلمين، وهذا نداءٌ عليهم بسفه الرأي، وهو العلة لعدم ربح التجارة، حيث شبه سوء تصرفهم بسوء تصرف من يريد الربح، فيقع في الخسران(46).
قال السمرقندي رحمه الله: «وفي الآية دليل أن الشراء قد يكون بالمعنى دون اللفظ وهو المبادلة؛ لأن الله تعالى سمى استبدالهم الضلالة بالهدى شراء، ولم يكن هنالك لفظ شراء» (47)؛ ولذلك فإن الربح قد أسند إلى التجارة على عادة العرب في قولهم: ربح بيعك، وخسرت صفقتك، وهو من الإسناد المجازي(48).
الثاني: قوله تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 175].
حيث وردت هذه الآية في معرض الحديث عن اليهود عامة، وعلمائهم خاصة، فقد بينت الآية السابقة أن هناك وعيدًا شديدًا لمن كتم ما أنزل تعالى على رسله من العلم الذي أخذ الله تعالى الميثاق على أهله أن يبينوه ولا يكتموه، فيكونون يبتغون بذلك تحصيل المال، فمن تعوض عنه بالحطام الدنيوي، ونبذ أمر الله تعالى فإن هذا المال الذي يأخذونه نارٌ في بطونهم؛ لأنه اكتسابٌ حصل لهم بأقبح المكاسب، وأعظم المحرمات، وليس الأمر كذلك فحسب، بل يسخط الله تعالى عليهم، ويعرض عنهم يوم القيامة، ولا يطهرهم من الأخلاق الرذيلة، وفوق كل هذا أعد الله لهم عذابًا كثير الألم(49).
وتبين هذه الآية الكريمة جرأة اليهود في استهانتهم بعذاب النار، الذي أعده الله تعالى لهم، وفي ذلك يقول الإمام الرازي -رحمه الله تعالى-: «اعلم أنه تعالى لما وصف علماء اليهود بكتمان الحق وعظم في الوعيد عليه، وصف ذلك الجرم؛ ليعلم أن ذلك العقاب إنما عظم لهذا الجرم العظيم، واعلم أن الفعل إما أن يعتبر حاله في الدنيا أو في الآخرة، أما في الدنيا فأحسن الأشياء الاهتداء والعلم، وأقبح الأشياء الضلال والجهل، فلما تركوا الهدى والعلم في الدنيا، ورضوا بالضلال والجهل، فلا شك أنهم في نهاية الخيانة في الدنيا، وأما في الآخرة فأحسن الأشياء المغفرة، وأخسرها العذاب، فلما تركوا المغفرة ورضوا بالعذاب، فلا شك أنهم في نهاية الخسارة في الآخرة.
وإذا كانت صفتهم على ما ذكرناه، كانوا لا محالة أعظم الناس خسارًا في الدنيا وفي الآخرة، وإنما حكم تعالى عليهم بأنهم اشتروا العذاب بالمغفرة لأنهم لما كانوا عالمين بما هو الحق، وكانوا عالمين بأن في إظهاره وإزالة الشبهة عنه أعظم الثواب، وفي إخفائه وإلقائه الشبهة فيه أعظم العقاب، فلما أقدموا على إخفاء ذلك الحق كانوا بائعين للمغفرة بالعذاب لا محالة» (50).
ثم تأتي الفاصلة القرآنية باستفهام توبيخي، يعني: ما الذي أصبرهم، وأي شيء صبرهم على النار؛ حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل، ويحتمل أن يكون الاستفهام للتعجب والتقرير بأن الراضي بموجب الشيء لابد أن يكون راضيًا بمعلومه ولازمه، إذا علم ذلك اللزوم، فلما أقدموا على ما يوجب النار، ويقتضي عذاب الله تعالى مع علمهم بهذه العاقبة المنتظرة صاروا كالراضين بعذاب الله تعالى، والصابرين عليه(51).
إن ما بدر من علماء اليهود بهذه الصفقة الغبية أشبه بكونها صفقة يدفعون فيها الهدى، ويقبضون الضلالة، ويؤدون المغفرة ويأخذون فيها العذاب، فما أخسرها من صفقة وأغباها! ويا لسوء ما ابتاعوا وما اختاروا! وإنها لحقيقة، فقد كان الهدى مبذولًا لهم فتركوه وأخذوا الضلالة، وكانت المغفرة متاحة لهم فتركوها واختاروا العذاب.
الضلال المبين والبعيد
وصف الله تعالى في القرآن الكريم الضلال بأنه بعيدٌ تارةً، وبأنه مبين تارةً أخرى، وسيتم الوقوف إن شاء الله تعالى هنا على هذه المواضع كما وردت في السياق القرآني؛ لتجلية ما في ذلك من حكمٍ وأسرار أطلعنا الله تعالى عليها، وذلك فيما يأتي:
أولًا: وصف الضلال بالمبين:
وقد ورد ذلك في ستة عشر موضعًا، ومنها:
قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةًۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنعام: 74].
أتتنسك لصنمٍ تعبده من دون الله؟! إني أراك وكل السالكين مسلكك تائهين لا تهتدون أين تسلكون، بل أنتم في حيرة وجهلٍ، وأمركم في الجهالة والضلال، وهذا بينٌ واضحٌ لكل ذي عقلٍ سليمٍ(52).
كما وصف قوم نوحٍ نوحًا عليه السلام بالضلال بالمبين في قوله تعالى: ﴿قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [الأعراف: 60].
والقوم هنا هم قوم نوح عليه السلام، والمعنى: إنا لنراك يا نوح في دعوتك إيانا قد صرت من الضالين التائهين عن طريق الحق، وهكذا حال الفجار، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ﴾ [المطففين: 32](53).
كما وصفت امرأة العزيز بالضلال بالمبين في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [يوسف: 30].
إن هذا القول جاء على لسان نسوةٍ وصفًا لامرأة العزيز على حبها ليوسف عليه السلام، وتعلق قلبها به، لكن الله تعالى عصمه منها(54).
كما وُصِفَ أبو يوسف بالضلال المبين في قوله تعالى: ﴿إِذۡ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: 8].
والمقصود بالضلال هنا الذهاب عن وجه التدبير في إيثار اثنين على عشرة مع استوائهم في الانتساب إليه(55).
كما وصف الكافرين بالضلال المبين في قوله تعالى: ﴿أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَاۖ لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [مريم: 38].
والضلال هنا هو ضلال عن طريق الجنة بخلاف المؤمنين(56).
كما وصف قوم إبراهيم عليه السلام بالضلال المبين في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنبياء: 54].
الضلال هو العدول عن المنهج عدولًا ظاهرًا لا يخفى على عاقل(57).
كما وصف جنود إبليس بالضلال المبين في قوله تعالى: ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 97].
الضلال هنا هو الخطأ البين(58).
ويتبين -بعد الرجوع إلى تفسير بعض النماذج القرآنية التي وصفت الضلال بالمبين- الملاحظات الآتية:
الملاحظة الأولى: إن السواد الأعظم من الآيات التي وصفت الضلال بالمبين مكيةٌ؛ حيث بلغ عدد المكيات منها أربع عشرة آية، في مقابل آيتين مدنيتين.
الملاحظة الثانية: إن الضلال المبين الذي ورد في المواضع التي ذكر فيها تحتمل المعاني الآتية:
- البين الواضح لكل ذي عقلٍ سليم.
- الخطأ البين.
- الظاهر الذي لا يخفى على عاقل.
- الخسران الظاهر.
- الغواية الظاهرة.
- الضلال الظاهر الواضح.
- لا شبهة فيه.
- ذهابٌ عن الحق.
ولا شك أن جميعها تدور حول المعنى العام للضلال، الذي هو عدول عن المنهج عمدًا كان أو سهوًا، مما يبين أن الضلال له وجوه متعددة، متفرعة عن المعنى العام له؛ لتعالج الموقف المناسب بمعنىً يختص به.
ثانيًا: وصف الضلال البعيد:
وقد ورد ذلك في سبعة مواضع، منها:
وصف الله تعالى الكافرين بالضلال البعيد في قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا﴾ [النساء: 167].
أي: إن الذين كفروا بالله تعالى صدوا عن سبيله قد بعدوا عن المنهج بعدًا عظيمًا شاسعًا(59).
كما وصف الله تعالى الكافرين أيضًا بقوله: ﴿ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ﴾ [إبراهيم: 3].
الضلال هنا هو عدولٌ عن طريق الحق، وقيل: يجوز أن يراد بالضلال البعيد، أي: ذي بعدٍ، أو فيه بعدٌ؛ لأن الضال يبعد عن الطريق(60).
كما وصف الله تعالى قرين السوء بالضلال البعيد في قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ﴾ [ق: 27].
الضلال ثابت للإنسان الضال بالأصالة ملازم لتكوينه، والبعيد مستعارٌ للبالغ في قوة النوع حدًا لا يبلغ إليه إدراك العاقل بسهولة، كما لا تبلغ سير السائر إلى المكان البعيد إلا بمشقة أو بعيد الزمان، أي: قديم أصيل، والمعنى: إن تمكن الضلال منه يدل على أنه ليس فيه بتابع لما يمليه غيره عليه(61).
ويتضح هنا أن مصطلح الضلال البعيد في المواضع السابقة التي ذكر فيها يعني أحد خمسة احتمالات:
- إما أي ذي بعدٍ عن الحق والطريق المستقيم.
- وإما أنه ضلال قديم أصيل.
- وإما البعد عن الصواب.
- وإما الخروج عن الهدى والبعد عن القصد.
- وإما البعد عن الحق بعدًا عظيمًا.
ويتضح أيضًا أن للضلال البعيد أسبابًا، منها: استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، والصد عن سبيل الله تعالى والكفر به، والشرك بالله، والتحاكم إلى الطاغوت، والكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والدعاء من دون الله تعالى ما لا ينفع ولا يضر.
أنواع الضلال
ورد في القرآن الكريم ما يبين أن الضلال منه ما كان عن عمدٍ يحاسب عليه المرء عند الله تعالى، ومنه ما كان عن جهلٍ ونسيان، وتوضيح ذلك فيما يأتي:
أولًا: ضلال التعمد:
وقد أخذ هذا الموضوع مساحةً في الخطاب القرآني، ومن أمثلته:
1. ضلال قوم نوح عليه السلام.
قال تعالى: ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا﴾ [نوح: 27].
أي: إنك إن تتركهم دون أن تهلكهم، فأبقيت أحدًا منهم حيًا، سيدعون عباد الله تعالى المؤمنين إلى الضلال، ولا يلدوا إلا كفرةً فجرةً من أمثالهم، وهذا تعليلٌ لدعائه عليهم جميعًا بالهلاك(62).
فسيدنا نوحٌ صلى الله عليه وسلم عرف أن قومه لن يؤمنوا، بل سيزدادون في الكفر، من خلال أمرين: الأول: النص القرآني، كما قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ﴾ [هود: 36].
والآخر: الاستقراء؛ فقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، تعرف على طباعهم وجربهم، حيث كان القوم يتوارثون عمليات التضليل، والتكذيب لنبي الله نوح صلى الله عليه وسلم، وقوله: ﴿وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا﴾، أي: أنهم يكونون في علمك كذلك، أو أنهم سيصيرون كذلك، ولا شك أن هذا الطلب من نبي الله نوح صلى الله عليه وسلم يحمل معنىً عظيمًا في الرحمة بذرية القوم التي ستأتي تباعًا إن لم ينالوا عقابهم؛ حتى لا تحاسب هذه الذرية على ممارسات التضليل(63).
2. حرص أهل الكتاب على التضليل للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ﴾ [آل عمران: 69].
حيث تبين هذه الآية الكريمة أن فريقًا من أهل الكتاب كانوا يتمنون إضلال المؤمنين، وفتنتهم عن دينهم، بإلقاء الشبه التي توهن الاعتقاد(64)، والحال أن وبال ضلال هؤلاء المضلين عائدٌ عليهم، وأما نفس الضلال فمحالٌ؛ لأنهم يضلون المؤمنين بالانتقال من الإيمان إلى الكفر، وهم لا يعرفون الإيمان قط(65).
3. الوصف بالضلال لمن أمعن في الكفر.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ﴾ [آل عمران: 90].
ومقصود هذه الآية فيه «أربعة تأويلات:
أحدها: أنهم اليهود كفروا بالمسيح، ثم ازدادوا كفرًا لمحمد، لن تقبل توبتهم عند موتهم، وهذا قول قتادة.
الثاني: أنهم أهل الكتاب لن تقبل توبتهم؛ لذنوبٍ ارتكبوها مع الإقامة على كفرهم، وهذا قول أبي العالية.
الثالث: أنهم قومٌ ارتدوا ثم عزموا على إظهار التوبة على طريق التورية، فأطلع الله نبيه على سريرتهم، وهذا قول ابن عباس.
الرابع: أنهم اليهود والنصارى كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفرًا إلى حضور آجالهم، وهذا قول الحسن» (66).
والذي يترجح من خلال السياق القرآني أن رأي الحسن هو الأقرب إلى الصواب؛ ولذلك وصفوا بعد كل ما صدر منهم بأنهم هم الضالون(67) الذين عدلوا عن المنهج الحق عمدًا وظلمًا.
ثانيًا: ضلال الجهل والنسيان:
ورد ضلال الجهل والنسيان في القرآن الكريم من خلال جوانب عديدة، منها:
1. الضلال في حق النبي صلى الله عليه وسلم معناه الجهل بالأحكام الشرعية.
قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: 7].
ويترجح أن الضلال هنا يعني أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم كان ضالًا جاهلًا عن علم الشرائع والأحكام في دين الله تعالى، فهداه الله تعالى إلى ذلك.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الشورى: 52](68).
2. تعليم الله للمؤمنين شرائعهم حتى لا يضلوا.
قال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ أَن تَضِلُّواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ﴾ [النساء: 176].
إن الله تعالى يذكر في هذه الآية الكريمة سبب تولي القرآن الكريم لبيان أحكام الميراث، وهو ألا يذهب الناس إلى طرقٍ ضالةٍ بأمور، منها إهمال الميراث جملةً، وألا يعطوا أحدًا من الورثة شيئًا، وجعل الحرية للمورث يوصي بماله لمن يشاء من غير قيد، وفي ذلك ضلالٌ أي ضلالٍ، إذ يترك ورثته ضياعًا، ويعطي المال غيرهم، وحرمان من يشاء المورث وإعطاء من يشاء، وفي ذلك إثارة للبغضاء والعداوة(69).
وتأتي هذه الآية الكريمة في فاصلتها لتبين أنه تعالى يبين أحكامه التي يحتاجونها، ويشرحها فضلًا منه وإحسانًا؛ لكي يهتدوا ببيانه، ويعملوا بأحكامه، ولأن لا يضلوا عن الصراط المستقيم بسبب جهلهم وعدم علمهم(70).
ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)(71).
3. الشعور بالضلال عند الصدمة.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوٓاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ [القلم: 26].
فإن هذه الآية جاءت في معرض الحديث عن ابتلاء أصحاب الجنة، حيث اجتهدوا في اجتماعاتهم السرية على أن يمنعوا الفقراء من حقهم في خيرات جنتهم، وتعاهدوا فيما بينهم أن يأتوا صباح اليوم التالي لمؤامرتهم، فيقطفوا جميع الثمار ويبيعوها أو يدخروها؛ حتى لا ينتفع الفقراء من هذا الخير، فأحرقت بأمر الله تعالى ليلًا، فلما رأوها في اليوم التالي قالوا: إنا لضالون عن الطريق، من قوة الصدمة، كأنهم لما رأوا جنتهم محترقة سبق إلى ذهنهم أنها ليست هي، وأنهم ضلوا الطريق، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا: بل نحن من حرم خيرها؛ لشؤم عزمنا على البخل، وبسبب ما وقع منا من العزم على منع المساكين من خيرها، ولخساستنا وخباثة نفوسنا، وبعدما بان لهم ذلك، قال أعدلهم رأيًا وعقلًا على وجه التقريع والتشنيع لإخوانه: ألم أقل لكم وقت مشاورتكم على حرمان الفقراء هلا تذكرون الله تعالى بالخير، ولم لا تشكرون نعمه بالإنفاق على الفقراء(72).
4. ضلال المرأة بنسيانها.
قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ﴾ [البقرة: 282].
ووجه قوله: ﴿أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ﴾، أنه لما كان الضلال سبب الإذكار، وهو متقدم عليه صار لتعلق كل واحدٍ منهما بالآخر، أي: فتذكرها إن ضلت(73).
5. ضلال المسلمين عن معرفة أحكام الدين قبل الإسلام.
قال تعالى: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ [البقرة: 198].
أي: لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده، فما دام الأمر كذلك فاذكروا الله تعالى بتوحيده وتعظيمه كما ذكركم بالهداية، وما كنتم من قبله إلا من الضالين، والضلال هنا بمعنى الجهل بالمعارف الحقيقية(74).
وإن الشاهد هنا هو فاصلة الآية التي تطلب من المسلمين أن يذكروا الله تعالى؛ لهدايته لهم الإرشادية لأحكام الدين بعد هدايته التوفيقية للإسلام.
أسباب الضلال
ورد في القرآن الكريم ما يبين أسباب الضلالة، ومنها:
أولًا: مخالفة أمر الله تعالى ومعصيته:
ورد الحديث عن مخالفة أمر الله ومعصيته واضحًا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 36].
فقد وردت هذه الآية بعد الآية التي سميت آية النساء؛ لما ثبت أن أم عمارة الأنصارية أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء، فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35] الآية(75).
وتأتي هذه الآية لتبين أنه ما صح وما استقام لرجل ولا امرأة من المؤمنين والمؤمنات إذا قضى رسول الله أن يختار رأيًا غير ما قضاه الله ورسوله(76).
ولما كان الإيمان قد يدعى كذبًا لخفاء به، قال: ﴿لِمُؤۡمِنٖ﴾ أي: عبد الله بن جحش وزيد، ﴿وَلَا مُؤۡمِنَةٍ﴾، أي: زينب بنت جحش وغيرها، فعلق الأمر بالإيمان؛ إعلامًا بأن من اعترض غير مؤمن، وإن أظهر الإيمان بلسانه(77).
والخيرة هنا تعني أن يختاروا من أمرهم ما شاؤوا، بل يجب عليهم أن يجعلوا آراءهم واختيارهم تبعًا لرأيه عليه السلام، واختياره، والمقصود هنا كل مؤمن وكل مؤمنة؛ لوقوع ذلك في سياق النفي(78).
إن هذه الآية تبين أن من يعص الله ورسوله في أمر من الأمور، ويعمل برأيه، فخالف الكتاب والسنة، فقد ضل طريق الحق، وعدل عن الصراط المستقيم؛ فهو بين الانحراف عن سنن الصواب(79).
ثانيًا: عدم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم:
لقد برز عدم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واضحًا في قوله تعالى: ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النور: 54].
تأتي هذه الآية في معرض الحديث عن المنافقين، بأنهم أقسموا بالله طاقة ما قدروا، لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا ونسائنا وأموالنا لخرجنا، ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا، فيقول الله تعالى لهم: لا تقسموا، فإن الأولى بكم من إيمانكم أن تطيعوا الطاعة المعروفة، والقول المعروف، بإخلاص القلب، ولا حاجة إلى اليمين، والمعنى: قد عرفت طاعتكم، وهي الكذب والتكذيب، أي: المعروف منكم الكذب دون الإخلاص، فالله تعالى خبير بما تعملون من طاعتكم بالقول، ومخالفتكم بالفعل(80).
لأن طاعة الله وطاعة الرسول بإخلاص الطاعة، وترك النفاق، فإن تولوا فإنما على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما حمل من تبليغ الرسالة، وعليهم ما حملوا من الطاعة له، ثم يأتي هذا الشرط وهو إن تطيعوا رسولكم صلى الله عليه وسلم تهتدوا، وما على الرسول إلا التبليغ المبين(81).
وقد سبقت الإشارة إلى أن الهداية تأتي في مقابل الضلالة بكل جوانبها، ومن ثم فإن الاستدلال بهذه الآية يكون من باب المخالفة.
وقد كان بعض السلف يقول: من أَمَّرَ السنة على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالحكمة، ومن أمر البدعة والهوى على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالبدعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ﴾ (82).
ثالثًا: اتباع الهوى:
لقد ورد اتباع الهوى في آيات عديدة، منها:
قوله تعالى: ﴿قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡۙ قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ [الأنعام: 56].
أي: قل إني صرفت وزجرت بما نصب لي من الأدلة وأنزل علي من الآيات في أمر التوحيد عن عبادة ما تعبدون من دون الله تعالى، أو ما تسمونها آلهة، وتأتي ﴿قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡۙ﴾ تأكيدًا لقطع أطماعهم، وإشارة إلى علة الامتناع عن متابعتهم، واستجهالًا لهم، وبيانًا لمبدأ ضلالهم، فإن المطلوب لمن تحرى الحق أن يتبع الحجة ولا يقلد(83).
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ﴾ [الأنعام: 119].
أي: وإن كثيرًا من الكافرين ليعدلون عن المنهج المستقيم، متسلحين بما تهواه أنفسهم من تحيل الميتة وتحريمها بغير علم يعتمدونها في ذلك، ثم تأتي الفاصلة القرآنية ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ﴾، أي: بالمتجاوزين حدودهم، الذين تسلحوا بالهوى(84).
وقال تعالى: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ﴾ [ص: 26].
أي: يا داود صلى الله عليه وسلم إنا جعلناك خليفةً في الأرض لتدبر الناس بأمرٍ نافذ الحكم فيهم، حيث يأمر الله تعالى أن يحكم بين الناس بالعدل، وألا يميل مع ما يشتهي إذا خالف أمر الله تعالى، فيضله ذلك الهوى عن دين الله تعالى وطريقه جل جلاله، ثم تأتي الفاصلة القرآنية لتبين أن الذين تركوا الإيمان بيوم الحساب، فضلوا عن هذا الدين لهم عذابٌ شديدٌ يوم القيامة(85).
وقال تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 23].
أي: إنما يأتمر بهواه فمهما رآه حسنًا فعله، ومهما رآه قبيحًا تركه، فيكون بذلك قد استحق إضلال الله تعالى له على علمٍ منه، بأنه يضله لعلمه أنه يستحق ذلك، أو أنه يضله الله بعد بلوغ العلم إليه، ولا شك أن الثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس(86).
رابعًا: اتباع الشيطان:
لقد ورد اتباع الشيطان واضحًا في آياتٍ عديدة، منها:
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ ٣ كُتِبَ عَلَيۡهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾ [الحج: 3-4].
حيث جاءت هذه الآيات إثر بيان عظيم شأن الساعة المنبئة عن البعث بيانًا لحال بعض المنكرين لها، حيث بينت أن بعض الناس من يجادل في شأن الله تعالى، ويقول فيه ما لا خير فيه من الأباطيل ملابسًا بغير علمٍ، أي: دون دليلٍ من القرآن الكريم أو من السنة النبوية، ويتبع فيما يتعاطاه من المجادلة، أو في كل ما يأتي، وما يذر من الأمور الباطلة، التي من جملتها اتباع كل عاتٍ متمرد متجرد للفساد، والمراد هنا إما رؤساء الكفر الذين يدعون من دونهم إلى الكفر؛ فهم شياطين الإنس، وإما إبليس وجنوده؛ فهم شياطين الجن(87).
وقال تعالى: ﴿وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ﴾ [القصص: 15].
إن هذه الآية تبين أن نبينا موسى صلى الله عليه وسلم بعد أن بلغ أشده واستوى وأوتي من الحكم والعلم الشيء الكثير -وأن هذا جزاء كل محسن في طاعته- قد دخل المدينة على حين غفلة من أهلها، إما وقت مقولته، أو غير ذلك من الأوقات التي بها يغفلون عن الانتشار، ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ﴾، أي: يتخاصمان ويتضاربان، ﴿هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ﴾ من بني إسرائيل، ﴿وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ﴾ من القبط، ﴿فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ﴾؛ لأنه قد اشتهر وعلم الناس أنه من بني إسرائيل.
واستغاثته لموسى صلى الله عليه وسلم دليل على أنه صلى الله عليه وسلم بلغ مبلغًا يخاف منه، ويرجى من بيت المملكة والسلطان، فوكز الذي من عدوه استجابةً لاستغاثة الإسرائيلي، فأماته من تلك الوكزة؛ لشدتها وقوة موسى صلى الله عليه وسلم، فندم موسى عليه السلام لما جرى منه، وقال هذا من تزيين الشيطان، بوسوسته، فلذلك أجريت ما أجريت، بسبب عداوته البينة، وحرصه على الإضلال(88).
وقال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا﴾ [النساء: 60].
أي: ألم تر يا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بالقرآن والتوراة، ووصفهم بادعاء الإيمان بالقرآن؛ لتأكيد العجيب من حالهم، وتشديد التوبيخ والاستقباح؛ لبيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتمًا للتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين ما صدر عنهم من مخالفة الأمر المحتوم، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت الداعي إلى الطغيان، بالحكم على خلاف المنزل إليك، والمنزل على من قبلك، فيعصون الله تعالى، ويطيعون الشيطان، ويريد الشيطان جنًا كان أو إنسًا أن يضلهم ضلالًا بعيدًا عن الحق والهدى(89).
وقال تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ﴾ [النساء: 119].
أي: لأحرفنهم عن دين الله تعالى إلى دينٍ شرعه لهم إبليس كهيئة البحائر والسوائب(90)، وقيل: لأضلنهم عن الحق، ولأمنينهم الأماني الباطلة، كطول الحياة، وألا بعث ولا عقاب، ومعنى ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾: يشقون آذان الأنعام؛ لتحريم ما أحل الله تعالى (91).
خامسًا: اتباع الكبراء والرؤساء:
قد برز اتباع الكبراء والرؤساء واضحًا في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠﴾ [الأحزاب: 67].
تبين هذه الآية الكريمة أن الكبراء والسادة هم الذين لقنوا الكافرين الأتباع، والتعبير عنهم بعنوان السيادة والكبر؛ لتقوية الاعتذار، وإلا فهم في مقام التحقير والإهانة، وقد قرئ «سادة»؛ و«سادات» على جمع الجمع -كما ورد عن ابن عامر الشامي-؛ للدلالة على الكثرة، تم تأتي الفاصلة القرآنية لتبين اعتراف الأتباع بأن الكبراء والسادة الذين هم رؤساؤهم في الشرك والشر، صرفوهم عن طريق الإسلام والتوحيد، بما زينوه لهم من الكفر والشرك، ولا شك أن حال الأتباع حينما قالوا كانت معاناة، وقسوة، وشدة في العذاب في النار(92).
ويلاحظ في هذه الآية الكريمة أن الكفار ينادون الله تعالى بصفة الربوبية؛ لأنهم يتحننون إليه، ويتوسلون إليه تعالى؛ لعل هذه الغمة تذهب عنهم، وتبين هذه الآية الكريمة أن الأتباع يقولون عن السادات والكبراء بأنهم أضلوهم السبيل؛ ليبينوا أنهم كانوا الحريصين على الإسلام، لكن قادة الكفر قد نصبوا المصائد والفخوخ والمشانق؛ حتى يحرفوهم عن الحق.
سادسًا: اتباع الآباء:
وقد ورد اتباع الآباء واضحًا في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٦٦ ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا لَشَوۡبٗا مِّنۡ حَمِيمٖ ٦٧ ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ لَإِلَى ٱلۡجَحِيمِ ٦٨ إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ﴾ [الصافات: 66-69].
حيث إن الآية التاسعة والستين جاءت تعليلًا بما جازى الله تعالى الكافرين به من العذاب، وإبداءً للمناسبة، بينه وبين جرمهم، فإن جرمهم كان تلقيًا لما وجدوا عليه آباءهم من الشرك وشعبه، بدون نظر ولا اختيار لما يختاره العقل، فكان جزاؤهم أنهم يطعمون طعامًا مؤلمـًا، ويسقون شرابًا قذرًا، بدون اختيارٍ منهم، كما تلقوا دين آبائهم تقليدًا واعتباطًا(93).
فإن أولئك القوم وجدوا آباءهم على ضلالة، فهم على آثار آبائهم يسرعون، ولقد ضل عن قصد السبيل قبلهم من الأمم الخالية(94).
وبعد كل ما تقدم من بيان تقليدهم لآبائهم في الكفر، يتضح أنهم عريقون في الضلالة، وهم في الوقت ذاته مقلدون، لا يفكرون ولا يتدبرون، بل يطيرون معجلين يقفون خطى آبائهم الضالين غير ناظرين، ولا متعقلين، وقد كان ضلالهم بعد الإنذار والتحذير، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ٧٢ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ﴾ [الصافات: 72-73].
مجالات الضلال
ويقصد بمجالات الضلال هنا تلك الجوانب التي يقع فيها انحراف وضلال، وهي:
أولًا: العقائد:
سنتناول هنا بيان ضلال الكافرين عن اتباع الدين، في أصوله ومعتقداته؛ حيث إن القرآن الكريم بين ضلالهم من خلال جوانب عديدة، منها:
1. ضلالهم بالكفر بكل الدين مجمله ومفصله.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا﴾ [النساء: 136].
والضلال هنا بعدٌ عن الحق، وقد جاء في رأس هذه الآية أمرٌ للمؤمنين بأن يؤمنوا بالله تعالى، أي: يثبتوا على الإيمان، كأن تقول للرجل الواقف: اثبت واقفًا، وقال البعض: هو خطابٌ للمنافقين، الذين آمنوا باللسان أن يؤمنوا بالقلب، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه خطابٌ لأهل الكتاب، أي: أنهم كما آمنوا بموسى وعيسى -عليهما السلام-، يؤمرون في هذه الآية بأن يؤمنوا بمحمد، والكتاب الذي نزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن، والكتاب الذي أنزل من قبل، أي: كل الكتب المنزلة من قبل القرآن(95).
2. الضلال بعبادة غير الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [الأعراف: 149].
ولما ندم الذين عبدوا العجل الذي وصف جل ثناؤه صفته عند رجوع موسى صلى الله عليه وسلم إليهم، واستسلموا لموسى صلى الله عليه وسلم، وحكمه فيهم، ورأوا أنهم قد جاروا عن قصد السبيل، وذهبوا عن دين الله تعالى، وكفروا بربهم، عندها قالوا تائبين إلى الله تعالى، منيبين إليه من كفرهم به: ﴿لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ (96).
وفي هذه الآية دليلٌ على أن بني إسرائيل الذين اجتازوا البحر مع نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم، ونجوا بفضل الله تعالى من فرعون وقومه، قد ضلوا حينما أخرج لهم السامري عجلًا جسدًا له خوارٌ، وقال لهم: هذا إلهكم وإله موسى، وبعد تلبسهم بعبادته أرادوا أن يرجعوا إلى الله تعالى تائبين منيبين، وقبل أن يقبل الله تعالى توبتهم رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا؛ لأن الله تعالى كان قد أخبره أن قومه قد فتنوا، وأن السامري قد أضلهم؛ فكان حال رجوعه حال غضبٍ وأسف، فلا تنفع بني إسرائيل الشرائع ما داموا قد كفروا بالعقائد؛ ولذلك ألقى الألواح وفعل ما فعل بأخيه هارون، إذ إنه أوصاه قبل أن يذهب إلى ربه أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين، فابتدره أخوه هارون صلى الله عليه وسلم قائلًا له: ﴿ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأعراف: 150].
وعندها استغفر موسى صلى الله عليه وسلم له ولأخيه هارون صلى الله عليه وسلم وطلب أن يدخلا في رحمة الله تعالى.
وقد ورد في آياتٍ أخرى أنه ليس هنالك أضل ممن يدعو من دون الله تعالى من لا ينتصر ولا يستجيب، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّن يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسۡتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَهُمۡ عَن دُعَآئِهِمۡ غَٰفِلُونَ﴾ [الأحقاف: 5].
والمراد: ليس هناك أضل ممن يقف أمام الأصنام والأوثان، ويطلب منهم الرزق والخير، وما شابه؛ لأنهم لا يمكن أن يستجيبوا له إلى يوم القيامة، فهم لا يسمعون، ولا يفهمون؛ إذ إنهم غافلون(97).
وقد وردت آية أخرى في السياق نفسه تبين أن الذي يختار الكفر بعد إيمانه فهو ضالٌ، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [البقرة: 108].
حيث قيل في معنى هذه الآية: إنه من يتبدل الشدة بالرخاء فقد عدل عن السبيل(98)، وقيل: من يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما لا يعنيه بعد وضوح الحق فقد ضل سواء السبيل(99)، والراجح أن الكفر هنا ما هو مخرجٌ من الملة، وإن كان السياق القرآني حمالًا للمعاني السابقة.
3. ضلال الكافرين في يأسهم من رحمة الله.
قال تعالى: ﴿قَالَ وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ﴾ [الحجر: 56].
حيث إن نبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين طلب من ضيوفه الملائكة بعدما بشروه بغلامٍ عليم -وهو النبي إسحاق صلى الله عليه وسلم - أن يبينوا له بأي شيء يبشرون؟ فقالوا له: بشرناك بالصدق، فلا تكن من اليائسين من رحمة الله تعالى، فأجابهم بسؤال فيه دهشة واستغراب، ومن ييأس من رحمة ربه إلا الضالون الجاهلون الذين خسروا الدنيا والآخرة؟! حيث إن القنوط من رحمة الله تعالى كبيرةٌ، سيما إذا كان من جهة الولد(100).
4. حكم الله تعالى على الضالين بأنهم لن يهتدوا.
قال تعالى: ﴿إِن تَحۡرِصۡ عَلَىٰ هُدَىٰهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَن يُضِلُّۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ﴾ [النحل: 37].
أي: إن تحرص يا محمد صلى الله عليه وسلم على هدى هؤلاء المشركين على الإيمان بالله تعالى، واتباع الحق، فإن من أضله الله تعالى لا هادي له، فلا تجهد نفسك في أمره، وبلغه ما أرسلت به؛ لتتم الحجة، ثم إنهم ما لهم من ناصرٍ ينصرهم من الله تعالى إذا أراد عقوبتهم(101).
5. المفاصلة العقدية بين الحق والباطل.
قال تعالى: ﴿فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ﴾ [يونس: 32].
أي: هذا الدين كله الالتزام به هو الحق، وليس هؤلاء الذين جعلتموهم معه شركاء، فماذا بعد عبادة الله تعالى الحق إلا الضلال الذي هو عبادة الشيطان، فكيف تصرف عقولكم إلى عبادة من لا يرزق ولا يحيي ولا يميت؟!(102).
ثانيًا: الأحكام الشرعية:
نتناول هنا بيان ضلال المضلين في الأحكام الشرعية، التي تعتبر المفصل للعقائد، التي سبق ذكر بعضها، ومن هذه الأحكام الشرعية: العبادات، والمعاملات.
وسيتم الوقوف على كل واحدٍ من هذين التفرعين، بما يعالج هذا الموضوع -إن شاء الله تعالى-.
أما العبادات: فقد وردت آية توضح ضلال المتمسكين بغير الله تعالى، وهم يظنون أن هذا خيرٌ لهم عند الله تعالى، قال الله عز وجل: ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [يونس: 18].
أي: ومن شأن المعبود القدرة على النفع والضر، وليس هذا متوفرًا لدى الأوثان، التي هي جمادٌ لا تقدر على فعل أي شيء، فهلا تخبرون الله تعالى بكونهم شفعاء عنده، وهذا إنباء بما ليس بمعلوم الله تعالى، فإن قيل: كيف أنبأوا الله بما لا يعلم؟
فالجواب هو أن هذا تهكمٌ بهم، وبما ادعوه من الحال الذي هو شفاعة الأصنام، وإعلام بأنه الذي أنبأوا به باطل؛ فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق علمه به، كما يخبر الرجل بما لا يعلمه(103).
وأما المعاملات: فقد ورد ذلك في آياتٍ تبين أن العلاقة بين الإنسان وربه ليست علاقة ضلال؛ لأن الله تعالى يبين الحق من الباطل؛ فإما أن يشكر الإنسان فيهتدي، وإما أن يكفر فيضل، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 115].
هذه الآية من تتمة ما تقدم من تأكيد مباينة المشركين، والبراءة منهم، وترك الاستغفار؛ وذلك لأنهم حقت عليهم الكلمة، حيث قامت عليهم الحجة بإبلاغ الرسول إليهم ما يتقون، ودلالته إياهم على الصراط السوي، فضلوا عنه فأضلهم الله، فاستحقوا عقابه، إنه تعالى عليمٌ بجميع الأشياء(104).
وليس من قبيل العادة في القرآن الكريم أن يصف الله تعالى المشركين بأنهم ضالون عن طريق الحق، وأن أحكامه تجري عليهم بعد أن هداهم للإسلام؛ حتى يبين لهم بالوحي صريحًا أو دلالةً ما يجب اتقاؤه من محظورات الدين، فلا ينزجر أحدٌ عما نهي عنه قبل إنزال الشرائع الحقة؛ لأنه لا يسمى ما صدر عنهم ضلالًا، ولا يؤاخذون به، فكأنه تسليةٌ للذين استغفروا للمشركين قبل ذلك، وفيه دليلٌ على أن الغافل غير مكلف بما لا يستند بمعرفته العقل(105).
ثم وردت آية أخرى في سياق الضلال في المعاملات، تبين العلاقة بين الناس بعضهم لبعض، بين فريق المؤمنين المهتدين، وبين فريق الكافرين الضالين، فقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة: 105].
أي: الزموا أمر أنفسكم وإصلاحها، واحفظوها من ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب، فواجبٌ عليكم أنفسكم(106).
والضلال هنا ليس ضلال الكفر، ولكن في الضلال عن الحق في الإسلام؛ لأن من المسلمين من يقصرون فيجب دعوتهم إلى الحق، وإذا لم يلتزموا فعندها لا يضر من دعاهم هذه الضلالة التي هم فيها(107).
وقد وردت آية كريمة تبين أن المشركين حينما أقيمت عليهم الحجة بأمرهم بالإنفاق في سبيل الله تعالى توطئةً لأمرهم بالإسلام إذا بهم يقلبون الحق ضلالًا، وهذه الآية هي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥٓ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [يس: 47].
فإن هذه الآية تأتي في سياق الحديث عن المشركين الذين من الكفر ما بلغوا؛ حيث تبين أنهم إذا قيل لهم من قبل المؤمنين الداعين إلى الله تعالى: أنفقوا مما منحكم الله تعالى من الرزق، وهذا لإقامة الحجة عليهم؛ لبيان ضلالهم؛ إذ إنه ليس بعد الكفر ذنب، حينها يردون على المؤمنين بقولهم: إذا لم يشأ الله أن يطعمهم لم نطعمهم؟ ثم تأتي الفاصلة القرآنية لتبين أن المشركين وصلوا إلى عمىً عن الحقيقة؛ حتى قلبوا الموازين فقالوا للمؤمنين: ما أنتم إلا غارقون في الضلال البائن بينونةً واضحةً(108).
ثالثًا: الأخلاق:
ورد في القرآن الكريم ما يبين أن أهل الضلال لازمهم صفة البعد الكامل عن الأخلاق، كما أن القرآن الكريم بين أن الدعاة استخدموا مصطلح الضلالة في دعوتهم لأقوامهم، وسيتم الوقوف -إن شاء الله تعالى- هنا على بعض النماذج القرآنية لكل نقطة من النقطتين السابقتين، وذلك فيما يأتي:
- استهزاء أهل الضلال بالرسول صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 41-42].
حيث يبين الله تعالى في هاتين الآيتين أن المشركين إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم لا يتخذونه إلا هزوًا، متسائلين سؤالًا فيه عدم تقدير، أهذا الذي بعث الله رسولًا، ثم يتمادون في قلة أدبهم، وبشاعة ألفاظهم، وزيادة تعديهم على حدود الإنسانية، بقولهم: لقد كاد محمد صلى الله عليه وسلم أن يصرفنا عن طريق الحق، وعن عبادتنا، ولكننا حبسنا أنفسنا على عبادتها، ويبين الله تعالى أنهم سوف يعلمون حين يرون العذاب -وكانت يوم بدر-من أضل دينًا؟ أهم أم محمد صلى الله عليه وسلم(109)، ويجوز أن يكون العذاب في الآخرة عند الله تعالى(110).
- استخدام مصطلح الضلال في دعوة الدعاة لأقوامهم.
وقد ورد ذلك في حق نبي الله تعالى موسى صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الشعراء: 20].
أي: «قال موسى لفرعون: فعلت تلك الفعلة التي فعلت، أي: قتلت تلك النفس التي قتلت إذًا وأنا من الضالين. يقول: وأنا من الجاهلين قبل أن يأتيني من الله وحي بتحريم قتله علي» (111).
ولا شك أن هذا المصطلح يحمل بين جنباته تأدبًا عظيمًا من النبي موسى صلى الله عليه وسلم؛ إذ إنه حسم النقاش بكونه فعل تلك الفعلة، وكان من الجاهلين عن معرفة ذلك الحكم، فهو يبين أن عذره فيما فعل كونه جاهلًا، ولم تأته الرسالة بعد.
وقد ورد في القرآن الكريم ما يبين أن العبد الصالح الذي انتصر للرسل الثلاثة الذين كذبهم قومهم، قال لقومه: إن اتخذت آلهةً من دون الله تعالى إني إذًا لمن المنحرفين عن المنهج، والكافرين بالله، حيث قال تعالى: ﴿إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ [يس: 24].
مظاهر الضلال
إن الضلال بكل جوانب معناه الشامل تتحدد له مظاهر، يحكم من خلالها على أن هذا المظهر دالٌ على الضلال، وسيتم هنا -إن شاء الله تعالى- توضيح لكل مظهرٍ على حدة، من خلال الآتي:
أولًا: الشرك بالله تعالى:
إن الشرك بالله تعالى من الأمور التي يصل من خلالها الإنسان إلى الضلال الكبير، ويمكن توضيح هذه الظاهرة من خلال ما يأتي:
1. تفضيل الحياة الدنيا على الآخرة، والصد عن سبيل الله يؤدي إلى الضلال.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ [إبراهيم: 30].
إن كفار قريش وأمثالهم ممن هم على طريقتهم نفسها قد جعلوا لله تعالى أمثالًا في العبادة، أو في التسمية، وكل هذا لأجل الإضلال عن طريق الحق(112).
وإن الإضلال عن سبيل الله يعني الإضلال عن التوحيد، حيث يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم على سبيل التوبيخ بأن يتمتعوا بشهواتهم وعبادة الأوثان، والأمر يحمل معنى التهديد أيضًا إيذانًا بأن المهدد عليه كالمطلوب للإفضاء إلى المهدد به، وأن الأمرين كائنان لا محالة، ولذلك علله بقوله: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ﴾، وأن المخاطب لانهماكه فيه كالمأمور به من أمر المطاع(113).
2. الإشراك بالله تعالى ضلالٌ بعيد.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116].
هذه الآية تعقيب على الآية السابقة؛ للإشارة إلى أن المراد باتباع غير سبيل المؤمنين اتباع سبيل الكفر، من شرك وغيره، فعقبه بالتحذير من الشرك(114).
ومعنى الآية إذًا: فقد سلك غير طريق الحق، وضل عن الهدى، وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدارين(115)، وإن كل ذنبٍ قابلٌ للغفران إلا الإشراك بالله تعالى، وعبادة غيره، ومعاندة رسول الله الحق، فإن الله تعالى من شأنه المغفرة إلا أن يشرك في عبادته، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء(116).
ثانيًا: عبادة الأصنام والأوثان:
وقد برز ذلك واضحًا في آياتٍ، منها:
قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةًۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنعام: 74].
أي: اذكر أيها الرسول لهؤلاء المشركين الذين تبين لك بالحجج بطلان شركهم، حين قال إبراهيم عليه السلام لأبيه آزر منكرًا عليه وعلى قومه شركهم وعائبًا عليهم جميعًا عبادة الأصنام دون الله تعالى، ثم قال له: إني أراك وقومك الذين يعبدون هذه الأصنام في ضلال عن الصراط المستقيم؛ فهو ضلالٌ بينٌ لا شبهة فيه للهدى(117).
وقال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ ٣٥ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [إبراهيم: 35-36].
وهذا دعاءٌ من نبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم لله تعالى أن يجعل مكة المكرمة بلدًا آمنًا، وأن يباعده الله تعالى وبنيه عن عبادة الأصنام، ثم تعلل الآية الثانية بأن هذه الأصنام أضلت عن الطريق المستقيم كثيرًا من الناس، وتأتي الفاصلة القرآنية لتدلل على تأدب نبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم في الطلب من الله تعالى لصالح بنيه، حيث يقول: من اتبع منهجي التوحيدي لله فهو مني، ومن عصاني بضلاله أو إضلاله عن الدين فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم(118).
وقال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنبياء: 54].
أي: في ضلال بين واضحٍ، وأي ضلال أبلغ من ضلالهم في الشرك وترك التوحيد، أي: فليس ما قلتم يصلح للتمسك به، وقد اشتركتم وإياهم في الضلال الواضح البين لأي أحد(119).
ثالثًا: الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم:
ورد في القرآن الكريم ما يبين أن الكفار بلغوا من ضلالهم ما جعلهم يستهزئون برسلهم، وهناك نموذجان من هذا الاستهزاء:
1. الاستهزاء بنبي الله نوح صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [الأعراف: 60].
حيث رد الكفار - وهم أشراف القوم ورؤساؤهم، حيث سموا بالملأ؛ لما يلتمس عندهم من المعروف وجودة الرأي؛ أو لأنهم يملؤون العيون أبهة- على نبيهم نوح صلى الله عليه وسلم، حينما دعاهم إلى عبادة الله تعالى وحده، وبين لهم خوفه وشفقته عليهم من العذاب الأبدي، والشقاء السرمدي؛ لاستكبارهم وعدم انقيادهم له، وقدحهم فيه أعظم قدحٍ، ونسبوه إلى الضلال الذي هو عدول عن الطريق، ولم يكتفوا بمجرد الضلال، حتى جعلوه ضلالًا مبينًا واضحًا لكل أحد(120).
2. دفع شبهة الضلال والإغواء عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ﴾ [النجم: 2].
فبعد أن أقسم الله تعالى بالقرآن الذي نزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وعبر عنه بالنجم يبين في هذه الآية أن النبي محمدًا الذي أنزل عليه القرآن، والذي هو من قريش التي تعرف نسبه، وشرفه فهو ليس بضالٍ ولا بمجنون، وليس بغويٍ يعتقد باطلًا، بل هو رشيد مرشد، دالٌ على الله تعالى، لم يتكلم بالقرآن عن هوى نفسه، ولا عن رأيه أصلًا، فما القرآن إلا وحيٌ من الله تعالى، يجدد إيحاؤه إليه صلى الله عليه وسلم وقتًا بعد وقت(121).
ولا شك أنهم قصدوا الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم، لكن هذه الآية جاءت لتدفع هذا الاستهزاء.
وقد سبقت الإشارة إلى آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 41-42].
حيث يقول المشركون إذا رأوك رأي العين فيتخذونك مهزوءًا به: هل هذا الذي بعثه الله رسولًا؟! فقد قارب أن يضلنا عن عبادة الله، ولو لم نصبر عليها لصرفنا عنها، ثم تأتي الفاصلة القرآنية لتبين أنه سوف يعلم المشركون حين يأتيهم عذاب الله تعالى من أخطأ طريقًا(122).
رابعًا: تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله:
وقد ورد ذلك جليًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [التوبة: 37].
فبعد أن بينت الآيات السابقة بعض أحكام الأشهر الحرم، وأنها أربعة، يوم خلق الله تعالى السماوات والأرض، وأن الله تعالى معيته مع المتقين، تبين هذه الآية الكريمة بأسلوب الحصر أن تأخير المحرم إلى صفر زيادة مبالغة في الكفر والإثم(123)؛ فإن هذا التأخير عدولٌ عن المنهج الحق، من قبل الكافرين، حيث يحلونه إذا قاتلوا فيه، ويحرموا مكانه صفرًا، وأما إذا لم يقاتلوا فيه حرموه(124).
وكأنهم يستهزئون بهذه الأشهر الحرم؛ فإن الذي التزموا به فقط هو موافقة عدة هذه الأشهر، وهي أنها أربعة خلال العام، فالمصيبة أنهم أحلوا ما حرم الله تعالى، وقد زين لهم عملهم السيئ، ثم تأتي الفاصلة لتقرير أن الله تعالى لا يكتب الهداية التوفيقية للقوم الذين وصلوا إلى مرحلة الكفر الخارج عن الملة، والمقصود هنا كفار قريش، رغم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
خامسًا: القتل:
لقد برز ضلال القتل واضحًا في قوله تعالى: ﴿قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ﴾ [الأنعام: 140].
فقد بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن كفار قريش وغيرهم ممن سار على نفس طريقتهم قد خسروا؛ لأنهم وأدوا بناتهم، وحرموا البحيرة بعقولهم، فقتلوا الأولاد سفهًا في الرأي خوف الفقر، وحجروا على أنفسهم في أموالهم، ولم يخشوا في ذلك الفقر، فأبان ذلك عن تناقض آرائهم، وكان من العرب من تقتل الولد سفهًا بغير حجة منهم في قتلهم، وهم ربيعة ومضر، وكانوا يقتلون لأجل الحمية، ومنهم من يقول: الملائكة بنات الله(125).
وتأتي الفاصلة القرآنية لتبين أن من فعل هذا قد ضل عن طريق الحق والرشاد، وما كان مهتديًا إلى طريق الصواب(126).
سادسًا: موالاة الأعداء:
لقد عالج القرآن الكريم هذا المظهر الذي هو علامةٌ دالةٌ على ضلال كل من وقع في شركه، وذلك من خلال الآتي:
1. دفع شبهة الموالاة للادعاء في حق الله.
قال تعالى: ﴿مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا﴾ [الكهف: 51].
أي: وما كنت متخذ المضلين أعوانًا(127).
وفي هذا بيان لقبح ما اقترفوه من ادعاء باطل.
2. اعتراف الكافرين بأن المجرمين هم من أضلهم.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلۡمُجۡرِمُونَ﴾ [الشعراء: 99].
أي: وما دعانا إلى الضلال إلا المجرمون الأوائل ممن سبقنا(128).
3. نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن طاعة أكثر أهل الأرض.
قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ﴾ [الأنعام: 116].
إن أهل الله تعالى قليلون عددًا، وإن كانوا كثيرين وزنًا وخطرًا، وأما الأعداء ففيهم كثرة، فإن لاحظتهم يا محمد صلى الله عليه وسلم فتنوك، وإن صاحبتهم منعوك عن الحق وقلبوك(129)؛ لأن المشركين كانوا يدعون إلى عبادة الأوثان فما يتبعون بعبادتهم الأوثان إلا ادعاء آلهة بظن منهم(130)، وإن ما كان من ظنٍ في القرآن الكريم فهو يقين(131).
آثار الضلال في الدنيا والآخرة
إن للضلال آثارًا عظيمة تحل بكل ضالٍ في الدنيا والآخرة؛ إذ إن الله تعالى قد يمهلهم، لكنه قطعًا لا يهملهم، ويمكن تقسيم هذه الآثار إلى:
أولًا: آثار الضلال في الدنيا:
بالنظر في آيات القرآن الكريم التي أوردت موضوع الضلال يمكن الخروج بمعرفة آثار الضلال في الدنيا، ومن خلال جوانب، أهمها:
1. الضال يضيق صدره، ولا يتسع للهداية.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ﴾ [الأنعام: 125].
أي: شديد الضيق، كأنما يصعد في السماء؛ لشدته وثقله عليه(132).
2. العذاب الأليم في الدنيا.
ومثال هذا ما لحق بقوم نوح صلى الله عليه وسلم وغيره من الغرق، وغير ذلك من العذابات؛ فقد قال الله تعالى عن قوم نوح عليه السلام: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: 64].
أي: «فكذب نوحًا قومه إذ أخبرهم أنه لله رسولٌ إليهم، يأمرهم بخلع الأنداد، والإقرار بوحدانية الله، والعمل بطاعته، وخالفوا أمر ربهم، ولجوا في طغيانهم يعمهون، فأنجاه الله في الفلك والذين معه من المؤمنين به»(133).
3. الضالون من الإنس يوبخهم القرآن بأن الأنعام أعلى منهم شأنًا في الهداية.
قال تعالى: ﴿أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِۖ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44].
أي: «أخطأ طريقًا» (134).
4. الختم على سمع وقلب الضال، وكذلك الغشاوة على بصره.
قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ﴾ [الجاثية: 23].
أي: أفرأيت الكافر الذي اتخذ دينه ما يهواه، وعدله الله عن المنهج المستقيم على ما سبق في علمه قبل أن يخلقه أنه ضالٌ(135).
5. الضال بغير علم يكون في الدنيا أسوأ الظالمين.
قال تعالى: ﴿فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأنعام: 144].
فإن الله تعالى بين أنه يوجد أظلم ممن كذب على الله تعالى، وافترى بتحريم شيء لم يحرمه الله تعالى؛ لأجل أن يضل الناس بجهلٍ، أو افتراء عليه جاهلًا بصدور التحريم(136).
6. تمكن الشيطان من الضالين.
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيۡهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾ [الحج: 4].
فإن من جعل الشيطان وليًا له من دون الله تعالى فشأنه أن يضله ذلك الشيطان عن طريق الجنة، أو طريق الحق(137).
7. ضلال الأعمال للكافرين.
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ [محمد: 8].
وضلال الأعمال هنا: جعلها على غير هدىً واستقامة(138)، وذلك من خلال إبطالها؛ لأنها كانت في طاعة الشيطان(139).
ثانيًا: آثار الضلال في الآخرة:
من آثار الضلال في الآخرة:
1. اعتراف الشيطان القرين بضلال من كان معه.
قال تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ﴾ [ق: 27].
أي: «قال شيطانه الذي كان معه في الدنيا: ربنا ما أضللته، ولكن كان في طريق بعيدٍ عن سبيل الهدى» (140).
2. العمى عن الهدى إلى الجنة يوم القيامة، ومن ثم دخول النار.
قال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا﴾ [الإسراء: 72].
أي: «من كان في الدنيا أعمى عن حجج الله تعالى الدالة على وجوده وعلمه وقدرته، فلم يؤمن به، ولم يعبده فهو في الآخرة أشد عمىً وأضل سبيلًا» (141).
3. يحشر الضالون يوم القيامة عميًا وصمًا وبكمًا.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا﴾ [الإسراء: 97].
فإن الإضلال هنا يعني: العدول عن المنهج؛ لفساد الطبع(142).
علاج الضلال
إن القرآن الكريم قد بين أن هذا المرض الخطير الذي يوصل مرتكبه إلى الخروج من الملة له علاج، لكنه يحتاج إلى صدقٍ في الطلب من الله تعالى لأن ينجيه من ذلك المرض، ويمكن تلخيص العلاج القرآني لهذا الضلال، من خلال الآتي:
1. عدم اتباع الشيطان.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [النساء: 83].
والخطاب للجميع فإن الكل لولا فضل الله لاتبع الشيطان إلا القليل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (143).
2. الرجوع إلى الله تعالى بصدق التوبة.
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا ٦٨ يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٧٠ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا﴾ [الفرقان: 68-71].
فإن إخلاص التوحيد، ونبذ كل أثر للشرك في العبادة لله تعالى، والتنزه عن قتل النفوس التي حرم الله تعالى، والبعد عن الزنى الذي عليه إثم عظيم في الدنيا والآخرة إلا التائبين إلى الله تعالى عن الذنوب، الذين صدقوا في إيمانهم، وأتبعوا ذلك بالطاعات، والأعمال الصالحات، فهؤلاء يجعل الله لهم مكان السيئات الحسنات، فيثابون عليها أجزل الثواب، وهكذا مضى أمر الله تعالى، فإن من تاب من إثمه، وظهر أثر ذلك في إقباله على الطاعة، واجتنابه المعصية، فهو الذي يقبل الله توبته، وبها يرجع إلى ربه بعد نفاره(144).
3. ذكر الله تعالى كثيرًا.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 41].
حيث «أمر سبحانه عباده بأن يستكثروا من ذكره، بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير، وكل ما هو ذكر لله تعالى » (145).
4. طاعة الله تعالى، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النور: 54].
«أي: أطيعوا طاعة من صميم قلوبكم، لا من ظاهر أقوالكم، وذكر الرسول مع الله؛ للإشارة إلى التلازم بينهما، وإلى أن طاعة الرسول واجبة على الأمة؛ لكيلا يتململ اليهود، والمنافقون من إجابة الرسول، زاعمين في نفوسهم الفاسدة الفصل بين طاعة الله وطاعة رسوله، فيعصون الرسول، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا، والخطاب للمنافقين ومن في قلوبهم مرض» (146).
5. اتباع سبيل المؤمنين.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].
فإن سبيل المؤمنين هو دين الله تعالى(147).
| موضوعات ذات صلة: |
| الاستقامة، الصد عن سبيل الله، الغلو، الفساد، الكفر، الهداية |
الحواشي
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/356، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 8/153. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/356، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 8/153، لسان العرب، ابن منظور 11/390. ↩
- انظر: مشارق الأنوار، القاضي عياض 2/58، ↩
- انظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، الأزهري ص177. ↩
- انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص1024. ↩
- انظر: الكليات، الكفوي ص576. ↩
- مقاليد العلوم، السيوطي ص202. ↩
- المفردات، الراغب الأصفهاني ص509. ↩
- التعريفات، الجرجاني ص138، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص223. ↩
- انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص223. ↩
- انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص421-424، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الضاد ص714-717. ↩
- انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص310-312، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، ابن الجوزي، ص406-409، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 3/481-485. ↩
- انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/667. ↩
- التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص255. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/191. ↩
- انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص479، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/791. ↩
- انظر: مقاليد العلوم، السيوطي ص74. ↩
- تاج العروس من جواهر القاموس، الزبيدي، 27/224. ↩
- أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، نخبة من العلماء، ص 58. ↩
- انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص958. ↩
- التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص344. ↩
- انظر: العين، الفراهيدي 3/6، المصباح المنير، الفيومي 1/143. ↩
- مقاييس اللغة 2/15-17 بتصرف. ↩
- انظر: التعريفات، الجرجاني ص 89. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/255. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6/422. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن 2/154-155. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين 1/25، رقم 71، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة 2/718، رقم 1037. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/81. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 21/411. ↩
- انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 3/267. ↩
- التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي 1/455. ↩
- انظر: تفسير السمرقندي 1/477. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 4/1375. ↩
- انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 2/94. ↩
- انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب 12/7623. ↩
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 3/323. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/477. ↩
- أخرجه أحمد في مسنده، حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، 35/323، رقم 21410.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/922، رقم 5197. ↩ - انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/340. ↩
- انظر: معالم التنزيل، البغوي 3/30. ↩
- انظر: فتح البيان، القنوجي 11/210. ↩
- انظر: التفسير المظهري، 8/38. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/239. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/185. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/298. ↩
- تفسير السمرقندي 1/30. ↩
- انظر: فتح القدير، الشوكاني 1/54. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص82. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 5/206. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 5/206. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/289. ↩
- انظر: المصدر السابق 3/432. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/177. ↩
- انظر: المصدر السابق 9/130. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن 3/188. ↩
- انظر: مدارك التنزيل، النسفي 2/408. ↩
- انظر: تفسير السمرقندي 2/560. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/476. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن 3/28. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 26/314. ↩
- انظر: مدارك التنزيل، النسفي 3/546، التفسير الوسيط، طنطاوي 15/125. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 30/659. ↩
- انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الأزهر ص81. ↩
- انظر: تفسير ابن عرفة 1/371. ↩
- النكت والعيون، الماوردي 1/408. ↩
- انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 1/302. ↩
- انظر: غاية الأماني، شهاب الدين الشافعي ص404. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 4/2001. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص217. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر 2/975، رقم 1337. ↩
- انظر: غرائب القرآن، النيسابوري 6/338، فتح القدير، الشوكاني 5/325. ↩
- انظر: تفسير الراغب الأصفهاني 1/590. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 4/163، الوجيز، الواحدي ص157. ↩
- أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأحزاب 5/207، رقم 3211.
وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي، 7/211. ↩ - انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 7/104. ↩
- انظر: نظم الدرر، البقاعي 15/354. ↩
- انظر: روح البيان، إسماعيل حقي 7/177. ↩
- انظر: مراح لبيد، محمد بن عمر الجاوي 2/254. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 12/296. ↩
- انظر: المصدر السابق. ↩
- انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 3/303. ↩
- انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 2/164. ↩
- انظر: تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي ص183. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن 4/39. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/268. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 6/92. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص613. ↩
- انظر: محاسن التأويل، القاسمي 3/193. ↩
- انظر: الدر المنثور، السيوطي 2/688. ↩
- انظر: البحر المديد، ابن عجيبة 1/562. ↩
- انظر: روح البيان، إسماعيل حقي 7/244، التفسير المظهري 7/386، الصحيح المسبور، حكمت ياسين 4/146. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 23/126. ↩
- انظر: الموسوعة القرآنية، الأبياري 11/50، أوضح التفاسير، محمد الخطيب ص547. ↩
- انظر: تفسير القرآن، السمعاني 1/490، تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 1/413. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 13/119. ↩
- انظر: الكشف والبيان، الثعلبي 9/6. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 1/204. ↩
- انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 1/193. ↩
- انظر: تفسير السمرقندي 2/258، معالم التنزيل، البغوي 3/61. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 17/202. ↩
- انظر: الوجيز، الواحدي ص497. ↩
- انظر: محاسن التأويل، القاسمي 6/14. ↩
- انظر: المصدر السابق 5/517. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم أبو السعود 4/108. ↩
- انظر: المصدر السابق 3/87، مفاتيح الغيب، الرازي 12/448. ↩
- انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 2/51. ↩
- انظر: المصدر السابق 4/46. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 13/35. ↩
- انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 3/261. ↩
- جامع البيان، الطبري 19/340. ↩
- انظر: مدارك التنزيل، النسفي 1/173. ↩
- انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 3/199. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 5/202. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/414. ↩
- انظر: المنتخب، لجنة من علماء الأزهر ص130. ↩
- انظر: تفسير المراغي 7/168. ↩
- انظر: فتح القدير، الشوكاني 3/134، 135. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص525. ↩
- انظر: المصدر السابق ص292. ↩
- انظر: مراح لبيد، محمد بن عمر الجاوي 2/463. ↩
- انظر: معالم التنزيل، البغوي 3/447. ↩
- انظر: تفسير السمرقندي 2/57. ↩
- انظر: الوجيز، الواحدي ص463. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/96. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن 2/163. ↩
- انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 3/69. ↩
- انظر: الوجيز، الواحدي ص792. ↩
- انظر: لطائف الإشارات، القشيري 1/496. ↩
- انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 2/93. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 4/1375. ↩
- انظر: الوجيز، الواحدي ص374. ↩
- جامع البيان، الطبري 12/502. ↩
- انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 3/262. ↩
- انظر: الوجيز، الواحدي ص991. ↩
- انظر: فتح البيان، القنوجي 4/261. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 6/93. ↩
- انظر: محاسن التأويل، القاسمي 8/469. ↩
- انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير ص507. ↩
- المصدر السابق ص519. ↩
- أيسر التفاسير، الجزائري 3/215. ↩
- انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الأزهر ص423. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 3/1017. ↩
- انظر: المصدر السابق ص540. ↩
- فتح القدير، الشوكاني 4/330. ↩
- زهرة التفاسير، أبو زهرة 10/5218. ↩
- انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 1/406. ↩
