مفهوم الشهادة
أولًا: المعنى اللغوي:
تدل مادة (ش هـ د) على حضورٍ وعلمٍ وإعلامٍ، يقال: شهد يشهد شهادةً. كما يقال: شهد فلانٌ عند القاضي، إذا بين وأعلم لمن الحق وعلى من هو(1).
و«الشهادة خبرٌ قاطعٌ تقول منه: شهد الرجل على كذا، وربما قالوا: شهد الرجل بسكون الهاء . فالشهادة: الإخبار بما شاهده. والشاهد: العالم الذي يبين ما يعلمه ويظهره. والمشاهدة المعاينة، وشهده شهودًا: أي حضره، فهو شاهدٌ، وقومٌ شهودٌ: أي حضورٌ»(2).
قال الراغب الأصفهاني: «الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة، إما بالبصر أو البصيرة، وقد يقال للحضور مفردًا. قال تعالى: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 73]. أي: ما يغيب عن حواس الناس وبصائرهم وما يشهدون بهما، ولكن الشهود بالحضور المجرد أولى والشهادة مع المشاهدة أولى»(3).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الموصلي الشهادة: هي «الإخبار عن أمرٍ حضره الشهود وشاهدوه، إما معاينةً كالأفعال نحو القتل والزنا، أو سماعًا كالعقود والإقرارات»(4).
وعرفها الرملي بأنها: «إخبار الشخص بحق على غيره بلفظٍ خاص»(5).
وقال البهوتي: «الشهادة: الإخبار بما علمه الشاهد بلفظٍ خاصٍ، كشهدت أو أشهد»(6).
فالشهادة إذن إخبارٌ عن علمٍ.
الشهادة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (شهد) في القرآن الكريم (160) مرة(7).
والصيغ التي وردت، هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| الفعل الماضي | 19 | ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ﴾ [البقرة: 185] |
| الفعل المضارع | 24 | ﴿لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ﴾ [النساء: 166] |
| الفعل الأمر | 10 | ﴿قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ ١١١﴾ [المائدة: 111] |
| اسم فاعل | 21 | ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ﴾ [الأحقاف: 10] |
| اسم مفعول | 3 | ﴿وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ ١٠٣﴾ [هود: 103] |
| مصدر | 27 | ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِۚ﴾ [الطلاق: 2]﴿فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ٣٧﴾ [مريم: 37] |
| صيغة مبالغة | 56 | ﴿وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ ٩٨﴾ [آل عمران: 98] |
وجاءت الشهادة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، الذي هو بمعنى: الحضور مع المشاهدة إما بالبصر أو بالبصيرة(8).
الألفاظ ذات الصلة
الخير:
الخبر لغة:
قال ابن فارس: الخاء والباء والراء أصلان: فالأول العلم، والثاني يدل على لينٍ ورخاوةٍ وغزرٍ(9).
الخبر اصطلاحًا:
هو الكلام المحتمل للصدق والكذب، والخبر: العلم بالأشياء المعلومة من جهة الخبر، وفي الاصطلاح القرآني: ما يعبر به عن واقعة معينة(10).
والخبر يكون من المخبر الأول ومن يليه، ويكون بالصدق والكذب، سارًا كان أو غير سارٍ (11).
الصلة بين الخبر والشهادة:
الخبر إما أن يكون عن خاص أو عام، فالخبر عن خاص منحصر في ثلاثة معاني: الإقرار والبينة والدعوى؛ لأنه إن كان بحق على المخبر فهو الإقرار، أو على غيره فهو الدعوى، أو لغيره فهو الشهادة(12).
قال العز بن عبد السلام «إن كان ضارًا لقائله فهو الإقرار، وإن لم يكن ضارًا به، فإما أن يكون نافعًا له، أو لا، والأول هو الدعوى، والثاني الشهادة»(13).
العلم:
العلم لغةً:
نقيض الجهل، والمعرفة، واليقين، والعلامة: النسابة، وهو من العلم(14)، ويقال: «علمت الشيء أعلمه علمًا: عرفته»(15).
العلم اصطلاحًا:
عرفه الجرجاني: «العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ونقل عن الحكماء فقال: هو حصول صورة الشيء في العقل» (16).
وأنكر ابن العربي تعريف العلم لوضوحه وقال: «العلم أبين من أن يبين» (17)،وأنكر على من تصدى لتعريف العلم.
الصلة بين العلم والشهادة:
العلم والشهادة في الأصل واحد، إلا أن الشهادة اختص بما كان بإخبار صحيح، والعلم اختص بما يكون بتكرير وتكثير حتى يحدث منه أثر في نفس المتعلم، قال تعالى: ﴿وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ﴾ [يوسف: 76](18)، ولعلاقة العلم بالشهادة فقد ذكرها الله تعالى مقترنة في أكثر من عشرين موضعًا في القرآن العظيم.
الإقرار:
الإقرار لغةً:
«هو الاعتراف. يقال: أقر بالحق: إذا اعترف به، وقرره غيره بالحق حتى أقر به. وأقر الشيء أو الشخص في المكان: أثبته وجعله يستقر فيه»(19).
الإقرار اصطلاحًا:
«إخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه»(20)، فيجمع كلًا من الإقرار والشهادة أنها إخبارات.
الصلة بين الشهادة والإقرار:
«أن الإخبار إن كان عن حق سابق على لغيره على غيره فهو الشهادة، وإما أن يكون للمخبر نفع فيه: لأنه إخبار بحق له فهو إقرار بالدعوى» (21).
الشهادة في حق الله
أكمل الشهادات شهادة الله عز وجل لنفسه أو لغيره، قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: 18].
وقال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ﴾ [آل عمران: 98].
وقال تعالى: ﴿قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ وَمَنۡ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [الرعد: 43].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾ [الحج: 17].
ففي فالآيات السابقة يؤكد الله تعالى أن الشهادة له وحده سبحانه، المحتوية على كل جانب من جوانب الشهادة.
أولًا: الله عالم الغيب والشهادة:
الغيب يطلق على كل ما غاب عن الحواس، و كان مستورًا و محجوبًا عنها، تسمى الغابة غابةً لأنها تغيب ما فيها و تسترها عن الأنظار لكثافة أشجارها. و أغابت المرأة فهي مغيبة، إذا غاب زوجها(22).
وعن شمر: «يقال: سمعت صوتًا من وراء الغيب، أي، من موضع لا أراه»(23).
وقوله تعالى: ﴿وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: 10].
الغيابة: بفتح الغين، أي: في قعره، سمي به لغيبوبته عن أعين الناظرين، و كل شيء غيب عنك، فهو غيابة(24).
والغيب في القرآن الكريم ضد الشهود والحضور، وقد تكرر استعمال لفظ «الغيب» وبعض مشتقاته في القرآن الكريم أربعًا وخمسين مرة بالمعنى المذكور.
ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿ٱلصُّورِۚ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 73].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [التوبة: 94].
قال صاحب المنار: «الغيب هو ما حجب الله علمه عن الناس، بعدم تمكينهم من أسباب العلم به، لكونه مما لا تدركه مشاعرهم الظاهرة ولا الباطنة؛ كعالم الآخرة»(25).
وعرف ابن عاشور الغيب فقال: «والغيب ما غاب عن علم الناس، بحيث لا سبيل لهم إلى علمه، وذلك يشمل الأعيان المغيبة، كالملائكة والجن، والأعراض الخفية، ومواقيت الأشياء»(26).
والشهادة: ما شهدوه وأبصروه وعاينوه، فكل شيء يقع تحت حواسنا الخمس أو تدركه حواسنا فهو عالم مشهود، كالمرئيات، والمسموعات، و المشمومات، والعالم الذي خلقه الله عز وجل ينقسـم إلى عالم الغيب وعالم الشهادة.
وينقسم الغيب إلى ثلاث أقسام:
أولًا: الغيب المطلق:
وهو الذي ليس للإنسان سبيل إلى العلم به عبر وسائل إدراكه أو حواسه، وهو نوعان:
النوع الأول: ما أعلم الله تعالى الناس به، أو ببعضه عن طريق الوحي إلى الرسل الذين يبلغونه إلى الناس.
ومن أمثله ذلك: الشياطين والجن، وما جاء من أخبارهم نحو قوله تعالى: ﴿قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا ١ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا ٢﴾ [الجن: 1-2](27).
النوع الثاني: ما استأثر الله تعالى بعلمه، فلم يطلع عليه أحد من خلقه، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب.
ومن أمثلته العلم بوقت قيام الساعة، والموت من حيث زمانه ومكانه وسببه، وبعض ما سمى الله تعالى به نفسه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ ٣٤﴾ [لقمان: 34].
وقال تعالى: ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٥٩﴾ [الأنعام: 59](28).
وقال صلى الله عليه وسلم في بعض دعائه: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)(29).
ثانيًا: الغيب المقيد النسبي:
وهو ما كان غائبًا عن البعض مثل الحوادث التاريخية، فإنها غيب بالنسبة لمن لم يعلم بها، لذلك قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر قصة آل عمران: ﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٤٤﴾ [آل عمران: 44].
ثالثًا: الغيب المقيد غير النسبي:
هو كل ما غاب عن الحس بسبب بعد الزمان (المستقبل) أو المكان أو غير ذلك حتى ينكشف ذلك الحجاب الزماني أو المكاني، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ١٤﴾ [سبأ: 14].
وذلك في موت سيدنا سليمان عليه السلام(30).
وذكر العلماء أربعة مراتب اشتمل عليها علم الله تعالى مستنبطة من الآيات القرآنية وهي:
المرتبة الاولى: علمه بالشيء قبل كونه، وهو سر الله في خلقه، اختص الله به عن عباده.
وهذه المرتبة من العلم هي علم التقدير ومفتاح ما سيصير، ومن هم أهل الجنة؟ ومن هم أهل السعير؟ فكل أمور الغيب قدرها الله في الأزل، ومفتاحها عنده وحده، ولم يزل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ ٣٤﴾ [لقمان: 34].
وقال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ﴾ [النمل: 65].
المرتبة الثانية: علمه بالشيء، وهو في اللوح المحفوظ بعد كتابته وقبل إنفاذ أمره ومشيئته.
فالله عز وجل كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة، والمخلوقات في اللوح قبل إنشائها كلمات، وتنفيذ ما في اللوح من أحكام تضمنتها الكلمات مرهون بمشيئة الله في تحديد الأوقات التي تناسب أنواع الابتلاء في خلقه، وكل ذلك عن علمه بما في اللوح من حساب وتقدير.
قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢﴾ [الحديد: 22].
المرتبة الثالثة: علمه بالشيء حال كونه وتنفيذه ووقت خلقه وتصنيعه، كما قال: ﴿ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۖ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ ٨ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ ٩﴾ [الرعد: 8-9].
وقال تعالى: ﴿يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۚ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ ٢﴾ [سبأ: 2].
المرتبة الرابعة: علمه بالشيء بعد كونه وتخليقه وإحاطته بالفعل بعد كسبه وتحقيقه.
فالله عز وجل بعد أن ذكر مراتب العلم السابقة في قوله تعالى: ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٥٩﴾ [الأنعام: 59].
ذكر بعدها المرتبة الأخيرة فقال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٦٠﴾ [الأنعام: 60].
وقال أيضًا: ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٧٨﴾ [التوبة: 78](31).
ثانيًا: الشهادة على العباد برهم وفاجرهم:
شهادة الله على العباد برهم وفاجرهم شهادة على صدق الانسان وتقواه، أو كذبه وفسقه، وهذا يجعلنا نزداد مراقبة للذات، ومحاسبة للنفس، والتزامًا بالقيم، كما يجعل القلب يفرق بين الصدق والكذب، وبين الحق والباطل، فيسهم هذا الوعي في معرفة الحقائق.
صور شهادة الله في القرآن الكريم:
أولًا: شهادة الله على نبيه صلى الله عليه وسلم والعباد.
الله شهيد على أعمال النبي صلى الله عليه وسلم والعباد.
قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ﴾ [يونس: 61].
أخبر الله سبحانه على شهادته على ما يجري في الضمائر، فذكر شهادة على أحوال العباد، وحال الرسول صلى الله عليه وسلم معهم ومجاهدته لهم، وتلاوة القرآن عليهم، وأنه تعالى شاهد على جميع أعمالهم، لا يخفى عليه جل شأنه شيء، ولا يغيب عنه عمل من الأعمال.
فقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ﴾ خطابان للرسول صلى الله عليه وسلم: الأول: عام يشمل شئون الرسول صلى الله عليه وسلم. والثاني: خاص؛ لكنه مندرج تحت عموم الأول. وإنما خص من العموم؛ لأن القرآن الكريم هو أعظم شؤونه عليه الصلاة والسلام.
والمراد: أنه تعالى شاهد على أهل الأرض جميعهم بما كان منهم، وبما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع، يحصي عليهم أعمالهم؛ وكأنه قيل: «وما كنت وتكون في شأن، وما تلوت، وما تتلو فيه من قرآن، وما عملتم، وما تعملون من عمل؛ إذ أفضتم وتفيضون فيه، إلا كنا عليكم شهودًا».
وهناك خطاب عام للأمة كلها في كل شئونها وأعمالها، بعد خطاب رأسها وسيدها في أخص شئونه وأعلاها، فتذكرك الآية في أخصر الألفاظ وأقصرها بأفضل ما أتاك الله من هداية ونعمة، وتنتقل بك إلى كل عمل تعمله من شكر وكفر وإن كان كمثقال ذرة، فإن مجيء. (عمل) نكرة منفية يفيد العموم، ودخول (من) التبعيضية عليه يؤكد هذا العموم، فيشمل أدق الأعمال وأحقرها.
ومثله قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٧ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ ٨﴾[الزلزلة: 7-8].
فكان الله شاهدًا عليهم رقيبًا مطلعًا إذ يفيضون فيه(32).
ثانيًا: شهادة الله على أهل الكتاب.
فشهادة الله تعالى يوم القيامة على أهل الكتاب وعلى إيمانهم بالمسيح عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩﴾ [النساء: 159].
قال السعدي: «الضمير في قوله: ﴿قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ﴾ راجع إلى عيسى عليه السلام، فيكون المعنى: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالمسيح عليه السلام قبل موت المسيح، وذلك يكون عند اقتراب الساعة وظهور علاماتها الكبار»(33).
وقال الرازي: «قوله: ﴿قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ﴾ أي: قبل موت عيسى، والمراد أن أهل الكتاب الذين يكونون موجودين في زمان نزوله لا بد وأن يؤمنوا به. ثم قال تعالى: ﴿وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا﴾ قيل: يشهد على اليهود أنهم كذبوه وطعنوا فيه، وعلى النصارى أنهم أشركوا به، وكذلك كل نبي شاهد على أمته»(34).
وجاء مصحف أبي بن كعب (قبل موتهم)، ففي هذه القراءة تقوية لعود الضمير على الكتابي، وقرأ الفياض بن غزوان (وإن من أهل الكتاب) بتشديد «إن» والضمير المستتر في (يكون) هو لعيسى عليه السلام في جل الأقوال(35).
ثالثًا: شهادة الله على أهل النفاق.
وفي شهادة الله على أهل النفاق بين الله تعالى علاقة المنافقين مـع الرسول صلى الله عليه وسلم إذ كانوا يدعون الايمان كذبًا.
والله تعالى فضحهم، فقال الله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ ١﴾ [المنافقون: 1].
وشهد الله على المنافقين أنهم كانوا يحلفون للناس بأنهم إنما أرادوا الحسنى ببناء مسجد الضرار؛ ولكنهم كذبوا، والله شاهد على كذبهم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧﴾ [التوبة: 107].
وشهد الله على علاقة المنافقين بالمؤمنين، وكذلك في علاقاتهم مع بعضهم ومع الكفار، فشهد على كذبهم، فقال الله تعالى: ﴿۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١١﴾ [الحشر: 11].
وشهادة الله على كذب المنافقين والفاسقين تتجلى في أنه يخذلهم في الدنيا، فلا تصح حساباتهـم التي خدعـوا الناس بها، وخدعـوا أنفسهم، والله يفضحهم عاجلًا وآجلًا، وأن الله يلهم أهل التقوى من المؤمنين كذبهم، ولهم الفضيحة الكبرى يوم الفصل.
قال تعالى: ﴿وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ﴾ [الأنعام: 130]، [الأعراف: 37].
كشف القرآن الكريم ما أخفاه المنافقون في صدورهم تجاه الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى في شأن بعض المنافقين: ﴿يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ قُل لَّا تَعۡتَذِرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٤﴾ [التوبة: 94].
ثالثًا: الشهادة على الوحي:
الوحي في اللغة هو الإعلام الخفي، وقد يضيف البعض قيدًا إلى ذلك، فيقول: هو الإعلام الخفي السريع(36).
واصطلاحًا: إعلام الله تعالى أنبياءه ورسله بشرع ليعملوا به ويبلغوه للناس، فنزلت شريعة التوراة على موسى، ونزل الإنجيل على عيسى، ونزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم (37).
وقد يطلق لفظ الوحي ويراد به المنزل من السماء، كما جاء عن عائشة رضي الله عنها: (أن الحارث بن هشامٍ سأل النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ قال: (كل ذاك يأتيني الملك، أحيانًا في مثل صلصلة الجرس، فيفصم عني، وقد وعيت ما قال، وهو أشده علي، ويتمثل لي الملك أحيانًا رجلًا، فيكلمني، فأعي ما يقول)(38).
وكما في قول عائشة رضي الله عنها: (ولقد رأيته صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فينفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقًا)(39).
والله تعالى يشهد على الوحي بأنه أنزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ١٦٦﴾[النساء: 166].
قال الطبري: «يعني بذلك جل ثناؤه: إن يكفر بالذي أوحينا إليك يا محمد اليهود الذين سألوك أن تنزل عليهم كتابًا من السماء، وقالوا لك: «ما أنزل الله على بشر من شيء» فكذبوك، فقد كذبوا. ما الأمر كما قالوا: لكن الله يشهد بتنزيله إليك ما أنزل من كتابه ووحيه، أنزل ذلك إليك بعلم منه بأنك خيرته من خلقه، وصفيه من عباده، ويشهد لك بذلك ملائكته، فلا يحزنك تكذيب من كذبك، وخلاف من خالفك ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ١٦٦﴾(40).
وعن عطاء بن السائب قال: «أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم الله، فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل، ثم يقرأ ﴿أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾.
وقوله: ﴿وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ﴾ أي: بصدق ما جاءك وأوحي إليك وأنزل عليك، مع شهادة الله تعالى لك بذلك، وكفى بالله شهيدًا»(41).
ومستند جميع الأنبياء والمرسلين هو الوحي الذي نزل به الروح الأمين من رب العالمين.
وهذه شهادة رب العالمين: ﴿إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ﴾ [النساء: 163].
وقال تعالى: ﴿۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ﴾ [الشورى: 13].
وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥﴾ [الأنبياء: 25].
فلا طريق لمعرفة عالم الغيب والتصديق به إلا عن طريق الخبر الصادق الذي يأتينا عن طريق الوحي، كما يكون عن طريق الآثار التي تدل عليه، والفطرة السليمة تتلقى معرفة ذلك بالتسليم والتصديق(42).
رابعًا: الشهادة على وحدانية الله:
شهادة الله تعالى على توحيده عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده، وجاءت شهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك.
قال تعالى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨﴾ [آل عمران: 18].
فالشاهد الحقيقي على توحيده هو الله تعالى، وذلك لأنه تعالى هو الذي خلق الأشياء، وجعلها دلائل على توحيده، ولولا تلك الدلائل لما صحت الشهادة، ثم بعد ذلك جعل تلك الدلائل ووفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل، ولولا تلك الدلائل التي جعلها الله تعالى وهدى إليها، لعجزوا عن التوصل بها إلى معرفة التوحيد.
ولهذا قال تعالى: ﴿قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ﴾ [الأنعام: 19].
وقرأ ابن عباس ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾بكسر (أنه) ثم قرأ ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾ [آل عمران: 19].
بفتح إن، أي: شهد هو وملائكته وأولو العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام. والجمهور قرءوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح (43).
قال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا عبدان بن أحمد، وعلي بن سعيدٍ الرازي، قالا: ثنا عمار بن عمر بن المختار، حدثني أبي، حدثني غالبٌ القطان قال: أتيت الكوفة في تجارةٍ، فنزلت قريبًا من الأعمش، فلما كان ليلةٌ أردت أن أنحدر، قام فتهجد من الليل، فمر بهذه الآية ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨ إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾، ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي عند الله وديعةٌ ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾ [آل عمران: 19].
قالها مرارًا، قلت: لقد سمع فيها شيئًا، فغدوت إليه فودعته، ثم قلت: يا أبا محمدٍ، إني سمعتك تردد هذه الآية، قال: أو ما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهرٍ لم تحدثني، قال: والله لأحدثنك بها إلى سنةٍ، فأقمت سنةً فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمدٍ، قد مضت السنة، قال: حدثني أبو وائلٍ، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله عز وجل: عبدي عهد إلي، وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة)(44).
الشهادة في الحدود
شرعت الحدود؛ زجرًا للنفوس عن ارتكاب المعاصي والتعدي على حرمات الله سبحانه، فتتحقق الطمأنينة في المجتمع ويشيع الأمن بين أفراده، ويسود الاستقرار، ويطيب العيش.
كما أن فيها تطهيرًا للعبد في الدنيا؛ لحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارته)(45).
والحدود: «عقوبة مقدرة شرعت لصيانة الأنساب والأعراض والعقول والأموال وتأمين السبل»(46).
وحدود الله: محارمه التي نهى عن ارتكابها وانتهاكها، قال تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 187].
سميت بذلك؛ لأنها تمنع من الإقدام على الوقوع فيها.
وقد جاء في القرآن والسنة النبوية حدود لجرائم محددة تسمى جرائم الحدود، وهذه الجرائم هي:
الزنا واللواط، والقذف، والسرقة، والسكر، والحرابة، والردة؛ وفي هذا المبحث سنتكلم - إن شاء الله- على الشهادة على ثلاثة من الحدود:
أولًا: الشهادة على الزنا:
أجمع العلماء على أن جريمة الزنا تثبت بالشهادة أو الإقرار أو الحمل، واتفقوا على أن عدد الشهود في هذه الجريمة المنكرة أربعة شهود عدول، سواء أكان في رجم أم جلد، على حر أو عبد؛ لقول الله تعالى:﴿وَٱلَّٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ﴾[النساء: 15].
ولقوله تعالى: ﴿لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٣﴾ [النور: 13].
وهذا العدد شـرط في قبول الشـهادة على الزناة لقول الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤﴾ [النور: 4].
ولما جاء عن سعد بن عبادة رضي الله عنه. قال: (يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلًا، أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: نعم)(47).
ولأن الشهادات تتغلظ بتغليظ المشهود فيه، فلما كان الزنا من أغلظ الفواحش المحظورة وآخرها، كانت الشهادة فيه أغلظ: ليكون أستر للمحارم، وأنفى للمعرة، ولا يجوز أن تسمع فيه شهادة النساء.
ولأن الزنا لا يكون إلا من اثنين، فلزم أن يشهد على كل واحد منهما شاهدان؛ لأنه كالشهادة على فعلين(48).
أما الإقرار بالزنا فشرطه شاهدان لا أربعة، كغيره من الإقرارات، يعني: لو أقر شخص بأنه زنا، فإن إقراره هذا لا يثبت عليه عند القاضي إلا بشهادة عدلين عليه(49).
ويجب أن يشهد الأربعة ويقولون: رأينا إيلاج الذكر في الفرج كالميل في المكحلة بالتفصيل؛ لأنه لا يكفي الإجمال في هذه الحالة(50).
وإن شهد اثنان على رجل بأنه زنى بها في الكوفة، وشهد آخران بأنه زنى بها في البصرة مثلًا، فلا تقبل الشهادة، ولا يقام عليهما الحد بالإجماع، ويحد الشهود حد القذف(51).
وإذا رأى الرجل زوجته تزني، ولا يجد أربعة شهداء يشهدون على ذلك، ولا يمكنه إقامة البينة، فقد شرع الله عز وجل اللعان حلًا لمشكلته، وإزالة الحرج عنه؛ لئلا يلحقه العار بزناها، ويفسد فراشه، ويلحقه ولد غيره.
واللعان: شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين، مقرونة بلعن من الزوج، وغضب من الزوجة(52).
قال الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٦ وَٱلۡخَٰمِسَةُ أَنَّ لَعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٧﴾ [النور: 6-7].
وصفة اللعان: هو أن يأتي بأربعة أيمان، والخامسة اللعنة، كما قال تعالى: ﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٦﴾ [النور: 6].
فيأتي إلى الحاكم فيقذف زوجته فلانة بأنه رأى الفاحشة بعينه، وسمع بأذنه، ولم يكن له شهداء، فإذا لم يكن له شهداء، ولم يشهد بذلك إلا نفسه، ولم ينقل ذلك إلا عن رؤيته وعن سمعه، فهذا يشهد أربع شهادات، والخامسة اللعنة؛ فيقوم مقام الشهداء الأربعة(53).
ثم يؤتى بالزوجة المتهمة المقذوفة فتشهد أربع شهادات على زوجها فلانًا قد كذب عليها في اتهامها بالزنا مع فلان، وفي الخامسة تقول: أن غضب الله عليها إن كان صادقًا في تهمته.
قال تعالى: ﴿وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٨﴾ [النور: 8].
سبب كون اللعنة على الرجل والغضب على المرأة: لأن الغضب يكون على الجرم والإثم عن علم، وعن نية مبيتة وقصد سابق، فقد غضب الله على اليهود؛ لأنهم ضلوا عن علم ومعرفة سابقة، ومع علمهم بذلك حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم، وحسدوا العرب أن تكون النبوءة فيهم، فكانوا مغضوبًا عليهم، ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧﴾ [الفاتحة: 7]. بذلك يرتفع الحد عنها وعنه، فهي لا ترجم، وهو لا يجلد، ويفرق بينهما، فهذا حكم الله الواجب الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: الشهادة على السرقة:
السرقة كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن كل معصية أوجب الله تعالى فيها حدًا، فهي كبيرة من الكبائر، لذا حرم الله تعالى أكل أموال الناس بغير حق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ [البقرة: 188].
والذي يسرق آكل للمال بالباطل.
فبين سبحانه أنه لا يجوز الاعتداء على حق المرء المسلم، ولذا شرعت الحدود والعقوبات، حتى تكون زاجرًا عن المعصية، والوقيعة فيها.
لذلك أنزل الله تعالى حد السرقة، وبين حد السارق، فقال تعالى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٣٨﴾ [المائدة: 38].
ولم يفرق في الحكم بين الشريف والوضيع، كما جاء في قصة المخزومية، خلافًا للعادة الجاهلية في استيفاء الحقوق على الضعفاء والمغلوبين والترك عن الشرفاء والمرموقين.
والسرقة إفساد في الأرض، قال إخوة يـوسـف عليه السلام لما اتهموا بسرقة صواع الملك ﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ عَلِمۡتُم مَّا جِئۡنَا لِنُفۡسِدَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ ٧٣﴾ [يوسف: 73].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)(54).
وقال صلى الله عليه وسلم: في حجة الوداع وهو يخطب الناس: (إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)(55).
والسرقة: أخذ المال على وجه الاختفاء من مالكه، أو نائبه(56).
فلو سرق الإنسان دخانًا، فليس هذا سرقة شرعًا؛ لأن هذا الدخان ليس له حرمة، وكذلك لو سرق خمرًا فإنها ليست بسرقة شرعًا؛ لأنه ليس بمال، فالمال هو العين المباحة النفع، وهذه عين محرمة(57).
والشهادة على السرقة تكون بشاهدي عدل، أو الإقرار، والعدل هو من استقام دينه، واستقامت مروءته، فهو ذو دين، وذو مروءة لم يفعل ما يخل بالدين، ولم يفعل ما يخل بالشرف والمروءة، فلا بد في الشهادة إذن أن يكون الشاهدان اثنين عدلين(58).
ولا تقبل شهادة النساء في السرقة؛ لأن الحدود لا يقبل فيها إلا الرجال، فإن شهد رجل وامرأتان فلا تقطع اليد، أو أربعون امرأة لا تقطع اليد، أو رجل واحد لا تقطع اليد، أو رجل فاسق ورجل عدل لا تقطع اليد، أو رجلان فاسقان لا تقطع اليد؛ لأنه لا بد من رجلين عدلين(59).
فلو أقر مرة واحدة، ثبت شهادته على نفسه، وقال: إني سرقت قطعت يده.
والدليل على ذلك أنه جيء بسارق إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأقر بأنه سرق فقال: (ما إخالك سرقت؟ قال: بلى يا رسول الله، فأمر بقطعه)(60).
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم له: (ما إخالك سرقت) أراد بذلك التثبت(61).
ثالثًا: الشهادة على رمي المحصنات:
القذف: الرمي بزنى أو لواط، أو شهادة بأحدهما ولم تكمل البينة، أو نفي نسب موجب للحد فيهما.
وقد حرمه الله تعالى في القرآن العظيم، فقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤﴾ [النور: 4].
وجاء مع الأمر بجلد القاذف أمران نصت عليهما الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ ونصت الآية الكريمة على عدد الجلد، وهو ثمانون جلدة إذا قذف الرجل المحصنة العفيفة، وكذلك إذا قذف رجلًا أيضًا فإنه يجلد كذلك، إلا أن يأتي القاذف ببينة على صحة القذف، أي: يأتي بأربعة شهداء يشهدون على صحة قوله.
والقاذف ملعون في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٢٣﴾ [النور: 23].
قال ابن جرير الطبري: «نزلت هذه الآية في شأن عائشة، والحكم بها عام في كل من كان بالصفة التي وصفه الله بها فيها»(62). قال الطبري أيضًا: «يقول تعالى ذكره: والذين يشتمون العفائف من حرائر المسلمين، فيرمونهن بالزنا، ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول، يشهدون عليهن أنهم رأوهن يفعلن ذلك، فاجلدوا الذين رموهن بذلك ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الذين خالفوا أمر الله وخرجوا من طاعته ففسقوا عنها» (63).
قال الحافظ ابن كثيرٍ: «هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة، وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان المقذوف رجلًا فكذلك يجلد قاذفه أيضًا، ليس في هذا نزاعٌ بين العلماء. فأما إن أقام القاذف بينةً على صحة ما قاله، رد عنه الحد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤﴾ [النور: 4].
فأوجب على القاذف إذا لم يقم بينةً على صحة ما قاله ثلاثة أحكامٍ: أحدها: أن يجلد ثمانين جلدةً، الثاني: أنه ترد شهادته دائمًا، الثالث: أن يكون فاسقًا ليس بعدلٍ، لا عند الله ولا عند الناس»(64).
وعن سعيد بن زيدٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق)(65).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس، التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات)(66).
قال الإمام النووي: «المحصنات الغافلات، فبكسر الصاد وفتحها قراءتان في السبع، قرأ الكسائي بالكسر والباقون بالفتح، والمراد بالمحصنات هنا العفائف، وبالغافلات الغافلات عن الفواحش وما قذفن به» (67).
والقذف الذي يوجب الحد هو الرمي بالزنا أو اللواط، أو ما يقتضيهما كالتشكيك في الأنساب، والطعن في الأمهات تصريحًا، لا تعريضًا و لا تلميحًا، إلا إن أقر المعرض بأن مراده هو القذف الصريح.
قال الإمام القرطبي «اتفق العلماء على أنه إذا صرح بالزنى كان قذفًا ورميًا موجبًا للحد، فإن عرض ولم يصرح فقال مالكٌ: هو قذفٌ. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يكون قذفًا حتى يقول أردت به القذف»(68).
وقال أيضًا: «للقذف شروط عند العلماء تسعة: شرطان في القاذف؛ وهما: العقل والبلوغ؛ لأنهما أصلا التكليف، إذ التكليف ساقط دونهما، وشرطان في الشيء المقذوف به، و هو: أن يقذف بوطء يلزمه فيه الحد، وهو الزنى واللواط، أو بنفيه من أبيه دون سائر المعاصي. وخمسة من المقذوف؛ وهي: العقل والبلوغ والإسلام والحرية والعفة عن الفاحشة التي رمي بها، كان عفيفًا من غيرها أم لا» (69).
الشهادة في الحقوق
الحق: مفرد جمعه حقوق، وهو خلاف الباطل، والحقوق مجموعة من القواعد والنصوص التشريعية التي تنظم حياة الناس من حيث الأشخاص والأموال على سبيل الإلزام هو اختصاص يقرره الشرع أو السلطة الحاكمة(70).
أولًا: الإشهاد على البيع:
أمر الله تعالى بالإشهاد على البيع فقال: ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٨٢﴾ [البقرة: 282].
والأمر هنا بالإشهاد للندب والإرشاد إلى ما فيه المصلحة والخير، كما قال جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وليس للوجوب، وحمل الأمر على الندب؛ لأن الأمر في قول الله تعالى: ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ﴾، منسوخ، بقول الله تعالى: ﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ﴾ [البقرة: 283].
وقاله الشعبي والحسن البصري(71).
ومما يدلل على الندب حديث سويد بن قيس قال: (جلبت أنا ومخرفة العبدي بزًا من هجر، فجاءنا النبي صلى الله عليه وسلم فساومنا بسراويل، وعندي وزان يزن بالأجر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للوزان: (زن وأرجح)(72).
وكذلك بالحديث الذي يرويه عم عمارة بن خزيمة أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من أعرابي فرسًا، فجحده الأعرابي حتى شهد له خزيمة بن ثابت وورد بعدة صيغ شهادة خزيمة(73).
من الملاحظ على هذه الأحاديث أن البيع تم، ولم يكن شهود على هذه العقود، فدل أن الأمر في الآية للندب وليس للوجوب.
قال الجصاص: «ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن المذكور جميعه في هذه الآية، ندب وإرشاد إلى ما لنا فيه الحظ والصلاح والاحتياط للدين والدنيا، وأن شيئًا منه غير واجب»(74).
وقد نقلت الأمة خلفًا عن سلف عقود المداينات والأشرية والبياعات في أمصارهم من غير إشهاد، مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم، ولو كان الإشهاد واجبًا لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به(75).
فلما لم ينقل عن الصحابة والتابعين الإشهاد بالنقل المستفيض ولا إظهار النكير على تاركه من العامة، ثبت بذلك أن الكتاب والإشهاد في الديوان والبياعات غير واجبين(76).
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ﴾ [البقرة: 282] «أي: إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيد، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها»(77).
ثانيًا :الإشهاد على الدين:
أمر الله تعالى بتوثيق الديون، والإشهاد على ذلك، جاء ذلك في آية الدين التي هي أكبر آية في القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْۖ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٨٢﴾ [البقرة: 282].
ذكرت الآية الدعوة إلى الإشهاد على الدين، لحفظ الحقوق ومنع الخلاف، ويجب على الشاهد قبل تحمل الشهادة، أن يعاين المشهود عليه حتى تكون شهادته في موطنها وعلى وجهها، ويلزم أن يكون آخذ الدين حاضرًا حتى يعرف الشاهد أنه قد أخذ الدين وأقر به، لأن آخذ القرض هو الذي يتحمله ويلزمه رده.
وابتدأ الله تعالى بذكر الإيمان فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ﴾ وهذا يعني أن مخالفة هذه الأحكام نقص في الإيمان، كأنه قال: لكمال إيمانكم افعلوا هذا؛ فإن لم تفعلوا فإيمانكم ناقص.
في الآية جواز الدين شرعًا. قال تعالى:﴿تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ﴾سواء كان هذا الدين ثمن مبيع، أو قرضًا، أو أجرة، أو صداقًا، أو عوض خلع، أو أي دين يكون.
وينقسم الدين إلى ثلاثة أقسام(78):
القسم الأول: مؤجل بأجل مسمى، قال تعالى: ﴿بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى﴾.
القسم الثاني: مؤجل بأجل مجهول.
الدين إلى أجل غير مسمى لا يصح؛ وأخذ هذا القسم من قوله تعالى: ﴿مُّسَمّٗى﴾مثل أن أقول لك: اشتريت منك هذه السلعة إلى قدوم زيد، وقدومه مجهول؛ لأن فيه غررًا؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أسلف في شيءٍ ففي كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ) (79).
والدين إلى أجل غير مسمى لا يكتب؛ لأنه عقد فاسد، والدين إلى أجل مسمى جائز بنص الآية(80).
القسم الثالث: غير مؤجل.
الدين إلى غير أجل جائز شرعًا، مثاله: أن أشتري منك هذه السلعة، ولا أعطيك ثمنها، ولا أعينه لك؛ فهذا دين غير مؤجل؛ وفي هذه الحال لك أن تطالبني بمجرد ما ينتهي العقد.
وذهب الجمهور إلى عدم وجوب كتابة الدين غير المؤجل؛ لقوله تعالى في الآية التي تليها:﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ﴾، وينبغي على هذا القول أن يستثنى من ذلك ما إذا كان الدائن متصرفًا لغيره كولي اليتيم، فإنه يجب عليه أن يكتب الدين الذي له لئلا يضيع حقه(81).
وأما الكاتب فيجب عليه أن يكتب بالعدل ﴿وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾بحيث لا يجحف مع الدائن، ولا مع المدين.
ومن صفات الشاهد أن يكون عدلًا، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ﴾ [الطلاق: 2](82).
ولا يجوز للكاتب الامتناع أو المماطلة عن الكتابة وأن يكتب كما علمه الله؛ لقوله تعالى:﴿وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ﴾؛ ولهذا أكد هذا النهي بالأمر بالكتابة في قوله تعالى: ﴿فَلۡيَكۡتُبۡ﴾ وهذا ظاهر الآية، ويحتمل أن يقال: إن توقف ثبوت الحق على الكتابة كانت الكتابة واجبة على من طلبت منه؛ وإلا لم تجب(83).
وأما إن كان الذي له الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل يقوم الولي في الإملال؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [البقرة: 282]
ويستحب توثيق الدين حتى لا تكون عرضة للضياع، لكثرة النسيان، ووقوع المغالطات، والاحتراز من الخونة الذين لا يخشون الله تعالى. ويكون بإحدى هذه الطرق الثلاثة: الكتابة، والإشهاد، والرهن، إنما هو على سبيل الاستحباب والأفضل، وليس ذلك بواجب، وذهب بعض العلماء إلى وجوب كتابة الدين، ولكن أكثر العلماء على الاستحباب، وهو الراجح(84).
والشهادة على الدين تتحقق بشاهدين مسلمين من الرجال، فلا تصح هنا شهادة غير المسلمين ولا شهادة الصبيان، وكذلك لا تصح شهادة العبيد عند أكثر الفقهاء(85)، وتكون برجلين مرضيين عند المشهود له، والمشهود عليه؛ أو رجل، وامرأتان؛ والمرأة يغلب عليها العاطفة، فربما تضل وتحيد عن الشهادة فتقوم الأخرى فتذكرها، قال تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ﴾فلا يرد على ذلك من نبوغ بعض النساء، وغفلة بعض الرجال.
ولا يجوز للشهود الامتناع إذا دعوا للشهادة، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ﴾ [البقرة: 283].
حكم التوثيق بالشهادة:
جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: وهو أن الإشهاد على الدين مندوب إليه وليس بواجب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ﴾.
قال الكيا الهراسي: «ومعلوم أن هذا الأمن لا يقع إلا بحسب الظن والتوهم لا على وجه الحقيقة، وذلك يدل على أن الشهادة إنما أمر بها لطمأنينة قلبه لا لحق الشرع، فإنها لو كانت لحق الشرع لما قال: ﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا﴾ ولا ثقة بأمن العباد، إنما الاعتماد على ما يراه الشرع مصلحة، والله تعالى جعل توثيق الديون طرقًا منها: الكتاب، والرهن، والإشهاد، ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب، فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد» (86).
فإذا لم تكتب الدين ولم تشهد عليه ولم تأخذ رهنًا فلا تأثم بذلك، والآية نفسها تدل على هذا ﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ﴾والائتمان يكون بعدم توثيق الدين بالكتابة أو الشهود أو الرهن، ولكن في هذه الحال يحتاج إلى التقوى والخوف من الله، ولهذا أمر الله في هذه الحال من عليه الحق أن يتقي الله ويؤدي أمانته ﴿فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ﴾(87).
ثالثًا :الإشهاد على دفع مال اليتيم:
اتفق العلماء على الإشهاد على اليتيم إذا بلغ ورشد واراد الولي دفع المال اليه، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٦﴾ [النساء: 6].
الآية الكريمة تدفع بالأولياء، وتهيب بهم أن يلتزموا جانب الحيطة، والتدبير لأنفسهم بالإشهاد وإطلاع الغير على عملية تسليم المال إلى ذوي العلاقة، فرارًا مما قد يقع فيه من محذور الاتهام نتيجة إحسانه وأتعابه عليهم.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا﴾.
والآية أمرٌ من الله تعالى لمن يتولى أمر الأيتام، يقتضي الإشهاد عند دفع المال إلى اليتيم الذي علم منه البلوغ والرشد، ويكون الإشهاد بأنهم قبضوها وتسلموها ممن تولى أمرهم، دفعًا للتهمة، وابتعادًا عن الخصومة(88).
و اختلف الفقهاء في حكم الإشهاد، هل هو واجب أم مستحب:
فالمالكية قالوا: الإشهاد واجب عند الدفع للأيتام (89). وأما الحنفية (90)، والحنابلة(91)، قالوا: إن الإشهاد على دفع المال إلى اليتيم مستحب، إذا لم يكن الولي أبًا أو جدًا، فإذا كان كذلك فلا حاجة للإشهاد.
وجرى العرف والقانون في أيامنا أن تتولى المحاكم الشرعية توثيق وتسجيل أملاك المحجور عليهم من أيتام وغيرهم، وهذا في حالة كون من يتولى أمرهم وصيًا أو قاضيًا.
فالأولى والأفضل في هذه الحالة أن يقوم من يتولى أمر اليتيم بالإشهاد عند دفع المال، وأن يقوم تسجيل ذلك لدى المحكمة المختصة، ابتعادًا عن الخصومة والمنازعة، وتبرئة لساحته.
والملاحظ أن فاصلة الآية الكريمة بأمر بضرورة الإشهاد على عملية تسليم أموال اليتامى من قبل الأولياء، أو الأوصياء بقوله تعالى: ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا﴾.
بمعنى: رقيبًا على أعمالكم ليحافظ كل فرد على ما هو مقرر في حقه، فكما كان التشريع يقف في جانب اليتيم يحذر الآخرين مغبة التجاوز عليه، ويشوقهم إلى مساعدته، والأخذ بيده، كذلك حذره من التطاول على من رعاه، وكفى به حسيبًا، ورقيبًا في كل صغيرة، وكبيرة، وهو المطلع على السرائر، ولا تخفى عليه خافية سواء من جانب الأولياء، أو بعد ذلك مما قد يتعقب عملية تسليم الأموال من اتهامات يوجهها اليتامى لأوليائهم.
قال البغوي: «هذا أمر إرشاد، ليس بواجب، أمر الولي بالإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعدما بلغ؛ لتزول عنه التهمة وتنقطع الخصومة، وكفى بالله حسيبًا محاسبًا ومجازيًا وشاهدًا»(92).
وقال الجصاص: «وفي هذه الآية دلالة على وجوب تسليم أموال اليتامى بعد البلوغ وإيناس الرشد إليهم وإن لم يطالبوا بأدائها؛ لأن الأمر بدفعها مطلق متوعد على تركه غير مشروط فيه مطالبة الأيتام بأدائها، ويدل على أن من له عند غيره مال، فأراد دفعه إليه أنه مندوب على الإشهاد عليه، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ﴾»(93).
وزوال الحجر عن الصغير وجواز دفع المال إليه بشيئين: بالبلوغ والرشد، فالبلوغ يكون بأحد أشياء أربعة، اثنان يشترك فيهما الرجال والنساء، واثنان تختصان بالنساء، فما يشترك فيه الرجال والنساء أحدهما السن، والثاني الاحتلام، أما السن فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة حكم ببلوغه غلامًا كان أو جارية، فعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ثم عرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني، قال نافع: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: هذا فرق بين المقاتلة والذرية، وكتب أن يفرض لابن خمس عشرة سنة في المقاتلة، ومن لم يبلغها في الذرية. وهذا قول أكثر أهل العلم(94).
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: بلوغ الجارية باستكمال سبع عشرة، وبلوغ الغلام باستكمال ثماني عشرة سنة. وأما الاحتلام فنعني به نزول المني سواء كان بالاحتلام أو بالجماع، أو غيرهما، فإذا وجدت ذلك بعد استكمال تسع سنين من أيهما كان حكم ببلوغه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾ [النور: 59].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ في الجزية حين بعثه إلى اليمن: (خذ من كل حالم دينارًا)(95).
وأما الإنبات، وهو نبات الشعر الخشن حول الفرج(96) فهو بلوغ في أولاد المشركين، لما روي عن عطية القرظي قال: كنت من سبي قريظة، فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت ممن لم ينبت(97).
رابعًا: الإشهاد على الوصية:
الوصية: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، سواء أكان المملك عينًا أم منفعة(98).
قال الخطيب الشربيني: «الإيصاء يعم الوصية والوصاية لغةً، والتفرقة بينهما من اصطلاح الفقهاء، وهي تخصيص الوصية بالتبرع المضاف لما بعد الموت، والوصاية بالعهد إلى من يقوم على من بعده»(99).
والإسلام وجهة طرق الوصية التي كانت عند العرب في الجاهلية للتفاخر والمباهاة، ويتركون أقاربهم في الفقر والحاجة، فألزم أصحاب الأموال قبل تشريع الميراث بالوصية للوالدين والأقربين، فكانت الوصية في مبدأ الأمر واجبة بكل المال للوالدين والأقربين بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ ١٨٠﴾ [البقرة: 180].
قال السايس: «نسخت هذه الآية بالحديث المستفيض، وهو قوله: (ألا لا وصية لوارث) ولا ناسخ إلا السنة»(100).
وقيل: إنها محكمة ولم يدخلها لا نسخ ولا تخصيص، وقال به أبو مسلم الأصفهاني ومحمد رشيد رضا(101).
والراجح أنه لما نزلت آيات سورة النساء بتشريع المواريث تفصيلًا، أصبحت الوصية في الأقربين مقيدة بقيدين:
الأول: عدم كون الوصية للوارث إلا بإجازة الورثة، لقوله صلى الله عليه وسلم في خطبة عام حجة الوداع: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)(102). وصارت الوصية مندوبة لغير الوارثين.
الثاني: تحديد مقدارها بالثلث؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص الذي أراد الإيصاء بثلثي ماله أو بشطره، إذ لا يرثه إلا ابنة له. فقال: (الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)(103). أما الزائد عن الثلث فهو من حق الورثة، لا ينفذ تصرف الموصى له إلا بموافقتهم ورضاهم (104).
وذكر الله تعالى الوصية في آيات المواريث وقدمها على الدين؛ حتى لا يتهاون الناس في الوصية، مع أن الدين مقدم على الوصية في النفاذ، لقول علي رضي الله عنه: إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ﴾ [النساء: 11].
والنبي صلى الله عليه وسلم قضى أن الدين قبل الوصية (105).
والأفضل أن يجعل وصيته لأقاربه الذي لا يرثون إذا كانوا فقراء، باتفاق أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ﴾ [الإسراء: 26].
وقوله تعالى: ﴿وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ [البقرة: 177]. فبدأ بهم.
ولقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ﴾ [الأحزاب: 6] فسر بالوصية.
قال الطبري: «كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، وعاقد أبو بكر رضي الله عنه مولًى فورثه. فأنزل الله:﴿وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ﴾، يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصيةً، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت. وذلك هو المعروف»(106).
واشترط الشافعية: لإثبات الوصية الكتابة مع الشهادة، هو أن يطلع الموصي الشهود على ما في الكتابة، فإن لم يطلعهم على ما في كتابه، لم تنعقد وصيته(107).
وإذا كان العاجز عن النطق عالمًا بالكتابة مثل الأخرس أو معتقل اللسان، فلا تنعقد وصيته إلا بالكتابة؛ لأن دلالتها على المقصود أدق وأحكم(108).
وتنعقد الوصية عند المالكية بالإشارة المفهمة حتى لو كان قادرًا على النطق(109).
فمن كتب وصية، ولم يشهد عليها، حكم بها ما لم يعلم رجوعه عنها، فتثبت الوصية ويقبل ما فيها بالخط الثابت أنه خط الموصي، بإقرار ورثته، أو ببينة تعرف خطه تشهد أنه خطه، وإن طال الزمن أو تغير حال الموصي، أو بأن عرف خطه وكان مشهور الخط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده) (110).
ولم يذكر أمرًا زائدًا على الكتابة، فدل على الاكتفاء بها(111).
روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصى به فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، أوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [البقرة: 132](112)(113).
خامسًا: الإشهاد على الطلاق:
وضع الإسلام الحلول للإشكالات التي تتعرض لها الأسرة المسلمة، ومن ذلك أباح فسخ عقد النكاح بتشريع الطلاق، فمن حكمة الله تعالى أن شرع الإذن للرجل بالانفراد بالطلاق دون المرأة، لما في ذلك من المصلحة الظاهرة، فلو لم يأذن الله بذلك لكان الطلاق باطلًا كله، إلا أن يرضى الطرفان ! كما هو في سائر العقود.
وذهب جمهور أهل العلم إلى عدم اشتراط الإشهاد على الطلاق لوقوعه، بل وينقلون الإجماع على هذا كما فعل الشوكاني، وإن اختلفوا في استحبابه من عدمه.
وقال الشوكاني: «الإجماع على عدم وجوب الاشهاد في الطلاق»(114).
وقال الإمام القرطبي: «قوله تعالى: ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ﴾ أمرنا بالإشهاد على الطلاق، وقيل: على الرجعة، والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق. ثم الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كقوله: ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ﴾، وعند الشافعي واجب في الرجعة»(115).
وذهب آخرون منهم ابن عباس وعمران بن حصين وعطاء و الضحاك و السدي وابن حزم ومن المعاصرين العلامة أحمد شاكر وغيرهم من العلماء إلى اشتراط وجوب الإشهاد في الطلاق (116).
وعمدة القائلين بهذا القول هو قول الله عز وجل في سورة الطلاق: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا ١ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢﴾ [الطلاق 1-2].
فقالوا: إن الأمر بالإشهاد في هذه الآية عائد على الطلاق والرجعة معًا، وقال غيرهم: بل هو عائد على الأمر بالرجعة، ومن ثم اختلفوا في دلالة هذا الأمر، فمن قائل: إنه للوجوب، أو للندب، أو للإرشاد(117).
وقال القنوجي: «﴿وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ﴾: على الرجعة، وقيل: على الطلاق، وقيل: عليهما قطعًا للتنازع وحسمًا لمادة الخصومة، والأمر للندب كما في قوله: ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ﴾ [البقرة: 282]»(118).
ظاهر سياق الآيات أن الأمر عائد على الطلاق و الرجعة معًا، بل إن السورة بأكملها باسم الطلاق، فهي بيان لأحكامه و مسائله، ومن الممكن أن يكون الأمر بالإشهاد عائد على الأمرين معًا.
قال ابن عاشور: ﴿وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ﴾ ظاهر وقوع هذا الأمر بعد ذكر الإمساك أو الفراق، أنه راجع إلى كليهما؛ لأن الإشهاد جعل تتمة للمأمور به في معنى الشرط للإمساك أو الفراق؛ لأن هذا العطف يشبه القيد وإن لم يكن قيدًا وشأن الشروط الواردة بعد جمل أن تعود إلى جميعها»(119).
واختار كثير من المفسرين القول بأن الأمر بالإشهاد عائد على الطلاق والرجعة(120).
فظهر بهذا أن الأمر بالإشهاد عائد على الطلاق والرجعة معًا، والأمر يقتضي الوجوب إلا إذا أتت قرينة تصرفه عن ظاهره إلى غيره.
قال الشيخ أحمد شاكر: «الظاهر من سياق الآيتين أن قوله تعالى: ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ﴾راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معًا، والأمر للوجوب؛ لأنه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إلى غير الوجوب - كالندب- إلا بقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه عن الوجوب. بل القرائن هنا تؤيد حمله على الوجوب؛ لأن الطلاق عمل استثنائي يقوم به الرجل -وهو أحد طرفي العقد- وحده. سواء أوافقته المرأة أم لا، كما أوضحنا ذلك مرارًا، وتترتب عليه حقوق للرجل قبل المرأة، وحقوق للمرأة قبل الرجل، وكذلك الرجعة، ويخشى فيهما الإنكار من أحدهما، فإشهاد الشهود يرفع احتمال الجحد، ويثبت لكل منهما حقه قبل الآخر. فمن أشهد على طلاقه فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدى حد الله الذي حده له فوقع عمله باطلًا لا يترتب عليه أي أثر من آثاره»(121).
واستدل القائلون بوجوب الإشهاد أيضًا بقول موقوف على عمران بن حصين أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: (طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد)(122).
والراجح قول من يقول: لا يقع أي طلاق إلا إذا كان بحضرة شاهدي عدل سامعين فاهمين تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ﴾ ظاهر في الوجوب كسائر الأوامر الواردة في الشرع، ولا يعدل عنه إلى غيره إلا بدليل.
الشهادة يوم القيامة
أعد الله تعالى شهودًا على ابن ادم يوم الدين، ليشهدوا على كل صغيرة وكبيرة فعلها، فيشهد رب العزة، وتشهد الرسل، والملائكة، وتشهد نفس ابن آدم وأعضاؤه، وتشهد الأرض وما عليها، فلا يملك عصاة الجن والإنس يوم القيامة أمام هذه الشهادات المتوالية إلا الاستسلام والاعتراف، هذه بعض الشهادات.
أولًا :الشهادة على النفس:
أشهد الله تعالى الناس على أنفسهم منذ عالم الذر، وأخذ عليهم الميثاق بتوحيده، وأخذ منهم ميثاقًا غليظًا باجتناب الشرك، فقال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰۛ شَهِدۡنَآۛ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ١٧٢﴾ [الأعراف: 172].
يخبر الله تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو. كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه، قال تعالى: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ﴾ [الروم: 30] وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مولودٍ يولد على الفطرة -وفي روايةٍ: على هذه الملة- فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء)(123).
وعن عياض بن حمارٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم، عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم)(124).
والشهادة على النفس في هذه الآية هو إقرار، والإقرار سيد الأدلة؛ لأنك حين تشهد إنسانًا على غيره؛ فقد يغير الشاهد شهادته، ولكن الأمر هنا أن الخلق شهدوا على أنفسهم وأخذ الله عليهم عهد الفطرة حتى لا يقولوا يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ﴾ [الأعراف: 172] فحين يأتي يوم الحساب، لا داعي أن يقول: إني كنت غافلًا(125).
ويأتي على الناس لحظات يشهدون الحق ويعترفون به، فمن أنكره بعد ذلك اتباعًا لهواه فقد تمت عليه الحجة، فيضلله الله على علم ولا يهديه، قال الله تعالى: ﴿كَيۡفَ يَهۡدِي ٱللَّهُ قَوۡمٗا كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ وَشَهِدُوٓاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقّٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٦﴾ [آل عمران: 86].
وأهل الكتاب يشهدون على أنفسهم مع ذلك يصدون عن سبيل الله مع علمهم بصدق الرسول؛ فكانت شهادتهم حجة عليهم.
قال الله تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٩﴾ [آل عمران: 99].
والمشركون يشهدون على أنفسهم بالكفر؛ لذلك منعهم الله من عمارة المساجد.
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧﴾ [التوبة: 17].
والانسان بطبعه كفور وهو شاهد على ذلك ويعترف به.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٞ ٦ وَإِنَّهُۥ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٞ ٧﴾ [العاديات: 6-7].
قال محمد بن كعبٍ القرظي: «ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان، فيكون تقديره: وإن الإنسان على كونه كنودًا لشهيدٌ، أي: بلسان حاله، أي: ظاهرٌ ذلك عليه في أقواله وأفعاله، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ﴾ [التوبة: 17](126).
وأقرب شيء إلى البشر جوارحه، فهي شاهدة عليه يوم القيامة؛ فيده التي يبطش بها ورجله التي يسعى بها وجلوده التي يلتذ بها، كلها ستشهد عليه يوم القيامة، فعلى الإنسان العاقل أن يعي مسؤوليته الكبيرة، ولا يكون طائشًا في تصرفاته، والله شهيد عليه، وكفى به شهيدًا.
قال الله تعالى: ﴿يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤﴾ [النور: 24].
لذلك استحقوا العذاب العظيم، ويكون كل شيء شاهدًا على ما أجرموا، وقد صور الله تعالى ذلك بأن ألسنتهم تشهد عليهم بما اخترصوا فيه، وأرجلهم تشهد بما سعوا فيه بالباطل، وأفسدوا به الناس، وأيديهم تشهد بما بطشوا، وما فعلوا من آثام، وشهادتهم منصبة على ما كانوا يعملون(127).
والله يختم على أفواه المبررين، فلا ينطقون بما شاءوا، وانما تنطق ألسنتهم بالحق بغير إرادة منهم أو أنها لا تنطق، إلا بعد أن يأذن لها الله أن تنطق، وبدل الأفواه تنطق الأرجل والأيدي، قال الله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٦٥﴾ [يس: 65].
وحين ينطق أقرب الجوارح، فكيف يتهرب البشر من ذاته ومن أقرب الأعضاء إليه؟
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن يَشۡهَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٢﴾ [فصلت: 22].
وهناك يرتاعون من شدة المفاجأة حيث طفقت مواضع الشهوة في أجسادهم تشهد عليهم فإذا بهم يخاطبونها، وهي لم تعد تأتمر بأوامرهم، لم نطقتم بمثل هذا ؟ قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيءٍ. قال الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَاۖ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيۡءٖ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢١﴾ [فصلت: 21].
قال ابن عباسٍ: «إنهم -يعني: المشركين- إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، قالوا: تعالوا حتى نجحد. فيجحدون فيختم الله على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم، ولا يكتمون الله حديثًا»(128).
وقال ابن جريرٍ الطبري: «إذا كان يوم القيامة، عرف الكافر بعمله، فيجحد ويخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك. فيقول: كذبوا. فيقول: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا، فيقول: احلفوا. فيحلفون، ثم يصمتهم الله، فتشهد عليهم أيديهم وألسنتهم، ثم يدخلهم النار»(129).
ثانيًا: شهادة الرسول والمؤمنين على الأمم:
الرسول صلى الله عليه وسلم شاهد على أمته.
قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٤٥﴾ [الأحزاب: 45].
وقال الله تعالى لنبيه: ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٨﴾ [الفتح: 8].
قال الشنقيطي: «بين تعالى أنه يبعثه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة شاهدًا على أمته، وأنه مبشر للمؤمنين ومنذر للكافرين. قال تعالى في شهادته صلى الله عليه وسلم يوم القيامة على أمته: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ٤١﴾ [النساء: 41]»(130).
فالرسول يشهد عليهم عند ربه، ويقبل الله شهادته وشفاعته، وعليهم أن يحترموه وأن يحذروا مخالفة أمره، فهو مبلغ اليهم رسالات الله، وأن عصيانه يقتضي عذابًا أليمًا في الدنيا، كما يقتضي عذابًا في يوم القيامة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ رَسُولٗا شَٰهِدًا عَلَيۡكُمۡ كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا ١٥ فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا ١٦﴾ [المزمل: 15-16].
«وتتجلى شهادة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة حيث يشهد لمن أطاعه فيرضى عنهم الله جل جلاله، ويشهد على من عصوه فيعذبون، قال الله تعالى: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ٤١﴾ [النساء: 41].
يقول تعالى مخبرًا عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه: فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة وحين يجيء من كل أمة بشهيد، يعني: الأنبياء عليهم السلام؟
كما قال تعالى: ﴿وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٩﴾ [الزمر: 69](131).
وقال تعالى: ﴿وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ٨٩﴾ [النحل: 89].
والفرق بين الشاهد والشهيد، الشاهد: هو القائد القائم عليهم، والشهيد: هو المسؤول دومًا عنهم، وهكذا كان عيسى عليه السلام شهيدًا على بني إسرائيل مادام بينهم، وقال تعالى: ﴿وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ﴾ [المائدة: 117].
وقيل: الشاهد بمعنى الحدوث. والشهيد بمعنى الثبوت. فإذا تحمل الشهادة فهو شاهد باعتبار حدوث تحمله، فإذا ثبت تحمله لها زمانين أو أكثر فهو شهيد(132).
والله جعل في كل أمة نبيًا شهيدًا، يبعث يوم القيامة ليشهد عليهم ولا يحق للمشهـود عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم ولا يقبل عتابهم.
وقال الله تعالى: ﴿وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٨٤﴾ [النحل: 84].
والشهداء بعد الأنبياء هم علماء الأمة في كل جيل، فعلى الناس اتباعهم والأخذ بمنهجهم بما يوافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن رفضوا أو اتبعوا الجبارين والطغاة والسلاطين الظلمة، فمصيرهم يوم القيامة بأن شهد عليهم العلماء بأنهم أشركوا بالله واتبعوا الطاغوت، قال الله تعالى: ﴿وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٧٤ وَنَزَعۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا فَقُلۡنَا هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ فَعَلِمُوٓاْ أَنَّ ٱلۡحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٧٥﴾ [القصص: 74-75].
والأمم لما تكذب رسلها وتقول كل أمة: ما جاءنا من نذير، فتأتي هذه الأمة: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتشهد للرسل عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه، تشهد لهم بالبلاغ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ﴾ [البقرة: 143].
وعن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدعى نوحٌ يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذيرٍ، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ: ﴿وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ﴾ [البقرة: 143]. فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ﴾ [البقرة: 143])(133).
قال الخازن في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦﴾ [الأعراف: 6]: «يعني: نسأل الأمم الذين أرسلنا إليهم الرسل ماذا عملتم فيما جاءتكم به الرسل، ﴿وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ يعني: ولنسألن الرسل الذي أرسلناهم إلى الأمم: هل بلغتم رسالاتنا وأديتم إلى الأمم ما أمرتم بتأديته إليهم أم قصرتم في ذلك.
قال ابن عباس رضي الله عنهما في معنى هذه الآية: يسأل الله تعالى الناس عما أجابوا به المرسلين ويسأل المرسلين عما بلغوا، وعنه أنه قال: يوضع الكتاب يوم القيامة، فيتكلم بما كانوا يعملون.
وقال السدي: يسأل الأمم ماذا عملوا فيما جاءت به الرسل، ويسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به.
فإن قلت: قد أخبر عنهم في الآية الأولى بأنهم اعترفوا على أنفسهم بالظلم في قوله ﴿إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ﴾فما فائدة هذا السؤال مع اعترافهم على أنفسهم بذلك؟
قلت: لما اعترفوا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب هذا الظلم والتقصير، والمقصود من هذا التقريع والتوبيخ للكفار.
فإن قلت: فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنهم قد بلغوا رسالات ربهم إلى من أرسلوا إليهم من الأمم؟
قلت: إذا كان يوم القيامة أنكر الكفار تبليغ الرسالة من الرسل، فقالوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فكان مسألة الرسل على وجه الاستشهاد بهم على من أرسلوا إليهم من الأمم أنهم قد بلغوا رسالات ربهم إلى من أرسلوا إليه من الأمم، فتكون هذه المسألة كالتقريع والتوبيخ للكفار أيضًا؛ لأنهم أنكروا تبليغ الرسل، فيزداد بذلك خزيهم وهوانهم وعذابهم»(134).
أحكام أداء الشهادة
الشهادة أمر عظيم، وباب خطير، ولها جملة من الأحكام تتعلق بأدائها، ومن تلك الأحكام:
أولًا: شروط أداء الشهادة:
الشهادة تحملًا وأداءً يشترط لها شروط تتعلق بالشاهد وشروط تخص بعض الشهادات دون بعض، وهي كالتالي:
أولًا: شروط تتعلق بالشاهد. وهي:
- التكليف.
من شروط الشاهد التكليف هو عندما يصبح الإنسان مكلفًا بتطبيق الأحكام الشرعية، ويراد بذلك: العقل، والبلوغ، فلا تقبل شهادة الصبي والمجنون.
واشتراط الشرع العقل ليتمكن الشاهد من فهم الحادثة وضبطها، والعقل آلة ذلك، والبلوغ من شروط الأداء لا من شروط التحمل(135).
والبلوغ من الشروط التي هي محل إجماع، فلا تقبل شهادة غير البالغ(136).
قال النيسابوري: «أجمعت الأمة على أنه لا بد فيه من العقل والبلوغ، فلا حد على مجنون ولا على صبي؛ لأنهما ليسا من أهل التكليف»(137).
- الإسلام.
فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم. وكذا على غير المسلم.
فقد اتفق جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية، والحنابلة على أن الإسلام شرط لقبول الشهادة، فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم. وكذا على غير المسلم(138). وأما الحنفية فقالوا: شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض مقبولة إن كانوا من أهل الذمة(139).
- الحرية.
فلا تقبل شهادة العبد.
فقد اتفق جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية على عدم قبول شهادة العبد، وأما الحنابلة يقبلون شهادة العبد، وكذا شهادة الأمة فيما تجوز فيه شهادة النساء، وسواء كان العبد رقيق الكل أو مبعضًا(140).
- العدالة.
وهي محل اتفاق بين العلماء، فلا تقبل شهادة الفاسق، ومن لا مروءة له(141).
- النطق.
فلا تقبل شهادة الأخرس.
قال الحنفية والحنابلة(142): لا تقبل شهادة الأخرس، ذلك أن الشهادة تختص بلفظ الشهادة، وهذا لا يمكن تحققه مع الأخرس أما المالكية والشافعية(143)، فقالوا: إن فهمت إشارته جاز(144).
- البصر.
فلا تقبل شهادة الأعمى.
لا تقبل شهادة الأعمى عند الحنفية(145)، وأما عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة فقد أجازوا شهادته في الأقوال دون الأفعال، وأما أبو حنيفة ومحمد فلا يجيزان شهادة الأعمى بحال(146).
- الضبط.
وحسن السماع، والفهم: فلا تقبل شهادة المغفل، والمعروف بكثرة الغلط والنسيان(147).
ثانيًا: شروط تخص بعض الشهادات دون بعض:
- الذكورية إذا تعلقت بالحدود والقصاص، حيث لا تقبل فيها شهادة الإناث.
- العدد في بعض أنواع الشهادات وهو على مراتب، فمنه ما يشترط فيه أربعة، كالشهادة على الزنا، ومنه ما يشترط فيه الاثنان، كالشهادة على السرقة والقتل. ومنه ما يشترط فيه الرجلان أو رجل وامرأتان، كما في المعاملات المالية.
- إقامة الدعوى إن كانت الشهادة في حقوق العباد، فإن كانت في حقوق الله تعالى فلا يجب إقامة الدعوى، كالشهادة على دخول هلال رمضان، وكذا حد الزنا(148).
ثالثًا: كيفية أداء الشهادة:
يشترط في كيفية أداء الشهادة على الوجه الصحيح أربعة شروط:
الشرط الأول: اللفظ.
يعتبر في أداء الشهادة الإتيان بلفظها فيقول: أشهد بكذا، فإن قال: أعلم وأتيقن أو أحق ونحوه لم يعتد به؛ لأنها مشتقة من اللفظ، وإذا شهد بأرض أو دار، فلا بد من ذكر حدودها؛ لأنها لا تعلم إلا بذلك، وإن شهد بنكاح اشترط ذكر شروطه من الولي والشهود والإيجاب والقبول؛ لأن الناس يختلفون فيها، وإن شهد بالرضاع احتاج إلى وصفه وأنه ارتضع من ثديها أو من لبن حلب منه، وذكر عدد الرضعات وأنه في الحولين، ولو شهد أنه ابنها من الرضاع لم يكف؛ لاختلاف الناس فيما يصير به ابنًا(149).
قال ابن عادل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ﴾ [البقرة: 143].
«اختص هذا اللفظ في عرف الشرع بمن يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة»(150).
الشرط الثاني: حسن الأداء للشهادة.
فلو قال الشاهد: معي شهادة أو عندي شهادة أن فلانًا فعل كذا أو أقر بكذا لم يكن ذلك أداء صحيحًا.
فلا يجوز لأحد أن يشهد على الآخر، إلا إذا كان حسن الأداء بالشهادة، حتى لو رأى الخط، إلا أن يكون ذاكرًا لما يشهد به، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْۖ﴾ [البقرة: 282].
فدل ذلك على أن الكتاب إنما أمر به ليتذكر به كيفية الشهادة، وأنها لا تقام إلا بعد حفظها وإتقانها.
وفيه الدلالة على أن الشاهد إذا قال: لا أذكر، ثم تذكر، يجوز له إقامة الشهادة(151).
الشرط الثالث: العدالة في الشهود.
وإن غلب في ظن الحاكم عدالتهم لا تصح شهادتهم وإن رضي الخصم بشهادة من ليس بعدل لا تقبل شهادته إلا أن يقول الخصم: صدق، فتؤخذ شهادته من باب الإقرار.
ونقل الشنقيطي عن ابن فرحون مراتب العدالة التي شملت أنواع الشهود قوة وضعفًا، وفيما تقبل شهاداتهم وفيما لا تقبل، وقال: إنها إحدى عشرة مرتبةً، وهي:
الأولى: الشاهد المبرز في العدالة العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز شهادته في كل شيء، وتجريحه ولا يسأل عن كيفية علمه بما شهد به من ذلك كله إذا أبهمه، ولا يقبل فيه التجريح إلا بالعداوة.
الثانية: المبرز في العدالة غير العالم بما تصح به الشهادة، فحكمه كالأول، إلا أنه يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك.
الثالثة: الشاهد المعروف بالعدالة العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز شهادته إلا في ستة مواضع على اختلاف في بعضها، وهي التزكية، شهادته لأخيه ولمولاه ولصديقه الملاطف ولشريكه في غير التجارة، وإذا زاد في شهادته أو نقص فيها، ويقبل فيها التجريح بالعداوة وغيرها، ولا يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك.
الرابعة: المعروف بالعدالة غير العالم بما تصح به الشهادة، حكمه كذلك إلا أنه يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك.
الخامسة: الشاهد المعروف بالعدالة إذا قذف قبل أن يحد فاختلف في قبول شهادته.
السادسة: الذي يتوسم فيه العدالة تجوز دون تزكية فيما يقع بين المسافرين في السفر من المعاملات، وفيما عدا ذلك لا بد من تزكيته، لأنه هو المعروف بمجهول الحال، والصحيح أن مثله لا بد من التحري عنه حتى ينكشف أمره.
السابعة: الذي لا يتوسم فيه العدالة ولا الجرحة فلا تجوز شهادته في موضع من المواضع دون تزكية، إلا أن شهادته تكون شبيهة في بعض المواضع عند بعض العلماء، فتوجب اليمين وتوجب الحميل وتوقيف الشيء على المدعى عليه.
الثامنة: الذي يستوسم فيه الجرحة فلا تجوز شهادته دون تزكية، ولا تكون شهادته شبهة توجب حكمًا.
التاسعة: الشاهد الذي ثبت عليه جرحة قديمة أو يعلمها الحاكم فيه، فلا تجوز شهادته دون تزكية، ولا تقبل فيه التزكية على الإطلاق، وإنما تقبل ممن علم بجرحته إذا شهد على توبته منها، ونزوعه منها، والمحدود في القذف بمنزلته على مذهب مالك؛ لأن تزكيته لا تجوز على الإطلاق، وإنما تجوز بمعرفة تزيده في الخير.
العاشرة: المقيم على الجرحة المشهود بها، فلا تجوز شهادته ولا تقبل التزكية فيه، وإن زكى، وإنما تقبل تزكيته فيما يستقبل إذا تاب.
الحادية عشر: شاهد الزور، فلا تصح شهادته وإن تاب وحسنت حاله، وفي رواية أبي زيد: إذا جاء تائبًا مقرًا على نفسه بشهادة الزور قبل أن تظهر عليه، وهو الأظهر»(152).
الشرط الرابع: حضور الخصم المدعى عليه عند أداء الشهادة أو حضور نائبه.
وإن لم يكن حاضرًا هو أو نائبه لم يصح أداؤها، ويجوز للقاضي تحليفهم وتفريقهم.
والأصوب في الشهادة هو الوقوف أمام القاضي، ويذكروا له كيفية الواقعة، كما حدث مع أخوة يوسف، فقال الأخ المحتبس بمصر لإخوته: ﴿ٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيكُمۡ فَقُولُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبۡنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا وَمَا كُنَّا لِلۡغَيۡبِ حَٰفِظِينَ ٨١﴾ [يوسف: 81](153).
قال الشربيني في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٠﴾ [فصلت: 20].
أي: النار التي كانوا بها يكذبون، فما زائدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور»(154).
رابعًا: موانع قبول الشهادة:
يمنع من الشهادة عدة أشخاص وهم:
- الطفل والصبي والمجنون والسكران: لأن قولهم على أنفسهم لا يقبل، فعلى غيرهم من باب أولى(155). والصبي لا تقبل شهادته لقول الله تعالى: ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ﴾ [البقرة: 282]. فالله تعالى جعل الشهادة في الرجال وليس في الصبيان؛ ولأن الصبي ليس بمكلف، فهو أشبه بالمجنون.
- من عرف بكثرة الغلط والغفلة: لأنه لا تحصل الثقة بقوله؛ لاحتمال أن يكون من غلطه، وتقبل شهادته من يقبل ذلك منه؛ لأن أحدًا لا يسلم من الغلط(156).
- الأخرس: فلا تقبل شهادة الأخرس بالإشارة؛ لأنها محتملة، فلم تقبل، كإشارة الناطق وإنما قبلت في أحكامه المختصة به للضرورة، وهي ها هنا معدومة(157).
- الكافر(158): لقوله تعالى: ﴿وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ﴾ [الطلاق: 2]. وقال تعالى: ﴿مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: 282]. والكافر ليس بعدل ولا مرضي عنه ولا هو منا، ولكن تقبل شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن موجودًا غير المسلمين، ويستحلف مع شهادته لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ﴾ [المائدة: 106]. الآيات نزلت في تميم وعدي، وكانا نصرانيين، شهدا بوصية، فعن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فأوصى إليهما، فلما قدما بتركته فقد جامًا من فضة بالذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله ما كتمتماها ولا اطلعتما، ثم وجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا بالله: لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم، وأخذ الجام (159).
- الفاسق: فلا تقبل شهادة الفاسق، مثل المغني والرقاص والطفيلي والمتمسخر؛ لقول الله تعالى: ﴿إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]. وقوله تعالى: ﴿وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ﴾ [الطلاق: 2](160). وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر(161) على أخيه)(162). أما الخيانة في الحديث فلا تختص بخيانة أمانات الناس، بل ذلك عام في كل من ترك شيئًا مما أمر الله به عباده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو ارتكب ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يكون عدلًا ولا تجوز شهادته؛ لقول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٧ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٨﴾ [الأنفال: 27-28]. قال السعدي: «ولما كان العبد ممتحنًا بأمواله وأولاده، فربما حمله محبة ذلك على تقديم هوى نفسه على أداء أمانته، أخبر الله تعالى أن الأموال والأولاد فتنة يبتلي الله بهما عباده، وأنها عارية ستؤدى لمن أعطاها، وترد لمن استودعها»(163).
- الوالدان: فلا تقبل شهادة والد وإن علا أو ولد وإن سفل؛ لأن الانسان يميل بطبعه إليهم. قال الشربيني: «الولد قطعة من الوالدين، قال صلى الله عليه وسلم (فاطمة بضعة مني)(164). وأيضًا شفقة الوالدين على الولد عظيمة، وإيصال الخير إلى الولد منهما أمر طبيعي، واحترازهما عن إيصال الضرر إليه أمر طبيعي»(165). وقال الحسن والنخعي والشعبي وشريح ومالك والثوري والشافعي وابن حنبل: بجواز شهادة الوالدين والأخ، ويتأولون في ذلك قول الله تعالى: ﴿كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ﴾ [النساء: 135]. فلم يكن أحد يتهم في ذلك من السلف الصالح رضوان الله عليهم. ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والزوجة(166).
- الزوجان: فلا تقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه؛ لأنه ينتفع بشهادته لتبسط كل واحد منهما في مال الآخر عادة واتساعه سعته وإضافة مال كل منهما إلى الآخر. قال عمر بن الخطاب لرجل قال له: (إن غلامي سرق مرآة امرأتي قال: غلامكم سرق مالكم لا قطع عليه)(167)؛ ولأنه إن كان الزوج الشاهد فهو يجر إلى نفسه نفعًا؛ لأن قيمة بضع المرآة المملوك له يزداد بيسارها وإن كان الشاهد المرأة فنفقتها تزداد بيساره، وعنه: أن شهادة أحدهما للآخر مقبولة لدخوله في العموم(168). وقال مالك وأبو حنيفة: شهادة الزوج لزوجته لا تقبل؛ لتواصل منافع الأملاك بينهما، وهي محل الشهادة(169). ولأنه يتهم في إرادة الضرر بعدوه. لذلك لا تقبل شهادة الرجل على زوجته بالزنا؛ لأنه يقر بعدواته لها؛ ولأنه دعوى جناية في حقه فلم تقبل؛ لأنه خصم، ولا تقبل شهادة المقطوع عليه الطريق على القاطع، ولا المقذوف على القاذف، لأنه عدو، فأما المتحاكمان على مال فلا يمنع ذلك قبول شهادة أحدهما على صاحبه؛ لأنه ليس بعدواة(170).
عقوبة كتم الشهادة وتزويرها
كتمان شهادة الحق من العلامات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، والتي ستكون بين يدي الساعة، ففي حديث عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن بين يدي الساعة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق)(171).
وشهادة الزور هي الكذب المتعمد في الشهادة لإبطال الحق، وكذلك كتمان الشهادة لإبطال الحق، وهذه من العلامات التي تكون بين يدي الساعة التي وقعت الآن بمثل ما أخبر به الصادق المصدوق.
أولًا: عقوبة كتم الشهادة:
قال تعالى في كتمان شهادة الحق: ﴿وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ﴾ [البقرة: 283].
فإذا دعي المريء إلى الشهادة فلابد أن يشهد بالحق الذي رآه بعينه والذي سمعه بأذنيه، ولا يشهد على غبش، ولا يقل: بلغني كذا أو سمعت عن فلان كذا وكذا(172).
وعن سعيد بن جبيرٍ في قول الله: ﴿وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ﴾ يعني: عند الحكام، يقول: من أشهد على حقٍ، فليقمها على وجهها، كيف كانت»(173).
وعن الربيع: «فلا يحل لأحدٍ أن يكتم شهادةً هي عنده، وإن كانت على نفسه أو الوالدين أو الأقربين»(174).
وكتمان الشهادة ظلم، وبخاصة عندما تكون الشهادة المفروضة حق الله، مثل: الشهادة بأركان الإيمان أو الإسلام.
قال تعالى: ﴿أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٠﴾ [البقرة: 140].
وكذلك كل من يكتم الشهادة على حقوق الناس المفروضة فهم آثم.
قال الله تعالى: ﴿۞ وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨٣﴾ [البقرة: 283].
والخطاب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ﴾ إلى الشهود يعني: إذا دعيتم إلى إقامتها وأدائها، وذلك لأن الشاهد متى امتنع عن إقامة الشهادة وكتمها فقد أبطل بذلك حق صاحب الحق؛ فلهذا نهى الله تعالى عن كتمان الشهادة وبالغ في الوعيد عليه فقال تعالى: ﴿وَمَن يَكۡتُمۡهَا﴾يعني: الشهادة فإنه آثم قلبه، أي: فاجر قلبه والآثم الفاجر، وإنما أضيف الإثم إلى القلب لأن الأفعال من الدواعي والصوارف إنما تحدث في القلب، فلما كان الأمر كذلك أضيف الإثم إلى القلب، قيل: ما أوعد الله على شيء كإيعاده عن كتمان الشهادة فإنه تعالى قال ﴿فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ﴾أراد به مسخ القلب ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ﴾يعني: من بيان الشهادة وكتمانها، ففيه وعيد وتحذير لمن كتم ولم يظهرها.
ويدخل في كتمان الشهادة ألا يقول ما عاين، بأن يمتنع عن الذهاب إلى مجلس القضاء مطلقًا، أو يذهب ويقول: لا أعلم؛ فإن ذلك فوق أنه كتمان كذب، أو يقول بعض ما يعلم. والأداء أن يقول كل ما يعلم حيث طلب إليه أن يقول، ولا يترك شيئًا مما يعلمه متصلًا بموضوع الشهادة(175).
قال الزمخشري في هذا المعنى: «كتمان الشهادة هو أن يضمرها، ولا يتكلم بها، فلما كان إثمًا مقترنًا بالقلب أسند إليه؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ؛ ألا تراك إذا أردت التوكيد تقول: هذا مما أبصرته عيني، ومما سمعته أذني، ومما عرفه قلبي؛ ولأن القلب رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله؛ فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان فيه، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان، وليعلم أن القلب أصل متعلقه، ومعدن اقترافه، واللسان ترجمان عنه؛ ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح، وهي لها كالأصول التي تشع منها، ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر، وهما من أفعال القلوب؛ فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب، فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب»(176).
﴿فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ﴾ مرفوع بالفاعلية أو الابتداء، أي: يأثم قلبه أو قلبه آثم، وأسند الإثم إلى القلب لأن الكتمان فعل القلب، ففي الإسناد إليه تأكيد ومبالغة، كما يقال، رأيته بعيني وسمعته بأذني وحفظته بقلبي أو لأنه رئيس الأعضاء وأفعاله أعظم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا وإن في الجسد مضغةً: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) (177) (178).
وعن ابن عباسٍ قال: «ومن الكبائر: كتمان الشهادة؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ﴾»(179).
وعن سعيد بن جبيرٍ في قول الله:﴿وَمَن يَكۡتُمۡهَا﴾: «يعني: الشهادة، لا يشهد بها إذا دعي لها، فإنه آثمٌ قلبه» (180).
وعن السدي في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ﴾يقول: فاجرٌ قلبه (181).
وختمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ﴾ يعني: من كتمان الشهادة، وإقامتها عليهم عليمٌ وتهديد هذه الآية دليل على أن كتمان الشهادة حرام وأداؤها فريضة وإن لم يسأله المشهود له، وإذا كان المشهود له لا يعلم بشهادة الشاهد يجب على الشاهد أن يعلمه بأنه شاهد.
وقال آخرون: الشهادة من قبل أن يستشهد مذمومه؛ لحديث عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم أن بعدهم قومًا يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن) (182)(183).
ثم جاء قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ﴾ فالآية خاصة متصلة بالآية التي قبلها، وإنما نزلت في كتمان الشهادة، ومعنى الآية ﴿وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ﴾أيها الشهود من كتمان الشهادة أو تخفوه، أي: تخفوا الكتمان يحاسبكم به الله(184).
ثانيًا :عقوبة شهادة الزور:
شهادة الزور من أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب، فهي سبب في أكل أموال الناس بالباطل، وسبب لإضاعة الحقوق، وسبب لإضلال الحكام والقضاة ليحكموا بغير الحق، فيجب اجتنابها.
والزور في اللغة: الكذب والباطل، وقيل: هو شهادة الباطل، يقال: رجلٌ زور، وقوم زور؛ أي: مموهٌ بكذب(185).
وشهادة الزور شرعًا: الشهادة بالكذب؛ ليتوصل بها إلى الباطل، من إتلاف نفس، أو أخذ مال، أو تحليل حرام، أو تحريم حلال، وقيل: أن يشهد المرء بما لا يعلم عامدًا ولو طابق الواقع. وقيل: هي الشهادة بالكذب(186).
وتعتبر شهادة الزور من أبشع الرذائل، وأشنع المعاصي، وأفحش الآثام، وأعظم الموبقات، وأكبر الكبائر. ويكفي للدلالة على فظاعتها وخطورتها أن رب العزة سبحانه قرن النهي عنها بالنهي عن عبادة الأوثان في محكم القرآن(187).
قال الله تعالى: ﴿فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ﴾ [الحج: 30].
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر). ثلاثًا، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين-وجلس وكان متكئًا، فقال- ألا وقول الزور). قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت(188).
فجلوسه عليه الصلاة والسلام بعد اتكائه يشعر باهتمامه الكبير بهذه الآفة الخطيرة، ويفيد تأكيد حرمتها، وعظم قبحها. وسبب اهتمامه عليه الصلاة والسلام المتزايد بها، هو: كونها أسهل وقوعًا على الناس، والتهاون بها أكثر، والحوامل عليها كثيرة، كالعداوة والحسد وغير ذلك(189).
وشاهد الزور خوان أثيم، وله عند الله العذاب الأليم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا﴾ [النساء: 107].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا إيمان لمن لا أمـانة له). (190)
وشاهد الزور غشاش مكار كذاب، شاهد الزور إذا مات ولم يتب يعذب في النار بقدر جرمه وكذبه.
ونبينـا صلى الله عليه وسلم يقول: (من غشنا فليـس منا)(191).
وعن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب كذابًا)(192).
وشاهد الزور يجني على نفسه أولًا، فيلبسها لباس الخزي والعار والذل والاحتقار، ويعرضها لعقاب الجبار.
ثانيًا: يجني على المشهود عليه بإلحاق الضرر به، وقهره وغلبته بالباطل، وحرمانه من حقه، وإيغار صدره عليه، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: 8].
ثالثًا: يجني على المشهود له بإعانته على الباطل والجور والعصيان، وربنـا جل وعـلا يقـول ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: 2].
رابعًا: يجني أيضًا على المجتمع برمته، بحيث يسهم في إفساده وتخريبه وتهديد كيانه وإسقاطه من بين المجتمعات الراقية، ذلك أن أي مجتمع تنتشر وتتفشى فيه هذه الآفة الخطيرة وهذه الجريمة الشنيعة يكون عرضة للانحدار والسقوط(193).
وإذا أقر الإنسان أنه شهد زورًا عند القاضي فهو فاسق ترد شهادته، يفعل القاضي به ما يحقق المصلحة، بحسب الناس، وحجم القضية. فله أن يعزره بما يردعه بالضرب مثلًا، أو الحبس، أو التوبيخ، أو يشهر به في الأسواق أو بين قومه، ليعرفه الناس ويحذروه.
وأما إذا تسبب في القتل بشهادته، فقد ذهب الحنفية، والمالكية إلى أن الواجب هو الدية لا القصاص؛ لأن القتل بشهادة الزور قتلٌ بالسبب، والقتل تسببًا لا يساوي القتل مباشرة؛ فوجبت به الدية لا القصاص(194).
وجاء عن الإمام مالك: «قلت: أرأيت القاضي إذا أخذ شاهد زور كيف يصنع به وما يصنع به؟ قال: قال مالك: يضربه، ويطوف به في المجالس»(195).
وقال ابن جزي: «إذا عثر على شاهد الزور عوقب بالسجن والضرب، ويطاف به في المجالس»(196).
وقال ابن العربي: «يسود وجهه، ولا تقبل شهادته؛ لأنه لا تعرف له توبة»(197).
وعند الشافعية والحنابلة: يجب حد القذف على الشهودٍ إذا شهدوا بالزنا، ويقام عليهم الحد، سواء تبين كذبهم قبل الاستيفاء أم بعده، ويحدون في الشهادة بالزنا حد القذف أولًا، ثم يقتلون إذا تبين كذبهم بعد استيفاء الحد بالرجم (198).
ثالثًا: حكم توبة شاهد الزور:
ذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة وأبو ثور(199)، إلى أنه إذا تاب شاهد الزور، وأتت على ذلك مدة، فظهر فيها توبته، وتبين صدقه فيها وعدالته قبلت شهادته؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ﴾ [آل عمران: 89].
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)(200). ولأنه تائب من ذنبه، فقبلت توبته كسائر التائبين.
ومدة ظهور التوبة عندهم سنة؛ لأنه لا تظهر صحة التوبة في مدة قريبة، فكان أولى المدد بالتقدير سنة؛ لأنه تمر فيها الفصول الأربعة التي تهيج فيها الطبائع، وتتغير فيها الأحوال(201).
وقال البابرتي: «مدة ظهور التوبة عند بعض الحنفية ستة أشهر، ثم قال: والصحيح أنه مفوض إلى رأي القاضي»(202).
وقال المالكية: إن كان ظاهر الصلاح حين شهد بالزور، لا تقبل له شهادة بعد ذلك؛ لاحتمال بقائه على الحالة التي كان عليها، وإن كان غير مظهر للصلاح حين الشهادة، ثم ظهر فيه الصلاح تقبل توبته(203).
| موضوعات ذات صلة: |
| الدَين، الزور، العدل |
الحواشي
- مقاييس اللغة، ابن فارس ص 539. ↩
- لسان العرب، ابن منظور 3/239. ↩
- المفردات، الراغب الأصفهاني ص 68. ↩
- الاختيار لتعليل المختار، الموصلي 2/413. ↩
- نهاية المحتاج، الرملي 8/292. ↩
- شرح منتهى الإرادات، البهوتي 3/575. ↩
- انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص388 - 390. ↩
- المفردات، الراغب الأصفهاني ص 267-268. ↩
- مقاييس اللغة 2/239. ↩
- انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 273، التعريفات، الجرجاني ص96. ↩
- انظر: شأن الدعاء، الخطابي ص63. ↩
- انظر: الدر المنثور، السيوطي 2/116. ↩
- المنثور في القواعد، الزركشي 2/116. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 4/3083، تهذيب اللغة، الأزهري 2/418 ↩
- الصحاح، الجوهري 5/1990. ↩
- التعريفات ص 191. ↩
- فتح الباري، ابن حجر 1/141. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/109، المفردات، الراغب الأصفهاني ص344. ↩
- مختار الصحاح، الرازي ص 349. ↩
- انظر: فتح القدير، ابن الهمام 6/280، الشرح الصغير 3/525، كشاف القناع، البهوتي 6/367. ↩
- انظر: المغني، ابن قدامة 12/4، الشرح الكبير، ابن قدامة 12/3. ↩
- انظر: العين، الفراهيدي 4/454. ↩
- لسان العرب، ابن منظور 1/654. ↩
- انظر: المصدر السابق. ↩
- المنار، محمد رشيد رضا 7/422. ↩
- التحرير والتنوير 6/270. ↩
- انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 16/110. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا 7/422. ↩
- أخرجه أحمد في مسنده، 6/247، رقم 3712.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، 1/383، رقم 199. ↩ - انظر: أركان الإيمان، علي بن نايف الشحود ص12. ↩
- انظر: مدارج السالكين، ابن القيم 1/107. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا 11/339، لباب التأويل، الخازن 3/408. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص213. ↩
- مفاتيح الغيب 11/263. ↩
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 2/134، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 7/119. ↩
- انظر: المصباح المنير، الفيومي ص 651، فتح الباري، ابن حجر 1/9. ↩
- انظر: الوحي والإنسان، الجليند ص 49. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، 4/112، رقم 3215. ↩
- أخرجه مالك في الموطأ، كتاب القرآن، باب ما جاء في القرآن 1/202. ↩
- جامع البيان 9/409. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/476. ↩
- مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، عثمان جمعة ضميرية ص 387. ↩
- انظر: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية، الشوكاني 1/209. ↩
- أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، 10/199، رقم 10453. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب الحدود كفاراتٌ لأهلها، 3/1333، رقم 1709. ↩
- الموسوعة الجنائية الإسلامية المقارنة، سعود ابن عبد العالي بن البارودي، رقم 142. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، 2/1135، رقم 1498. ↩
- انظر: مغني المحتاج، الشربيني 4/441. ↩
- انظر: نهاية المحتاج، الرملي 8/310. ↩
- انظر: تحفة المحتاج، الهيتمي 10/346. ↩
- انظر: الفقه على المذاهب الأربعة، الجزيري 5/39. ↩
- انظر: كشف القناع، البهوتي 5/390. ↩
- انظر: تفسير المراغي 16/76، صفوة التفاسير، الصابوني 2/299. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم، باب النهبى بغير إذن صاحبه، رقم2475، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء، رقم 1679، عن أبي بكرة رضي الله عنه. ↩
- انظر: حاشية اللبدي على نيل المآرب 2/402. ↩
- انظر: المعونة، القاضي عبدالوهاب 3/1551، روضة الطالبين، النووي 8/225. ↩
- انظر: المهذب، الشيرازي 3/450، الإجماع، ابن المنذر ص87. ↩
- انظر: تبيين الحقائق، الزيلعي 4/208، الإنصاف، المرداوي 2/78. ↩
- أخرجه أحمد في مسنده، 5/293، عن أبي أمية المخزومي.
وصححه ابن القطان، كما في تلخيص الحبير، ابن حجر 4/125. ↩ - انظر: تبيين الحقائق، الزيلعي 4/208، الإنصاف، المرداوي 2/78. ↩
- جامع البيان، 19/140. ↩
- المصدر السابق 19/102. ↩
- تفسير القرآن العظيم 6/14. ↩
- أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في الغيبة، رقم 4876.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/439، رقم 2203. ↩ - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، رقم 89. ↩
- شرح النووي على صحيح مسلم 2/84. ↩
- الجامع لأحكام القرآن 12/173. ↩
- المصدر السابق 12/174. ↩
- انظر: التعريفات، الجرجاني ص 67. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/725. ↩
- أخرجه الترمذي في سننه، أبواب البيوع، باب ما جاء في الرجحان في الوزن 3/598، رقم 1305.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/668، رقم 3574. ↩ - أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد، 3/460، رقم 3608.
وصححه، الألباني في الإرواء، 5/127، رقم 1286. ↩ - أحكام القرآن، الجصاص 2/206. ↩
- انظر: فقه السنة، سيد سابق 3/74. ↩
- المصدر السابق. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/726. ↩
- انظر: الفقه على المذاهب الأربعة، الجزيري 1/547. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب السلم، باب السلم في وزن معلوم، رقم2125، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب السلم، رقم 1604. ↩
- انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين 5/323. ↩
- انظر: الفقه على المذاهب الأربعة، الجزيري 1/547. ↩
- انظر: معين الحكام، الطرابلسي ص 125. ↩
- انظر: أدب القاضي، الماوردي 2/98. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 3/383. ↩
- انظر: كشف الأسرار، علاء الدين البخاري 3/52، معين الحكام، الطرابلسي ص 125. ↩
- أحكام القرآن، الكيا الهراسي 1/238.
وانظر: أحكام القرآن، ابن العربي 1/262، أحكام القرآن، الجصاص 1/482. ↩ - انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 168. ↩
- انظر: مدارك التنزيل، النسفي 1/292، إرشاد العقل السليم، أبو السعود 2/146. ↩
- انظر: أسهل المدارك، الكشناوي 2/3. ↩
- انظر: مدارك التنزيل، النسفي 1/292، إرشاد العقل السليم، أبو السعود 2/146. ↩
- انظر: كشاف القناع، البهوتي 3/443. ↩
- معالم التنزيل 2/169. ↩
- أحكام القرآن 2/64. ↩
- انظر: معالم التنزيل، البغوي 2/165. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن، 4/480، معالم التنزيل البغوي 2/166. ↩
- انظر: تحفة الإخوان، الشيخ عبدالعزيز بن باز ص160. ↩
- أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الحدود، باب في الغلام يصيب الحد، رقم 4404. ↩
- انظر: الدر المختار، ابن عابدين 5/457، حاشية الصاوي 4/579، مغني المحتاج، الشربيني 3/38. ↩
- مغني المحتاج، الشربيني 3/39. ↩
- تفسير آيات الأحكام، السايس 1/41. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا 2/110. ↩
- أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الوصايا، باب لا وصية لوارث 4/433، رقم 2120.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في الإرواء، 6/87، رقم 1655. ↩ - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، 5/68، رقم 3936. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 2/263، مناهل العرفان، الزرقاني 2/184. ↩
- أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الوصايا، باب ما جاء يبدأ بالدين قبل الوصية، 4/435 رقم 2122.
وحسنه الألباني في الإرواء، 6/107، رقم 1667. ↩ - جامع البيان، الطبري 8/275. ↩
- انظر: مغني المحتاج، الشربيني 3/39. ↩
- انظر: الفتاوى الهندية، نظام الدين البلخي وآخرون 2/347، رد المحتار، ابن عابدين 3/443. ↩
- انظر: الشرح الصغير، الصاوي 4/601. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوصية، 3/1249، رقم 1627. ↩
- انظر: المغني، ابن قدامة 69/6. ↩
- انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 43/282. ↩
- أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الوصايا، باب كيف تكتب الوصية، 9/53، رقم 16319.
وصححه الالباني في إرواء الغليل، 6/84. ↩ - السيل الجرار، الشوكاني ص 439. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 18/157. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/145، الدر المنثور، السيوطي 6/232، المحلى، ابن حزم 10/251، نظام الطلاق في الإسلام، أحمد شاكر ص80. ↩
- انظر: تفسير القرآن، السمعاني 5/461. ↩
- نيل المرام، القنوجي ص451. ↩
- التحرير و التنوير 28/309. ↩
- انظر: الكشف والبيان، الثعلبي 9/335، معالم التنزيل، البغوي 8/150، الكشاف، الزمخشري 4/555، زاد المسير، ابن الجوزي 4/297، نظم الدرر، البقاعي 20/148، الدر المنثور، السيوطي 8/193، إرشاد العقل السليم، أبو السعود 8/261، روح المعاني، الألوسي 14/330، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص869. ↩
- نظام الطلاق في الإسلام ص80. ↩
- أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب الرجل يراجع ولا يشهد، 3/510، رقم 2186.
وصححه الألباني في الإرواء 6/299. ↩ - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات، 2/94، رقم 1358، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة 4/2047، رقم 2658. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، 4/2197، رقم 2865. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/500. ↩
- انظر: البحر المحيط، أبو حيان 10/529، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/467. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة 10/5171. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/33. ↩
- جامع البيان، الطبري 18/105. ↩
- أضواء البيان، الشنقيطي 7/395. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/306. ↩
- انظر: التعريفات، الجرجاني ص 129، 135. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾، 6/21، رقم 4487. ↩
- لباب التأويل، الخازن 2/210. ↩
- انظر: تفسير الشعراوي 6/3478. ↩
- انظر: الأم، الشافعي 2/2552، بدائع الصنائع، الكاساني 6/266، تبيين الحقائق، الزيلعي 4/212، المغني، ابن قدامة 12/28، الإنصاف، المرداوي 12/37. ↩
- غرائب القرآن 5/146. ↩
- انظر: بلغة السالك، الصاوي 2/323، روضة الطالبين، النووي 8/199، الشرح الكبير، ابن قدامة 12/34. ↩
- انظر: بدائع الصنائع، الكاساني 6/266. ↩
- انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 14/305، اختلاف الفقهاء، الرازي 3/335. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 23/334، بدائع الصنائع، الكاساني 6/266، الكافي، ابن عبدالبر ص461، الوجيز الغزالي 2/248، شرح منتهى الإرادات، البهوتي 3/589. ↩
- انظر: المبسوط، السرخسي 16/130، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 11/185. ↩
- انظر: مختصر اختلاف العلماء، الرازي 3/369، الكافي، ابن عبدالبر ص464، الوجيز، الغزالي 2/251، روضة الطالبين، النووي 8/231. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلى 16/86، روضة الطالبين، النووي 8/231. ↩
- انظر: روح البيان، إسماعيل حقي 7/216، مختصر اختلاف العلماء، الرازي 3/336. ↩
- انظر: روح البيان، إسماعيل حقي 7/216،: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 3/390، مغني المحتاج، الشربيني 4/446، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 11/185. ↩
- انظر: المبسوط، السرخسي 16/113، المعونة، القاضي عبدالوهاب 3/1527، روضة الطالبين، النووي 8/216، المبدع، ابن مفلح 8/304. ↩
- المهذب، الشيرازي 3/50، المبدع، ابن مفلح 8/330، الإجماع، ابن المنذر ص87. ↩
- انظر: الهداية: المرغيناني 3/129، الكافي، ابن قدامة 4/287. ↩
- اللباب في علوم الكتاب 3/18. ↩
- انظر: أحكام القرآن، الكيا هراسي 1/256. ↩
- انظر: أضواء البيان 8/302. ↩
- انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 11/183. ↩
- السراج المنير 3/512. ↩
- انظر: غرائب القرآن، النيسابوري 5/146. ↩
- انظر: المغني، ابن قدامة 10/8378. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي 16/86، روضة الطالبين، النووي 8/231. ↩
- انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 16/256. ↩
- انظر: المنار، محمد رشيد رضا 10/124. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 23/334، الكافي، ابن عبدالبر ص461، الوجيز، الغزالي 2/248. ↩
- ذي غمر أي: حقد وضغن.قال الخطابي: «ذو الغمر فهو الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة، فرد شهادته للتهمة»، معالم السنن، الخطابي 4/169. ↩
- أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأقضية، باب من ترد شهادته، 5/453، رقم 3601.
وقوى إسناده ابن حجر في التلخيص الحبير 4/198. ↩ - تيسير الكريم الرحمن ص319. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، 7/37، رقم 5230. ↩
- السراج المنير 2/295. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 5/352. ↩
- مصنف عبد الرزاق، كتاب اللقطة، باب الخيانة، 10/210، رقم 18866. ↩
- انظر: العدة شرح العمدة، أبو محمد المقدسي، ص 689. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 5/352. ↩
- انظر: الفتح الرباني، الجيلاني 5/220. ↩
- أخرجه أحمد في مسنده 1/407.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم 647. ↩ - انظر: لباب التأويل، الخازن 1/310. ↩
- تفسير ابن أبي حاتم 2/571. ↩
- جامع البيان، الطبري 5/130. ↩
- زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة 2/1080. ↩
- الكشاف 1/329. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، 1/20، رقم 52. ↩
- انظر: التفسير المظهري 1/436. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 5/130، تفسير ابن أبي حاتم 2/571. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 5/130. ↩
- تفسير ابن أبي حاتم 2/571. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، بابٌ لا يشهد على شهادة جورٍ إذا أشهد، 3/171، رقم2651. ↩
- انظر: التفسير المظهري 1/436. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن 1/310. ↩
- انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 386. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 12/55، حاشية الطحاوي 3/260، فتح الباري، ابن حجر 10/412. ↩
- انظر: أحكام القرآن، الجصاص 3/241. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، رقم 2511، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الكبائر وأكبرها، رقم 87. ↩
- انظر: فتح الباري، ابن حجر 5/263. ↩
- أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الإيمان، باب فرض الإيمان، رقم 194.
وصححه الألباني في تعليقه على الإيمان لابن تيمية ص21. ↩ - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا)، رقم 102. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب قبح الكذب، رقم 2607. ↩
- انظر: أحكام القرآن، الجصاص 3/41، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 12/55. ↩
- انظر: بدائع الصنائع، الكاساني 6/285، الشرح الصغير، الدردير 4/295. ↩
- المدونة 4/74. ↩
- القوانين الفقهية، ابن جزي ص 227. ↩
- أحكام القرآن، ابن العربي 6/9. ↩
- انظر: نهاية المحتاج، الرملي 8/211، المهذب، الشيرازي ص 341، المغني، ابن قدامة 9/245. ↩
- انظر: العناية، البابرتي 6/84، روضة الطالبين، النووي 11/245، كشاف القناع، البهوتي 6/443. ↩
- أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، 2/1420، رقم 4250.
وحسنه ابن حجر، كما في المقاصد الحسنة، السخاوي ص 249. ↩ - انظر: المغني، ابن قدامة 9/202. ↩
- العناية، البابرتي 6/84. ↩
- انظر: الشرح الصغير، الدردير 4/26، الكافي، ابن عبد البر 6/210. ↩
