تنزيل PDF

السرّ

المجلد التاسع متفرقات حرف س ٥٥ قراءة · ٢٧٤ تنزيلاً

مفهوم السرّ

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (س ر ر) تدل على إخفاء الشيء. وما كان من خالصه ومستقره(1).

السرُّ: مَا أَسْرَرْت. والسَّريرةُ: عمل السِّرّ من خَيْر أَو شَرّ(2).

والإسرار خلاف الإعلان، وهو: اسم لما يكتمه الإنسان ويخفيه(3).

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرف الراغب الأصفهاني السّر بقوله هو: «الحديث المكتّم في النفس» (4)، وهو خلاف الإعلان، ويستعمل في الأعيان والمعاني(5).

ففي الأعيان جاء قوله تعالى: ﴿قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ﴾ [يوسف: 19].

وفي المعاني كقوله تعالى: ﴿قَالُوٓاْ إِن يَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخٞ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرّٞ مَّكَانٗاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 77].

ويمكن تعريف السر بأنه: اسم لما يكتم ويخفى من الأعيان والمعاني من العقائد والنيات والأقوال والأعمال وغيرها(6).

السر في الاستعمال القرآني

وردت مادة (سرر) في القرآن الكريم (44) مرة، يخص موضوعنا منها (32) مرة (7).

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغةعدد المراتالمثال
الفعل الماضي10﴿فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢﴾ [المائدة: 52]
الفعل المضارع7﴿وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ﴾ [التغابن: 4]
فعل الأمر1﴿وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٣﴾ [الملك: 13]
المصدر2﴿ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا ٩﴾ [نوح: 9]
الاسم12﴿فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى ٧﴾ [طه: 7]

وجاء السرّ في القرآن على وجهين(8):

الأول: النكاح: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي: نكاحًا.

الثّاني: ضد العلانية: ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى﴾ [طه: ٧].

الألفاظ ذات الصلة

النجوى:

النجوى لغة هي:

إسرار الحديث إلى الغير، وما يتفرد به الجماعة والاثنان سرّاً كان أو ظاهراً، وتطلق على القوم المتناجين، ويستوي فيه المفرد، والجمع (9).

النجوى اصطلاحًا هي:

المسارة بالحديث في خفاء، ولا يخرج معناها في اصطلاح القرآن الكريم عن معانيها في اللغة(10).

الصلة بين النجوى والسر:

النجوى تكون في الحديث وإخفاؤه عن الناس، والسر يشمل الكلام وغيره(11).

الإخفاء:

الإخفاء لغة:

الستر والكتمان، يقال: خفيت الشيء أخفيه: كتمته، وأخفيت الشيء: سترته وكتمته، ويقابله الإبداء والإعلان، والإخفاء: تغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علامة يهتدى إليه من جهتها، وهو من الأضداد(12).

والإخفاء اصطلاحًا هو:

لا يختلف عن معناه اللغوي، الذي يدل على الستر وتغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علامة يهتدى إليه من جهتها(13).

الصلة بين الإخفاء والسر:

السر هو: اسم لما يكتمه الإنسان ويخفيه على جهة العزيمة، وأما الإخفاء فهو: السر الذي لم يبلغ حد العزيمة(14).

الكتمان:

الكتمان لغة:

الإخفاء والستر(15)، يقال: كتمت الحديث كتمًا وكتمانًا، أي: سترته، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَكۡتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثٗا﴾ [النساء: 42] (16).

الكتمان اصطلاحًا هو:

لا يختلف عن معناه اللغوي الدال على إخفاء الشيء حتى لا يرى ولا يعلم (17).

الصلة بين الكتمان والسر:

فرّق أبو هلال العسكري بين السر والكتمان بقوله: إن السر أعم من الكتمان؛ لأن الكتمان يختص بالمعاني غالبًا، كالإسرار والإخبار؛ ولأن الكتمان لا يستعمل إلا فيهما في الغالب(18)، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيٓ أَرۡحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228].

فقد نهى الله تعالى النساء عن كتمان ما في الأرحام، والسر يختص بالأعيان غالبًا؛ لأن الأصل في السر تغطية الشيء بغطاء، ثم استعمل في غيرها تجوزًا (19).

استواء السر والعلن في علم الله

يستوي في علم الله تعالى السر والعلانية، والصغير والكبير، والغيب والشهادة، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۖ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ ٨ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ ٩ سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ﴾ [الرعد: 8-10].

وهذه الآية أبلغ آية في استواء علم الله بالسر والجهر، سواء من أسر القول ومن جهر به، و من هو مستخف بالليل ، أي : من هو مستتر بالليل، والليل أستر من النهار، ومن هو سارب بالنهار ، أي : من هو ظاهر بالنهار في طريقه، متصرف في حوائجه(20).

وتعد صفة العلم إحدى ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ الذاتية لله جل ذكره؛ لأن الله هو العليم الذي أحاط علمه بالعالم العلوي، والسفلي، ولا يخلو عن علمه مكان، ولا زمان ويعلم الغيب، والشهادة، والظواهر، والبواطن، والجلي، والخفي، قال الله تعالى: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 231].

والنصوص في ذكر إحاطة علم الله، وتفصيل دقائق معلوماته كثيرة جداً ، لا يمكن حصرها، وإحصاؤها، وأنه سبحانه لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر، وأنه لا يغفل، ولا ينسى، وأن عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، قال الله تعالى: ﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنعام: 59].

وقد جعل الله تعالى العلم بالسر دليلاً على أولهيته سبحانه، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِۖ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ﴾ [الأنعام: 3].

قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: إن الذي له الألوهة التي لا تنبغي لغيره، المستحق عليكم إخلاص الحمد له بآلائه عندكم، أيها الناس، الذي يعدل به كفاركم من سواه، هو الله الذي هو في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم، فلا يخفى عليه شيء، والذي يستحق عليكم الحمد، ويجب عليكم إخلاص العبادة له، هو هذا الذي صفته، لا من لا يقدر لكم على ضر ولا نفع، ولا يعمل شيئاً، ولا يدفع عن نفسه سوءاً أريد به»(21).

كما قد جعل الله تعالى العلم بالسر دليلاً على أن القرآن من عنده تعالى: ﴿قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [الفرقان: 6].

ولما كان السر يغلب على الأعمال المذمومة، فقد بيَّن الله تعالى أنه يعلم السر والجهر للمؤمنين والكافرين والمنافقين وجميع المخلوقين، وأنه يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر، وسيجزي كل عامل بعمله يوم القيامة، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، كما في قوله تعالى: ﴿يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [التغابن: 4].

وقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ﴾ [البقرة: 77](22).

كما أن الله تعالى يعلم إسرار من يسر بمودة الكفار: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡۙ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: 1](23).

وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىۙ ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٥ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ﴾ [محمد: 25-26](24).

كما أن الله يعلم السر مهما تخفى به صاحبه واستخدم من وسائل التخفي والكتمان في ذلك ، كما في قوله: ﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُۚ أَلَا حِينَ يَسۡتَغۡشُونَ ثِيَابَهُمۡ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [هود: 5](25)، بل قد بيَّن تعالى أنه يعلم ما هو أخفى من السر: ﴿وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى ٧ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ﴾ [طه: 7-8].

والسر في هذه الآية فيه ستة تأويلات:

أحدها: أن (السر) ما حدَّث به العبد غيره في السر، (وأخفى) من السر، مما أضمره في نفسه، ولم يحدِّث به غيره، قاله ابن عباس.

الثاني: أن السر ما أضمره العبد في نفسه، وأخفى منه مالم يكن ولا أضمره أحد في نفسه ، قاله قتادة وسعيد بن جبير.

الثالث: يعلم أسرار عباده، وأخفى سر نفسه عن خلقه، قاله ابن زيد.

الرابع: أن السر ما أسره الناس، وأخفى: الوسوسة، قاله مجاهد.

الخامس: أن السر ما أسره من علمه وعمله السالف، وأخفى: وما يعلمه من عمله المستأنف، وهذا معنى قول الكلبي.

السادس: السر: العزيمة، وما هو أخفى هو: الهم الذي دون العزيمة.

والصحيح من هذه المعاني هو القول الأول، أي: أنه تعالى يعلم السر، وأخفى من السر، في الأحوال التي يجهر فيها القائل بالقول لإسماع مخاطبه، أي : فهو لا يحتاج إلى الجهر؛ لأنه يعلم السر وأخفى، وهذا أسلوب متبع عند البلغاء شائع في كلامهم بأساليب كثيرة(26).

وقد رجح الإمام ابن جرير الطبري هذا القول بقوله: «والصواب من القول في ذلك، قول من قال: معناه: يعلم السر وأخفى من السر؛ لأن ذلك هو الظاهر من الكلام.

والصواب من القول في معنى أخفى من السر أن يقال: هو ما علم الله مما أخفى عن العباد، ولم يعلموه مما هو كائن ولم يكن؛ لأن ما ظهر وكان فغير سر، وأن ما لم يكن وهو غير كائن فلا شيء، وأن ما لم يكن وهو كائن فهو أخفى من السر؛ لأن ذلك لا يعلمه إلا الله، ثم من أعلمه ذلك من عباده»(27).

ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ﴾ [التوبة: 78]؛ لأن السر: ما حدَّث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال، والنجوى: ما تكلموا به فيما بينهم(28).

وفي الآية تهديد ووعيد للمنافقين الذي يسرون الكفر ويعلنون الإيمان مع علمهم بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم، كما يعلم الظاهر، وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر؛ لأن الله علام الغيوب، والذي تقتضي ذاته تعالى العلم بجميع الأشياء، فكيف يمكن إخفاء السر والنجوى منه(29).

ثم أمر الله تعالى المشركين بأن يسروا القول أو يجهروا، وأن ذلك عنده سواء؛ لأن الله عليم بذات الصدور، وأنه يعلم تفاصيل خلقه، قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٣ أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الملك: 13-14](30).

ثم قال تعالى مخبراً عن إحاطة علمه بخلقه واطلاعه عليهم وسماعه كلامهم، ورؤيته مكانهم حيث كانوا وأين كانوا: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 7].

أي: مطلع عليهم يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم ورسله أيضاً ، مع ذلك تكتب ما يتناجون به مع علم الله به وسمعه لهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ﴾ [التوبة: 78].

وقال سبحانه: ﴿أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80].

قال الإمام ابن كثير عند تفسيره الآية: «ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضاً مع علمه بهم محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو تعالى مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة ؛ لأن الله بكل شيء عليم» (31).

وقد أخبر الله تعالى أنه يعلم السر والنجوى، وأن هناك من رسله من يكتب ذلك؛ ليعلموا أن علم الله بما يسرون علم يترتب عليه أثر فيهم، وهو مؤاخذتهم بما يسرون؛ لأن كتابة الأعمال تؤذن بأنها ستحسب لهم يوم الجزاء، والرسل: هم الحفظة من الملائكة ؛لأنهم مرسلون لتقصي أعمال الناس، ولذلك قال: ﴿بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ﴾، كقوله تعالى: ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ﴾ [ق: 18] أي: رقيب(32).

كما هدد الله وتوعد من ينكر علمه بالسر والعلن، كما في قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ﴾ [النحل: 23].

وقوله: ﴿فَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ﴾ [يس: 76].

ولا جرم معناه: حق وواجب، ولا بد ولا محالة، أي: حقًّا أن الله يعلم سرهم وعلانيتهم فيجازيهم، وهو وعيد.

﴿إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ﴾ يجوز أن يريد المستكبرين عن التوحيد يعني: المشركين، ويجوز أن يعم كل مستكبر، ويدخل هؤلاء تحت عمومه(33).

وقد وردت آيات تبين أن الله تعالى يستوي عنده السر والعلن بألفاظ أخرى بمعنى السر:

أولًا: بلفظ الكتمان ،كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ﴾ [البقرة: 33].

وقوله تعالى: ﴿وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰءۡتُمۡ فِيهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ﴾ [البقرة: 72].

﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ﴾ [المائدة: 99].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡتُمُونَ﴾ [الأنبياء: 110].

وقوله تعالى: ﴿لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ﴾ [النور: 29].

وغيرها من الآيات.

ثانيًا: بلفظ الإخفاء: ﴿لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 284].

وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ﴾ [الممتحنة: 1].

وكذلك قوله تعالى: ﴿سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ﴾ [الرعد: 10](34).

فالله سبحانه في كبريائه، وفي علوه، محيط بكل صغيرة وكبيرة في الوجود.. يتساوى لديه في ذلك بعيد الأمور وقريبها، خفيها وظاهرها، إذ لا قرب ولا بعد عند من احتوى الوجود كله، ولا خفاء ولا ظهور لدى من ملك الأمر جميعه ؛ لأنه: ﴿هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: 3](35).

ثالثًا: بلفظ الإكنان: ففي التنزيل العزيز: ﴿أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ﴾ [البقرة: 235]أي: أخفيتم.

ويترتب على أن الله بكل شيء عليم، وأنه يستوي في علمه السر والجهر: أن تظهر صفة المراقبة لله تعالى لدى العبد في السر والعلن، وذلك أن العبد إذا استشعر عظمة علم الله وسعته، وشموله لكل ما خلق الله سبحانه، وأنه يعلم السر والجهر، فإنه يعيش دائماً يراقب الله الذي يعلم السر وأخفى، ويعمل على إصلاح سريرته وعلانيته في كل وقت وحين، كما يدفعه ذلك لأن يجتنب الكبائر والصغائر ويتقي الله في خلوته ووحدته، كما يفعل ذلك في حضرته وشهوده(36).

الإسرار المحمود وميادينه

للإسرار المحمود ميادين نبينها فيما يأتي:

أولًا: الإسرار بالدعوة:

تعتبر الدعوة السرية أحد أطوار الدعوة الإسلامية ومبتدأها، في كل وقت وحين، وهي سنة المرسلين والأنبياء جميعاً، وكذلك الدعاة المصلحين، وقد جسد ذلك نبي الله نوح عليه السلام عندما قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا ٥ فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا ٦ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا ٧ ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗا ٨ ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا ٩ فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا﴾ [نوح: 5-10].

فقد ذكر أولًا أنه دعاهم بالليل والنهار، ثم ذكر أنه دعاهم جهاراً، ثم دعاهم في السر والعلن، أفراداً وجماعات، والحاصل: أنه دعاهم ليلاً ونهاراً في السر، ثم دعاهم جهارًا(37).

قال الإمام ابن عطية: «الجهار دعاؤهم في المحافل ومواضع اجتماعهم، والإسرار دعاء كل واحد على حدته، فقد اتبع نوح صلى الله عليه وسلم كل الأساليب فجهر بالدعوة تارة، ثم زاوج بين الإعلان والإسرار تارة أخرى»(38).

ويتضح من خلال الآيات أن نوحًا عليه السلام لم يترك سبيلاً للدعوة إلا فعلها، فاستعمل طرقاً ثلاثة:

  • بدأهم بالمناصحة فى السر، فعاملوه بما ذكر في الآية من سد الآذان، والاستغشاء بالثياب، والإصرار على الكفر، والاستعظام عن سماع الدعوة.
  • جاهرهم بالدعوة، وأعلنهم بها على وجه ظاهر لا خفاء فيه.
  • جمع بين الإعلان والإسرار بحسب الأحوال والظروف(39).

وما من نبي من الأنبياء إلا وجمع في دعوته بين السرية والجهرية، ومنهم سيد الخلق النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقد بدأ دعوته بالسرية: فقد اتخذ صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم لتكون مقرّاً للدعوة السرية للدين الجديد، وقد استمرت هذه الدعوة ثلاث سنوات، وما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً هو والمسلمون في دار الأرقم حتى نزل قوله تعالى: ﴿فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [الحجر: 94].

فجهر النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بالدعوة وبلغوها لجميع الناس(40).

ولم تكن سرية الدعوة في أول أمرها خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه، ولكنها إلهام من الله لتعليم الدعاة من بعده، وإرشادهم إلى مشروعية الأخذ بالحيطة والأسباب الظاهرة، وما يقرره التفكير والعقل السليم من الوسائل التي ينبغي أن تتخذ من أجل الوصول إلى غايات الدعوة وأهدافها. على أن لا يتغلب كل ذلك على الاعتماد والاتكال على الله وحده، وعلى أن لا يذهب الإنسان في التمسك بهذه الأسباب مذهباً يعطيها معنى التأثير والفعالية في تصوره وتفكيره، فهذا يخدش أصل الإيمان بالله تعالى، فضلاً عن أنه يتنافى مع طبيعة الدعوة إلى الإسلام.

ومن هنا تدرك، أن أسلوب دعوته صلى الله عليه وسلم في هذه الفترة، كان من قبيل السياسة الشرعية بوصف كونه إماماً، وليس من أعماله التبليغية عن الله تعالى بوصف كونه نبيًّا.

وبناء على ذلك : فإنه يجوز لأصحاب الدعوة الإسلامية، في كل عصر أن يستعملوا المرونة في كيفية الدعوة -من حيث السرية والكتمان أو من حيث الجهر والإعلان، أو اللين والقوة- حسبما يقتضيه الظرف وحال العصر الذي يعيشون فيه، وهي مرونة حددتها الشريعة الإسلامية، اعتماداً على واقع سيرته صلى الله عليه وسلم، على أن يكون النظر في كل ذلك إلى مصلحة المسلمين ومصلحة الدعوة الإسلامية(41).

ثانيًا: إسرار الإنفاق:

دعت الآيات القرآنية الكريمة ﺇﻟﻰ الإنفاق في سائر الحالات: في السر والجهر، وفي الليل والنهار، وفي السراء والضراء، وفاضلت أحياناً بين نفقة السر والعلن، وبينت فضل الصدقة في كل الأحوال، ذلك أن الله تعالى وجِّه عباده إلى الإنفاق والمبادرة فيه سرّاً وعلانية بالليل والنهار ، في السراء والضراء ، في الفرض والنفل.

فالإنفاق سرّاً حتى لا يقع الإنسان فريسة المباهاة؛ والإنفاق علناً كي يعطي غيره من القادرين أسوة حسنة، وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم من قبل أن يأتي يوم (هو يوم القيامة ) لا بيع فيه ولا خلال ، أي : من قبل أن يأتي اليوم الذي لا تنفع فيه فدية، ولا تجدي فيه صداقة، فلا يشفع خليل ولا يصفح عن عقابه لمخالته لصديقه، بل هناك العدل والقسط(42)، فقد قال تعالى: ﴿قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ﴾[إبراهيم: 31].

ويستحب إعلان الواجب، وإخفاء المتطوع به، إلا في محل الاقتداء لأهل الإخلاص(43).

والمراد بالسر في الآيات: ما خفي، وبالعلانية ما ظهر، وهو قول جمهور المفسرين، الثاني: أن السر في التطوع، والعلانية في الفرض(44).

والإنفاق في سبيل الله تعالى من أفضل الأعمال ، لقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [البقرة: 274]؛ فقد جاء في سبب نزول الآية أنها نزلت في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله، فكان أبو هريرة رضي الله عنه إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية(45).

ولكن الآية عامة في الذين ينفقون في سبيل الله تعالى، وفي الذين يعممون الأوقات والأحوال بالصدقات، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروها ولم يعلقوها بوقت ولا حال، وهذا هو أحسن الوجوه في معنى الآية(46).

ثم ذكر الله أن الإنفاق في السراء والضراء، أي في الشدة والرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض، والليل والنهار، وفي السر والعلانية ، وفي جميع الأحوال والأوقات صفة من صفات أهل الجنة، كما في قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [البقرة: 274].

وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].

أي: يرجون ثوابًا عند الله لا بد من حصوله(47).

وفي الآية إشارة إلى أن صدقة السر أفضل من صدقة العلانية؛ وذلك لأنه قدم الليل على النهار، والسر على العلانية في الذكر، كما فضل الله صدقة السر على صدقة الجهر في قوله: ﴿إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ [البقرة: 271](48).

قد جعل الله ذلك من صفات أولي الألباب.

قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٢٢ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ ٢٣ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ﴾ [الرعد: 22-24].

كما جعل سبحانه الإنفاق سرًّا وجهرًّا من صفات الكمال البشري ، كما في قوله: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [النحل: 75].

فكما لا يستوي العبد الذي لا يملك شيئاً ولا يقدر عليه، والرجل الحر الذي قد رزقه الله رزقاً حسناً فهو ينفق منه سرًّا وجهراً؟ فكذلك لا يستوي الكافر العامل بمعاصي الله المخالف أمره، والمؤمن العامل بطاعته(49).

ويلاحظ من خلال الآيات السابقة أنها تشير وتحث على الإنفاق الجماعي الذي يستفاد من خطاب الجمع في قوله تعالى: ﴿قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ﴾ [إبراهيم: 31]. وغيرها من الآيات.

الذين ينفقون أموالهم».. هكذا بوجه عام يشمل جميع أنواع الأموال.. «بالليل والنهار. سرًّا وعلانية».. لتشمل جميع الأوقات وجميع الحالات.. «فلهم أجرهم عند ربهم».. هكذا إطلاقاً. من مضاعفة المال ، وبركة العمر ، وجزاء الآخرة ، ورضوان الله. «ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون».. لا خوف من أي مخوف، ولا حزن من أي محزن.. في الدنيا وفي الآخرة سواء.

ثالثًا: الإسرار بالدعاء:

أمر الله تعالى بالإسرار بالدعاء في قوله: ﴿ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٥٥ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [الأعراف: 55-56].

كما بيَّن الله تعالى حال الداعين بقوله تعالى: ﴿قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ [الأنعام: 63].

لأن الإسرار بالدعاء أبعد من الرياء وأدل على الإخلاص؛ لأن الدعاء حقيقته النداء لطلب مهم، واستعمل مجازاً في العبادة لاشتمالها على الدعاء والطلب بالقول أو بلسان الحال، كما في الركوع والسجود، مع مقارنتها للأقوال، وهو إطلاق كثير في القرآن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة)(50).

وقد راعى نبي الله زكريا عليه السلام أدب الدعاء، وهو إخفاؤه ؛ لكونه أبعد عن الرياء، وأدخل في الإخلاص حين وصف الله فعله: ﴿إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا﴾ [مريم: 3](51).

وتدل هذه الآيات على وجوه أهمها:

الأول: أن هذه الآية تدل على أنه تعالى أمر بالدعاء مقروناً بالإخفاء، وظاهر الأمر للوجوب، فإن لم يحصل الوجوب، فلا أقل من كونه ندبًا.

الثاني: أنه تعالى أثنى على زكريا عليه السلام فقال: ﴿إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا﴾ [مريم: 3].

أي: أخفاه عن العباد وأخلصه لله وانقطع به إليه، فالآية تشير إلى أن الدعاء خفية مندوب، وأن ذلك إسرارٌ محمودٌ.

الثالث: ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، أنهم كانوا في غزاة فأشرفوا على واد فجعلوا يكبرون ويهللون رافعي أصواتهم ، فقال صلى الله عليه وسلم: (ارفقوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً وإنه لمعكم) (52) (53).

ويطلق التضرع على الجهر بالدعاء؛ لأن الجهر من هيئة التضرع؛ لأنه تذلل جهري، كما في قوله تعالى: ﴿ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٥٥ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [الأعراف: 55-56]؛ لأنه أنسب بمقابلته بالخفية، فيكون أسلوبه وفقاً لأسلوب نظيره في قوله: ﴿وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ﴾ [الأعراف: 56].

والتضرع لفظة تقتضي الجهر؛ لأن التضرع إنما يكون بإشارات جوارح وهيئات أعضاء تقترن بالطلب.

والخفية: الدعاء في السر، وهو مأمورٌ به مقصودٌ بذاته، أي : ادعوه مخفين دعاءكم، حتى أوهم كلام بعضهم أن الإعلان بالدعاء منهي عنه أو غير مثوب عليه، وخفية يريد في النفس خاصة.

والشريعة مقررة أن السر فيما لم يعترض من أعمال البر أعظم أجراً من الجهر، بل يندب الإسرار في جميع نوافل القربات من: الصلاة، والصوم، وقيام الليل، والعمل الصالح.

وتأول بعض العلماء التضرع والخفية في الآية في معنى السر جميعاً، فكأن التضرع فعل للقلب، ذكر هذا المعنى الحسن بن أبي الحسن البصري، وقال: لقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض عمل يقدرون أن يكون سرًّا فيكون جهراً أبداً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا يسمع لهم صوت، إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول :﴿ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ﴾، وذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال: ﴿إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا﴾ [مريم: 3](54).

ولكن الصحيح جواز الدعاء جهراً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا علناً غير مرة، وعلى المنبر بمسمع من الناس، وما رويت أدعيته إلا لأنه جهر بها يسمعها من رواها، فالصواب أن قوله: تضرعاً إذن بالدعاء بالجهر والإخفاء، وأما ما ورد من النهي عن الجهر فإنما هو عن الجهر الشديد الخارج عن حد الخشوع(55).

رابعًا: إسرار الغضب:

جعل الله تعالى إسرار الغضب وكتمانه مع القدرة على إنفاذه من صفات المتقين ، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133-134].

وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمۡ يَغۡفِرُونَ﴾ [الشورى: 37].

والكاظمين الغيظ هم: الجارعون الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، ولم يظهروه بقول أو فعل، فحفظوا نفوسهم من أن تمضي ما هي قادرة على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها.

وقد وصف الله تعالى أنبياءه بذلك فقال عن يعقوب عليه السلام: ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ﴾ [يوسف: 84]؛ لأنه لم يشك إلى أحد، وإنما كان يكمد في نفسه، ويمسك همه في صدره، وكان يكظمه أي يرده إلى قلبه ولا يرسله بالشكوى والغضب.

وقوله تعالى في نبي الله يوسف عليه السلام: ﴿قَالُوٓاْ إِن يَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخٞ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرّٞ مَّكَانٗاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 77].

فقد أسر في نفسه قذفهم له وتحمل القذف ولم يظهر غضباً منها، أسر هذه الفعلة وحفظها في نفسه، ولم يبد تأثره منها،

وهو يعلم براءته وبراءة أخيه ، وأعرض عن زجرهم وعقابهم مع أنها طعن فيه وكذب عليه(56).

كما أن من يسر الغضب ويكتمه ويتحكم بانفعالاته فهو الشديد الشدة المحمودة؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)(57).

وروى سهل بن معاذ، عن أبي رضي الله عنهم أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من الحور العين ما شاء)(58).

أنواع الإسرار المذموم

الإسرار المذموم أنواع نتناولها بالبيان في ما يأتي:

أولًا: إسرار الكفر:

إن من أخلاق المنافقين إسرار الكفر وإعلان الإيمان، وذلك أنهم إذا استقبلوا المؤمنين دفعوا عن أنفسهم بقولهم: آمنا استهزاء، وإبداء لخبثهم ومكرهم، وكشفاً عن إفراطهم في ادعاء أنهم مثل المؤمنين في الإيمان الحقيقي(59).

وقد ذكر الله تعالى أن ذلك خلق راسخ ومتجذر فيهم في آيات كثيرة ، منها: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ﴾ [البقرة: 8].

وقوله عز من قائل: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ﴾ [البقرة: 14].

وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٧٦ أَوَلَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ﴾ [البقرة: 76-77].

وقوله جل شأنه: ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ﴾ [المائدة: 61].

وقد أجمع أهل التفسير على أن هذه الآيات نزلت في قوم من أهل النفاق بصفة عامة، وذهب جمهور المفسرين إلى أن الآية نزلت في يهود نافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية في عامة المنافقين الذين يظهرون كلمة الإيمان ويسرون الكفر، فنفى الله تعالى عنهم الإيمان، وبيَّن أن هذه الصفة صفتهم(60).

فالمنافقون يصانعون المؤمنين في الظاهر، وقلوبهم منطوية على الكفر، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر، مع أن الله تعالى عليم بما يسرون، وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك، وتزينوا بما ليس فيهم، فإن الله أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء، ثم بين الله تعالى أنه سيظهر ذلك يوم القيامة في قوله عز وجل: ﴿بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28].

أي: أن الله تعالى يوم القيامة يكشف أسرار المنافقين الذين كانوا يسرون الكفر ويظهرون الإسلام، وأخبر أنهم لو ردوا إلى الحياة الدنيا لعادوا لما نهوا عنه؛ لأن المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه (61).

ثانيًا: إسرار العداوة والبغضاء:

إن إسرار العداوة والبغضاء لأهل الإيمان من أعمال المنافقين، وبالرغم من إسرار المنافقين العداوة والبغضاء وكتمانها في قلوبهم عن المسلمين، إلا أنها تبدو من أفواه المنافقين إلى إخوانهم من الكفار، وتظهر عداوتهم بالشتيمة والوقيعة في المسلمين وإطلاع المشركين على أسرارهم، وما تخفي صدورهم من العداوة والخيانة أكبر: أعظم مما أظهروا، فقد قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨ هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 118-119].

وبسبب ما يسرون من البغضاء للمؤمنين نهى الله تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ خواص ومقربين ودخلاء من غير أهل ملتهم بطانة؛ لأنهم: ﴿لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا﴾ والخبال: الفساد والشر، أي: لا يقصرون ولا يتركون جهداً في مضرتكم وفسادكم(62).

والمنافقون لا يقصرون بجهدهم وطاقتهم بإطلاع الكافرين على سرائر المؤمنين، وما يضمرونه لهم، وما يسعون به في مخالفتهم، وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعون من المكر والخديعة، ويودون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشق عليهم(63).

أما المؤمنون فلا يكفي إسرار العداوة والبغضاء للكافرين والمنافقين، بل يجب إبداء تلك العداوة والبغضاء وإعلانها وإظهارها لهم أبداً حتى يؤمنوا بالله وحده، ما لم تكن هناك مصلحة شرعية في عدم إظهارها، فإذا آمنوا صارت تلك العداوة موالاة، والبغضاء محبة، عملاً وتأسياً حيث أظهروا البراءة من قومهم بسبب شركهم وكفرهم بالله تعالى ، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: 4](64).

ثالثًا: إسرار المكر والكيد:

المكر في اللغة هو: التدبير على العدو في احتيال وخفية، واصطلاحًا هو: إخفاء الكيد وطيه، والكيد: المكر والخبث، وظاهر كلام أهل اللغة أن الكيد والمكر مترادفان، وقد فرق بينهما بعض فقهاء اللغة، بأن الكيد: المضرة، والمكر: إخفاء الكيد وإيصال المضرة، وقيل: الكيد هو: الأخذ على خفاء من غير إظهار الماكر خلاف ما يبطن، والمكر: الأخذ على خفاء مع إظهار الماكر خلاف ما يبطن (65).

إن إسرار المكر والكيد لله ولرسله وللمؤمنين في كل وقت وحين هو من أخلاق الكافرين والمنافقين، ولا يكون المكر والكيد إلا في سرٍّ وخفيةٍ، وهو على أنواع:

الأول: المكر والكيد بآيات الله بالطعن فيها وتكذيبها والاحتيال في دفعها ، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ﴾ [يونس: 21].

وقد بيَّن الله تعالى أنه أسرع مكراً منهم، فقد دبّر عقابهم قبل أن يدبروا كيدهم، والمكر من الله تعالى: صفة مقابلة لا تطلق عليه إلا في مقابل مكر وكيد الكافرين والمنافقين.

ولما كان المكر والكيد يكون في سرٍّ وخفية، فقد بين الله تعالى إن الحفظة يكتبون ما يمكر به المنافقون والكافرون؛ تحقيقاً للانتقام منهم، وتنبيهاً على أن ما دبروا في إخفائه لم يخف على الحفظة فضلاً أن يخفى على الله تعالى(66).

ثانيًا: المكر والكيد برسل الله تعالى والمؤمنين:

دلت الكثير من الآيات على مكر وكيد الكافرين والمنافقين برسل الله تعالى والمؤمنين، منها: قوله تعالى: ﴿وَقَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَلِلَّهِ ٱلۡمَكۡرُ جَمِيعٗاۖ يَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٖۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلۡكُفَّٰرُ لِمَنۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ﴾ [الرعد: 42].

وقوله عز وجل: ﴿وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا كُبَّارٗا﴾ [نوح: 22].

وقوله سبحانه: ﴿فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ﴾ [غافر: 45].

وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا وَمَكَرۡنَا مَكۡرٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ﴾ [النمل: 50].

وقوله جل شأنه: ﴿ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [الأنفال: 18](67).

وقد بيَّن الله عاقبة مكر وكيد الكافرين والمنافقين وأنه تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر وسيجزي كل عامل بعمله، وستكون العاقبة لأتباع الرسل في الدنيا والآخرة، كما مكر الذين من قبلهم برسلهم، وأرادوا إخراجهم من بلادهم، فمكر الله بهم، وجعل العاقبة للمتقين: ﴿وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].

وبيَّن الله تعالى أنه يدمر من يمكر، وقومه برسل الله بقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا وَمَكَرۡنَا مَكۡرٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٠ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ أَنَّا دَمَّرۡنَٰهُمۡ وَقَوۡمَهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥١ فَتِلۡكَ بُيُوتُهُمۡ خَاوِيَةَۢ بِمَا ظَلَمُوٓاْۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ [النمل: 50-52].

ومثله قوله تعالى: ﴿قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ﴾ [النحل: 26](68).

كما أوصى الله المؤمنين بما يدفع المكر والكيد وهو :الصبر والتقوى ، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ﴾ [آل عمران: 120].

ثالثًا: المكر والكيد بين المسلمين بعضهم لبعض، وهذا محرم ولا يجوز، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ﴾ [يوسف: 5].

ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ﴾ [يوسف: 28].

وكذلك الغدر بالمسلمين، يدخل في المكر والكيد، وهو محرم لما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة، فيقال هذه غدرة فلان بن فلان)(69).

والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيًّا لا يطلع عليه الناس، فيكشف الغدر والغادر يوم القيامة علانية ويطلع عليه بصورة فيها شيء من الإهانة، ويصير علماً منشوراً على صاحبه بما فعل(70).

رابعًا: الإسرار بالمودة للكافرين:

بيَّن الله تعالى بأن من يسرّ من المسلمين إلى المشركين بالمودة فقد جار عن قصد السبيل التي جعلها الله طريقاً إلى الجنة ومحجة إليها، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡۙ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: 1]؛ لأن المودة ﻫﻲ ﻋﻤﺎﺩ عقيدة الولاء والبراء للباري سبحانه، ﻭمكانها القلب الذي ﻫﻭ موئل ﺍﻟﻌﺎﻁﻔـﺔ، ﻭمنبت الإحساس والمشاعر، ﻭﻫﻲ معنى خفي ﻻ يطلع ﻋﻠﻴﻪ ﺇﻻ الخالق عالم الغيب ﻭﺍﻟـﺸﻬﺎﺩﺓ، ﻭلذلك كان عطاء ﷲ تعالى للعبد ﻋﻠﻰ قدر إخلاصه ﻓﻲ هذه ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﷲ ﻭلرسوله ﻭلدينه ﻭﻟﻌﺒﺎﺩﻩ المؤمنين ، فلابد ﺃﻥ تجرد هذه ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﷲ ﻭتصفى ﻭتنقى من ﺃﻱ شائبة بشرك ﺃﻭ ﻏﺒـﺎﺭ رياء، ﺃو تكدير نفاق (71).

والإسرار في الآية على وجهين:

أحدهما: تعلمونهم سراً أن بينكم وبينهم مودة.

الثاني: تعلمونهم سرًّا بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم وبينهم، وقد فسر بأن معناه: يظهرون، وهذا صحيح ؛ فإن الإسرار إلى الغير يقتضي إظهار ذلك لمن يفضى إليه بالسر، وإن كان يقتضي إخفاءه عن غيره، فإن قولهم: أسررت إلى فلان يقتضي من وجه الإظهار، ومن وجه الإخفاء(72).

وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية وما بعدها من أول هذه السورة نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، وكان قد كتب إلى قريش بمكة يطلعهم على أمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخفاه عنهم، وبذلك جاءت الآثار والرواية عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم(73).

فقد روى علي بن أبى طالب رضي الله عنه قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ- وهو مكان بين مكة والمدينة- فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها فأتونى به فخرجنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة فقلنا لها: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي . ويروى أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وكان كتب إلى أهل مكة يتنصح لهم، فكتب إليهم أن رسول الله يريد أن يغزوكم فخذوا حذركم فأطلع الله نبيه على ذلك، وكان كتب إليهم كتاباً ووجه به مع امرأة يقال إنها كانت مولاة بني هاشم، فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم علي والزبير خلفها فلحقاها فسألاها عن الكتاب فأنكرت، ففتشا ما معها فلم يجدا شيئاً، فقال علي رضوان الله عليه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكذبنا فأقسم علي عليها لتخرجن الكتاب أو ليضربنها بالسيف، فقالت لهما: وليا وجوهكما وأخرجت الكتاب من قرن من قرون شعرها، فجاء بالكتاب إلى النبي عليه السلام فعرضه على حاطب فاعترف به ، وقال : إن لي بمكة أهلاً ومالاً فأردت أن أتقرب منهم، ولن يرد الله بأسه عنهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ﴾ الآية إلى آخر القصة(74).

لكن الآية عامة في كل من يسر مودة الكافرين؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب(75).

خامسًا: الإسرار بمواعدة النساء بالزواج:

حرم الله تعالى النكاح في العدة، وأوجب التربص على الزوجة مدتها، وقد علم سبحانه أن الخلق لا يستطيعون الصبر عن ذكر النكاح والتكلم فيه، فأذن في التصريح بذلك مع جميع الخلق، وأذن في ذكر ذلك بالتعريض مع العاقد له، وهو المرأة أو الولي؛ وهو في المرأة آكد.

قال الإمام ابن عطية: «أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو رفث من ذكر جماع، أو تحريض عليه فإنه لا يجوز، وقال أيضاً : أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدة للمرأة في نفسها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُواْ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗاۚ وَلَا تَعۡزِمُواْ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡكِتَٰبُ أَجَلَهُۥۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ﴾ [البقرة: 235]»(76).

والتعريض هو: القول المفهم لمقصود الشيء، وليس بنص فيه، أي: الإشارة بالكلام إلى ما ليس فيه ذكر النكاح، والتعريض المباح في العدة بخطبة معتدة الوفاة في أثناء العدة: أن يقول لها الرجل مثلاً: إنك لجميلة، ومن يجد مثلك، ورب راغب فيك، ولعل الله أن يسوق إليك خيراً، أو يقول: رب رجل يرغب فيك، وما جرى مجرى هذه الألفاظ. والتصريح هو: التنصيص عليه والإفصاح بذكره. والتعريض مأخوذ من عرض الشيء وهو ناحيته، كأنه يحوم على النكاح، ويمشي حوله ولا ينزل به(77).

وقد اختلف العلماء في السر المراد في هذه الآية على ثلاثة أقوال:

الأول: أنه الزنا، قاله: جابر بن زيد، وأبو مجلز: لاحق بن حميد، والحسن بن أبي الحسن، والضحاك، وإبراهيم النخعي، وهو اختيار الإمام الطبري(78).

الثاني: الجماع، وهو قول الشافعي، ويكنى به عن الجماع حلاله وحرامه؛ لكونه يكون في سر، وقد يعبر به عن العقد؛ لأنه سبب فيه(79).

الثالث: التصريح بالنكاح: ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، أي: لا تتعدوا معهن وعداً صريحاً على التزوج بهن(80).

والمراد بالسر في الأصل: هو الوطء، ويقصد به هنا عقد الزواج في العدة سرًّا، فأطلق على العقد الذي هو سبب الوطء، وقيل: المراد به هنا هو الزنى، وهو اختيار الإمام الطبري، أو هو التعريض بالقول لها: إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، قال الإمام ابن كثير: وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك(81).

والعلة في النهي عن المواعدة؛ لأن المواعدة على هذه الحال مدرجة للفتنة، ومظنة للقيل والقال، بخلاف التعريض فإنه يكون على ملأ من الناس، فلا عار فيه ولا عيب، ولا يكون وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه؛ لأن المرأة في عدتها ما تزال معلقة بذكرى لم تمت، وبمشاعر أسرة الميت، ومرتبطة كذلك بما قد يكون في رحمها من حمل لم يتبين، أو حمل تبين، والعدة معلقة بوضعه.. وكل هذه الاعتبارات تمنع الحديث عن حياة زوجية جديدة؛ لأن هذا الحديث لم يحن موعده؛ ولأنه يجرح مشاعر، ويخدش ذكريات.

ومع رعاية هذه الاعتبارات فقد أبيح التعريض -لا التصريح- بخطبة النساء. أبيحت الإشارة البعيدة التي تلمح منها المرأة أن هذا الرجل يريدها زوجة بعد انقضاء عدتها.

السر يوم القيامة

تنكشف أسرار الناس يوم القيامة فلا يخفى منه على الله شيء، وهذا ما سنبينه في النقاط الآتية:

أولًا: انكشاف السرائر:

في يوم القيامة تنكشف السرائر، ويعرض الناس على عالم السر والنجوى، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر، وفي ذلك اليوم يعرض العباد على الله لحسابهم، فلا يخفى على الله تعالى من أعيانهم وأعمالهم وأحوالهم وأمورهم شيء، فهو يعلم السر وأخفى، ويدل على هذا المعنى آيات كثيرة ، منها قوله تعالى: ﴿يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ﴾ [الحاقة: 18].

وقوله عز وجل: ﴿يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾ [غافر: 16].

وقوله جل شأنه: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ [إبراهيم: 38].

وكذلك قوله سبحانه: ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ﴾ [غافر: 19](82).

وقوله تعالى: ﴿يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ﴾ [الحاقة: 18] فالكل مكشوف. مكشوف الجسد، مكشوف النفس، مكشوف الضمير، مكشوف العمل، مكشوف المصير. وتسقط جميع الأستار التي كانت تحجب الأسرار، وتتعرى النفوس تعري الأجساد، وتبرز الغيوب بروز الشهود.. ويتجرد الإنسان من حيطته ومن مكره ومن تدبيره ومن شعوره، ويفتضح منه ما كان حريصاً على أن يستره حتى عن نفسه! وما أقسى الفضيحة على الملأ. وما أخزاها على عيون الجموع! أما عين الله فكل خافية مكشوفة لها في كل آن، ولكن لعل الإنسان لا يشعر بهذا حق الشعور، وهو مخدوع بستور الأرض. فها هو ذا يشعر به كاملاً وهو مجرد في يوم القيامة. وكل شيء بارز في الكون كله. الأرض مدكوكة مسوّاة لا تحجب شيئاً وراء نتوء ولا بروز، والسماء متشققة واهية لا تحجب وراءها شيئاً، والأجسام معرّاة لا يسترها شيء، والنفوس كذلك مكشوفة ليس من دونها ستر وليس فيها سر! ألا إنه لأمر عصيب، أعصب من دك الأرض والجبال، وأشد من تشقق السماء! وقوف الإنسان عريان الجسد، عريان النفس، عريان المشاعر، عريان التاريخ، عريان العمل ما ظهر منه وما استتر، أمام تلك الحشود الهائلة من خلق الله، من الإنس والجن والملائكة، وتحت جلال الله وعرشه المرفوع فوق الجميع..

وإن طبيعة الإنسان لمعقدة شديدة التعقيد ففي نفسه منحنيات شتى ودروب، تتخفى فيها نفسه وتتدسس بمشاعرها ونزواتها وهفواتها وخواطرها وأسرارها وخصوصياتها، وإن الإنسان ليصنع أشد مما تصنعه القوقعة الرخوة الهلامية حين تتعرض لوخزة إبرة، فتنطوي سريعاً، وتنكمش داخل القوقعة، وتغلق على نفسها تمامًا.

إن الإنسان ليصنع أشد من هذا حين يحس أن عيناً تدسست عليه فكشفت منه شيئاً مما يخفيه، وأن لمحة أصابت منه درباً خفيا أو منحنى سريًّا! ويشعر بقدر عنيف من الألم الواخز حين يطلع عليه أحد في خلوة من خلواته الشعورية..

فكيف بهذا المخلوق وهو عريان. عريان حقًّا. عريان الجسد والقلب والشعور والنية والضمير. عريان من كل ساتر. عريان... كيف به وهو كذلك تحت عرش الجبار، وأمام الحشد الزاخر بلا ستار؟! ألا إنه لأمر، أمر من كل أمر!!! وبعدئذ يعرض مشهد الناجين والمعذبين، كأنه حاضر تراه العيون.

وانكشاف السرائر يوم القيامة لا يقتصر على الأعمال فقط، بل تنكشف عقائد المنافقين الذين كانوا يسرون الكفر، ويظهرون الإسلام، ويبدى لهم يوم القيامة ما كانوا يخفون من قبل، على أحد المعاني لقوله عز وجل: ﴿بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٢٨﴾ [الأنعام: 28](83).

ثانيًا: إسرار الندامة:

أخبر الله تعالى أن الكافرين يسرون الندامة يوم القيامة، والندامة: الحسرة لوقوع شيء أو فوت شيء، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [يونس: 54].

وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [سبأ: 33](84).

وإسرار الندامة يوم القيامة على معنيين:

الأول: الإخفاء والكتمان، أي: أخفى الرؤساء في الكفر الندامة من الذين أضلوهم، وستروها عنهم، وهذا قول عامة المفسرين، وهو المشهور في اللغة والشائع في الاستعمال؛ لأن السر من الأضداد - كما سبق - ولا موجب للعدول عن المشهور والشائع في الاستعمال إلا بدليل؛ ولأن (السر) يستعمل غالباً في الكتمان، وذلك ما ينصرف إليه الذهن بادىء الرأي، وهو أنسب بالمقام.

الثاني: الإظهار والإعلان، أي : أظهروا الندامة وأعلنوها على ما فاتهم من الكفر والعصيان، ويدل على هذا المعنى أن الآخرة ليست دار تجلد وتصبر؛ كي يظهروا خلاف ما يبطنون ، وقد ذهب إلى هذا المعنى جماعة من المفسرين؛ لأن الإسرار من الأضداد، يقال: أسررت الشيء، أخفيته، وأسررته، أعلنته، فيكون المعنى في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ﴾ [يونس: 54] أي: أظهروها(85).

ومما يؤيد هذا المعنى أن الندامة تظهر يوم القيامة جهراً في مواضع أخرى، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧ يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨ لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا﴾ [الفرقان: 27-29].

وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١٠ فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ [الملك: 10-11].

وقد حكى جماعة من المفسرين عن المبرّد وجهاً ثالثًا في معنى إسرار الندامة: أنه بدت بالندامة أسرة وجوههم، وهي تكاسير الجبهة، واحدها سرار(86).

ومن خلال النظر في أقوال المفسرين يمكن القول بأن الإسرار يوم القيامة يحتمل المعاني الثلاثة : ففي مواطن يكتمون الندامة، وفي أخرى يظهروها، مع بدو الندامة في أسرة وجوههم في جميع الأحوال.

المحاسبة على السر

لما كان الله تعالى له ملك السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وكان المطلع على ما فيهن، بحيث لا تخفى عليه الظواهر، ولا السرائر والضمائر، وإن دقت وخفيت، كما في قوله تعالى: ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [آل عمران: 29].

وكذلك قوله تعالى: ﴿يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى﴾ [طه: 7].

وقوله سبحانه: ﴿يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾ [غافر: 16].

والآيات في ذلك كثيرة جدًّا.

أخبر الله تعالى في الآيات السابقة بأنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما في قوله تعالى: ﴿يَوۡمَ تُبۡلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾ [الطارق: 9].

وفي الآية إشارة ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ابتلاء السرائر يوم القيامة يتحقق بظهورها بعد الخفاء والاستتار ليتم تمحيصها واختبارها.

وهذا المعنى يتضح في قوله تعالى: ﴿لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 284](87).

ولما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة رضي الله عنهم وخافوا منها، ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم(88)، وذلك لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: «لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 284].

قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].

فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ﴾ [البقرة: 286].

قال: نعم: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ﴾ [البقرة: 286].

قال: نعم: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ﴾ [البقرة: 286].

قال: نعم: ﴿وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 286] قال: نعم»(89).

وبموجب هذه الحديث اختلف المفسرون والفقهاء هل هذه الآية منسوخة، أو محكمة على قولين هما:

القول الأول: ذهب الإمام علي وابن عمر وابن مسعود وكعب الأحبار والشعبي والنخعي ومحمد بن كعب القرظي وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وآخرون من الصحابة رضي الله عنهم إلى أن هذه الآية منسوخة؛ لأنها تثبت الحساب على الوساوس وخواطر النفوس، فرجع معنى هذه الآية إلى كونه تعالى عالماً بكل ما في الضمائر والسرائر(90)، كما في قوله تعالى: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ﴾ [البقرة: 235](91).

القول الثاني: ذهب ابن عباس وعكرمة والشعبي ومجاهد وعائشة رضي الله عنهم: إلى أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، وأن الله تعالى يحاسب خلقه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في نفوسهم فأضمروه ونووه وأرادوه، فيغفر للمؤمنين ويأخذ به أهل الكفر والنفاق، ورجح هذا القول الإمام الطبري وذهب إلى أن الآية محكمة غير منسوخة(92).

ويكون القول الراجح هو: أن الآية محكمة غير منسوخة، وأن المراد من قوله في الحديث: «نسخها الله» ، أي : أزال ما أخافهم، وأن آية: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ ليست ناسخة، ولكنها موضحة، ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل)(93)، ويدل على منع القول بالنسخ الأدلة التالية:

  • إن قوله تعالى: ﴿يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ خبر، والأخبار لا تنسخ عند جمهور الأصوليين(94).
  • إن كسب القلب وعمله مما دل الكتاب والسنة والإجماع والقياس على ثبوته والجزاء عليه، ظهر أثره على الجوارح أم لم يظهر، كقوله تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ﴾ [البقرة: 225].
  • وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا﴾ [الإسراء: 36].
  • إن الوساوس العارضة وحديث النفس الذي لا يصل إلى درجة القصد الثابت والعزم الراسخ لا يدخل في مفهوم الآية، كما قال المحققون.
  • إن تكليف ما ليس في الوسع ينافي الحكمة الإلهية.

وأما قول الصحابة والتابعين رضي الله عنهم بالنسخ فهو مما يتفق مع علو مرتبة هؤلاء وكمالهم، حتى إنهم ليجدون أن وسوسة النفس مما تخضع للحساب، وهم يريدون التطهر من كل آثار الإثم، لذا قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فتحرجهم من باب كمال التزكية وتمام الطهارة واعتقاد النقص في أنفسهم(95).

واختبار سرائر الصدور يظهر ما كان في القلوب من خير وشر على صفحات الوجوه ، ﻗﺎل تعالى: ﴿يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ﴾ [آل عمران: 106](96).

أثر إفشاء السر على الفرد والمجتمع

إن المحافظة على الأسرار من أعظم الأمانات في العلاقات؛ ليس على المستوى الفردي فحسب؛ بل على مستوى الدول والحكومات، وكم من أسرار كشفت للخصوم والأعداء؛ فسبّبت الذل والهوان لأفراد وشعوب وأمم!

ومن هنا فرعاية الإسلام للمحافظة على الأسرار يستهدف من ورائها تكوين المجتمع الإسلامي، ووضع التشريعات الضابطة لحماية العلاقات وتنميتها أمر لازم لدوام الحياة الاجتماعية وتقدمها من الناحية المادية والمعنوية.

ولو أهملت المبادئ الأخلاقية والاجتماعية، وسمح للخيانة، وفشو الأسرار بالانتشار؛ لزالت المعاني الإنسانية العظيمة، كالأمانة، وكتمان الأسرار من حياة الناس، وتحولت الحياة الاجتماعية إلى جحيم لا يطاق(97).

وينبغي التنبيه في هذا المقام إلى أن المحافظة على الأسرار مشروطة بأن لا تؤثر في حق الله تعالى أو حق المسلمين، وإلا عدّ ذلك من الخيانة لحق الله تعالى، أو حق المسلمين، وليس حفظ الأسرار هنا من الأمانة(98).

وقد عالج القرآن الكريم إفشاء الأسرار وبيَّن أثر ذلك في المجتمعات والدول والأفراد من جميع الجوانب ،سواء العامة أو الخاصة في الأمور السياسية والعسكرية أو الاجتماعية والفردية كما يأتي:

أولًا: عالج القرآن الكريم إفشاء الأسرار وبيَّن أثر ذلك في المجتمعات والدول والأفراد في الأمور السياسية والعسكرية:

وذلك حين نهى الله المؤمنين أن يخونوا أماناتهم فيما بينهم، أو فيما أسر الرسول إليهم من السر، وهم يعلمون أن الخيانة ليست من شأن الكرام، بل هي من شأن اللئام، في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].

ومن هنا يكون إفشاء السر خيانة صغرى أو كبرى كما يأتي:

  • كشف السر خيانة صغرى: فقد ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]. ذهب جمهور المفسرين إلى أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري رضي الله عنه، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة، ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن ابعث إلينا أبا لبابة نستشيره في أمرنا، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم، فقالوا: يا أبا لبابة، ما ترى أننزل على حكم محمد؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه - أنه الذبح فلا تفعلوا -، ثم ندم بعد ذلك وقال: والله! ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله»(99)، فإن أبا لبابة رضي الله عنه كان يعلم الحكم في يهود بني قريظة بأنه الذبح! ولكنه أشار بيده إلى حلقه، فكان ذلك منه خيانة لأمانة المجلس، ويكون إفشاء السر في مثل هذه الحالة خيانة صغرى لعدم الإفصاح بالسر (100).
  • كشف السر خيانة كبرى: لأن حفظ أسرار المجالس أمانة كبرى يجب رعايتها، وعدم إفشاء ما يدار فيها من أمور وأخبار مهمة ربما يصل كشفها إلى الخيانة الكبرى، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه في نقله لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتح مكة إلى زعمائها(101)؛ إذ إن حاطبًا ممن أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بوجهته إلى مكة، وهو ما جاء في سبب نزول(102) قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡۙ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: 1].
  • أن افشاء السر والإذاعة به من أخلاق المنافقين الذين يكيدون ويمكرون بالمؤمنين، كما ذهب إلى ذلك جمهور المفسرين، أو من أخلاق ضعفة المسلمين الذين يفشون الأسرار من غير معرفة بالأضرار الناجمة عن ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [النساء: 83](103). كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن وسلامة أو خوف وخلل أذاعوا به ، وكانت إذاعتهم مفسدة، ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر منهم- وهم كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم- لعلمه :لعلم تدبير ما أخبروا به ، الذين يستنبطونه : الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها(104).

ثانيًا: الأضرار الناجمة على الفرد والمجتمع عن إفشاء الأسرار الاجتماعية، وكيف عالج القرآن الكريم ذلك:

فقد جسد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٣ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ٤ عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبۡدِلَهُۥٓ أَزۡوَٰجًا خَيۡرٗا مِّنكُنَّ مُسۡلِمَٰتٖ مُّؤۡمِنَٰتٖ قَٰنِتَٰتٖ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٖ سَٰٓئِحَٰتٖ ثَيِّبَٰتٖ وَأَبۡكَارٗا﴾ [التحريم: 3-5].

وبعض أزواجه هي: حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعدل عن ذكر اسمها ترفعاً عن أن يكون القصد معرفة الأعيان، وإنما المراد العلم بمغزى القصة وما فيها مما يجتنب مثله أو يقتدى به، وكذلك طي تعيين المنبئة بالحديث، وهي عائشة رضي الله عنها.

وذكرت حفصة رضي الله عنها بعنوان بعض أزواجه للإشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع سره في موضعه ؛ لأن أولى الناس بمعرفة سر الرجل زوجه، وفي ذلك تعريض بملامها على إفشاء سره؛ لأن واجب المرأة أن تحفظ سرَّ زوجها إذا أمرها بحفظه أو كان مثله مما يجب حفظه(105).

قال جماعة المفسرين: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الغيرة والكراهية في وجه حفصة، أراد أن يترضاها، فأسرَّ إليها بشيئين:

أحدهما: تحريم مارية على نفسه أو ما حرم على نفسه مما كان الله جل ثناؤه قد أحله له من شربه العسل عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحداً يبتغي بذلك مرضاة أزواجه، وحلفه على ذلك.

والثاني: تبشيرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وأبيها عمر رضي الله عنه (106).

وعلى ذلك يجب حفظ أسرار الزوجين: الرجل والمرأة مؤتمنان على حفظ أسرار كل منهما، ويجب عليهما أن يحرصا أشد الحرص على عدم إفشائها، ولا شك أن حفظ سر الزوجين من أخص خصائص كل منهما تجاه الآخر، ومن أكثرها إسهامًا في ديمومة الحياة الزوجية واستقرارها، ويدخل في المحافظة على الأسرار: ستر العورات في العلاقات الزوجية، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها) وفي رواية عنه أيضاً: (إنّ من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرّها) (107).

وكذلك يعتبر نقل النميمة من شخص إلى آخر من إفشاء السر، فمن قال لآخر: فلان يقول فيك أو يفعل فيك(108)، فإن ذلك من إفشاء السر بالإضافة إلى كونه نميمة والكل محرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 58](109).

والمحافظة على الأسرار أمانة عظيمة يجب الوفاء بها، وقد حثّنا الشرع عليها، وحذّرنا من فشو الأسرار والتفريط فيها، قال تعالى: ﴿وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا﴾ [الإسراء: 34].

وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ﴾ [المعارج: 32].

فعلى من أودع سرًّا أن يحافظ عليه ولا يفشيه أبدًا، وإلا أصبح خائنًا، لأن إفشاء السر صفة مشابهة للمنافق الذي إذا اؤتمن على شيء خانه، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربعٌ من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النّفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)(110).

بالإضافة إلى أن حفظ الأسرار وكتمانها من الأخلاق العظيمة التي تعلي من شيم أصحابها وشمائل صفاتهم، فقد كان الصحابة والصحابيات رضي الله عنهم مضرب المثل في حفظ الأسرار التي يؤتمنون عليها، فهذا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أمين سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين، وكان يقال له: صاحب السّر الذي لا يعلمه أحدٌ غيره(111).

بالإضافة إلى أن في حفظ الأسرار وكتمانه عوناً على قضاء الحوائج ودفعاً للحسد والمكر وغيرها من الآفات والمخاطر التي تنتج عن إفشاء الأسرار والإعلان بها، وفي ذلك تظهر الحكمة والغاية التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم الناس بقوله: (استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود)(112).

وفي الجملة ينبغي المحافظة على الأسرار الخاصة والعامة بكل الوسائل، وخاصة الأسرار العامة التي تهم الدول والمجتمعات ويؤدي إفشاؤها إلى دمار الشعوب، وخاصة مع وجود وسائل التنصت والتجسس المتطورة، والتي يجب الاحتراز والحذر منها بكل الوسائل الممكنة.

موضوعات ذات صلة:
الإخلاص، الإنفاق، الحساب، العلن، الكتمان، النجوى، النفاق

الحواشي

  1. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/67. ↩
  2. انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 12/201. ↩
  3. انظر: لسان العرب، ابن منظور 4/363، المصباح المنير، الفيومي 1/273، تاج العروس، الزبيدي12/7. ↩
  4. المفردات، الراغب الأصفهاني ص 404، وانظر: الكشاف، الزمخشري 4/736. ↩
  5. المفردات، الراغب الأصفهاني ص 404. ↩
  6. انظر: ﺍﻟﺴﺮﺍﺋﺮ ﰲ ﺿﻮء ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ زينب حسين أبو مور ص10-11. ↩
  7. انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، محمد فؤاد عبد الباقي ص348-349. ↩
  8. انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص270، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 3/208. ↩
  9. انظر: المصباح المنير، الفيومي 2/595. ↩
  10. انظر: جامع البيان، الطبري 9/201. ↩
  11. انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 63. ↩
  12. انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 1/354، مقاييس اللغة، ابن فارس 2/202، لسان العرب، ابن منظور 14/234، تاج العروس، الزبيدي 37/564. ↩
  13. انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 289، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 42، الكليات، الكفوي ص 514. ↩
  14. انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 63. ↩
  15. انظر: لسان العرب، ابن منظور 12/506، المصباح المنير، الفيومي 2/525. ↩
  16. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/157. ↩
  17. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 4/140، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي 3/104، لباب التأويل، الخازن 1/97. ↩
  18. انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 447. ↩
  19. انظر: المصدر السابق ص 448. ↩
  20. انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة ص 225، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 3/141، جامع البيان، الطبري 11/261، التحرير والتنوير، ابن عاشور 18/326. ↩
  21. جامع البيان، الطبري 11/261. ↩
  22. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 20/195، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/484.السراج المنير، الشربيني2/223. ↩
  23. انظر: جامع البيان، الطبري 23/417، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/115. ↩
  24. انظر: جامع البيان، الطبري 22/182، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 5/14، النكت والعيون، الماوردي 5/303، مفاتيح الغيب، الرازي 3/563. ↩
  25. انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/457. ↩
  26. انظر: جامع البيان، الطبري 18/272، معالم التنزيل، البغوي 4/217، النكت والعيون، الماوردي 3/394، تفسير القرآن، السمعاني 3/321، الكشاف، الزمخشري 3/52، المحرر الوجيز، ابن عطية 4/37، مفاتيح الغيب، الرازي 28/57، التحرير والتنوير، ابن عاشور16/189. ↩
  27. انظر: جامع البيان، الطبري 18/274. ↩
  28. انظر: الكشاف، الزمخشري 4/265، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/221. ↩
  29. انظر: الكشاف، الزمخشري 2/293، مفاتيح الغيب، الرازي 16/109. ↩
  30. انظر: جامع البيان، الطبري 23/511، المحرر الوجيز، ابن عطية 5/340، الكشاف، الزمخشري 4/579، مفاتيح الغيب، الرازي 30/589، أنوار التنزيل، البيضاوي 5/230. ↩
  31. تفسير القرآن العظيم 8/73. ↩
  32. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور25/263. ↩
  33. انظر: جامع البيان، الطبري 17/189، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 3/194، الكشاف، الزمخشري 2/601، المحرر الوجيز، ابن عطية 3/386. ↩
  34. انظر: جامع البيان، الطبري 16/366، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/289. ↩
  35. انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 7/79. ↩
  36. انظر: بحث: مفهوم الأسماء والصفات سعد ندا، منشور في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، العدد 46 ، العام 1400-1401هـ ص 61. ↩
  37. انظر: جامع البيان، الطبري 23/631، تفسير القرآن، السمعاني 6/55، أنوار التنزيل، البيضاوي 5/248، مدارك التنزيل، النسفي 3/543. ↩
  38. انظر: المحرر الوجيز 5/373. ↩
  39. انظر: جامع البيان، الطبري 23/631، تفسير القرآن، السمعاني 6/55، مدارك التنزيل، النسفي 3/543، أنوار التنزيل، البيضاوي 5/248، مفاتيح الغيب، الرازي 30/651، التحرير والتنوير، ابن عاشور 29/197، تفسير المراغي 29/82. ↩
  40. انظر: سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، ص 16. ↩
  41. انظر: فقه السيرة النبوية، محّمد سعيد البوطي ص 69، الدعوة الإسلامية في عهدها المكي مناهجها وغاياتها، رؤوف شلبي ص 301. ↩
  42. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/438، أنوار التنزيل، البيضاوي 3/199، تفسير المراغي 13/154، تفسير الشعراوي 12/7531. ↩
  43. انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 3/199. ↩
  44. انظر: النكت والعيون، الماوردي 3/137، التفسير الوسيط، الواحدي 3/32، البحر المحيط، أبو حيان 6/437. ↩
  45. انظر: أسباب نزول القرآن، الواحدي ص 90، العجاب في بيان الأسباب، ابن حجر العسقلاني 1/634. ↩
  46. انظر: النكت والعيون، الماوردي 1/347، التفسير الوسيط، الواحدي 1/392، تفسير القرآن، السمعاني 1/278. ↩
  47. انظر: جامع البيان، الطبري 19/365، التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/305. ↩
  48. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 7/71. ↩
  49. انظر: جامع البيان، الطبري 14/307، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 3/213، أنوار التنزيل، البيضاوي 3/234، البحر المحيط، أبو حيان 6/569. ↩
  50. أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب الدعاء، رقم 1479، 2/76، والترمذي في سننه، أبواب من قال في القرآن برأيه، باب ومن سورة المؤمن، رقم 3247، 5/211، وابن ماجه في سننه، كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء، رقم 3828 ، 2/1258.
    قال الترمذي: حسن صحيح.
    وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم 3407، 1/641. ↩
  51. انظر: محاسن التأويل، القاسمي 7/84. ↩
  52. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم 4205، 5/133. ↩
  53. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 3/272. ↩
  54. انظر: جامع البيان، الطبري 10/249، المحرر الوجيز، ابن عطية 2/410. ↩
  55. انظر: جامع البيان، الطبري 10/249، النكت والعيون، الماوردي 2/231، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 2/259، الوجيز، الواحدي ص 358، تفسير القرآن، السمعاني 2/113، المحرر الوجيز، ابن عطية 2/410، التحرير والتنوير، ابن عاشور8/171. ↩
  56. انظر: النكت والعيون، الماوردي 3/65، التفسير الوسيط، الواحدي 2/624، تفسير القرآن، السمعاني 3/53، التحرير والتنوير، ابن عاشور 13/34. ↩
  57. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، رقم 6114، 8/28، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب، رقم 2609، 4/2014. ↩
  58. أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب من كظم غيظاً، رقم 4777، 4/248، والترمذي في سننه، أبواب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب في كظم الغيظ، رقم 2021، 4/372، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب الحلم، رقم 4186، 2/1400.
    وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم 6522، 2/1112. ↩
  59. انظر: جامع البيان، الطبري 14/344، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/202، أنوار التنزيل البيضاوي 1/89، فتح القدير، الشوكاني 1/120، روح المعاني، الألوسي 1/158. ↩
  60. انظر: جامع البيان، الطبري 10/444، تفسير القرآن، السمعاني 2/50، التفسير الوسيط، الواحدي 2/205، مفاتيح الغيب، الرازي 12/392، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6/237، أنوار التنزيل، البيضاوي 2/134، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير3/131. ↩
  61. انظر: أحكام القرآن، الجصاص 1/29، تفسير القرآن، السمعاني 2/50، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 8/97، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/87، المنار، محمد رشيد رضا 6/408. ↩
  62. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 28/144، أضواء البيان، الشنقيطي 8/85، التفسير المنير، الزحيلي 28/128. ↩
  63. انظر: جامع البيان، الطبري 7/145، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 1/461، التفسير الوسيط، الواحدي 1/483، تفسير القرآن، السمعاني 1/351، التحرير والتنوير، ابن عاشور 4/64. ↩
  64. انظر: الوجيز، الواحدي ص 228، التحرير والتنوير، ابن عاشور 28/144، أضواء البيان، الشنقيطي 8/85، التفسير المنير، الزحيلي 28/128. ↩
  65. انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 259، لسان العرب، ابن منظور 5/183، تاج العروس، الزبيدي9/122. ↩
  66. انظر: الكشاف، الزمخشري 2/337، مفاتيح الغيب، الرازي 16/65، أنوار التنزيل، البيضاوي 3/109. ↩
  67. انظر: مدارك التنزيل، النسفي 2/612، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/406. ↩
  68. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 19/284، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 4/98. ↩
  69. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب ما يدعى الناس بآبائهم، رقم 6177، 8/41، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر، رقم 1735، 3/1359. ↩
  70. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/299. ↩
  71. انظر: جامع البيان، الطبري 23/310، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 5/155، النكت والعيون، الماوردي 5/517، الكشاف، الزمخشري 4/512. ↩
  72. انظر: جامع البيان، الطبري 23/310، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 5/155، المفردات، الراغب الأصفهاني ص 404، النكت والعيون، الماوردي 5/517، الكشاف، الزمخشري 4/512. ↩
  73. انظر: جامع البيان، الطبري 23/310، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 5/155. ↩
  74. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة الفتح، رقم 4274، 5/145، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم وقصة حاطب بن أبي بلتعة، رقم 2494، 4/1941. ↩
  75. انظر: البحر المحيط في أصول الفقه، بدر الدين الزركشي4/269، شرح الكوكب المنير، ابن النجار الحنبلي 3/177. ↩
  76. انظر: محاسن التأويل، القاسمي 2/158. ↩
  77. انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة ص90، معاني القرآن، النحاس 1/228، أحكام القرآن، ابن العربي 1/285. ↩
  78. انظر: جامع البيان، الطبري 5/105، النكت والعيون، الماوردي 1/304، أحكام القرآن، ابن العربي 1/288، المحرر الوجيز، ابن عطية 1/315. ↩
  79. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/483، أحكام القرآن، ابن العربي 1/287، البحر المحيط، أبو حيان 2/522، تفسير المراغي 2/194. ↩
  80. انظر: جامع البيان، الطبري 5/105، النكت والعيون، الماوردي 1/304، أحكام القرآن، ابن العربي 1/288، المحرر الوجيز، ابن عطية 1/315. ↩
  81. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/483. ↩
  82. انظر: جامع البيان، الطبري 23/584، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/229، التفسير المنير، الزحيلي 29/89. ↩
  83. انظر: تفسير القرآن، السمعاني 2/50، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 8/97، المنار، محمد رشيد رضا 6/408، التفسير المنير، الزحيلي 1/93. ↩
  84. انظر: معاني القرآن، النحاس 3/300، النكت والعيون، الماوردي 2/438، مفاتيح الغيب، الرازي 25/208، التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/209. ↩
  85. انظر: جامع البيان، الطبري 18/291، معاني القرآن، النحاس 3/299، التفسير الوسيط، الواحدي 2/550، تفسير القرآن، السمعاني 2/389. ↩
  86. انظر: معاني القرآن، النحاس 3/300، النكت والعيون، الماوردي 2/438، مفاتيح الغيب، الرازي 25/208، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 16/71، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8/352، التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/209. ↩
  87. انظر: جامع البيان، الطبري 6/114، مفاتيح الغيب، الرازي 7/104، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 3/421، البحر المحيط، أبو حيان 2/750، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/565. ↩
  88. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/565. ↩
  89. أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى:﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ ، رقم 4545، 6/33، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان قوله تعالى: ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾، رقم 125، 1/115. ↩
  90. انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 7/104، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 3/421، البحر المحيط، أبو حيان 2/750. ↩
  91. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/567. ↩
  92. انظر: النكت والعيون، الماوردي 1/360، المحرر الوجيز، ابن عطية 1/389 ↩
  93. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق، باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه، ولا عتاقة إلا لوجه الله، رقم 2528، 3/145، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب، إذا لم تستقر، رقم 127، 1/116. ↩
  94. انظر: البحر المحيط في أصول الفقه، بدر الدين الزركشي 5/247، المسودة في أصول الفقه، آل تيمية ص 196، شرح الكوكب المنير، ابن النجار الحنبلي 3/66. ↩
  95. انظر: التفسير المنير، الزحيلي 3/128. ↩
  96. انظر: جامع البيان، الطبري 6/114، مفاتيح الغيب، الرازي 7/104، البحر المحيط، أبو حيان 2/750، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/565. ↩
  97. انظر: مقال: المحافظة على الأسرار، عبداللطيف الحسين، منشور في مجلة البيان، تصدر عن المنتدى الإسلامي، العدد 197، السنة 19، ص 28. ↩
  98. انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها، عبدالرحمن حبنكة الميداني 2/361. ↩
  99. انظر: جامع البيان، الطبري 13/480، التفسير الوسيط، الواحدي 2/453، مفاتيح الغيب، الرازي 15/475، المحرر الوجيز، ابن عطية 2/517. ↩
  100. انظر: جامع البيان، الطبري 13/480، التفسير الوسيط، الواحدي 2/453، مفاتيح الغيب، الرازي 15/475، المحرر الوجيز، ابن عطية 2/517. ↩
  101. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدراً، رقم 3983. ↩
  102. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب ﴿لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء ﴾، رقم 4274، 5/145.
    وانظر: أسباب النزول، الواحدي ص 346، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/41. ↩
  103. انظر: جامع البيان، الطبري 8/568، النكت والعيون، الماوردي 1/511، مفاتيح الغيب، الرازي 10/153، البحر المحيط، أبو حيان 3/726، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/322. ↩
  104. انظر: الكشاف، الزمخشري 1/541. ↩
  105. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور28/352. ↩
  106. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حرم طعامه ، رقم 6691، 6/158، ومسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته، ولم ينو الطلاق، رقم 1474، 2/1100. ↩
  107. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب تحريم إفشاء سر المرأة، رقم 1437، 2/1060. ↩
  108. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 2/113. ↩
  109. انظر: سبل السلام، الصنعاني 2/678. ↩
  110. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب علامات المنافق، واللفظ له، رقم 34، 1/16، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، رقم 58، 1/78. ↩
  111. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمار وحذيفة رضي الله عنهما، رقم 3742، 5/25. ↩
  112. أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، رقم 2455، 3/55، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم 6228، 9/34.
    وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم 1453، 3/439. ↩
البحث السابقالسّحر