تنزيل PDF

النور

المجلد السابع عشر الكون حرف ن ١١٤ قراءة · ٣٨٦ تنزيلاً

مفهوم النور

أولًا: المعنى اللغوي:

النورلغة: الضياء، والجمع أنوارٌ. و(أنار) الشيء و(استنار) بمعنى، أي: أضاء. و(التنوير) الإنارة. وهو أيضًا الإسفار. وهو أيضًا إزهار الشجرة. يقال: (نورت) الشجرة (تنويرًا) و(أنارت) أي أخرجت (نورها)(1).

والنور، بالضم: الضوء أيًّا كان، أو شعاعه، جمعه: أنوارٌ ونيرانٌ(2).

والنون والواو والراء (نور) أصلٌ صحيح يدل على إضاءة واضطراب وقلة ثبات. ومنه النور والنار، سُمٍّيا بذلك من طريقة الإضاءة، ولأن ذلك يكون مضطربًا سريع الحركة. وتنورت النار: تبصرتها.

ومنه النور: نور الشجر ونواره. وأنارت الشجرة: أخرجت النور. والمنارة: مفعلةٌ من الاستنارة، والأصل منورةٌ. ومنه منار الأرض: حدودها وأعلامها، سميت لبيانها وظهورها(3).

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

هو الضوء المنتشر الذي يعين على الإبصار، وذلك ضربان: ضرب معقول بعين البصيرة؛ وهو ما انتشر من الأمور الإلهية: كنور العقل، ونور القرآن. ومحسوس بعين البصر؛ وهو ما انتشر من الأجسام النيرة: كالقمرين، والنجوم، والنيرات(4).

والنور: كيفية تدركها الباصرة أولًا، وبواسطتها سائر المبصرات(5).

والنور: هو الجوهر المضيء، والنار كذلك، غير أن ضوء النار مكدر مغمور بدخان محذور عنه، بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق، وإذا صارت مهذبة مصفاة كانت محض نور، ومتى نكصت عادت الحالة الأولى جذوة، ولا تزال تتزايد حتى ينطفئ نورها، ويبقى الدخان الصرف(6).

النور في الاستعمال القرآني

وردت مادة (نور) في القرآن بصيغ متعددة، بلغت (194) مرة، منها (49) مرة تخص موضوع البحث(7).

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغةعدد المراتالمثال
المصدر43﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ١٥﴾ [المائدة: 15]
اسم الفاعل3﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ٨﴾ [الحج: 8]

وجاء النور في الاستعمال القرآني على سبعة أوجه(8):

الأول: الإسلام والإيمان: ومنه قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ﴾ [الصف: 8]. أي: الإسلام، وقوله تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ﴾ [الأنعام: 122]. أي: إيمانًا.

الثاني: الهدى: ومنه قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [النور: 35]. أي: هادي من في السماوات والأرض.

الثالث: النبي صلى الله عليه وسلم: ومنه قوله تعالى: ﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ١٥﴾ [المائدة: 15]. أي: محمد صلى الله عليه وسلم.

الرابع: ضوء النهار: ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ﴾ [الأنعام: 1]. أي: ضوء النهار.

الخامس: ضوء القمر: ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا ٦١﴾ [الفرقان: 61]. أي: مضيئًا لأهل الأرض.

السادس: ضوء المؤمنين على الصراط: ومنه قوله تعالى: ﴿يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِم﴾ [الحديد: 12]. أي: الضوء الذي يعطي الله المؤمنين على الصراط يوم القيامة.

السابع: القرآن: ومنه قوله تعالى: ﴿فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ﴾ [التغابن: 8]، أي: القرآن.

الألفاظ ذات الصلة

الضياء:

الضياء لغة:

أصلها ضوء، قلبت الواو إلى ياء لمناسبة الكسرة قبلها(9)، والضوء هو الإنارة الناجمة عن مصدر ذاتي الإشعاع (10).

الضياء اصطلاحًا:

هو الإشعاع الشمسي الذي يؤثر في العين فيمكن المبصر من الرؤية (11).

وقال الراغب: «الضوء: ما انتشر من الأجسام النيرة»(12).

الصلة بين النور والضياء:

النور والضياء مترادفان لغة.

وقد يفرق بينهما؛ بأن الضوء: ما كان من ذات الشيء المضيء، والنور: ما كان مستفادًا من غيره. وعليه جرى قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا﴾ [يونس: 5].

السنا:

السنا لغة:

الضوء الساطع، والسناء: الرفعة، والسانية التي يسقى بها، سميت لرفعتها(13).

السنا اصطلاحًا:

ضوء البرق الذي في السحاب.

الصلة بين النور والسنا:

يتفق النور والسنا من حيث شدة ضياء البرق وصفائه ونور لمعانه، إضافة إلى العلو والمجد والشرف والحسب والارتفاع في السنا، والأصل في السنا الإلماع، وهو أصل في النور أيضًا.

المشكاة:

المشكاة لغة:

كل كوةٍ ليست بنافذة، وهي أجمع للضوء، والمصباح فيها أكثر إنارةً في غيرها. وقال مجاهد: المشكاة: العمود الذي يكون المصباح على رأسه(14).

المشكاة اصطلاحًا:

لايخرج عن معناه اللغوي.

الصلة بين النور والمشكاة:

الصلة بين المشكاة والنور واضحة فالمشكاة هي مكان الضوء وحابسته حتى يظهر، والصلة بينهما صلة مجاورة.

السراج:

السراج لغة:

(سرج): أصل صحيح يدل على الحسن والزينة والجمال. ومن ذلك السراج؛ سمي لضيائه وحسنه. والجمع: سُرُجٌ. والمسرجة: التي فيها الفتيل. وأسرج السراج: أوقده. وجبين سارج، أي: واضح كالسراج. ويقال: سرج وجهه، أي: حسنه، كأنه جعله له كالسراج(15).

السراج اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي.

الصلة بين النور والسراج:

السراج مصدر من مصادر النور، ولذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجٗا﴾ [نوح: ١٦].

فالشمس ينتج عن نورها إضاءة كالسراج.

اقتران النور بالظلمات

من خلال تتبع الاقتران والمقابلة بين لفظي (النور) و(الظلمات) في آيات عدة من القرآن الكريم، نلحظ الأمور الآتية:

أولًا: تكرر تقابل لفظ النور بالظلمات في أحد عشر موضعًا مختلفًا في القرآن الكريم.

ثانيًا: كل ما ورد في القرآن من أمر الظلمات والنور فالمراد به الكفر مقابل الإيمان، إلا التي في أول سورة (الأنعام) في قوله تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].

فإن المراد هناك ظلمة الليل ونور النهار(16).

ثالثًا: التآم سياق سائر الآيات الإحدى عشرة على إفراد النور وجمع الظلمات، لتعدد فنون الباطل، واتحاد الحق، فطرق الضلال والكفر المقصودة من الظلمات كثيرة ومتشعبة؛ فهناك ظلمة الجهل، وظلمة العناد، وظلمة التقليد في الباطل، وظلمة الشرك والكفر، كما أن الظلمة متنوعة بتنوع أسبابها؛ فهناك ظلمة الليل، وظلمة المحابس، وظلمة القبور، وظلمة الغمام، وهي تتغير حقائقها بتغير أسبابها. كما أن الظلمات من أجرام متكاثفة، ولها أسباب كثيرة، أما النور فمن جنس متحد. ثم ثمة إشارة إلى أمر معنوي، وهي أن ظلمة الإدراك تتعدد حقائقها، فهناك ظلمة الانحراف، وظلمة الأهواء والشهوات، وظلمة طمس القلوب، أما النور فواحد، وهو الحق لا يتعدد، ومن نتائجه الكشف والظهور، وتعدد أسبابه لا يغير حقيقته.

قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣].

فطريق الحق واضحة المعالم لا لبس فيها، ولا تشعب في مسالكها، أما طريق الضلال فهي متعددة متشعبة ملتبسة على من يسلكها(17).

رابعًا: تقديم الظلمات على النور. لأنها المخلوقة أولًا.

خامسًا: في جمع الظلمات وإفراد النور لونان من ألوان المحسنات المعنوية في علم البديع من فن البلاغة:

  • الطباق.

وهو الجمع بين الشيء وضده في الكلام، وهو نوعان: طباق الإيجاب، وهو ما لم يختلف فيه الضدان سلبًا أو إيجابًا، وطباق السلب، وهو ما اختلف فيه الضدان إيجابًا وسلبًا.

  • استعارة تصريحية.

والاستعارة من المجاز اللغوي، وهي تشبيهٌ حذف أحد طرفيه، فعلاقتها المشابهة دائمًا، وهي قسمان: تصريحية ومكنية، والتصريحية: هي ما صرح فيها بلفظ المشبه به، كما في مثالنا هنا، حيث استعار الظلمات، ولا يقصد به إلا الضلال، واستعار النور، ولا يقصد به إلا الهدى والإيمان(18).

النور من صفات الله تعالى

قال الله تعالى: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۗ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [النور: ٣٥].

وقوله: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ أي: مدبر أمرهما بحكمةٍ بالغةٍ وحجَّةٍ نيرة. ثم مَثًّلَ مَثَلَ نوره ذلك في القلوب بأبين النور الذي لم يدرك بالأبصار فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ﴾ [النور: 35].

فنوره يجوز أن يكون ما ذكرنا من تدبيره، وجائز أن يكون كتابه الذي بَيِّنَ به فقال: ﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ﴾ [المائدة: ١٥].

وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو النور الذي قال ﴿مَثَلُ نُورِهِۦ﴾، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو المرشد والمبين والناقل عن الله ما هو نيرٌ، بينٌ(19).

قال ابن عطية في ثنايا تفسير هذه الآية ما نصُّهُ: (النور) في كلام العرب الأضواء المدركة بالبصر(20).

وقال تعالى: ﴿وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩].

قال الإمام الفخر الرازي في ثنايا تفسير هذه الآية ما نصه: قالت المجسمة: إن الله تعالى نورٌ محضٌ، فإذا حضر الله في تلك الأرض لأجل القضاء بين عباده أشرقت تلك الأرض بنور الله، وأكدوا هذا بقوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [النور: 35].

واعلم أن الجواب عن هذه الشبهة من وجوه:

الوجه الأول: أنا بينا في تفسير قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ أنه لا يجوز أن يكون الله تعالى نورًا، بمعنى كونه من جنس هذه الأنوار المشاهدة، وبينا أنه لما تعذر حمل الكلام على الحقيقة، وجب حمل لفظ النور ههنا على العدل، فنحتاج ههنا إلى بيان أن لفظ النور قد يستعمل في هذا المعنى، ثم إلى بيان أن المراد من لفظ النور ههنا ليس إلا هذا المعنى، أما بيان الاستعمال فهو أن الناس يقولون للملك العادل: أشرقت الآفاق بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك، كما يقولون: أظلمت البلاد بجورك، وقال صلى الله عليه وسلم: (الظلم ظلمات يوم القيامة)(21).

وأما بيان أن المراد من النور ههنا العدل فقط أنه قال: ﴿وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ﴾ [الزمر: ٦٩].

ومعلوم أن المجيء بالشهداء ليس إلا لإظهار العدل، وأيضًا قال في آخر الآية: ﴿وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾، فدل هذا على أن المراد من ذلك النور إزالة ذلك الظلم، فكأنه تعالى فتح هذه الآية بإثبات العدل، وختمها بنفي الظلم.

والوجه الثاني: في الجواب عن الشبهة المذكورة أن قوله تعالى: ﴿وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩].

يدل على أنه يحصل هناك نور مضاف إلى الله تعالى، ولا يلزم كون ذلك صفة ذات الله تعالى؛ لأنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب، فلما كان ذلك النور من خلق الله، وشَرَّفَهُ، بأن أضافه إلى نفسه، كان ذلك النور نور الله، كقوله: بيت الله، وناقة الله، وهذا الجواب أقوى من الأول، لأن في هذا الجواب لا يحتاج إلى ترك الحقيقة، والذهاب إلى المجاز.

والوجه الثالث: أنه قد يقال: فلان رب هذه الأرض، ورب هذه الدار، ورب هذه الجارية، ولا يبعد أن يكون رب هذه الأرض ملكًا من الملوك، وعلى هذا التقدير فلا يمتنع كونه نورًا(22).

وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢].

وقال عز وجل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [الصف: ٨].

علق الشيخ رشيد رضا في تفسيره المنار على لفظ (النور) ما نصه: ما ورد في (النور) من نصوص الكتاب والسنة فقد سمى الله تعالى نفسه نورًا، وورد النور في أسمائه الحسنى المأثورة، وأسند النور إلى اسم الذات في قوله: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [النور: 35].

وأسنده رسوله صلى الله عليه وسلم إلى وجهه تعالى بقوله: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات)(23)، ومثله في آثار أخرى.

والجمهور يفسرون الوجه بالذات، وهذا نوع من استعمال النور، غير إضافته إليه تعالى في قوله: ﴿وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩].

وقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ﴾ [الصف: 8].

على أن نوره في الأخيرة كتابه ووحيه وكلامه الذي هو من صفاته، والمراد به في الأظهر ما فيه آيات الهداية، فهو كقوله: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ﴾ [المائدة: ٤٤].

ومثله إطلاق اسم النور على النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ﴾ [المائدة: ١٥].

على وجه. وورد مثل هذا في كتب العهد الجديد عند النصارى مرويًّا عن المسيح عليه السلام، كقول يوحنا في رسالته الأولى (1: 5): وهذه هي البشرى التي سمعناها منه ونبشركم بها: أن الله نور، وليس فيه ظلمة ألبتة. وأطلق النور على المسيح نفسه في موضع من إنجيلي لوقا ويوحنا.

ومن المعلوم أن النور حسي ومعنوي، فالأول يرى بالبصر ويرى به البصر سائر المبصرات، والثاني يدرك بالبصيرة وتدرك به البصيرة الحق والخير والصلاح، كذلك نور الآخرة قسمان: حسي ومعنوي، وأما نور الله تعالى الذي هو صفة من صفاته فقد أضيف إلى وجهه، وأسند إلى ذاته، فهو فوق هذا وذاك، لا يعرف كنهه سواه عز وجل، وهو غير النور الذي هو حجابه المانع من رؤية ذاته، وإدراك كنهه، ولا يكبرنَّ عليك أيها الإنسان المعجب بنفسك هذا العجز عن إدراك نور الله عز وجل، فإن هذا النور الحسي الذي تراه بعينك لا تدرك حقيقته، ولم يدركها أحد من أبناء جنسك إلى الآن، ولم يستطع أحد أن يضع له تعريفًا يحدد هذه الحقيقة، ولم يكن المتقدمون يعرفون منه إلا ما يرونه من نار الأرض ونيرات السماء، ثم عرف المتأخرون هذه الكهرباء والراديو، فدخل بذلك العلم والعمل في طور جديد، إذا قيل: إنه فوق طور العقل والفلسفة والعلم التي انتهى إليها البشر قبله، لم يكن هذا القول مبالغة، وقد كانت الصوفية تقول: إن وراء مدرك عقول البشر علومًا صحيحة منطبقة على حقائق خارجية، لا محض نظريات فكرية، فيقول مدعو الفلسفة والمنطق: إن هذه خرافات خيالية، قال ابن الفارض: فثم وراء العقل علمٌ يدق عن مدارك غايات العلوم الصحيحة.

فأي عقل كان يتصور أنه يمكن لشخص واحد أن يوقد ما لا يحصى من المصابيح في دار، أو مدينة كبيرة في طرفة عين، وأن يطفئها في طرفة عين؟ وأن هذه المصابيح توقد بلا زيت ولا نار، وإنما تشعل بتحريك هنة صغيرة بعيدة عنها، ولكنها متصلة بها بسلك دقيق(24).

أنواع النور

أولًا: النور الحسي:

ويتجلى في نماذج المحسوسات الآتية:

  • القمر.

قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيهِنَّ نُورٗا﴾ [نوح: ١٦].

وقال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ [يونس: 5].

قال الإمام البغوي في تفسيره: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ﴾ بالنهار، ﴿وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا﴾ بالليل. وقيل: جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور، ﴿وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ﴾، أي: قدر له، يعني هيأ له منازل لا يجاوزها ولا يقصر دونها، ولم يقل: قدرهما. قيل: تقدير المنازل ينصرف إليهما، غير أنه اكتفى بذكر أحدهما، كما قال: ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ﴾ [التوبة: 62].

وقيل: هو ينصرف إلى القمر خاصة، لأن بالقمر يعرف انقضاء الشهور والسنين لا بالشمس، ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلًا، وأسماؤها: الشرطين، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنسر، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرع الدلو المقدم، وفرع الدلو المؤخر، وبطن الحوت.

وهذه المنازل مقسومة على البروج، وهي اثنا عشر برجًا: الحمل والثور والجوزاء، والسرطان والأسد والسنبلة، والميزان والعقرب والقوس، والجدي والدلو والحوت، فلكل برج منزلان وثلث منزل، فينزل القمر كل ليلة منزلًا منها، ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين، وإن كان الشهر تسعًا وعشرين فليلة واحدة، فيكون انقضاء الشهر بنزول تلك المنازل، ويكون مقام الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يومًا وثلث يوم، فيكون انقضاء السنة من انقضائها.

قوله تعالى: ﴿لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ﴾، أي: قدر المنازل لتعلموا عدد السنين دخولها وانقضاءها، ﴿وَٱلۡحِسَابَۚ﴾، يعني: حساب الشهور والأيام والساعات. ﴿مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ﴾، رده إلى الخلق والتقدير، ولولا رده إلى الأعيان المذكورة لقال تلك، ﴿بِٱلۡحَقِّۚ﴾، أي: لم يخلقه باطلًا، بل إظهارًا لصنعه، ودلالة على قدرته. ﴿يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾(25).

  • القرآن الكريم.

قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓۙ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].

وقد ذهب المفسرون في تعيين النور في الآية بالقرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓۙ﴾، أي: واتبعوا القرآن المنزل إليه، مع إتباعه بالعمل بسنته، مما يأمر به، وينهى عنه. أو اتبعوا القرآن مصاحبين له في اتباعه. وسمى القرآن نورًا، لأن به يستنير قلب المؤمن فيخرج به من ظلمات الشك والجهالة إلى ضياء اليقين والعلم(26).

  • الكتب المنزلة.

قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ﴾ [المائدة: ٤٤].

استئناف يتضمن تعظيم التوراة وتفخيم شأنها، وأنَّ فيها الهدى والنور، وهو بيان الشرائع والتبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم وإيجاب اتباعه(27).

وقال تعالى: ﴿قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورٗا وَهُدٗى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِيرٗاۖ﴾ [الأنعام: 91].

أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله، في جواب سؤالهم العام، بإثبات قضية جزئية موجبة، ﴿مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ﴾ وهو التوراة التي قد علمتم، وكلُّ أحد قد علم أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران، ﴿نُورٗا وَهُدٗى لِّلنَّاسِۖ﴾، أي: ليستضاء بها في كشف المشكلات، ويهتدى بها من ظلم الشبهات. وقوله تعالى: ﴿تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِيرٗاۖ﴾، أي تجعلون جملتها قراطيس، أي: قطعًا تكتبونها من الكتاب الأصلي، الذي بأيديكم، وتحرفون منها ما تحرفون، وتبدلون وتتأولون، وتقولون هذا من عند الله، أي في كتابه المنزل، وما هو من عند الله، ولهذا قال تعالى: ﴿تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِيرٗاۖ﴾(28).

وقال تعالى: ﴿وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦].

ثانيًا: النور المعنوي:

ويتجلى في نماذج المعاني الثلاثة الآتية:

  • النبوة.

ومثله إطلاق اسم النور على النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ﴾ [المائدة: ١٥].

فالنور: هو محمد صلى الله عليه وسلم، والهدى، أو النور الذي يبين الأشياء، ويري الأبصار حقيقتها، فمثل ما أوتي به النبي صلى الله عليه وسلم في القلوب في بيانه، وكشفه الظلمات كمثل النور. وقيل: الإسلام، والكتاب المبين: القرآن، فإنه المبين(29).

  • الإيمان.

ومثله في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الشورى: ٥٢].

قال ابن عباس: يعني الإيمان، وقال السدي: يعني القرآن(30).

ومثله أيضًا قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [التحريم: 8].

فقد أمر الله بالتوبة النصوح في هذه الآية، ووعد عليها بتكفير السيئات، ودخول الجنات، والفوز والفلاح، حين يسعى المؤمنون يوم القيامة بنور إيمانهم، ويمشون بضيائه، ويتمتعون بروحه وراحته، ويشفقون إذا طفئت الأنوار، التي لا تعطى المنافقين، ويسألون الله أن يتمم لهم نورهم فيستجيب الله دعوتهم، ويوصلهم ما معهم من النور واليقين إلى جنات النعيم، وجوار الرب الكريم، وكل هذا من آثار التوبة النصوح(31).

  • الهداية.

فقد أطلق القرآن الكريم لفظ النور على معنى الهداية واليقين، والعلم والإيمان، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ﴾ [الحديد: 9].

أي: حججًا واضحات، ودلائل باهرات، وبراهين قاطعات ظاهرات تدل أهل العقول على صدق كل ما جاء به، وأنه حق اليقين، ﴿لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ﴾، أي: من ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادة، إلى نور الهدى واليقين، ومن ظلمات الجهل والكفر، إلى نور العلم والإيمان، وهذا من رحمته بكم ورأفته، حيث كان أرحم بعباده من الوالدة بولدها(32).

وذكر الشعراوي رحمه الله في خواطره عند قوله تعالى: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۗ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ﴾ [النور: ٣٥].

فقال: لم يتركنا الحق تعالى في النور الحسي فقط، إنما أرسل إلينا نورًا آخر على يد الرسل، هو نور المنهج الذي ينظم لنا حركة الحياة، كأنه تعالى يقول لنا: بعثت إليكم نورًا على نور، نور حسي، ونور قيمي معنوي، وإذا شهدتم أنتم بأنَّ نوري الحسي ينير لكم السموات والأرض، وإذا ظهر تلاشت أمامه كل أنواركم، فاعلموا أن نور منهجي كذلك يطغى على كل مناهجكم، وليس لكم أن تأخذوا بمناهج البشر في وجود منهج الله.

وقوله تعالى: ﴿يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ﴾ أي: لنوره المعنوي نور المنهج ونور التكاليف، والكفار لم يهتدوا إلى هذا النور، وإن اهتدوا إلى النور الحسي في الشمس والقمر وانتفعوا به، وأطفأوا له مصابيحهم، لكن لم يكن لهم حظ في النور المعنوي، حيث أغلقوا دونه عيونهم وقلوبهم وأسماعهم، فلم ينتفعوا به. وكان عليهم أن يفهموا أن نور الله المعنوي مثل نوره الحسي لا يمكن الاستغناء عنه، لذلك جاء في أثر علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهد في غيره أضله الله). والعجيب أن العبد كلما توغل في الهداية ازداد نورًا على نور، كما قال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا﴾ [الأنفال: ٢٩].

وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ﴾ [محمد: ١٧](33).

نور الحق بين دعاته وأعدائه

مهمة أنبياء الله ورسله، وورثتهم في الأمة من الأئمة والدعاة والعلماء، إخراج الناس من الظلمات إلى النور.

قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٤٥ وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا﴾ [الأحزاب: ٤٥-٤٦].

وقوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ﴾، لا إلى دنيا، ولا إلى مجد، ولا إلى عزة قومية، ولا إلى عصبية جاهلية، ولا إلى مغنم، ولا إلى سلطان أو جاه. ولكن داعيا إلى الله، في طريق واحد يصل إلى الله ﴿بِإِذۡنِهِۦ﴾، فما هو بمبتدع، ولا بمتطوع، ولا بقائل من عنده شيئًا. إنما هو إذن الله له، وأمره لا يتعداه. ﴿وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا﴾، يجلو الظلمات، ويكشف الشبهات، وينير الطريق، نورًا هادئًا هاديًا كالسراج المنير في الظلمات. وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من النور. جاء بالتصور الواضح البين النير لهذا الوجود، ولعلاقة الوجود بالخالق، ولمكان الكائن الإنساني من هذا الوجود وخالقه، وللقيم التي يقوم عليها الوجود كله، ويقوم عليها وجود هذا الإنسان فيه؛ وللمنشأ والمصير، والهدف والغاية، والطريق والوسيلة. في قول فصل، لا شبهة فيه، ولا غموض. وفي أسلوب يخاطب الفطرة خطابًا مباشرًا، وينفذ إليها من أقرب السبل، وأوسع الأبواب، وأعمق المسالك والدروب.

وقد سعى الأعداء لإطفاء نور الله تعالى.

قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [الصف: 8].

وقال أيضًا: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢].

قال الرازي: اعلم أن المقصود منه بيان نوع ثالث من الأفعال القبيحة الصادرة عن رؤساء اليهود والنصارى، وهو سعيهم في إبطال أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة شرعه وقوة دينه، والمراد من النور: الدلائل الدالة على صحة نبوته، وهي أمور كثيرة جدًّا.

أحدها: المعجزات القاهرة التي ظهرت على يده، فإنَّ المعجز إمَّا أن يكون دليلًا على الصدق أو لا يكون، فإن كان دليلًا على الصدق، فحيث ظهر المعجز لا بد من حصول الصدق، فوجب كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقًا، وإن لم يدلَّ على الصدق قدح ذلك في نبوة موسى وعيسى عليهما السلام.

وثانيها: القرآن العظيم الذي ظهر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم مع أنه من أول عمره إلى آخره ما تعلم وما طالع، وما استفاد، وما نظر في كتاب، وذلك من أعظم المعجزات.

وثالثها: أن حاصل شريعته تعظيم الله والثناء عليه، والانقياد لطاعته، وصرف النفس عن حبَِّ الدنيا، والترغيب في سعادات الآخرة. والعقل يدلُّ على أنه لا طريق إلى الله إلا من هذا الوجه.

ورابعها: أنَّ شرعه كان خاليًا عن جميع العيوب، فليس فيه إثبات ما لا يليق بالله، وليس فيه دعوة إلى غير الله، وقد ملك البلاد العظيمة، وما غير طريقته في استحقار الدنيا، وعدم الالتفات إليها، ولو كان مقصوده طلب الدنيا لما بقي الأمر كذلك.

فهذه الأحوال دلائل نيرة وبراهين قاهرة في صحة قوله، ثم إنهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة، وأنواع كيدهم ومكرهم، أرادوا إبطال هذه الدلائل، فكان هذا جاريًا مجرى من يريد إبطال نور الشمس بسبب أن ينفخ فيها، وكما أن ذلك باطل وعمل ضائع، فكذا ههنا، فهذا هو المراد من قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ﴾ [الصف: 8].

ثم إنه تعالى وعد محمدًا صلى الله عليه وسلم مزيد النصرة والقوة وإعلاء الدرجة وكمال الرتبة فقال: ﴿وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢].

فإن قيل: كيف جاز أبى الله إلا كذا، ولا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيدًا؟ قلنا: أجرى (أبى) مجرى لم يرد، والتقدير: ما أراد الله إلا ذلك، إلا أن الإباء يفيد زيادة عدم الإرادة وهي المنع والامتناع، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (وإن أرادوا ظلمنا أبينا) فامتدح بذلك، ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم، لأن ذلك يصح من القوي والضعيف، ويقال: فلان أبى الضيم، والمعنى ما ذكرناه، وإنما سمى الدلائل بالنور؛ لأن النور يهدي إلى الصواب. فكذلك الدلائل تهدي إلى الصواب في الأديان(34).

النور يوم القيامة

أولًا: سعي نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم:

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [التحريم: 8].

قال ابن عاشور: ضمير ﴿نُورُهُمۡ﴾ عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه. وإضافة (نور) إلى ضمير (هم) مع أنه لم يسبق إخبار عنهم بنور لهم ليست إضافة تعريف، إذ ليس المقصود تعريف النور وتعيينه، ولكن الإضافة مستعملة هنا في لازم ضمير نورهم عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه. وإضافة (نور) إلى ضمير (هم) مع أنه لم يسبق إخبار عنهم بنور لهم ليست إضافة تعريف إذ ليس المقصود تعريف؛ النور وتعيينه ولكن الإضافة مستعملة هنا في لازم معناها وهو اختصاص النور بهم في ذلك اليوم، بحيث يميزه الناس من بين الأنوار يومئذ.

وسعي النور: امتداده وانتشاره. شبه ذلك باشتداد مشي الماشي وذلك أنه يحف بهم حيثما انتقلوا تنويها بشأنهم، كما تنشر الأعلام بين يدي الأمير والقائد، وكما تساق الجياد بين يدي الخليفة. وإنما خُصَّ بالذكر من الجهات الأمام واليمين؛ لأن النور إذا كان بين أيديهم تمتعوا بمشاهدته وشعروا بأنه كرامة لهم، ولأن الأيدي هي التي تمسك بها الأمور النفيسة وبها بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإيمان والنصر. وهذا النور نور حقيقي يجعله الله للمؤمنين يوم القيامة. والباء للملابسة، ويجوز أن تكون بمعنى (عن).

وقد تقدم نظير هذا في سورة الحديد وما ذكرناه هنا أوسع. وجملة ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا﴾ إلى آخرها حال من ضمير ﴿نُورُهُمۡ﴾، وظاهره أن تكون حالًا مقارنة، أي: يقولون ذلك في ذلك اليوم، ودعاؤهم طلب للزيادة من ذلك النور، فيكون ضمير يقولون عائد إلى جميع الذين آمنوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ، أو يقول ذلك من كان نوره أقل من نور غيره ممن هو أفضل منه يومئذ، فيكون ضمير يقولون على إرادة التوزيع على طوائف الذين آمنوا في ذلك اليوم. وإتمام النور إدامته أو الزيادة منه على الوجهين المذكورين آنفا، وكذلك الدعاء بطلب المغفرة لهم هو لطلب دوام المغفرة، وذلك كله أدب مع الله وتواضع له، مثل ما قيل في استغفار النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم سبعين مرة. ويظهر بذلك وجه التذييل بقولهم: ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ المشعر بتعليل الدعاء كناية عن رجاء إجابته لهم(35).

ثانيًا: تمني المنافقين الاقتباس من نور المؤمنين:

قال تعالى: ﴿يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِم بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢ يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗا فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٢-١٣].

قال الرازي: المراد من هذا اليوم هو يوم المحاسبة، واختلفوا في هذا النور على وجوه:

أحدها: قال قوم: المراد نفس النور على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن كل مثاب فإنه يحصل له النور على قدر عمله وثوابه في العظم والصغر. فعلى هذا مراتب الأنوار مختلفة؛ فمنهم من يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، ومنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من لا يضيء له نور إلا موضع قدميه، وأدناهم نورًا من يكون نوره على إبهامه ينطفئ مرة ويتقد أخرى، وهذا القول منقول عن ابن مسعود، وقتادة وغيرهما، وقال مجاهد: ما من عبد إلا وينادي يوم القيامة: يا فلان ها نورك، ويا فلان لا نور لك، نعوذ بالله منه. واعلم أنا بينا في سورة النور، أن النور الحقيقي هو الله تعالى، وأن نور العلم الذي هو نور البصيرة أولى بكونه نورًا من نور البصر، وإذا كان كذلك ظهر أن معرفة الله هي النور في القيامة، فمقادير الأنوار يوم القيامة على حسب مقادير المعارف في الدنيا.

والمراد من النور ما يكون سببًا للنجاة. وإنما قال: ﴿بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِم﴾، لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم، ووراء ظهورهم. والمراد بهذا النور الهداية إلى الجنة، كما يقال ليس لهذا الأمر نور، إذا لم يكن المقصود حاصلًا، ويقال: هذا الأمر له نور ورونق، إذا كان المقصود حاصلًا(36).

وذكر ابن أبي حاتم روايات في تفسيره للآية: منها: عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِم﴾ قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم. يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورًا من نوره على إبهامه يطفأ مرة ويوقد أخرى).

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلى بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك)، فقال الرجل: يا رسول الله، كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: (هم غرٌ محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم يسعى بين أيديهم ذريتهم)(37).

وعن سليم بن عامر قال: خرجنا على جنازة في باب دمشق، ومعنا أبو أمامة الباهلي، فلما صلى على الجنازة وأخذوا في دفنها، قال أبو أمامة: أيها الناس، إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر، وهو هذا يشير إلى القبر- بيت الوحدة، وبيت الظلمة، وبيت الدود، وبيت الضيق، إلا ما وسع الله، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم في بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس في أمر من الله، فتبيض وجوه، وتسود وجوه.

ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر تغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورًا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا وهو المثل الذي ضربه الله في كتابه، قال: ﴿أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ﴾ [النور: 40].

فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن، كما لا يستضيء الأعمى بنور البصير، و ﴿يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗا﴾، وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال تعالى: ﴿يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ﴾ [النساء: ١٤٢].

فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور. فلا يجدون شيئًا، فينصرفون إليهم وقد ضرب ﴿بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ﴾ الآية.

يقول سليم بن عامر: فما يزال المنافق مغترًّا حتى يقسم النور، ويميز الله بين المؤمن والمنافق. وبسنده عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: (تبعث ظلمة يوم القيامة، فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه، حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم، فيتبعهم المنافقون فيقولون: ﴿نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ﴾(38).

ثالثًا: مقام الشهداء عند ربهم بما يتمتعون به من أجر ونور:

قال الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ﴾ [الحديد: 19].

قال السعدي في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ﴾: الإيمان عند أهل السنة: هو ما دل عليه الكتاب والسنة، وهو قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، فيشمل ذلك جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة، فالذين جمعوا بين هذه الأمور ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ﴾ أي: الذين مرتبتهم فوق مرتبة عموم المؤمنين، ودون مرتبة الأنبياء.

وقوله تعالى: ﴿وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ﴾ كما ورد في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة مائة درجة، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله)(39).

وهذا يقتضي شدة علوهم ورفعتهم، وقربهم من الله تعالى.

وقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ﴾.

فهذه الآيات جمعت أصناف الخلق، المتصدقين، والصديقين، والشهداء، وأصحاب الجحيم، فالمتصدقون الذين كان جُلُّ عملهم الإحسان إلى الخلق، وبذل النفع إليهم بغاية ما يمكنهم، خصوصا بالنفع بالمال في سبيل الله. والصديقون هم الذين كملوا مراتب الإيمان والعمل الصالح، والعلم النافع، واليقين الصادق، والشهداء هم الذين قاتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله تعالى، وبذلوا أنفسهم وأموالهم فقتلوا، وأصحاب الجحيم هم الكفار الذين كذبوا بآيات الله تعالى(40).

النور في المثل القرآني

يتنوع المثل في القرآن الكريم إلى أنواع ثلاثة مختلفة، ويمكننا أن نطبقها على لفظ (النور):

أولًا: المثل الظاهر:

وهو المصرح به بلفظ المثل أو التشبيه، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧].

فقد ضرب فيها للمنافقين مثلين: مثلًا بالنار، ومثلًا بالمطر.

أخرج ابن أبي حاتم وغيره من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال هذا مثل ضربه الله للمنافقين كانوا يعتزون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله العزَّ كما سلب صاحب النار ضوءه ﴿وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ﴾ يقول: في عذاب، ﴿أَوۡ كَصَيِّبٖ﴾ هو المطر، ضرب مثله في القرآن ﴿فِيهِ ظُلُمَٰتٞ﴾ يقول: ابتلاء ﴿وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ﴾ تخويف ﴿يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ﴾ يقول: يكاد محكم القرآن يدلُّ على عورات المنافقين ﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ﴾ يقول: كلما أصاب المنافقون في الإسلام عزًّا اطمأنوا، فإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر، كقوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ﴾ [الحج: 11](41).

ومثله أيضًا: قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۗ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [النور: 35].

ثانيًا: المثل الكامن:

وهو الذي لا يذكر فيه لفظ المثل صراحة، وإنما يفهم من السياق، وتدل ألفاظه على معنى المثل، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢].

فقد مثل المؤمن بالحيِّ مقابل الكافر بالميت، وبين أنَّ هدي هذا الدين كالنور يضيء للمارة في درب مظلم. فالمثل هنا مفهوم من دلالة النص ومكنونه.

ثالثًا: المثل المرسل:

وهو الذي لم يصرح فيه بلفظ التشبيه، بل هي ألفاظ من القرآن، جارية مجرى المثل، كما في قوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا﴾ [الأحزاب: ٤٦].

فقد شبه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ودعوته بالسراج المنير(42).

ونختم باستعراض ما استجمعه الإمام الفيروزآبادي في بصائره المميزة من خصائص مختلفة جامعة لمفردة (النور)، جاء فيها:

النور: الضياء والسناء الذى يعين على الإبصار، وذلك ضربان: دنيوي وأخروي، فالدنيوي ضربان: معقول بعين البصيرة، وهو ما انتشر من الأنوار الإلهية: كنور العقل، ونور القرآن، ومحسوس بعين البصر، وهو ما انتشر من الأجسام النيرة: كالقمرين، والنجوم، والنيرات.

فمن النور الإلهي، قوله تعالى: ﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ﴾ [المائدة: ١٥].

وقوله: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۗ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ﴾ [النور: 35].

ومن النور المحسوس الذى يرى بعين البصر نحو قوله: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا﴾ [يونس: 5].

وتخصيص الشمس بالضوء، والقمر بالنور، من حيث إن الضوء أخص من النور، وقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا﴾ [الفرقان: ٦١]. أي: ذا نور.

ومما هو عامٌّ فيهما قوله: ﴿وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ﴾ [الأنعام: 1].

وقوله: ﴿وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: 69].

ومن النور الأخروي قوله: ﴿يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ﴾ [الحديد: ١٢].

وسمى الله نفسه نورًا، من حيث إنه المنور، فقال: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾، وتسميته تعالى بذلك لمبالغة فعله، وقيل: النور هو الذي يبصر بنوره ذو العماية، ويرشد بهداه ذو الغواية، وقيل: هو الظاهر الذي به كل ظهور، فالظاهر في نفسه المظهر لغيره يسمى نورًا. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: (نور أنى أراه!)(43)، أي: هو نور كيف أراه!. وسئل عنه الإمام أحمد فقال: ما زلت منكرًا له، وما أدري ما وجهه. وقال ابن خزيمة: في القلب من صحة هذا الحديث شيء.

وقال بعض أهل الحكمة: النور جسم وعرض، والله تعالى ليس بجسم ولا عرض، وإنما حجابه النور، وكذا روي في حديث أبي موسى، والمعنى: كيف أرى وحجابه النور! أي: النور يمنع من رؤيته. وفي الحديث: (اللهم اجعل في قلبي نورًا)(44)، وذكر سائر الأعضاء، والمعنى: استعمل هذه الأعضاء مني في الحق، واجعل تصرفي وتقلبي فيها على سبيل الصواب والخير.

وقوله تعالى: ﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ﴾ [المائدة: ١٥]. يعني سيد المرسلين محمدًا صلى الله عليه وسلم.

وقوله تعالى: ﴿وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓۙ﴾ [الأعراف: ١٥٧] أي: القرآن.

وقوله: ﴿وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ﴾ [الأنعام: ١]. قيل: أي: الليل والنهار.

وقوله: ﴿وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ﴾ [الصف: ٨]. يعني به الإسلام.

وقوله: ﴿ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ﴾ [الحديد: ١٣].

وقوله: ﴿رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨]. المراد به نور العناية.

والنار تقال للهيب الذي يبدو للحاسة نحو قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١].

وللحرارة المجردة؛ ولنار جهنم المذكورة في قوله تعالى: ﴿ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ﴾ [الحج: ٧٢].

وفي حديث شجر جهنم: (فتعلوهم نار الأنيار)(45).

يحتمل أن يكون معناه نار النيران، فجمع النار على أنيار، وأصلها أنوار، كما جاء في ريح وعيد رياح وأعياد، وأصلهما واو. ولنار الحرب المذكورة في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ﴾ [المائدة: ٦٤].

وقال بعضهم: النار والنور من أصل واحد، وهما كثيرًا ما يتلازمان، لكن النار متاع للمقوين في الدنيا، والنور متاع للمتقين في الدنيا والآخرة، ولأجل ذلك استعمل في النور الاقتباس، فقال: ﴿نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ﴾ [الحديد: ١٣]. وتنورت نارًا: أبصرتها(46).

موضوعات ذات صلة:
الآيات الكونية، الشمس، الظلمات، القمر، الليل، النجوم، النهار

الحواشي

  1. مختار الصحاح، الرازي ص 684. ↩
  2. القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 628. ↩
  3. مقاييس اللغة، ابن فارس 5/368. ↩
  4. المفردات، الأصفهاني ص 527. ↩
  5. التعريفات، الجرجاني ص 316. ↩
  6. الكليات، الكفوي ص 908. ↩
  7. انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص 723-726. ↩
  8. انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 445، 447، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 599، 601، الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري ص 486، 488، الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان ص 131- 133. ↩
  9. انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد 2/1078. ↩
  10. انظر: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، محمد بن علي التهانوي 2/1109. ↩
  11. انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر 2/1373، الأمثال القرآنية القياسية المضروبة للإيمان بالله، عبد الله الجربوع 2/747. ↩
  12. المفردات، ص514. ↩
  13. المفردات، الأصفهاني ص 262، الكليات، الكفوي ص 515. ↩
  14. تاج العروس، الزبيدي 38/391، لسان العرب، ابن منظور 8/123، المحرر الوجيز، ابن عطية 10/509. ↩
  15. مقاييس اللغة، ابن فارس 3/156، لسان العرب، ابن منظور 7/163. ↩
  16. الكليات، الكفوي ص 588. ↩
  17. فتح القدير، الشوكاني 4/456، صفوة التفاسير، الصابوني 1/148، زهرة التفاسير، أبو زهرة 5/2431، وإعراب القرآن وبيانه، درويش 3/62. ↩
  18. البلاغة الواضحة، الجارم وأمين ص 327. ↩
  19. تهذيب معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 4/35. ↩
  20. المحرر الوجيز، ابن عطية 10/504. ↩
  21. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم 2578. ↩
  22. مفاتيح الغيب، الرازي 28/20. ↩
  23. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، كتاب الدعاء، رقم 1036 بهذا الإسناد.
    وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، 6/486، رقم 2933. ↩
  24. تفسير المنار، رضا 9/150. ↩
  25. معالم التنزيل، البغوي 2/410. ↩
  26. فتح القدير، الشوكاني 2/36، لباب التأويل، الخازن 2/70. ↩
  27. فتح القدير، الشوكاني 2/60. ↩
  28. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/160. ↩
  29. تهذيب معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 2/123، فتح القدير، الشوكاني 2/34. ↩
  30. معالم التنزيل، البغوي 4/153. ↩
  31. تيسير الكريم الرحمن ص 874. ↩
  32. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/298، تيسير الكريم الرحمن ص 838. ↩
  33. تفسير خواطر الشعراوي 17/10275. ↩
  34. مفاتيح الغيب، الرازي 16/41. ↩
  35. التحرير والتنوير، ابن عاشور 28/370. ↩
  36. مفاتيح الغيب، الرازي 29/223. ↩
  37. أخرجه أحمد في مسنده رقم 21737، وإسناده صحيح. ↩
  38. تفسير ابن أبي حاتم 10/3337. ↩
  39. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، رقم 7423. ↩
  40. تيسير الكريم الرحمن ص 840. ↩
  41. الإتقان في علوم القرآن، السيوطي 4/770. ↩
  42. مباحث في علوم القرآن، القطان ص 290. ↩
  43. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قوله صلى الله عليه وسلم: (نور أنى أراه)، رقم 178. ↩
  44. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه بالليل، رقم 6316، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، رقم 763. ↩
  45. أخرجه أحمد في مسنده، رقم 6677، والترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة، 4/655، رقم 2492.
    قال الترمذي: هذا حديث حسن.
    وحسنه الألباني في صحيح الجامع، 2/1335، رقم 8040. ↩
  46. النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 5/106، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 5/133. ↩
البحث السابقنوح عليه السلام