مفهوم النعم
أولًا: المعنى اللغوي:
النون والعين والميم فروعه كثيرةٌ، وعندنا أنها على كثرتها راجعةٌ إلى أصلٍ واحدٍ يدل على ترفهٍ وطيب عيشٍ وصلاحٍ، منه النعمة: ما ينعم الله تعالى على عبده به من مال وعيش، والنعمة: المنة، وكذا النعماء، والنعمة: التنعم وطيب العيش، والنعامى: الريح اللينة، والنعم: الإبل؛ لما فيه من الخير والنعمة، وقيل: النعم ذكر لا يؤنث، فيقولون: هذا نعم وارد، وتجمع أنعاما، والأنعام: البهائم، وهو ذلك القياس(1).
نعم: النعيم والنعمى والنعماء والنعمة، كله: الخفض والدعة والمال، وهو ضد البأساء والبؤسى وبالضم كذلك، والجمع أنعم، والنعمة بالفتح: التنعيم، والنعمة بالكسر: اليد البيضاء الصالحة والصنيعة والمنة وما أنعم به عليك(2).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
تعددت تعريفات العلماء للفظة النعم، وهي على النحو الآتي:
النعمة: «هي في أصل وضعها الحالة التي يستلذها الإنسان».
وقيل: «النعمة هي الشيء المنعم به» (3).
وقيل: «هي المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير»(4).
وقيل: «هي ما قصد به الإحسان والنفع لا لغرض أو عوض » (5).
فالمعنى الاصطلاحي قريب من المعنى اللغوي ولا يخرج عنه.
النعم في الاستعمال القرآني
وردت مادة (نعم) في القرآن الكريم (88) مرة(6).
والصيغ التي وردت، هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| الفعل الماضي | 18 | ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ﴾ [الفاتحة: 7] |
| اسم | 70 | ﴿وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ﴾ [لقمان: 20] |
وجاءت النعم في القرآن على عشرة أوجه(7).
أحدها: المنة، ومنه قوله تعالى: ﴿ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ﴾ [المائدة: ١١]. أي: منته.
الثاني: الدين والكتاب، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا﴾ [إبراهيم: ٢٨]. يعني: دين الله وكتابه.
الثالث: محمد صلى الله عليه وسلم، ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣]. يعني، محمدًا صلى الله عليه وسلم.
الرابع: الثواب، ومنه قوله تعالى: ﴿يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ﴾ [آل عمران: ١٧١]. يعني بثواب من الله تعالى وفضل.
الخامس: النبوة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثۡ ١١﴾ [الضحى: ١١].يعني: النبوة.
السادس: الرحمة، ومنه قوله: ﴿فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ﴾ [الحجرات: ٨]. يعني: ورحمة.
السابع: الإحسان واليد: ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعۡمَةٖ تُجۡزَىٰٓ﴾ [الليل: ١٩]. يعني: من إحسان يجازى عليه.
الثامن: سعة المعيشة، ومنه قوله: ﴿فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ﴾ [الفجر: ١٥]. يعني: وسع معيشته.
التاسع: الإسلام، ومنه قوله: ﴿وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. يعني: بالإسلام.
العاشر: المال، ومنه قوله: ﴿وَذَرۡنِي وَٱلۡمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعۡمَةِ﴾ [المزمل: ١١]. يعني: المال.
الألفاظ ذات الصلة
اللذة:
اللذة لغةً:
اللام والذال أصل صحيح واحد، يدل على طيب طعم في الشيء. من ذلك اللذة واللذاذة: طيب طعم الشيء، واللذة: واحدة اللذات (8).
اللذة اصطلاحًا:
«إدراك الملائم من حيث إنه ملائم» (9).
الصلة بين النعمة واللذة:
النعمة لا تشتهى كالتكليف، وإنما صار التكليف نعمة؛ لأنه يعود عليها بمنافع وملاذ، واللذة لا تكون إلا مشتهاة (10).
المنة:
المنة لغةً:
«الميم والنون أصلان. أحدهما يدل على قطع وانقطاع، والآخر على اصطناع خير»(11).
المنة اصطلاحًا:
هو الإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه (12).
الصلة بين النعمة والمنة:
النعمة تتضمن المنة في جوانبها، والمنة هي النعمة المقطوعة من جوانبها كأنها قطعة، وسمي الاعتداد بالنعمة منة؛ لأنه يقطع الشكر عليها (13).
الخير:
الخير لغة:
الخير ضد الشر (14).
الخير اصطلاحًا:
الخير ما يرغب فيه الكلُّ؛ كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع (15).
الصلة بين النعمة والخير:
النعمة متضمنة للخير، فهي أعم، وهي من الله، أما الخير يكون من الله ومن الإنسان، أي: إن الإنسان يجوز أن يفعل بنفسه الخير، ولا يجوز أن ينعم عليها (16).
أنواع النعم
تتعدد نعم الله على عباده، منها النعم المادية الضرورية في الحياة مثل الرزق الطيب، والأزواج والأولاد والأحفاد، والسكن المريح، والملابس، وغيرها، ومنها النعم المعنوية والتي منها: إرسال الأنبياء لإرشاد العباد إلى خالقهم بما يحملون معهم من كتب ربهم، ثم التوفيق إلى الهداية إلى الطريق المستقيم، وهذه أجل النعم، وغيرها.
أولًا: النعم المادية:
- الرزق الميسر من الطيبات.
قال تعالى: ﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ﴾ [النحل: 72].
«أي: من الثمار والحبوب والحيوان»(17).
قال ابن عاشور رحمه الله: «الرزق يجوز أن يكون مرادًا منه المال، وهذا هو الظاهر، وهو الموافق لما في الآية، ويجوز أن يكون المراد منه إعطاء المأكولات الطيبة»(18).
- الأزواج والبنون والحفدة.
قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ﴾ [النحل: 72].
«يخبر تعالى عن منته العظيمة على عباده، حيث جعل لهم أزواجًا ليسكنوا إليها، وجعل لهم من أزواجهم أولادًا تقر بهم أعينهم ويخدمونهم، ويقضون حوائجهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة، ورزقهم من الطيبات من جميع المآكل والمشارب، والنعم الظاهرة التي لا يقدر العباد أن يحصوها»(19).
- السكن المريح والملابس الواقية.
قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡۙ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٨٠ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ﴾ [النحل: 80-81].
يذكر تعالى عباده نعمه، ويستدعي منهم شكرها والاعتراف بها، فقال: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا﴾ في الدور والقصور ونحوها، تكنكم من الحر والبرد، وتستركم أنتم وأولادكم وأمتعتكم، وتتخذون فيها الغرف والبيوت التي هي لأنواع منافعكم ومصالحكم، وفيها حفظ لأموالكم وحرمكم وغير ذلك من الفوائد المشاهدة، ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ﴾ إما من الجلد نفسه أو مما نبت عليه، من صوف وشعر ووبر. ﴿بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا﴾ أي: خفيفة الحمل، تكون لكم في السفر والمنازل التي لا قصد لكم في استيطانها، فتقيكم من الحر والبرد والمطر، وتقي متاعكم من المطر.
﴿وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا﴾ أي: الأنعام ﴿وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا﴾ وهذا شامل لكل ما يتخذ منها من الآنية والأوعية والفرش والألبسة والأجلة، وغير ذلك ﴿وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ﴾ أي: تتمتعون بذلك في هذه الدنيا، وتنتفعون بها، فهذا مما سخر الله العباد لصنعته وعمله ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ﴾ أي: من مخلوقاته التي لا صنعة لكم فيها، ﴿ظِلَٰلٗا﴾ وذلك كأظلة الأشجار والجبال والآكام ونحوها، ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا﴾ أي: مغارات تكنكم من الحر والبرد والأمطار والأعداء.
﴿وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ﴾ أي: ألبسة وثيابًا ﴿تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ﴾ ولم يذكر الله البرد؛ لأنه ذكر في أول هذه السورة أصول النعم وآخرها في مكملاتها ومتمماتها، ووقاية البرد من أصول النعم فإنه من الضرورة، وقد ذكره في أولها في قوله: ﴿لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ﴾ [النحل: ٥].
﴿وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ﴾ أي: وثيابًا تقيكم وقت البأس والحرب من السلاح، وذلك كالدروع والزرد ونحوها، ﴿كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ﴾ حيث أسبغ عليكم من نعمه ما لا يدخل تحت الحصر ﴿لَعَلَّكُمۡ﴾ إذا ذكرتم نعمة الله ورأيتموها غامرة لكم من كل وجه ﴿تُسۡلِمُونَ﴾ لعظمته وتنقادون لأمره، وتصرفونها في طاعة مولِّيها ومُسْديها، فكثرة النعم من الأسباب الجالبة من العباد مزيد الشكر، والثناء بها على الله تعالى، ولكن أبى الظالمون إلا تمردًا وعنادًا(20).
قال ابن عاشور رحمه الله: «ونعمة الإلهام إلى اتخاذ المساكن أصل حفظ النوع من غوائل حوادث الجوِّ من شدة بردٍ أو حرٍّ، ومن غوائل السباع والهوام. وهي أيضًا أصل الحضارة والتمدن؛ لأن البلدان ومنازل القبائل تتقوم من اجتماع البيوت. وأيضًا تتقوم من مجتمع الحلل والخيام»(21).
- السكن والطمأنينة.
في البيوت نعمة لا يقدرها حقَّ قدرها إلا المشردون الذين لا بيوت لهم ولا سكن ولا طمأنينة، وقد كثر المشردون الذين ينامون على الأرض، ويلتحفون السماء بكثرة الطغاة والمستبدين في كل عصر وحين، ولا سبيل إلى القضاء على التشرد إلا بتحقيق حكم الإسلام في واقع الحياة، وسيادة العدل أركان المجتمعات والدول.
- تسخير المخلوقات، وتيسير اتباع السنن الكونية.
قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ ٣٢ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ٣٣ وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ﴾ [إبراهيم: 32-34].
يعدد تعالى نعمه على خلقه بأن خلق لهم السموات سقفا محفوظًا، والأرض فرشًا، وأنزل من السماء ماءً فأخرجنا به أزواجًا من نباتٍ شتى ما بين ثمارٍ وزروعٍ مختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح والمنافع، وسخر الفلك بأن جعلها طافيةً على تيار ماء البحر، تجري عليه بأمر الله تعالى، وسخر البحر لحملها ليقطع المسافرون بها من إقليمٍ إلى إقليمٍ آخر لجلب ما هنا إلى هناك، وما هناك إلى هنا، وسخر الأنهار تشق الأرض من قُطْرٍ إلى قُطْرٍ رزقًا للعباد من شربٍ وسقيٍ، وغير ذلك من أنواع المنافع.
وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، أي يسيران لا يفتران ليلًا ولا نهارًا، فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتعارضان، فتارةً يأخذ هذا من هذا فيطول، ثم يأخذ الآخر من هذا فيقصر ﴿يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ﴾ [فاطر: 13].
وهيأ لكم ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم. وقال بعض السلف: من كل ما سألتموه وما لم تسألوه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ﴾ يخبر تعالى عن عجز العباد عن تعداد النعم فضلًا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيبٍ رحمه الله: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين(22).
وفي الشكر على النعم روى البخاري بسنده عن أبي أمامة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع مائدته قال: (الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفيٍّ ولا مودعٍ ولا مستغنًى عنه، ربنا) (23).
وقال تعالى: ﴿وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۗ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٥ وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ ٦ وَتَحۡمِلُ أَثۡقَالَكُمۡ إِلَىٰ بَلَدٖ لَّمۡ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلۡأَنفُسِۚ إِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٧ وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةٗۚ وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨ وَعَلَى ٱللَّهِ قَصۡدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنۡهَا جَآئِرٞۚ وَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗۖ لَّكُم مِّنۡهُ شَرَابٞ وَمِنۡهُ شَجَرٞ فِيهِ تُسِيمُونَ ١٠ يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ١١ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٢ وَمَا ذَرَأَ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥٓۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٣ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٤ وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥ وَعَلَٰمَٰتٖۚ وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ ١٦ أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٧ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾[النحل: ٥-١٨].
«وهو سبحانه الذي ذلل لكم البحر، فمكنكم من ركوبه، واستخراج ما فيه لتأكلوا مما تصطادون من سمكه لحمًا غضًّا لينًا، وتستخرجوا منه زينة تلبسونها، وتلبسها نساؤكم مثل اللؤلؤ والمرجان.
وترى السفن تشق عباب البحر، وتركبون هذه السفن طلبًا لفضل الله الحاصل من ربح التجارة، ورجاء أن تشكروا الله على ما أنعم به عليكم، وتفردوه بالعبادة، وبث في الأرض جبالًا تثبتها حتى لا تضطرب بكم، وتميل، وأجرى فيها أنهارًا لتشربوا منها، وتسقوا أنعامكم وزروعكم، وشق فيها طرقًا تسلكونها، فتصلون إلى مقاصدكم دون أن تضلوا.
وجعل لكم في الأرض معالم ظاهرة تهتدون بها في السير نهارًا، وجعل لكم النجوم في السماء رجاء أن تهتدوا بها ليلا. أفمن يخلق هذه الأشياء وغيرها كمن لا يخلق شيئًا، أفلا تتذكرون عظمة الله الذي يخلق كل شيء، وتفردوه بالعبادة، ولا تشركوا به ما لا يخلق شيئًا.
وإن تحاولوا -أيها الناس- عد نعم الله الكثيرة التي أنعم بها عليكم، وحصرها لا تستطيعوا ذلك؛ لكثرتها وتنوعها، إن الله لغفور؛ حيث لم يؤاخذكم بالغفلة عن شكرها، رحيم حيث لم يقطعها عنكم بسبب المعاصي والتقصير في شكره» (24).
ومما يؤخذ من الآيات:
- لله تعالى الحكمة البالغة في قسمة الأرزاق بين العباد، فجعل منهم الغني والفقير والمتوسط؛ ليتكامل الكون، ويتعايش الناس، ويخدم بعضهم بعضًا، فالآية دليل على أن التفاوت في الأرزاق كالتفاوت في الأعمار.
- قد تكون بسطة الرزق ابتلاء من الله، كما يكون التضييق فيه لحكمة يريدها ويحققها بالابتلاء.
- المقصود من قوله تعالى: ﴿وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ﴾ أن هذه النعم أو المتمتعون بها صائرون إلى زوالٍ يحول دون الانتفاع بها؛ ليكون الناس على أهبةٍ واستعدادٍ للآخرة، فيتبعوا ما يرضي الله تعالى.
- قوله تعالى: ﴿سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي: والبرد، حذف الثاني استغناء بالأول.
- من أعظم المنن التي امتن الله بها على عباده أن جعل لهم من أنفسهم أزواجًا من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوعٍ آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة.
- في الآيات من أصناف نعم الله على العباد شيء عظيم، مجمل ومفصل يدعو الله به العباد إلى القيام بشكره، وذكره ودعائه.
ثانيًا: النعم المعنوية:
- إرسال الأنبياء.
من نعم الله على عباده إرسال الأنبياء؛ ليدعوهم إلى الطريق المستقيم الذي به سعادة الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ﴾ [المائدة: ٢٠].
«أي: كلما هلك نبيٌّ قام فيكم نبيٌّ، من لدن أبيكم إبراهيم وإلى من بعده. وكذلك كانوا، لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى الله ويحذرون نقمته، حتى ختموا بعيسى عليه السلام، ثم أوحى الله تعالى إلى خاتم الرسل والأنبياء على الإطلاق محمد بن عبد الله، المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، وهو أشرف من كل من تقدمه منهم صلى الله عليه وسلم »(25).
والمقصود من إرسال الرسل طاعة المرسل.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾[النساء: ٦٤].
فالله أرسل رسله؛ ليطاعوا- بإذنه وفي حدود شرعه- في تحقيق منهج الدين. منهج الله الذي أراده لتصريف هذه الحياة. وما من رسول إلا أرسله الله ليطاع بإذن الله. فتكون طاعته طاعة لله، ولم يرسل الرسل لمجرد التأثر الوجداني، والشعائر التعبدية، فهذا وهمٌ في فهم الدين لا يستقيم مع حكمة الله من إرسال الرسل، وهي إقامة منهج معين للحياة، في واقع الحياة.
- إنزال الكتب.
أمر سبحانه عباده بذكر نعمته عليهم من إرساله الرسول بالهدى والبينات إليهم، ومعه القرآن والسنة؛ ليرشدهم بهما إلى الأحكام والحكم الشرعية التي تستقر بها الحياة، فقال تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: ٢٣١].
واذكروا ما أنزل الله عليكم في القرآن والسنة النبوية من أحكام وحكم تشريعية؛ لتوفير استقرار الحياة الزوجية، وتحقيق السعادة والهناءة وغير ذلك، مما فيه مصلحة ومنفعة؛ إذ أن الأحكام تضع أصول النظام، وأسرار الحكمة التشريعية تساعد على الامتثال والاتعاظ والاقتناع(26).
- التوفيق لاتباع شرائع الله.
قال تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠].
أي: «ولأتم بذلك من هدايتي لكم إلى قبلة خليلي إبراهيم عليه السلام الذي جعلته إمامًا للناس نعمتي، فأكمل لكم به فضلي عليكم، وأتمم به شرائع ملتكم الحنيفية المسلمة»(27).
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].
قوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ﴾ «أي: يكمل النعم الموجودة قبل الإسلام بنعمة الإسلام، أو ويكمل نعمة الإسلام بزيادة أحكامه الراجعة إلى التزكية والتطهير مع التيسير في أحوالٍ كثيرةٍ. فالإتمام إما بزيادة أنواعٍ من النعم لم تكن، وإما بتكثير فروع النوع من النعم»(28).
وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [المائدة: ٣].
تأمل كيف وصف الدين الذي اختاره لهم بالكمال، والنعمة التي أسبغها عليهم بالتمام إيذانًا في الدين بأنه لا نقص فيه ولا عيب ولا خلل، ولا شيء خارجًا عن الحكمة بوجه، بل هو الكامل في حسنه وجلالته، ووصف النعمة بالتمام إيذانا بدوامها واتصالها، وأنه لا يسلبهم إياها بعد إذ أعطاهموها، بل يتمها لهم بالدوام في هذه الدار وفي دار القرار.
وتأمل حسن اقتران التمام بالنعمة وحسن اقتران الكمال بالدين، وإضافة الدين إليهم، إذ هم القائمون به المقيمون له. وأضاف النعمة إليه إذ هو وليها ومسديها والمنعم بها عليهم، فهي نعمة حقًّا، وهم قابلوها. وأتى في الكمال باللام المؤذنة بالاختصاص، وأنه شيء خصوا به دون الأمم. وفي إتمام النعمة بعلى المؤذنة بالاستعلاء والاشتمال والإحاطة فجاء ﴿وَأَتۡمَمۡتُ﴾ في مقابلة ﴿أَكۡمَلۡتُ﴾ و ﴿عَلَيۡكُمۡ﴾ في مقابلة ﴿لَكُمُ﴾ و ﴿نِعۡمَتِي﴾ في مقابلة ﴿دِينَكُمۡ﴾ وأكد ذلك، وزاده تقريرًا وكمالًا، وإتمامًا للنعمة بقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ﴾ (29).
- تآلف القلوب وزوال العداوات بين الأفراد والجماعات.
قال تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
قال الشنقيطي رحمه الله: «لم يبين هنا ما بلغته معاداتهم من الشدة، ولكنه بين في موضعٍ آخر أن معاداتهم بلغت من الشدة أمرًا عظيمًا حتى لو أنفق ما في الأرض كله لإزالتها وللتأليف بين قلوبهم لم يفد ذلك شيئًا، وذلك في قوله: ﴿وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٢ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [الأنفال: ٦٢-٦٣]».
والنص القرآني يعمد إلى مكمن المشاعر والروابط: «القلب» فلا يقول: (فألف بينكم). إنما ينفذ إلى المكمن العميق: ﴿فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ﴾ فيصور القلوب حزمة مؤلفة متآلفة بيد الله وعلى عهده وميثاقه.
- كف أذى الأعداء والنصر عليهم والتمكين في الأرض، والأمن في الأوطان.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ فَكَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١].
«يذكر تعالى عباده المؤمنين بنعمه العظيمة، ويحثهم على تذكرها بالقلب واللسان، وأنهم -كما أنهم يعدون قتلهم لأعدائهم، وأخذ أموالهم وبلادهم وسبيهم نعمةً - فليعدوا أيضًا إنعامه عليهم بكف أيديهم عنهم، ورد كيدهم في نحورهم نعمة، فإنهم الأعداء، قد هموا بأمر، وظنوا أنهم قادرون عليه.
فإذا لم يدركوا بالمؤمنين مقصودهم، فهو نصر من الله لعباده المؤمنين ينبغي لهم أن يشكروا الله على ذلك، ويعبدوه ويذكروه، وهذا يشمل كل من هم بالمؤمنين بشرٍّ، من كافر ومنافق وباغ، كف الله شره عن المسلمين، فإنه داخل في هذه الآية»(30).
وفي حادث الأحزاب ذكر الله المؤمنين بنعمته عليهم أَنْ ردَّ عنهم الجيش الذي هَمَّ أن يستأصلهم، لولا عون الله وتدبيره اللطيف.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩].
قال الشنقيطي رحمه الله: «أمر الله جل وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة أن يذكروا نعمته عليهم حين جاءتهم جنودٌ وهم جيش الأحزاب، فأرسل جل وعلا عليهم ريحًا وجنودًا لم يرها المسلمون، وهذه الجنود التي لم يروها التي امتن عليهم بها في سورة «الأحزاب»، بين أنه من عليهم بها أيضًا في غزوة حنينٍ.
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍۙ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥ ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا﴾ [التوبة: ٢٥-٢٦].
وهذه الجنود هي الملائكة، وقد بين جل وعلا ذلك في «الأنفال»، في الكلام على غزوة بدرٍ، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ﴾ [الأنفال: ١٢].
وهذه الجنود التي لم يروها التي هي الملائكة، قد بين الله جل وعلا في «براءة»، أنه أيد بها نبيه صلى الله عليه وسلم وهو في الغار، وذلك في قوله: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا﴾ [التوبة: ٤٠]» (31).
- حسن الثواب على الأعمال بعد قبولها.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ ١٦٩ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠ ۞ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩-١٧١].
قال ابن كثير رحمه الله: «هذه الآيات الكريمة فيها فضيلة الشهداء وكرامتهم، وما مَنَّ الله عليهم به من فضله وإحسانه، وفي ضمنها تسلية الأحياء عن قتلاهم وتعزيتهم، وتنشيطهم للقتال في سبيل الله والتعرض للشهادة، فقال: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: في جهاد أعداء الدين، قاصدين بذلك إعلاء كلمة الله.
فلا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع بزهرتها، الذي يحذر من فواته، من جبن عن القتال، وزهد في الشهادة ﴿بَلۡ﴾ قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون، فهم ﴿أَحۡيَآءٌ﴾ في دار كرامته.
ولفظ: ﴿عِندَ رَبِّهِمۡ﴾ يقتضي علوَّ درجتهم، وقربهم من ربهم، ﴿يُرۡزَقُونَ﴾ من أنواع النعيم الذي لا يعلم وصفه إلا من أنعم به عليهم، ومع هذا ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ﴾ أي: مغتبطين بذلك، قد قرت به عيونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه وكثرته، وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص.
فجمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله: فتم لهم النعيم والسرور، وجعلوا ﴿وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ﴾ أي: يبشر بعضهم بعضًا، بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، وأنهم سينالون ما نالوا، ﴿أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ أي: يستبشرون بزوال المحذور عنهم وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور، ﴿يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ﴾ أي: يهنئ بعضهم بعضًا، بأعظم مهنأ به، وهو: نعمة ربهم، وفضله، وإحسانه.
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ بل ينميه ويشكره، ويزيده من فضله، ما لا يصل إليه سعيهم. وفي هذه الآيات إثبات نعيم البرزخ، وأن الشهداء في أعلى مكان عند ربهم، وفيه تلاقي أرواح أهل الخير، وزيارة بعضهم بعضا، وتبشير بعضهم بعضًا»(32).
والتأليف بين القلوب مقصد عظيم من المقاصد التي جاء بها القرآن الكريم، قال ابن عاشور رحمه الله معددًا المقاصد التي جاء بها القرآن والتي منها: «سياسة الأمة، وهو بابٌ عظيمٌ في القرآن، القصد منه صلاح الأمة وحفظ نظامها، كالإرشاد إلى تكوين الجامعة بقوله: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ﴾ [آل عمران: ١٠٣].»(33).
أسباب تثبيت النعم أو زوالها
بين القرآن أسباب تثبيت النعم أو زوالها، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يلي:
أولًا: أسباب التثبيت والزيادة:
الشكر لله تعالى، وأداء ما يترتب على النعمة من واجبات.
قرن الله عز وجل في كتابه النعم بالشكر في مواضع من كتابه منها:
قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤].
أي: فاشكروا نعمة الله ولا تكفروها، فيحل بكم ما حل بأهل القرية المضروبة مثلًا(34).
وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].
أي: لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة، والتسهيل والسماحة(35).
وقوله تعالى في ثنائه على سليمان عليه السلام: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكٗا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَدۡخِلۡنِي بِرَحۡمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [النمل: ١٩].
أي: ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها علي، من تعليمي منطق الطير والحيوان، وعلى والدي بالإسلام لك، والإيمان بك(36)، فسأل ربه التوفيق للقيام بشكر نعمته الدينية والدنيوية عليه وعلى والديه(37).
وشكره بصرف النعم في طاعة مسديها وموليها، ومقابلته منته بالاعتراف والعجز عن الشكر والاجتهاد في الثناء بها على الله، والنعم على الوالدين نعم على أولادهم وذريتهم؛ لأنهم لابد أن ينالهم منها ومن أسبابها وآثارها، خصوصًا نعم الدين، فإن صلاح الوالدين بالعلم والعمل من أعظم الأسباب لصلاح أولادهم (38).
وقوله تعالى في ثنائه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥].
قال علي رضي الله عنه: هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أسلم أبواه جميعًا ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره، فأوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده(39)، فطلب العون من الله على زيادة الإحسان إليهما بأن يلهمه الشكر على نعمه عليه وعلى والديه.
وقوله تعالى في معرض امتنانه على لوط عليه السلام ومن آمن معه بإنجائهم من قومهم الكفار: ﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطِۭ بِٱلنُّذُرِ ٣٣ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٖۖ نَّجَّيۡنَٰهُم بِسَحَرٖ ٣٤ نِّعۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٣-٣٥].
وقوله تعالى في مدحه لإبراهيم عليه السلام: ﴿شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [النحل: ١٢١].
أي: قائمًا بشكر نعم الله عليه.
ولفظ الأنعم في الآية جمع قلة، ونعم الله تعالى على إبراهيم عليه السلام كانت كثيرة، فلم قال: ﴿شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ﴾ ؟
قال الرازي رحمه الله: «المراد أنه كان شاكرًا لجميع نعم الله إن كانت قليلة فكيف الكثيرة؟»(40).
فالشاكر على القليل يشكر إذا أتاه الكثير من باب الأولى، فاشكروا الله اقتداء به ليزيدكم.
ودلالة الاقتران بين النعم والشكر أن الشكر حافظ للنعم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ﴾ [إبراهيم: ٧].
- الدعاء والتضرع إلى الله تعالى في الرخاء والشدة.
قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ﴾ [النحل: ٥٣].
أي: «ما يكن بكم في أبدانكم أيها الناس من عافية وصحة وسلامة، وفي أموالكم من نماء، فالله المنعم عليكم بذلك لا غيره؛ لأن ذلك إليه وبيده، فإذا أصابكم في أبدانكم سقم ومرض، وعلة عارضة، وشدة من عيش، فإلى الله تصرخون بالدعاء وتستغيثون به؛ ليكشف ذلك عنكم»(41).
قال السعدي رحمه الله: «أي: تضجون بالدعاء والتضرع؛ لعلمكم أنه لا يدفع الضر والشدة إلا هو، فالذي انفرد بإعطائكم ما تحبون، وصرف ما تكرهون، هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده»(42).
- التحدث بالنعم.
أمر الله نبيه وورثته من بعده بالتحدث بنعم الله عليه، فالتحدث بالنعم شكر لها.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثۡ﴾ [الضحى: ١١].
أي: «انشر ما أنعم الله عليك بالشكر والثناء، والتحدث بنعم الله، والاعتراف بها شكرٌ»(43).
قال ابن القيم رحمه الله: «في هذا التحديث قولان:
أحدهما: أنه ذكر النعمة والإخبار بها. وقول العبد: أنعم الله علي بكذا وكذا. أي: اذكر نعم الله عليك في هذه السورة من الإيواء مع اليتم، والهدى بعد الضلال، والإغناء بعد العيلة.
والقول الثاني: أن التحدث بالنعمة المأمور به في هذه الآية: هو الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالته، وتعليم الأمة. قال مجاهد رحمه الله: هي النبوة.
وقال الزجاج رحمه الله: أي: بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله(44). والصواب: أنه يعم النوعين؛ إذ كلٌّ منهما نعمة مأمور بشكرها، والتحدث بها، وإظهارها من شكرها»(45).
والتحدث بالنعمة له ضوابط:
- أن يكون التحدث للثقة من الإخوان: عن بعض السلف قال: «إن التحدث بالنعمة تكون للثقة من الإخوان ممن يثق به» (46).
- تحري الإخلاص: «إن التحدث بالعمل يكون بإخلاصٍ من النية عند أهل الثقة، فإنه ربما خرج إلى الرياء وإساءة الظن بصاحبه»(47).
- التحدث ليقتدي به غيره: قال الفخر الرازي رحمه الله: «إلا أن هذا إنما يحسن إذا لم يتضمن رياءً، وظن أن غيره يقتدي به»(48).
- الإقرار بالمنعم بها، ونفي الندِّ والشريك له.
- استخدام النعمة فيما وهبت من أجله.
قال العلماء: «شكر النعمة عبارةٌ عن صرفها إلى طلب مرضاة المنعم»(49).
فالتصرف بالنعمة بلا بطر، وبلا استعلاء على الخلق، وبلا استخدام للنعمة في الأذى والشر والدنس والفساد، مما يزكي النفس، ويدفعها للعمل الصالح، وللتصرف الصالح في النعمة بما ينميها ويبارك فيها.
قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِيرٗا لِّلۡمُجۡرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧].
أي: بما جعلت لي من الجاه والعز والنعمة ﴿فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِيرٗا﴾ أي: معينًا ﴿لِّلۡمُجۡرِمِينَ﴾ أي: الكافرين بك، المخالفين لأمرك(50). فهو عهد مطلق ألا يقف في صف المجرمين ظهيرًا ومعينًا.
قال في التفسير المنير: «أراد بمظاهرة المجرمين: إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته، وتكثير سواده، حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون، وإما بمظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم والإثم، كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له قتله»(51).
وقال ابن عاشور رحمه الله: «أراد بالمجرمين من يتوسم منهم الإجرام، وأراد بهم الذين يستذلون الناس ويظلمونهم»(52).
ومن صور استخدام النعمة فيما وهبت له: إظهار آثارها المقصودة منها: كإظهار النصر للحق بنعمة الشجاعة، وإغاثة الملهوفين بنعمة الكرم، وتثقيف الأذهان بنعمة العلم (53).
فالشكر سلوك عملي، قال تعالى آمرًا داود بالشكر العملي: ﴿ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
وظاهر القرآن والسنة: أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان، فالشكر بالأفعال عمل الأركان، والشكر بالأقوال عمل اللسان(54).
ثانيًا: أسباب زوال النعم:
وبدارسة أسباب دوام النعم وازدياها قد تكفي لمعرفة زوالها أو نقصانها؛ لأن فقدان أسباب الزيادة والدوام هي أسباب لذهابها ونقصانها، ولكن لمزيد التأكيد والإيضاح نذكر بما يلي:
- كفران النعمة، ومنع حقوقها.
قال تعالى في وصف كفار قريش: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا﴾ [إبراهيم: ٢٨].
روى البخاري بسنده، عن عطاءٍ، سمع ابن عباسٍ: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا﴾، قال: هم كفار أهل مكة(55).
قال ابن كثير رحمه الله: «وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله تعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين، ونعمةً للناس، فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار»(56).
وقال تعالى منكرًا على من أشرك في عبادة المنعم غيره: ﴿أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَكۡفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
أي: يؤمنون «بالأصنام والأنداد، ويسترون نعم الله عليهم ويضيفونها إلى غيره»(57).
وفي هذا المعنى ورد في الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة ممتنًا عليه: (ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟)(58).
وقال تعالى في نكران الكافرين شكر نعمة الله عليهم: ﴿يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣].
أي: ينكرون شكرها، فإن النعمة تقتضي أن يشكر المنعم عليه بها من أنعم عليه، فلما عبدوا ما لا ينعم عليهم فكأنهم أنكروها(59).
وقال تعالى موبخًا المشركين الذين يجازون النعمة بالشرك، بدل الشكر للمنعم المتفضل الوهاب: ﴿أَفَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١].
أي: «أفبنعمة الله التي أنعمها على هؤلاء المشركين من الرزق الذي رزقهم في الدنيا يجحدون بإشراكهم غير الله من خلقه في سلطانه وملكه؟»(60).
- الغفلة عن الدعاء وقت الرخاء.
أخبر الله تعالى في كتابه عن حالة الإنسان وطبيعته، أنه حين يمسه ضُرٌّ، من مرض أو شدة أو كرب يدعوه ملحًّا في الدعاء؛ لتفريج ما نزل به، فلما كشف الله ضره وأزال مشقته نسي وعاد بربه كافرًا، ولمعروفه منكرًا.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةٗ مِّنۡهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدۡعُوٓاْ إِلَيۡهِ مِن قَبۡلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِيلًاۖ إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ﴾ [الزمر: ٨].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ﴾ [الزمر: ٤٩]
والآيتان تصوران أنموذجًا مكررًا للإنسان، ما لم تهتد فطرته إلى الحق، وترجع إلى ربها الواحد، وتعرف الطريق إليه، فلا تضل عنه في السراء والضراء. إن الضرَّ يسقط عن الفطرة ركام الأهواء والشهوات، ويعريها من العوامل المصطنعة التي تحجب عنها الحق الكامن فيها وفي ضمير هذا الوجود. فعندئذ ترى الله وتعرفه وتتجه إليه وحده، حتى إذا مرت الشدة وجاء الرخاء، نسي هذا الإنسان ما قاله في الضراء، وانحرفت فطرته بتأثير الأهواء، وقال عن النعمة والرزق والفضل: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ﴾ قالها قارون، وقالها كل مخدوع بعلم أو صنعة أو حيلة يعلل بها ما اتفق له من مال أو سلطان، غافلًا عن مصدر النعمة، وواهب العلم والقدرة، ومسبب الأسباب، ومقدر الأرزاق.
- البطر واستخدام النعم المادية في ظلم العباد وقهرهم.
أخبر تعالى في كتابه عن طبيعة الإنسان أنه جاهل ظالم، حيث إذا أذاقه الله منه رحمة كالصحة والرزق، والأولاد، ونحو ذلك، ثم نزعها منه، فإنه يستسلم لليأس، وينقاد للقنوط، فلا يرجو ثواب الله، ولا يخطر بباله أن الله سيردها أو مثلها، أو خيرًا منها عليه، وأنه إذا أذاقه رحمة من بعد ضراء مسته، أنه يفرح ويبطر ويفخر بنعم الله على عباد الله، ويتكبر على الخلق، ويحتقرهم ويزدريهم، ويستثنى من ذلك المؤمنون بالله.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّيٓۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ فَخُورٌ ١٠ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ﴾ [هود: ١٠-١١].
وقال سبحانه على لسان موسى عليه السلام لفرعون الذي استعمل نعم الله عليه من المال والسلطان في الإساءة لبني اسرائيل حيث جعلهم عبيدًا وخدمًا، يصرفهم في أعماله ومشاقِّ رعيته، ﴿أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٧ قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ ١٨ وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩ قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٢٠ فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكۡمٗا وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢١ وَتِلۡكَ نِعۡمَةٞ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧-٢٢].
ثمرات شكر النعمة
أولًا: ثمرات شكر النعمة في الدنيا:
- المزيد.
الشكر والمزيد مقترنان لا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد.
قال تعالى: ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ﴾ [إبراهيم: ٧].
أي: «من اشتغل بشكر نعم الله زاده الله من نعمه، والشكر عبارةٌ عن الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه وتوطين النفس على هذه الطريقة»(61).
وفي معنى الشكر قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: « الشكر: تصور النعمة وإظهارها.. والشكر ثلاثة أضرب: شكر القلب وهو تصور النعمة، وشكر اللسان وهو الثناء على المنعم، وشكر سائر الجوارح وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها.
قال تعالى: ﴿ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
وذكر ﴿ٱعۡمَلُوٓاْ﴾ ولم يقل: اشكروا؛ لينبه على التزام الأنواع الثلاثة من الشكر بالقلب واللسان وسائر الجوارح »(62).
وقال ابن القيم رحمه الله: «ومعاني الشكر ثلاثة أشياء: معرفة النعمة، ثم قبول النعمة، ثم الثناء بها. أما معرفتها: فهو إحضارها في الذهن، ومشاهدتها وتمييزها. فمعرفتها: تحصيلها ذهنًا، كما حصلت له خارجًا؛ إذ كثيرٌ من الناس تحسن إليه وهو لا يدري، فلا يصح من هذا الشكر، ثم قبول النعمة. قبولها: هو تلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها، وأن وصولها إليه بغير استحقاقٍ منه، ولا بذل ثمنٍ، بل يرى نفسه فيها كالطفيلي، فإن هذا شاهدٌ بقبولها حقيقةً، ثم الثناء بها. والثناء على المنعم، المتعلقٌ بالنعمة نوعان: عامٌّ، وخاصٌّ. فالعام: وصفه بالجود والكرم، والبر والإحسان، وسعة العطاء، ونحو ذلك. والخاص: التحدث بنعمته، والإخبار بوصولها إليه من جهته. كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثۡ﴾ [الضحى: ١١]»(63).
وقال أبو حيان رحمه الله: «لم يبين في الآية محلَّ الزيادة، فاحتمل أن يكون في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما، وجاء التركيب على ما عهد في القرآن من أنه إذا ذكر الخير أسند إليه تعالى. وإذ ذكر العذاب بعده عدل عن نسبته إليه فقال: ﴿لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ﴾، فنسب الزيادة إليه، وقال: ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ﴾، ولم يأت التركيب: لأعذبنكم »(64).
ووعد الله بالمزيد حقيقة تطمئن إليها قلوب المؤمنين؛ لأنها وعد من الله صادق، فلابد أن يتحقق على أية حال.
إن شكر النعمة دليل على استقامة المقاييس في النفس البشرية، فالخير يشكر؛ لأن الشكر هو جزاؤه الطبيعي في الفطرة المستقيمة، هذه واحدة، والأخرى أن النفس التي تشكر الله على نعمته، تراقبه في التصرف بهذه النعمة بلا بطر، وبلا استعلاء على الخلق، وبلا استخدام للنعمة في الأذى والشر والدنس والفساد. وهذه وتلك مما يزكي النفس، ويدفعها للعمل الصالح، وللتصرف الصالح في النعمة بما ينميها ويبارك فيها ويرضي الناس عنها وعن صاحبها، فيكونون له عونًا ويصلح روابط المجتمع، فتنمو فيه الثروات في أمان، إلى آخر الأسباب الطبيعية الظاهرة لنا في الحياة، وإن كان وعد الله بذاته يكفي لاطمئنان المؤمن، أدرك الأسباب أو لم يدركها، فهو حق واقع؛ لأنه وعد الله.
- تمام النعمة.
قال الراغب رحمه الله: «وإتمام نعمته هو أن نعم الله تعالى ضربان: أحدهما موهوب، والآخر مكتسب، فالموهوب: كجودة الحفظ والفهم وصحة البدن والجاه، وكل ذلك لا يستحق بحصوله الحمد، ولا بفواته الذم، والمكتسب كالعلم والعمل الصالح المتوصل بهما إلى الثواب وهو الإيمان، وبه يستحق المدح والذم»(65).
وقال ابن عاشور رحمه الله: «إتمام النعمة: هو خلوصها مما يخالطها من الحرج، والتعب»(66).
قرن سبحانه النعمة بالتمام في مواضع من كتابه، مع اختلاف الإتمام حسب سياق الآيات كما يلي:
- الخروج من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان، قال تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
- اختيار أكمل الشرائع لكم: قال سبحانه: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠].
- ببيان شرائع الدين ومنه التيمم، قال سبحانه: ﴿وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٦﴾[المائدة: ٦].
- بخلق ما تحتاجون إليه، قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١].
- بإظهار دينك ونصرك على أعدائك، قال: ﴿وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا﴾[الفتح: ٢].
وأصل النعمة: «الهداية لدينه بإرسال رسوله، وإنزال كتابه، ثم بعد ذلك النعم المتممات لهذا الأصل، لا تعد كثرة، ولا تحصر، منذ بعث الله رسوله إلى أن قرب رحيله من الدنيا، وقد أعطاه الله من الأحوال والنعم، وأعطى أمته، ما أتم به نعمته عليه وعليهم»(67).
وأعلى هذه النعم وأجلها الثبات على الإيمان والموت عليه، ثم دخول جنات النعيم.
ويقف المؤمن أمام إتمام نعمة الله على المؤمنين، بإكمال هذا الدين وهي النعمة التامة الضخمة الهائلة، النعمة التي تمثل مولد الإنسان في الحقيقة، كما تمثل نشأته واكتماله. فالإنسان لا وجود له قبل أن يعرف إلهه كما يعرفه هذا الدين له، وقبل أن يعرف الوجود الذي يعيش فيه كما يعرفه له هذا الدين، وقبل أن يعرف نفسه ودوره في هذا الوجود وكرامته على ربه، كما يعرف ذلك كله من دينه الذي رضيه له ربه.
ومن النعم المتممة لنعمة الدين شعيرة التيمم.
قال تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].
أي: « لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة، والرأفة والرحمة، والتسهيل، والسماحة»(68).
قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله: «﴿وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ﴾ بالجمع بين طهارة الأرواح وتزكيتها، وطهارة الأجساد وصحتها، فإنما الإنسان روحٌ وجسدٌ، لا تكمل إنسانيته إلا بكمالهما معًا، فالصلاة تطهر الروح، وتزكي النفس؛ لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتربي في المصلي ملكة مراقبة الله تعالى وخشيته لدى الإساءة، وحبه والرجاء فيه عند الإحسان، وتذكره دائمًا بكماله المطلق، فتوجه همته دائمًا إلى طلب الكمال. والطهارة التي جعلها الله تعالى شرطًا للدخول في الصلاة ومقدمةً لها، تطهر البدن وتنشطه؛ فيسهل بذلك العمل على العامل من عبادةٍ وغير عبادةٍ، فما أعظم نعمة الله تعالى على الناس بهذا الدين القويم، وما أجدر من هداه الله إليه بدوام الشكر له عليه!»(69).
ثانيًا: ثمرات شكر النعمة في الآخرة:
- الجزاء العظيم والثواب الكبير.
أعد الله سبحانه للشاكرين لنعمه جزاء عظيمًا، وثوابًا كبيرًا في الآخرة، فعندما يقوم الإنسان بحقوق النعمة من الإقرار والاعتراف بالنعمة، ومن شكر المنعم جل شأنه فإنه يضع نفسه حينذاك في المكان الذي يرضى فيه عنه ربه ومولاه، وينتظر فيه حسن الجزاء والمكافأة، وقد ورد في القرآن الكريم آيتان متتاليتان أن الله سبحانه يجزي الشاكرين على شكرهم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَيۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ١٤٣ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۗ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤ وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٣-١٤٥].
والحديث في هاتين الآيتين عن شكر نعمة الله في الدين والهداية، وذلك باتباع شرع الله تعالى، وإيثار الآخرة على الدنيا. والملاحظ أن الله سبحانه لم يذكر ما هو جزاؤه في الآخرة، ويغني عن ذلك وعد الله بالجزاء، فإنه جزاء وعد به أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.
والآية الثانية وإن نزلت في الجهاد، لكن حكمها عام في جميع الأعمال الحسنة، حيث قيل: إن الوعد بالجزاء الحسن المراد به المجاهدون من الشهداء وغيرهم، وقيل: جنس الشاكرين، وهم داخلون فيه دخولًا أوليًّا، وتصدير الجملة بالسين، وإبهام الجزاء للتأكيد، وللدلالة على فخامة الجزاء وعظمه (70).
وهذا الذي تضمنته الآيتان الكريمتان من الوعد الحسن للشاكرين بما يستحقون من الثواب، وإن كان المراد بهما الطائعين لله من المهاجرين والأنصار كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، إلا أن المراد كل الشاكرين، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (71).
- رفع العذاب والنجاة.
قال تعالى: ﴿مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا﴾ [النساء: ١٤٧].
قال قتادة رحمه الله: «إن الله جل ثناؤه لا يعذب شاكرًا ولا مؤمنًا»(72).
قال الله تعالى: ﴿مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ﴾ إن عذابه لجزاء على الجحود والكفران وتهديد لعله يقود إلى الشكر والإيمان، إنها ليست شهوة التعذيب، ولا رغبة التنكيل ولا التذاذ الآلام، ولا إظهار البطش والسلطان، تعالى الله عن ذلك كله علوًّا كبيرًا، فمتى اتقيتم بالشكر والإيمان فهنالك الغفران والرضوان.
«فالحكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الإحسان بالإحسان، وعلى الإساءة بالإساءة، فإذا أقلع المسيء عن الإساءة أبطل الله جزاءه بالسوء، إذ لا ينتفع بعذابٍ ولا بثوابٍ، ولكنها المسببات تجري على الأسباب. وإذا كان المؤمنون قد ثبتوا على إيمانهم وشكرهم، وتجنبوا موالاة المنافقين والكافرين، فالله لا يعذبهم؛ إذ لا موجب لعذابهم»(73).
- رضا الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ﴾ [الزمر: ٧].
قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: «يضاعف لكم، وكأنه يريد ثواب الشكر، وقيل: يقبله منكم»(74).
«وإنما رضي لهم سبحانه الشكر؛ لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة»(75).
والمعنى: وإن تشكروا الله على نعمه وتؤمنوا به؛ لأن الشكر يقتضي الإيمان، فإن الله يرضى لكم ذلك السبيل ويثيبكم عليه؛ لأنه سبب لفوزكم بسعادة الدارين، لا لانتفاعه تعالى به، فهو غني عن الشكر.
وإن الجنة بكل ما فيها من نعيم لتتضاءل وتتوارى في هالات ذلك الرضوان الكريم، فما أروع الشكر الذي يوصل إلى رضوان الله. وقد روى مسلم بسنده في باب إحلال الرضوان على أهل الجنة، عن أبي سعيدٍ الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟ يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيءٍ أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا)(76).
عواقب كفران النعمة
لكفران النعم عواقب، نتناولها بالبيان فيما يأتي:
أولًا: المحن والزوال، التعاسة والشقاء:
إذا جحد المرء نعم ربه تعالى، فإن الله يسلب منه هذه النعمة، وتحل مكانها النقمة، وليس بالضرورة أن تسلب النعمة، بل قد يزاد له فيها استدراجًا له حتى يزداد إثمًا؛ وذلك لحكمة يريدها الله تعالى.
وقد ذكر تعالى بعض الأمم الذين جحدوا نعمته فسلب منهم تلك النعمة، فقوم سبأ لما أعرضوا عن الشكر وجحدوا النعمة، أبدلهم الله مكانها شرًّا ونقمة.
قال تعالى: ﴿لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ ١٥ فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ ١٦ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٥-١٧].
وسبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن، ومسكنهم بلدة يقال لها «مأرب». والآية هنا تبين: «ما أدَرَّ الله عليهم من النعم، وصرف عنهم من النقم، الذي يقتضي ذلك منهم أن يعبدوا الله ويشكروه، ثم فسر الآية بقوله: ﴿جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ﴾ وكان لهم واد عظيم، تأتيه سيول كثيرة، وكانوا بنوا سدًا محكمًا، يكون مجمعًا للماء، فكانت السيول تأتيه، فيجتمع هناك ماء عظيم، فيفرقونه على بساتينهم، التي عن يمين ذلك الوادي وشماله، وتغل لهم تلك الجنتان العظيمتان من الثمار ما يكفيهم، ويحصل لهم به الغبطة والسرور، فأمرهم الله بشكر نعمه التي أَدَرَّها عليهم من وجوه كثيرة:
منها: هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم منهما.
ومنها: أن الله جعل بلدهم بلدة طيبة؛ لحسن هوائها، وقلة وخمها، وحصول الرزق الرغد فيها.
ومنها: أن الله تعالى وعدهم -إن شكروه- أن يغفر لهم ويرحمهم؛ ولهذا قال: ﴿بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ﴾.
ومنها: أن الله لما علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة، -الظاهر أنها: (قرى صنعاء قاله غير واحد من السلف، وقيل: إنها الشام)- هيأ لهم من الأسباب ما به يتيسر وصولهم إليها، بغاية السهولة، من الأمن، وعدم الخوف، وتواصل القرى بينهم وبينها، بحيث لا يكون عليهم مشقة، بحمل الزاد والمزاد»(77).
فانظر كيف أبدلهم الله بالجنات والثمار ذلك الثمر البشع المر، وذلك النبات الذي لا فائدة منه ولا خير، وغيره من النبات الذي لا ثمر له. فهذا الجزاء من الواضح تمامًا أنه مترتب على كفر النعمة، والإعراض عن المنعم.
وكذلك فلقد ضرب القرآن لنا مثلًا تلك القرية التي كانت نعم الله تغمرها من كل مكان، وتحيط بها من كل اتجاه، ولكنها كفرت بتلك النعمة، وجحدت شكر موليها، فهل تبقى تلك النعم متصلةً بها، وهي على تلك الحال؟! القرآن يجيب عن ذلك.
قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، يعني: مكة(78).
وهذه القرية وإن كان المقصود بها مكة حيث كفر أهلها بنعمة الله، وقد كانوا آمنين مطمئنين يعيشون فكفروا به وجحدوا رسالته، «إلا أن الآية عامة لكل قوم أنعم الله عليهم، فأبطرتهم النعمة ففعلوا ما فعلوا، فبدل الله نعمتهم بالنقمة، وإيثار جمع القلة » أنعم « للإيذان بأن كفران النعم القليلة أوجب العذاب، فكيف بكفران وجحود النعم الكبيرة؟» (79).
ويجسم التعبير الجوع والخوف فيجعله لباسًا، ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقًا؛ لأن الذوق أعمق أثرًا في الحس من مساس اللباس للجلد. وتتداخل في التعبير استجابات الحواس فتضاعف مس الجوع والخوف لهم ولذعه وتأثيره وتغلغله في النفوس؛ لعلهم يشفقون من تلك العاقبة التي تنتظرهم لتأخذهم وهم ظالمون.
ثانيًا: العذاب المهين:
قال تعالى: ﴿وَذَرۡنِي وَٱلۡمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعۡمَةِ وَمَهِّلۡهُمۡ قَلِيلًا ١١ إِنَّ لَدَيۡنَآ أَنكَالٗا وَجَحِيمٗا ١٢ وَطَعَامٗا ذَا غُصَّةٖ وَعَذَابًا أَلِيمٗا ١٣ يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِيبٗا مَّهِيلًا﴾ [المزمل: ١١-١٤].
أي: «اتركني وإياهم، فسأنتقم منهم، وإن أمهلتهم فلا أهملهم، هؤلاء أصحاب النعمة والغنى، الذين طغوا حين وسَّعَ الله عليهم من رزقه، وأمدهم من فضله، ثم توعدهم بما عنده من العقاب، فقال: إن عندنا عذابًا شديدًا، جعلناه تنكيلًا للذي لا يزال مستمرًا على الذنوب، و نارًا حامية ﴿وَطَعَامٗا ذَا غُصَّةٖ﴾ وذلك لمرارته وبشاعته، وكراهة طعمه وريحه الخبيث المنتن، وعذابًا موجعًا مفظعًا، وذلك ﴿يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ﴾ من الهول العظيم، ﴿وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ﴾ الراسيات الصم الصلاب ﴿كَثِيبٗا مَّهِيلًا﴾ أي: بمنزلة الرمل المنهال المنتثر، ثم إنها تبس بعد ذلك، فتكون كالهباء المنثور»(80).
| موضوعات ذات صلة: |
| الإنفاق، الشكر، الحمد، العطاء |
الحواشي
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/446. ↩
- انظر: الصحاح، الجوهري 5/2041، شمس العلوم، نشوان الحميرى 10/6662، لسان العرب، ابن منظور 12/580، مختار الصحاح، الرازي ص314. ↩
- الكليات، الكفوي ص 912. ↩
- التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص327. ↩
- التعريفات، الجرجاني ص 242. ↩
- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 707-708. ↩
- انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، 1/597-599، الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 440. ↩
- مقاييس اللغة، ابن فارس 5/204.
وانظر: الصحاح، الجوهري 2/569. ↩ - التعريفات، الجرجاني ص 191.
وانظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص288، الكليات، الكفوي ص174. ↩ - انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص197. ↩
- مقاييس اللغة، ابن فارس 5/267. ↩
- انظر: تاج العروس، الزبيدي 36/194. ↩
- انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص197. ↩
- انظر: تاج العروس، الزبيدي 11/238. ↩
- روح البيان، اسماعيل الخلواتي 7/348. ↩
- انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص197. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/145. ↩
- التحرير والتنوير 14/219. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص 444. ↩
- المصدر السابق ص445. ↩
- التحرير والتنوير 14/237. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/440. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأطعمة، باب ما يقول إذا فرغ من طعامه، رقم 5458. ↩
- المختصر في تفسير القرآن، مركز تفسير ص 69. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/72. ↩
- التفسير المنير، الزحيلي 2/352. ↩
- جامع البيان، الطبري 2/691. ↩
- التحرير والتنوير 6/132. ↩
- التفسير القيم، ابن القيم ص234. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص 224. ↩
- أضواء البيان 6/ 234. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص 156. ↩
- التحرير والتنوير 1/39. ↩
- التحرير والتنوير 14/309. ↩
- جامع البيان، الطبري 3/60. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/183. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص 602. ↩
- المصدر السابق ص781. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 16/194. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 20/284. ↩
- جامع البيان، الطبري 17/224. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص 442. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 20/102. ↩
- معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 5/340. ↩
- انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص574. ↩
- التحرير والتنوير 30/40. ↩
- أحكام القرآن، ابن العربي 4/411. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 31/201، بتصرف. ↩
- المصدر السابق 16/79. ↩
- تفسير القرآن العظيم 6/203. ↩
- التفسير المنير، الزحيلي 20/75. ↩
- التحرير والتنوير 20/92. ↩
- المصدر السابق 1/526. ↩
- التفسير المنير، الزحيلي 22/159. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، باب (ألم ترى إلى الذي بدلوا نعمة الله كفرًا)، رقم 4700. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/508. ↩
- المصدر السابق 4/587. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، رقم 2968. عن أبي هريرة رضي الله عنه. ↩
- التحرير والتنوير 14/242. ↩
- جامع البيان، الطبري 14/293. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 19/66. ↩
- المفردات ص265. ↩
- مدارج السالكين، ابن القيم 2/238. ↩
- البحر المحيط 6/411. ↩
- تفسير الراغب الأصفهاني 1/343. ↩
- التحرير والتنوير 6/107. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص 73. ↩
- تفسير القرآن العظيم 3/60. ↩
- تفسير المنار، محمد رشيد رضا 6/214. ↩
- انظر: المقتطف من عيون التفاسير، المنصوري ١/٣٧٦. ↩
- انظر: الوجيز، الواحدي ص٢٣٥. ↩
- جامع البيان، الطبري 7/624. ↩
- التحرير والتنوير 5/245. ↩
- البحر المحيط، أبو حيان 9/187. ↩
- فتح القدير، الشوكاني 4/518. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة فلا يسخط عليهم أبدًا، رقم 2829. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص 677. ↩
- جامع البيان، الطبري 14/383. ↩
- انظر: المقتطف من عيون التفاسير، المنصوري ٣/١٦٣. ↩
- تيسير الكريم الرحمن ص 893. ↩
