مفهوم الناس
أولًا: المعنى اللغوي
الناس من نوس، النون والواو والسين أصلٌ يدل على اضطرابٍ وتذبذب، وناسَ الشيءَ: تذبذب، ينوس، ويقولون: نُسْتُ الإبلَ: سُقْتُها(1)، النوس والنوسان: التذبذب، والناس يكون من الإنس ومن الجن، جمع إنسٍ، أصله أناسٌ جمعٌ عزيزٌ أُدْخِل عليه أل. وناسَ الإبلَ: ساقها، وأناسَه: حَرَّكه، ونَوَّسَ بالمكان تنويسًا: أقام، والـمنوس من التمر: ما اسود طرفه(2).
ومما سبق يتبين أن كلمة الناس يدور معناها على الاضطراب، والحركة والتذبذب والإقامة، والسوق.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي
قال الراغب: «والناس قد يُذَكَّرُ ويراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم الناس تجوزا »، وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانية وهو وجود الفضل والذكر وسائر الأخلاق الحميدة والمعاني المختصة به (3).
وقال أبو هلال العسكري: «هم الإنس خاصة وهم جماعة لا واحد لها من لفظها » (4).
وقال الطاهر بن عاشور: «الناس اسم جمع للبشر» (5).
قال الشيخ الشعراوي: «هم الجنس المنحدر من آدم إلى أن تقوم الساعة»(6).
الناس في الاستعمال القرآني
وردت كلمة (ناس) في القرآن الكريم (241) مرة (7).
والصيغ التي وردت، هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| اسم جمع | 241 | ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ١ مَلِكِ ٱلنَّاسِ ٢ إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ ٣﴾ [الناس: 1-3] |
وجاءت كلمة (الناس) في القرآن على وجهين(8):
الأول: جميع الناس: ومنه قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ﴾ [الحجرات: ١٣].
الثاني: فئة معينة من الناس أو أحد الناس بعينه: ومنه قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. أُرِيْدَ بالأولى: نعيم بن مسعود الأشجعي، وبالثانية: أبو سفيان وأصحابه من قريش وأهل مكة.
الألفاظ ذات الصلة
العالمين
العالمين لغةً
(علم) العين واللام والميم أصلٌ صحيح واحد، يدل على أثرٍ بالشيء يتميز به عن غيره، ومن الباب العالمون، وذلك أن كل جنسٍ من الخلق فهو في نفسه معلم وعلم، وقال قوم: العالم سمي لاجتماعه، قال الله تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾[الفاتحة: 2].
قالوا: الخلائق أجمعون(9).
العالمين اصطلاحًا
أصناف الخلائق من الملائكة والجن والإنس دون غيرها، وقيل: عني به الناس وجعل كل واحد منهم عالما(10)، وقال ابن كثير: و(العالَمين) جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله عز وجل(11).
الصلة بين الناس والعالمين
بعد التأمل في التعاريف السابقة تبين أن لفظة العالمين تشمل الناس وغيرهم، باعتبار الناس جزءا من هذا العالم، والناس من الموجودات والمخلوقات التي أوجدها الله تعالى وكلفها بالعبادة والطاعة، لكن لفظة العالمين أعم، والناس أخص.
البشر
البشر لغة
(بشر) الباء والشين والراء أصلٌ واحد يقصد به ظهور الشيء مع حسنٍ وجمال، فالبشرة ظاهر جلد الإنسان، والبشر: الإنسان.
البشر اصطلاحًا
والبشر هم الخلق يقع على الأنثى والذكر والواحد والاثنين والجمع(12).
وإطلاق البشر على الإنسان اعتبارًا بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوان الذي عليه نحو صوف أو شعر(13).
الصلة بين الناس والبشر:
سمي الناس بشرًا؛ لأنهم أحسن الحيوان هيئة، ويجوز أن يقال: إن قولنا بشر يقتضي الظهور، وسموا بشرًا لظهور شأنهم، وقولنا: الناس يقتضي النوس وهو الحركة، والناس جمع والبشر واحد (14).
بنو آدم
بنو آدم لغةً
هذا مصطلح مركب من لفظة (بنو)، ولفظة (آدم) نعرف كلًّا منهما بما يأتي:
بنو لغةً
قالوا: إنه جمع بنوة أو بنوة، والابن الولد، والجمع أبناء(15).
آدم لغةً
آدم: الأدم: الاتفاق، وأدم الله بينهما يأدم أدمًا، وآدم بينهما إيدامًا، فهو مؤدمٌ بينهما، ويقال: بينهما أدمةٌ وملحة، أي: خلطة.
وأديم كل شيء: ظاهر جلده، وأدمة الأرض: وجهها، وقيل: سمي آدم عليه السلام؛ لأنه خلق من أدمة الأرض، وقيل: بل من أدمةٍ جعلت فيه (16).
بنو آدم اصطلاحًا
هم الناس(17)، وبنو أبي البشر (18).
الصلة بين الناس وبني آدم
مما سبق تبين أن هناك صلة بين الناس وبين بني آدم، وهي علاقة توضيح المعنى، فبنو آدم هم الناس والبشر، والناس ينسبون إلى أبيهم آدم عليه السلام، ولهذا يقال: الناس بنو آدم لأنهم منسوبون إليه(19).
الثقلان
الثقلان لغةً
(ثقل)الثاء والقاف واللام أصلٌ واحدٌ يتفرع منه كلماتٌ متقاربة، وهو ضد الخفة، ولذلك سمي الجن والإنس بالثقلين، لكثرة العدد، وأثقال الأرض كنوزها.
قال تعالى: ﴿وَأَخۡرَجَتِ ٱلۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا﴾[الزلزلة: 2]. ويقال هي أجساد بني آدم(20).
الثقلان اصطلاحًا:
هم « الإنس والجن » (21).
الصلة بين الناس والثقلين
الثقلان أعم من الناس، والناس أخص، فالثقلان يعني الإنس والجن، والإنس تعني بني آدم دون الجن.
الأنعام:
الأنام لغةً
والأنام هم ما على ظهر الأرض من جميع الخلق، ويجوز في الشعر: الأنيم(22).
الأنام اصطلاحًا
هم الجن والإنس(23).
الصلة بين الناس والأنام
هناك علاقة واضحة بين اللفظتين فالأنام تفسير وبيان لمعنى لفظة الناس، فالأنام يقتضي تعظيم شأن المسمى من الناس (24).
تسمية سورة من القرآن باسم الناس
سورة الناس سورة مكية (25)، عدد آياتها ست آيات.
وقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه من طريق عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلةٍ جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: ق﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ﴾ و﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾ ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مراتٍ)(26).
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنزل أو أنزلت علي آيات لم ير مثلهن قط المعوذتين)(27).
حكمة تسمية السورة بهذا الاسم
إن تسمية سورة من سور القرآن باسم سورة الناس، واستقلالها بهذا الاسم لم يأت اعتباطًا بل جاء لحكمة نسأل الله تعالى أن يلهمنا الصواب باستخراج هذه الحكم نقول وبالله التوفيق:
أولًا: « إنه تعالى رب جميع المحدثات، ولكنه ههنا ذكر أنه رب الناس على التخصيص وذلك لوجوه:
- أن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إِلهُهُمْ ومعبودهم، كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ووالي أمرهم.
- أن أشرف المخلوقات في العالم هم الناس.
- أن المأمور بالاستعاذة هو الإنسان، فإذا قرأ الإنسان هذه صار كأنه يقول: يا رب يا ملكي يا إلهي»(28).
ثانيًا: بيان أن الخلق كلهم داخلون تحت الربوبية والملك، وأن الوسواس كما يكون من الجن يكون من الإنس، ولهذا قال: ﴿مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾[الناس: ٦](29).
ثالثًا: بيان المعاني المختلفة لكلمة الناس خاصة في سورة الناس، وفي ذلك رد على المستشرقين الذين قالوا: إن في القرآن الكريم تكرار خاصة أنه كرر لفظة الناس أكثر من مرة في سورة الناس.
يقول الشعراوي: وقد وقف بعض المستشرقين عند كلمة ﴿ٱلنَّاسِ﴾، وأرادوا أن يدخلونا من خلالها إلى متاهات التشكيك في القرآن، وقالوا: إن القرآن فيه تكرار لا لزوم له.
وأهم سورة أخذها هؤلاء المستشرقون هي سورة ( الناس ) حيث يقول الحق: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ١ مَلِكِ ٱلنَّاسِ ٢ إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ ٣ مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ ٤ ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ ٥ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾[الناس: 1-6].
وهذا الجمع من المستشرقين فهموا أن المعنى لكلمة ( الناس ) في كل آية من آيات هذه السورة هو معنى واحد، ولكنهم لم يتمتعوا بملكة اللغة؛ ولم يلتفتوا إلى أن معنى كلمة ( الناس ) في كل موقع هو معنى مختلف وضروري؛ لأن الحق سبحانه أراد بكل كلمة في القرآن أن تكون جاذبة لمعناها، وأن يكون كل معنىً جاذبًا للكلمة المناسبة له.
وهكذا نجد الفرق بين أن يقول سبحانه: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾ [الناس: 1].
وأن يقول: ﴿مَلِكِ ٱلنَّاسِ﴾ [الناس: 2].
و (الناس) في الآية الأولى هم المُرَبُّون، والناس في الآية الثانية هم المَمْلوكون لله فلا أحد يخرج عن قدرة الله في الأمور القهرية، وتأتي ﴿ٱلنَّاسِ﴾ في الآية الثالثة: ﴿إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ﴾ [الناس: 3].
لتؤكد أن الحق هو الإله المعبود بحق، وهو الذي يقيك مما ستأتي به الآية الرابعة: ﴿مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ﴾ [الناس: 4].
والآية الخامسة: ﴿ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ﴾ [الناس: 5](30).
الغاية من خلق الناس
إن الله تعالى خالق الخلق، مدبر الأمر، ذي الطول الشديد، بيده مقاليد السماوات والأرض ﴿لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ﴾، خلق الناس لِحِكَمٍ عديدة، أهمها:
أولًا: الاستخلاف في الأرض:
وذلك لقوله تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾[البقرة: 30].
وقوله تعالى: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ﴾[ص: ٢٦].
قال الإمام الطبري في تفسير الآية الأولى ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ﴾: والصواب في تأويل قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ﴾: أي مَسْتَخْلِفُ في الأرض خليفةً، ومُصَيِّرُ، فيها خلفًا، أي: خلفًا يَخْلُفُ بعضُهم بعضًا، وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم، ويخلف كل قرن منهم القرن الذي سلف قبله(31).
والاستخلاف في الأرض له ثمرات عديدة، منها: تنفيذ أحكام الله تعالى في الأرض، وهذا ما وضحه قوله تعالى: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾[ص: ٢٦].
قال الرازي: جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى، وفي سياسة الناس؛ لأن خليفة الرجل من يخلفه، وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة، وذلك على الله محال.
والقول الثاني: إنا جعلناك مالكًا للناس ونافذ الحكم فيهم، فبهذا التأويل يسمى خليفة، ومنه يقال: خلفاء الله في أرضه، وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذ الحكم في رعيته، وحقيقة الخلافة ممتنعة في حق الله، فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة مفيدة اللزوم في تلك الحقيقة وهو نفاذ الحكم(32).
وبعد التأمل ودراسة الآيتين السابقتين يتبين أن هناك غايات عديدة من خلق الناس، وأهمها الاستخلاف على هذه الأرض، وغاية الاستخلاف هو تنفيذ حكم الله، وإقامة شرعه على الأرض والحكم ﴿بَيۡنَ﴾ الناس بالعدل، ومن خلال استقراء لفظة الناس في القرآن تبين أن لفظة الناس المسبوقة بــ(بين) وردت في سياق الحكم والإصلاح.
ثانيًا: عبادة الله تعالى:
يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾[الذاريات: ٥٦].
ومعنى العبادة هي إظهار الخضوع للمعبود واعتقاد أنه يملك نفع العابد وضره ملكًا ذاتيًا مستمرًا، فالمعبود إله للعابد، فالحصر المستفاد من قوله: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ قصر الله علة خلق الإنس والجن على إرادته أن يعبدوه، أي إلا ليعبدوني وحدي، أي لا ليشركوا غيري في العبادة، فهو رد للإشراك، وليس هو قصرًا حقيقيًّا.
وما ذكر الله الجن هنا إلا لتنبيه المشركين بأن الجنَّ غيُر خارجين عن العبودية لله تعالى، وتقديم الجن في الذكر في قوله: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾للاهتمام بهذا الخبر الغريب عند المشركين الذين كانوا يعبدون الجن، ليعلموا أن الجن عباد الله تعالى(33).
وبعد بيانِ وتوضيح هذه الغاية المهمة، وهي عبادة الله تعالى يأتي النداء الرباني في كثير من الآيات القرآنية مؤكدًا على هذه الغاية في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾[البقرة: ٢١].
واختُلِفَ من المراد بالناس هنا على قولين: أحدهما: الكفار الذين لم يعبدوه والقول الثاني: أنه عَامُّ في جميع الناس، فيكون خطابه للمؤمنين باستدامة العبادة، وللكافرين بابتدائها(34).
ثالثًا: التعارف:
يقول تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾[الحجرات: ١٣].
يخبر تعالى أنه خلق بني آدم، من أصل واحد، وجنس واحد، وكلهم من ذكر وأنثى، ويرجعون جميعهم إلى آدم وحواء، ولكن الله تعالى بث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، وفرقهم وجعلهم شعوبًا وقبائل أي: قبائل صغارًا وكبارًا، وذلك لأجل أن يتعارفوا؛ فإنهم لو استقل كل واحد منهم بنفسه لم يحصل بذلك التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون والتوارث والقيام بحقوق الأقارب، ولكن الله جعلهم شعوبًا وقبائل؛ لأجل أن تحصل هذه الأمور وغيرها، مما يتوقف على التعارف، ومعرفة الأنساب، ولكن الكرم بالتقوى؛ فأكرمهم عند الله أتقاهم...وفي هذه الآية دليل على أن معرفة الأنساب مطلوبة مشروعة؛ لأن الله جعلهم شعوبًا وقبائل، لأجل ذلك.
رابعًا: أداء الفرائض وحمل الأمانة:
يقول تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾[الأحزاب: ٧٢].
وقال ابن كثير: عن ابن عباس: الأمانة: الفرائضُ عَرَضها الله على السموات والأرض والجبال، إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عَذَّبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله ألا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها(35).
ومن أهم هذه الفرائض على سبيل المثال لا الحصر:
- حج بيت الله.
يقول تعالى: ﴿فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾[آل عمران: ٩٧].
- أداء الأمانة و الحكم بالعدل والحق.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا﴾[النساء: ٥٨].
- إقام الصلاة.
يقول تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾[البقرة: ١١٠].
- الصيام.
يقول تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾[البقرة: ١٨٣].
فضل الله تعالى على الناس
إن نعم الله على الناس لا تعد ولا تحصى، فإنه تعالى أسبغ عليهم نعمه ظاهرةً وباطنة، وأرسل للناس خير رسله. وشرع لهم أفضل شرائعه، خلق آدم بيديه وأسجد له الملائكة، ما أعظمه من تكريم ! وفَضْلُ الله على الناس كثير.
وسنقف على بعض وجوه هذا الفضل فيما يأتي.
أولًا: التكريم الإلهي
وقد ظهر ذلك في عدة صور، منها:
- خلق آدم بيديه ونفخ الروح فيه.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ﴾[الحجر: ٢٩].
- سجود الملائكة لآدم.
قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾[البقرة: ٣٤].
وآدم عليه السلام هو أبو البشر، وتكريم آدم بالسجود له تكريم لذريته.
- القول الصريح بتكريم بني آدم والتفضل على الناس.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا﴾[الإسراء: ٧٠].
ويقول تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ﴾[النمل: ٧٣].
« كرمهم تعالى بأن خلق أباهم آدم على صورة الرحمن، وجعل لهم ذلك بحكم الوراثة، وأن الولد سر أبيه، وفضلهم على الكثير، بأن جعل لهم من النعم ما يستغرق العد»(36)، والمقصود من ذلك بيان هذا التكريم لصورة آدم وجماله والحفاظ عليه، وعدم الاعتداء عليه.
- الخيرية ووصف الناس بها.
قال تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾[آل عمران: ١١].
«والمعنى أنكم كنتم في اللوح المحفوظ خير الأمم وأفضلهم، فاللائق بهذا أن لا تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة، وأن لا تزيلوا عن أنفسكم هذه الخصلة المحمودة، وأن تكونوا منقادين مطيعين في كل ما يتوجه عليكم من التكاليف»(37).
- اصطفاء الله الرسل من الناس.
قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَصۡطَفِي مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ﴾[الحج: ٧٥].
تبين الآيات في ختام السورة بأن الله اصطفى محمدًا صلى الله عليه وسلم لتبليغ الرسالة؛ أي: ليس بعثه محمدا أمرا بدعيا(38).
ثانيًا: الإنعام والتسخير
إن العلاقة القائمة بين الإنسان والكون علاقة قائمة على المصاحبة، وهذه العلاقة قائمة على أساس تسخير الله تعالى هذا الكون للإنسان، واستغلاله خير استغلال، والاستفادة منه وإعانته على نشر دعوة الله تعالى، وقد أسبغ الله على الناس نعمه ظاهرة، وباطنة، ونعمه كثيرة لا تعد ولا تحصى، ولعل هذا المطلب يبين بعضًا من نعم الله تعالى على الناس.
- نعمة الخلق والرزق.
يقول تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ﴾[فاطر: ٣].
ومعنى هذا الذكر الشكر(39)، والخطاب عامُّ للجميع؛ لأن جميعهم مغمورون في نعمة الله(40).
- نعمة الأكل.
يقول تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ﴾[البقرة: ١٦٨].
يقول ابن كثير: يبين أنه الرزاق لجميع خلقه، فذكر ذلك في مقام الامتنان أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالًا من الله طيبًا، أي: مستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، وهي طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها مما زينه لهم في جاهليتهم (41)،
- نعمة التسخير.
لقد خلق الله الإنسان وجعله خليفةً على الأرض ليقوم على تنفيذ أحكام الله تعالى، وإنه سيعمر هذه الأرض بالتكاثر، واستغلال مواردها، وكان من نعم الله الكبرى عليه تسخير الكون للناس جميعًا لقضاء وأداء هذه المهمة العظيمة، وهي الاستخلاف على الأرض.
ومن أهم الأشياء التي تم تسخيرها للناس:
- تسخير الشمس والقمر.
قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ﴾[إبراهيم: ٣٣].
واعلم أن الانتفاع بالشمس والقمر عظيم، وقد ذكره الله تعالى في آيات منها قوله: ﴿وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيهِنَّ نُورٗا وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجٗا﴾[نوح: 16].
ومنها قوله: ﴿ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ﴾[الرحمن: 5].
وقوله: ﴿دَآئِبَيۡنِۖ﴾ معنى الدؤب في اللغة مرور الشيء في العمل على عادة مطردة، يقال: دأب يدأب دأبًا ودؤبًا، وقال المفسرون: قوله: ﴿دَآئِبَيۡنِۖ﴾ معناه يدأبان في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة الظلمة وفي إصلاح النبات والحيوان، فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل، ولولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية(42).
- تسخير الليل والنهار.
قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ﴾[النحل: ١٢].
يتعاقبان خلفة لمنامكم واستراحتكم وسعيكم في مصالحكم من الإسامة، وتعهد حال الزرع ونحو ذلك، والشمس والقمر يدأبان في سيرهما وإنارتهما أصالة وخلافة، وأدائهما ما نيط بهما من تربية الأشجار والزروع، وإنضاج الثمرات وتلوينها، وغير ذلك من التأثيرات المترتبة عليهما بإذن الله تعالى(43).
- تسخير البحر لسير الفلك.
قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡبَحۡرَ لِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ فِيهِ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾[الجاثية: ١٢].
يقول القرطبي: «يعني أن ذلك فعله وخلقه وإحسان منه وإنعام»(44).
- تسخير البحر لنأكل منه لحمًا طريًا.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾[النحل: ١٤].
ومعنى قوله تعالى ذكره: والذي فعل هذه الأفعال بكم، وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم، الذي سخر لكم البحر، وهو كل نهر ملحًا ماؤه أو عذبا﴿لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا﴾وهو السمك الذي يصطاد منه، ﴿وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَا﴾ وهو اللؤلؤ والمرجان (45).
- تسخير الأنهار.
قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ﴾[إبراهيم: ٣٢].
وسخر لكم الأنهار، أي: ذَللّها، تجري حيث تريدون، وتركبون فيها حيث تشاؤون(46).
- تسخير ما في الأرض.
قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾[الحج: ٦٥].
- تسخير ما في السموات وما في الأرض.
قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ﴾[لقمان: ٢٠].
يقول القرطبي: « ذكر نعمه على بني آدم، وأنه سخر لهم ﴿مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ من شمس وقمر ونجوم وملائكة تحوطهم وتجر إليهم منافعهم. ﴿وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ عام في الجبال والأشجار والثمار وما لا يحصى. ﴿وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ﴾أي: أكملها وأتمها»(47).
مما سبق يتبين أن نعمة التسخير هي من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الناس.
ثالثًا: الإرشاد والتبيين
إن الله تعالى قد أخذ العهد من الخلق وهم في عالم الذر أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا.
يقول تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰۛ شَهِدۡنَآۛ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ﴾[الأعراف: ١٧٢].
تجلت رحمة الله وعظمته، وفضله على الناس بتذكيرهم، بعهدهم الأول مع الله، بالإرشاد، وتبينهم لهذا العهد من خلال إرسال الرسل.
فضل الله على الناس بالإرشاد
- الإرشاد بإرسال الرسل.
ويقول تعالى: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا﴾[النساء: ٧٩].
يبين الله تعالى في الآية السابقة أنه أرسل الرسل للناس، وذلك لأن مهمة الرسل إرشاد الناس إلى الصراط المستقيم، ويعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ﴾، إنما جعلناك يا محمد رسولًا بيننا وبين الخلق، تبلغهم ما أرسلناك به من رسالة، وليس عليك غير البلاغ وأداء الرسالة إلى من أرسلت، فإن قبلوا ما أرسلت به فلأنفسهم، وإن ردوا فعليها، وهو مجازيك ببلاغك ما وعدك، ومجازيهم ما عملوا من خير وشر، جزاء المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته(48)، وقوله تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾[الأعراف: ١٥٨].
- الإرشاد بإنزال الكتب والحكم بما فيها.
يقول تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾[النساء: ١٠٥].
يقول الطبري: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ﴾إنا أنزلنا إليك يا محمد ﴿ٱلۡكِتَٰبَ﴾، يعني: القرآن ﴿لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ﴾، لتقضي بين الناس فتفصل بينهم ﴿بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ﴾(49).
- الإرشاد ببيان الحق.
يقول تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ﴾[يونس: ١٠٨].
يقول تعالى آمرًا لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه، أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به من عند الله هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فمن اهتدى به واتبعه فإنما يعود نفع ذلك الاتباع على نفسه، ومن ضل عنه، فإنما يرجع وبال ذلك عليه(50).
- الإرشاد بالموعظة الحسنة.
يقول تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾[يونس: ٥٧].
في هذه الآية يذكر القرطبي رحمه الله أن الموعظة هنا بمعنى الوعظ وهذه المواعظ والحكم جاءت من القرآن الكريم(51).
فضل الله على الناس بالتبيين
إن رحمة الله بعباده تظهر بإرسال الرسل، وإنزال الكتب ليبين للناس طريق الهدى، وإن التبيين جاء في كتاب الله تعالى لغرس التقوى، وتذكير الناس بواجباتهم وعهودهم مع الله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾[البقرة: ١٨٧].
وطرق التبيين في كتاب الله عديدة منها:
- التبيين بإنزال الكتب.
يقول تعالى: ﴿بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾[النحل: ٤٤].
يقول الشعراوي: ومن هنا سمينا الكتب المنزلة ذكرًا، لكن الذكر يأتي تدريجيًّا وعلى مراحل، كل رسول يأتي ليذكر قومه على حسب ما لديهم من غفلة، وإذا أطلقت كلمة الذكر انصرفت إلى ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الكتاب الجامع لكل ما نزل على الرسل السابقين، ولكل ما تحتاج إليه البشرية إلى أن تقوم الساعة.
كما أن كلمة كتاب تطلق على أي كتاب، لكنها إذا جاءت بالتعريف (الكتاب) انصرفت إلى القرآن الكريم، وهذا ما نسميه (علم بالغلبة) فجاء القرآن بالأصول الثابتة، وترك للرسول صلى الله عليه وسلم مهمة أن يبينه للناس، ويشرحه ويوضح ما فيه(52).
- التبيين بالإنذار والبلاغ.
يقول تعالى: ﴿وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ﴾[إبراهيم: ٤٤].
ويقول تعالى: ﴿هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾[إبراهيم: 52].
تُبَيِّنُ لنا الآيات السابقة أن الإنذار والبلاغ من الأشياء المبينة لمنهج الله ودعوته، فقوله تعالى: ﴿هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ﴾.
يقول الطبري رحمه الله: هذا القرآن بلاغ للناس، أبلغ الله به إليهم في الحجة عليهم، وأعذر إليهم بما أنزل فيه من مواعظه وعبره﴿وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ﴾ يقول: وليُنذروا عقاب الله، ويحذروا به نقماته، أنزله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم(53).
وهذا القرآن بلاغ للناس، أي: هو بلاغ لجميع الخلق من إنس وجان(54).
- التبيين بضرب الأمثلة.
يقول تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ﴾[الحج: ٧٣].
وضرب المثل أسلوب من أساليب القرآن للبيان والتوضيح وتقريب المسائل إلى الأفهام، ففي موضع آخر يقول سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ﴾ [البقرة: 26].
وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ﴾[الحج: 73].
فهذا كثير في كتاب الله، والمثل يضرب ليُجَلِّي حقيقة، والضرب هنا لا يعني إحداث أثر ضار بالمضروب، إنما إحداث أثر نافع إيجابي(55).
وتبين الآية السابقة هذا المثل الذي ضربه الله لقبح عبادة الأوثان، وبيان نقصان عقول من عبدها، وضعف الجميع، فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾هذا خطاب للمؤمنين والكفار: المؤمنون يزدادون علمًا وبصيرة، والكافرون تقوم عليهم الحجة.
﴿ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ﴾ أي: ألقوا إليه أسماعكم، وتفهموا ما احتوى عليه، ولا يصادف منكم قلوبًا لاهية، وأسماعًا معرضة، بل ألقوا إليه القلوب والأسماع.
وهو هذا: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ شمل كل ما يدعى من دون الله، ﴿لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا﴾ الذي هو من أحقر المخلوقات وأخسها، فليس في قدرتهم خلق هذا المخلوق الضعيف، فما فوقه من باب أولى.
﴿وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ﴾ بل أبلغ من ذلك ﴿وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ﴾ مِنۡهُۚ وهذا غاية ما يصير من العجز﴿ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ﴾ الذي هو المعبود دون الله ﴿وَٱلۡمَطۡلُوبُ﴾ الذي هو الذباب، فكل منهما ضعيف، وأضعف منهما من يتعلق بهذا الضعيف وينزله منزلة رب العالمين(56).
أصناف الناس
إن الله خالق الخلق، فكان منهم المؤمن والكافر، والبر والفاجر.
قال تعالى: ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ﴾[هود: ١١٨].
والناس أصناف ثلاثة، منهم: المؤمنون وهم أحباب الله تعالى، ومنهم الكافرون، ومنهم المنافقون.
أولًا: المؤمنون:
وردت لفظة الناس في كتاب الله تعالى مرات عديدة، ولها وجوه ومعاني مختلفة، فقد جاءت بمعنى المؤمنين على النحو الآتي:
- المؤمنون من الصحابة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ﴾[البقرة: ١٣].
يعني: وإذا قيل لهؤلاء الذين وصفهم الله ونعتهم بأنهم يقولون: ﴿ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ﴾[البقرة: ٨].
صدقوا بمحمد وبما جاء به من عند الله، كما صدق به الناس. ويعني بالناس المؤمنين الذين آمنوا بمحمد ونبوته وما جاء به من عند الله(57).
- المؤمنون في أول الخلق.
قال تعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ﴾[البقرة: ٢١٣].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾[يونس: ١٩].
- المؤمنون المؤيدون بالملائكة.
قال تعالى: ﴿وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾[الأنفال: ٤٨].
ونظر عدو الله إلى جنود الله من الملائكة قد أيد الله بهم رسوله والمؤمنين على عدوهم(58).
- المؤمنون المجاهدون.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾[البقرة: ٢٠٧].
والمعنى ومن الناس من يبذل نفسه للهلاك ابتغاء مرضاة الله، أي: هلاكًا في نصر الدين وهذا أعلى درجات الإيمان؛ لأن النفس أغلى ما عند الإنسان(59).
- المؤمنون المكلفون.
قال تعالى: ﴿فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾[آل عمران: ٩٧].
وهذه آية وجوب الحج عند الجمهور(60)، فحج المسلمون وقعد الكفار، ثم تمم الله ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾(61)، وقوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ بمفهوم المخالفة أن من آمن هو الذي يحج بيت الله.
- المؤمنون أتباع محمد و إبراهيم عليهما السلام.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾[آل عمران: ٦٨].
وهم المؤمنون(62)، ويخبر الله تعالى أن أولى الناس به، محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وأتباع الخليل قبل محمد صلى الله عليه وسلم (63).
ثانيًا: المنافقون:
وهذا صنف أشد خطرًا على الأمة الإسلامية من الكفار، فهو صنف يظهر الإسلام، ويبطن الكفر ويصعب على المسلمين تمييزه، وقد وردت كلمة الناس في هذا المعنى في كتاب الله تعالى، ومنها:
- المنافقون المظهرون إيمانهم.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ﴾[البقرة: 8].
قال الطبري: وأجمع جميع أهل التأويل على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق، وأن هذه الصفة صفتهم(64).
- المنافقون المشككون للمؤمنين.
قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾[البقرة: ١٤٢].
سيقول الجهال من الناس، وهم اليهود وأهل النفاق، وإنما سماهم الله عز وجل سفهاء؛ لأنهم سفهوا الحق، فتجاهلت أحبار اليهود، وتعاظمت جهالتهم وأهل الغباء منهم، عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان من العرب ولم يكن من بني إسرائيل، وتحير المنافقون فتبلدوا(65).
- المنافقون المخاصمون.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ﴾[البقرة: ٢٠٤].
نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب، وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم(66).
ثالثًا: الكافرون:
وهذا صنف من الناس قد أعلن عداوته للمسلمين وجاهر بها، وإن كان خطيرًا فهو أقل خطرًا من المنافقين لمعرفة المسلمين به، وقد وردت لفظة الناس بهذا المعنى في عدة مواطن من كتاب الله تعالى منها:
- الكافرون باتخاذ الأنداد.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ﴾[البقرة: ١٦].
يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا له أندادًا، أي: أمثالا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ند له، ولا شريك معه(67)، تبين هذه الآية أن سبب الكفر هو اتخاذ الأنداد من دون الله تعالى، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله ندًا وهو خَلَقكَ) (68).
- الكافرون بالآخرة.
يقول تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ﴾[البقرة: ٢٠٠].
يعني بذلك جل ثناؤه: فإذا قضيتم مناسككم أيها المؤمنون فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا، وارغبوا إليه فيما لديه من خير الدنيا والآخرة بابتهال وتمسكن، واجعلوا أعمالكم لوجهه خالصًا ولطلب مرضاته، وقولوا: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾[البقرة: ٢٠١].
تبين لنا الآيات صنفين من الناس في الدعاء فيحذرنا الله تعالى أن نكون ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، فكانت أعمالهم للدنيا وزينتها، فلا يسألون ربهم إلا متاعها، ولا حظ لهم في ثواب الله، ولا نصيب لهم في جناته وكريم ما أعد لأوليائه(69)، وتوضح الآيات أن المقسم إلى الفريقين جميع الناس من المسلمين والمشركين؛ لأن الآية نزلت قبل تحجير الحج على المشركين بآية براءة، فيتعين أن المراد بمن ليس له في الآخرة من خلاق هم المشركون؛ لأن المسلمين لا يهملون الدعاء لخير الآخرة ما بلغت بهم الغفلة، فالمقصود من الآية التعريض بذم حالة المشركين، فإنهم لا يؤمنون بالحياة الآخرة(70).
- الكافرون يوم القيامة المتبرئون من الأصنام.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمۡ أَعۡدَآءٗ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمۡ كَٰفِرِينَ﴾[الأحقاف: 6].
وإذا جمع الناس يوم القيامة لموقف الحساب، كانت هذه الآلهة التي يدعونها في الدنيا لهم أعداء، لأنهم يتبرؤون منهم ﴿وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمۡ كَٰفِرِينَ﴾ ومعنى قوله تعالى ذكره: وكانت آلهتهم التي يعبدونها في الدنيا بعبادتهم جاحدين، لأنهم يقولون يوم القيامة: ما أمرناهم بعبادتنا، ولا شعرنا بعبادتهم إيانا، تبرأنا إليك منهم يا ربنا(71).
- الكافرون المجادلون بغير علم من الناس.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ﴾[الحج: ٣].
يقول تعالى ذامًّا لمن كذب بالبعث، وأنكر قدرة الله على إحياء الموتى، مُعْرِضًا عما أنزل الله على أنبيائه، متبعًا في قوله وإنكاره وكفره كل شيطان مريد من الإنس والجن، وهذا حال أهل الضلال والبدع المعرضين عن الحق المتبعين للباطل؛ يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رؤوس الضلالة، الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء(72)، والآية نزلت في النضر بن الحارث الذي قال: إن الله عز وجل غير قادر على إحياء من قد بلي وعاد ترابا(73).
صفات الناس
إن من رحمة الله تعالى بخلقه أنه جعل لكل مخلوق من مخلوقاته صفات يتميز بها عن غيره، فصفات الإنسان تختلف عن صفات الحيوان، والنبات والجن وغيره من المخلوقات، والناس رغم اتفاقهم في كثير من الصفات إلا أنهم مختلفون في بعض منها، وللناس صفات فطرية، وأخرى مكتسبة، وهي على النحو الآتي:
أولًا: الصفات الفطرية
- هداية الفطرة.
قال تعالى: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾[الروم: ٣٠].
صنعة الله التي خلق الناس عليها، أي: فطر الله الناس على ذلك فطرةً، والمقصود بالفطرة هو الإسلام مذ خلقهم الله من آدم جميعا(74).
وقد أخرج الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولودٍ يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء؟)(75).
- النسيان.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا﴾[طه: ١١٥].
ولقد وصينا آدم وأمرناه، وعهدنا إليه عهدا ليقوم به فالتزمه وأذعن له وانقاد وعزم على القيام به، ومع ذلك نسي ما أمر به وانتقضت عزيمته المحكمة، فجرى عليه ما جرى، فصار عبرة لذريته، وصارت طبائعهم مثل طبيعته، نسي آدمُ فنسيت ذُرِّيَّتُه، وخَطِئَ فَخَطِئوا، ولم يثبت على العزم المؤكد، وهم كذلك، وبادر بالتوبة من خطيئته، وأقر بها واعترف، فغُفِرَتْ له(76)، ومن المعلوم أن آدم عليه السلام هو أبو الناس والبشر جميعًا.
- الآدمية والمساواة.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾[الحجرات: ١٣].
وقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾[النساء: ١].
ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم عليه السلام، وأنه خلق منه زوجه حواء، ثم انتشر الناس منهما(77)، والخبر في قوله: ﴿خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ﴾ مستعمل كناية عن المساواة في أصل النوع الإنساني ليتوصل من ذلك إلى إرادة اكتساب الفضائل والمزايا التي ترفع بعض الناس على بعض(78).
- اختلاف اللون واللسان.
قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ﴾[الروم: ٢٢].
الألسنة: اللغات، أو أجناس النطق وأشكاله، خالف عز وعلا بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس واحد، ولا جهارة، ولا حِدَّةٍ، ولا رخاوة، ولا فصاحة، ولا لَكْنةٍ، ولا نظم، ولا أسلوب، ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله، وكذلك الصور وتخطيطها، والألوان وتنويعها، ولاختلاف ذلك وقع التعارف، وإلا فلو اتفقت وتشاكلت وكانت ضربًا واحدًا لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت مصالح كثيرة، وربما رأيت توأمين يشتبهان في الحلية، فيعروك الخطأ في التمييز بينهما، وتعرف حكمة الله في المخالفة بين الحلي، وفي ذلك آية بينة حيث ولدوا من أب واحد، وفرعوا من أصل فذ، وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله مختلفون متفاوتون(79).
- حب الشهوات.
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ﴾[آل عمران: ١٤].
وصياغة الفعل للمجهول هنا تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل؛ فهو محبب ومزين، وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه، ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه الشهوات، وهو جزء من تكوينه الأصيل، لا حاجة إلى إنكاره، ولا إلى استنكاره في ذاته، فهو ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو وتطرد كما أسلفنا.
ولكن الواقع يشهد كذلك بأن في فطرة الإنسان جانبًا آخر يوازن ذلك الميل، ويحرس الإنسان أن يستغرق في ذلك الجانب وحده؛ وأن يفقد قوة النفخة العلوية أو مدلولها وإيحاءها، هذا الجانب الآخر هو جانب الاستعداد للتسامي، والاستعداد لضبط النفس ووقفها عند الحد السليم من مزاولة هذه الشهوات ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾، فهي شهوات مستحبة مستلذة؛ وليست مستقذرة ولا كريهة، والتعبير لا يدعو إلى استقذارها وكراهيتها؛ إنما يدعو فقط إلى معرفة طبيعتها وبواعثها، ووضعها في مكانها لا تتعداه، ولا تطغى على ما هو أكرم في الحياة وأعلى. والتطلع إلى آفاق أخرى بعد أخذ الضروري من تلك الشهوات في غير استغراق ولا إغراق!
وهنا يمتاز الإسلام بمراعاته للفطرة البشرية وقبولها بواقعها، ومحاولة تهذيبها ورفعها، لا كَبْتِها وقمعها.
ويدخل ضمن هذه الشهوات حُبُّ الآباء والزوجة والأولاد.
- الهلع والجزع والمنع.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا ١٩ إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعٗا ٢٠ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَيۡرُ مَنُوعًا﴾[المعارج: ١٩-٢١].
يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ثم فسره بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعٗا﴾ أي: إذا أصابه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير.
﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَيۡرُ مَنُوعًا﴾ أي: إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حق الله فيها(80).
- الأكل.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ﴾[البقرة: ١٦٨].
وانظر إلى دقة الأداء القرآني في ترتيب الأحكام بعضها على بعض، فالإنسان المخلوق لله في الأرض المسخرة له بكل ما فيها، له حياة يجب أن يحافظ عليها، وتبقى الحياة ببقاء الرزق في الاقتيات من مأكل ومشرب، وكذلك يبقى النوع الإنساني بالتزاوج، وتكلم الله في رزق الاقتيات، فجعله للناس جميعًا عندما قال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا﴾ [البقرة: 168](81).
فالأمر هنا بالأكل لم يكن غاية في حد ذاته بل هو وسيلة للحفاظ على النوع، وأداء الواجبات المنوط بهم، وكذلك فيه إرشاد باختيار نوع الأكل ومجانبة الشيطان في تحريم وتحليل الطعام والشراب.
ثانيًا: الصفات المكتسبة:
- العلم والتعلم.
قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾[البقرة: ٣١].
وقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ﴾[الرحمن: ٤].
والحق جل جلاله لم يكن يترك آدم في حياته على الأرض دون أن يعلمه ما يضمن استمرار حياته وحياة أولاده، يعلمه على الأقل بدايات، ثم بعد ذلك تتطور هذه البدايات بما يكشفه الله من علمه لخلقه(82)، إن آدم عليه السلام لم يكن بطبعه عالمًا، بل اكتسب هذا العلم من الله تعالى الذي علمه الأسماء كلها، وبهذا العلم كان التكريم والتشريف لآدم عليه السلام.
- التزاوج.
قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾[الروم: ٢١].
أي: خلق لكم من جنسكم إناثا يكن لكم أزواجا(83).
هذه آية تدل على أن الزواج آية من آيات الله تعالى، وهو آية لقوم يتفكرون فإن المعنى في هذه الآية أناس يتفكرون ويتدبرون الآيات، وحقيقة الأمر أن نظرة الزواج تختلف من إنسان لإنسان آخر فبعض الناس يقدم على الزواج والبعض الآخر يعرض ويحجم، وعليه فالزواج صفة تكتسب اكتسابًا.
حال أكثر الناس
إن المتأمل في كتاب الله تعالى يجد أن القرآن الكريم ذكر أحوال الناس في صور متعددة، ولعل هذا يتطابق مع تنوع الناس واختلافهم، فناسب أن تتعدد أحوالهم، وهي في القرآن على النحو الآتي:
أولًا: الكفر:
وكفر الناس في القرآن الكريم جاء على عدة أنواع منها:
- كفر الجحود والإنكار للقرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا﴾[الإسراء: ٨٩].
يقول ذكره: ولقد بينا للناس في هذا القرآن من كل مثل، احتجاجًا بذلك كله عليهم، وتذكيرا لهم، وتنبيها على الحق ليتبعوه ويعملوا به، ﴿فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا﴾، فأبى أكثر الناس إلا جحودًا للحق، وإنكارا لحجج الله وأدلته(84).
- كفر النفاق.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ﴾[البقرة: ٨].
النفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي، وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي وهو من أكبر الذنوب، والمنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه، ولهذا نبه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار، أن يظن بأهل الفجور خير(85).
- الكفر بلقاء الله تعالى.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ﴾[الروم: ٨].
اللام للتوكيد، والتقدير: لكافرون بلقاء ربهم، على التقديم والتأخير؛ أي: لكافرون بالبعث بعد الموت(86)، ولقاء الله تعالى يكون بالبعث بعد الموت، فالكفر بلقاء الله تعالى إنكارًا للبعث.
ثانيًا: الفسق:
قال تعالى: ﴿وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ﴾[المائدة: ٤٩].
يقول الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ﴾، وإن كثيرًا من اليهود لتاركو العمل بكتاب الله، ولخارجون عن طاعته إلى معصيته(87).
والفاسقون أي: المتمردون في الكفر المصرون عليه الخارجون عن الحدود المعهودة(88).
ولا تعارض هنا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ﴾ وبين تفسير الإمام الطبري بأن الناس هنا اليهود، وذلك لأن اليهود صنف كبير من الناس، ذكر مرارًا وتكرارًا في القرآن الكريم، ليؤكد على حقيقتهم وطبعهم، وهو الفسق.
ثالثًا: الغفلة:
قال تعالى: ﴿فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ﴾[يونس: ٩٢].
إن بعض بني إسرائيل شكوا في موت فرعون، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده بلا روح، وعليه درعه المعروفة به على نجوة من الأرض وهو المكان المرتفع، ليتحققوا موته وهلاكه... وقوله تعالى: ﴿لَغَٰفِلُونَ﴾ أي: لا يتعظون بها، ولا يعتبرون(89)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ﴾، وهذا القول يوضح أن هناك من يغفل عن الآيات، وهناك من لا يغفل عنها، وينظر إلى تلك الآيات ويتأملها ويتدبرها، ويتساءل عن جدوى كل شيء، فيصل إلى ابتكارات واختراعات ينتفع بها الإنسان، أذن بميلادها عند البحث عنها؛ لتستبين عظمة الله في خلقه(90).
رابعًا: لا يعلمون:
إن المتدبر في كتاب الله يجد أن الله تعالى وصف الناس في بعض الآيات بعدم العلم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ ومن هذه المواضع ما يلي:
- لا يعلمون وقت الساعة.
قال تعالى: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾[الأعراف: ١٨٧].
ولم يعلموا أنك - لكمال علمك بربك، غير مبال بالسؤال عنها، ولا حريص على ذلك، فلم لا يقتدون بك، ويكفون عن الاستحفاء عن هذا السؤال الخالي من المصلحة المتعذر علمه، فإنه لا يعلمها نبي مرسل، ولا ملك مقرب، وهي من الأمور التي أخفاها الله عن الخلق، لكمال حكمته وسعة علمه(91).
- لا يعلمون حكمة الله من الأشياء.
يقول تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾[يوسف: ٢١].
وقوله: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ أي: «لا يدرون حكمته في خلقه، وتلطفه لما يريد »(92).
- لا يعلمون حقيقة جهلهم بالبعث.
قال تعالى: ﴿وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۙ لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُۚ بَلَىٰ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾[النحل: ٣٨].
يقول تعالى مخبرا عن المشركين: أنهم حلفوا فأقسموا ﴿بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۙ﴾ أي: اجتهدوا في الحلف وغلظوا الأيمان على أنه ﴿لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُۚ﴾ أي: استبعدوا ذلك، فكذبوا الرسل في إخبارهم لهم بذلك، وحلفوا على نقيضه، فقال تعالى مكذبًا لهم وردًا عليهم: ﴿بَلَىٰ﴾ أي: بلى سيكون ذلك، ﴿وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا﴾ أي: لا بد منه، ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ أي: فلجهلهم يخالفون الرسل ويقعون في الكفر(93).
- لا يعلمون إرسال محمد صلى الله عليه وسلم للناس كافة.
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾[سبأ: ٢٨].
يقول تعالى ذكره: وما أرسلناك يا محمد إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصة، ولكنا أرسلناك كافة للناس أجمعين العرب منهم والعجم، والأحمر والأسود، بشيرًا لمن أطاعك، ونذيرًا لمن كذبك ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ أن الله أرسلك كذلك إلى جميع البشر(94).
- لا يعلمون حقيقة التفاضل.
قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾[سبأ: ٣٦].
وقوله: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ﴾[سبأ: ٣٤].
وقوله: ﴿وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾[سبأ: ٣٥].
أي: فضلنا عليكم بالأموال والأولاد، ولو لم يكن ربكم راضيًا بما نحن عليه من الدين والفضل لم يخولنا ذلك؛ لأن من أحسن إليه فلا يعذبه.
فرد الله عليهم قولهم وما احتجوا به من الغنى، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ﴾أي: يوسعه لمن يشاء ﴿وَيَقۡدِرُ﴾ أي: إن الله هو الذي يفاضل بين عباده في الأرزاق امتحانًا لهم، فلا يدل شيء من ذلك على ما في العواقب، فسعة الرزق في الدنيا لا تدل على سعادة الآخرة، فلا تظنوا أموالكم وأولادكم تغني عنكم غدًا شيئًا.
﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ لا يعلمون هذا لأنهم لا يتأملون(95).
- لا يعلمون حقيقة خلق السماوات والأرض.
يقول تعالى: ﴿لَخَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾[غافر: ٥٧].
يقول تعالى ذكره: لابتداع السموات والأرض، وإنشاؤها من غير شيء، أعظم أيها الناس عندكم إن كنتم مستعظمي خلق الناس وإنشائهم من غير شيء من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن خلق جميع ذلك هين على الله(96).
خامسًا: لا يشكرون:
إن الله تعالى أسبغ علينا نعمه ظاهرة، وباطنة، وحري بنا معشر الناس أن نقابل النعم بالشكر، ولقد بين القرآن أن أكثر الناس لا يشكرون في مواطن عديدة من كتاب الله تعالى منها:
- لا يشكرون فضل الله ونعمته بتأخير العذاب.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ﴾[النمل: ٧٣].
أي: لذو أفضال وإنعام على كافة الناس، ومن جملة نعمه تأخير عقوبة هؤلاء على ما يرتكبونه من المعاصي التي من جملتها استعجال العذاب، ولكن أكثرهم لا يشكرون لا يعرفون حق النعمة فيه فلا يشكرونه، بل يستعجلون بجهلهم وقوعه كدأب هؤلاء(97).
وينبه عباده على سعة جوده وكثرة أفضاله ويحثهم على شكرها، ومع هذا فأكثر الناس قد أعرضوا عن الشكر واشتغلوا بالنعم عن المنعم(98).
- لا يشكرون الهداية للتوحيد و ملة الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ﴾[يوسف: ٣٨].
﴿ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا﴾ إذ جعلنا أنبياء ﴿وَعَلَى ٱلنَّاسِ﴾ إذ جعلنا الرسل إليهم ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ﴾ على نعمة التوحيد والإيمان(99).
- لا يشكرون نعمة تسخير بعض المخلوقات للناس.
يقول تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ﴾[غافر: ٦١].
يقول تعالى ممتنًا على خلقه، بما جعل لهم من الليل الذي يسكنون فيه ويستريحون من حركات ترددهم في المعايش بالنهار، وجعل النهار مبصرًا، أي: مضيئًا؛ ليتصرفوا فيه بالأسفار، وقطع الأقطار، والتمكن من الصناعات ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ﴾ أي: لا يقومون بشكر نعم الله عليهم(100).
اتباع الناس
إن المتأمل في كتاب الله عز وجل يجد أن الناس والأقوام في اتباعهم على حالتين:
الأولى: الاتباع المحمود، وذلك باتباع الحق وأهله من الرسل والأنبياء، كذلك اتباع أوامر الله تعالى، فجميع الأنبياء والرسل أرسلوا لقومهم، وأرشدوهم لعبادة الله تعالى.
الثانية: الاتباع المذموم، وذلك باتباع الباطل وأهله من الشيطان وأعداء الإسلام، فنهج أعداء الله تعالى الصد عن دين الله ومحاربته، وسنلقي إن شاء الله الضوء على هذا المحور في هذا المبحث، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: اتباع الناس المحمود:
- اتباع إبراهيم عليه السلام.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾[آل عمران: ٦٨] يخبر الله تعالى أن أولى الناس بإبراهيم محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وأتباع الخليل، قبل محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما اليهود والنصارى، والمشركون فإبراهيم بريء منهم ومن ولايتهم؛ لأن دينه الحنيفية السمحة التي فيها الإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب، وهذه خصيصة المسلمين(101).
- اتباع الصراط المستقيم.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾[الأنعام: ١٥٣] هذه آية عظيمة فإنه لـما نهى وأمر حذر هنا عن اتباع غير سبيله، فأمر فيها باتباع طريقه(102).
- اتباع محمد صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾[الأعراف: ١٥٨].
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد للناس كلهم:﴿إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا﴾ لا إلى بعضكم دون بعض، كما كان من قبلي من الرسل، مرسلًا إلى بعض الناس دون بعض، فمن كان منهم أرسل كذلك فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض، ولكنها إلى جميعكم.وأما قوله: ﴿وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ فاهتدوا به أيها الناس، واعملوا بما أمركم أن تعملوا به من طاعة الله؛ لكي تهتدوا فترشدوا وتصيبوا الحق في اتباعكم إياه(103).
- اتباع الحق.
قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمۡثَٰلَهُمۡ﴾[محمد: ٣]
وأما ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بما أنزل الله على رسله عمومًا، وعلى محمد صلى الله عليه وسلم خصوصًا كفرالله عنهم صغار الذنوب، وكبارها، وإذا كفرت سيئاتهم،نجوا من عذاب الدنيا والآخرة، ﴿وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ﴾، أي: أصلح دينهم ودنياهم، وقلوبهم وأعمالهم، وأصلح ثوابهم، بتنميته وتزكيته، وأصلح جميع أحوالهم، والسبب في ذلك أنهم: ﴿ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ﴾ الذي هو الصدق واليقين، وما اشتمل عليه هذا القرآن العظيم الصادر ﴿مِن رَّبِّهِمۡۚ﴾ الذي رباهم بنعمته، ودبرهم بلطفه فرباهم تعالى بالحق فاتبعوه، فصلحت أمورهم(104).
- اتباع القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾[الأنعام: ١٥٥] فيه الدعوة إلى اتباع القرآن ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة(105).
ثانيًا: اتباع الناس المذموم:
- اتباع الشيطان.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ﴾[الحج: ٣].
يريد شياطين الإنس وهم رؤساء الكفار الذين يدعون من دونهم إلى الكفر وقد يكون المراد بذلك إبليس وجنوده... كتب على من يتبع الشيطان أنه من تولى الشيطان أضله عن الجنة وهداه إلى النار، وذلك زجر منه تعالى فكأنه تعالى قال: كتب على من هذا حاله أنه يصير أهلًا لهذا الوعيد(106).
- اتباع الهوى.
قال تعالى: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ﴾[ص: ٢٦].
ولا تؤثر هواك في قضائك بينهم على الحق والعدل فيه، فتجور عن الحق ﴿فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ يقول: فيميل بك اتباعك هواك في قضائك على العدل والعمل بالحق عن طريق الله الذي جعله لأهل الإيمان فيه، فتكون من الهالكين بضلالك عن سبيل الله(107)، وهذا الخطاب ليس لنبي الله داود وحده؛ بل هو لكل من وجد في مكانه فعليه بالعدل لا الجور.
- اتباع وطاعة السادات والكبراء.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠﴾[الأحزاب: ٦٧].
أي: اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء، وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئًا، وأنهم على شيء فإذا هم ليسوا على شيء(108).
- اتباع السحرة.
قال تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ﴾[الشعراء: ٤٠].
ورجوا اتباع السحرة، أي: اتباع ما يؤيده سحر السحرة وهو إبطال دين ما جاء به موسى... كناية عن رجاء تأييدهم في إنكار رسالة موسى فلا يتبعونه(109)، واتباع السحرة ليس معناه نتبعهم في السحر إنما أراد نتبعهم في نصرة ديننا وملتنا والإبطال على معارضتنا(110)، فإن اتباع السحرة فيه إعلان الحرب على الله ورسله وأوليائه، فاتباعهم فيه الهلاك والخسران.
- اتباع الشعراء.
قال تعالى: ﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ﴾[الشعراء: ٢٢٤].
ومعنى ﴿ٱلۡغَاوُۥنَ﴾ جمع غاوٍ، وهو الضال، وهؤلاء يتبعون الشعراء؛ لأنهم يؤيدون مذهبهم في الحياة بما يقولون من أشعار؛ ولأنهم لا يحكم منطقهم مبدأ ولا خلق، بل هواهم هو الذي يحكم المبدأ والخلق، فإن أحبوا مدحوا، وإن كرهوا ذموا(111).
- اتباع الآباء والأجداد.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ يَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾[لقمان: ٢١] وإذا قيل لهؤلاء الذين يجادلون في توحيد الله جهلًا منهم بعظمة الله: اتبعوا أيها القوم ما أنزل الله على رسوله، وصدقوا به، فإنه يفرق بين المحق منا والمبطل، ويفصل بين الضال والمهتدي، فقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من الأديان، فإنهم كانوا أهل حق(112).
نداءات الله تعالى للناس
النداء من الأساليب التي استخدمها القرآن الكريم ليوصل للناس ما يريد وذلك باستخدامه حرف النداء يا، وقد استفتح القرآن الكريم بعض سوره بالنداء، وذلك في عشر سور، منها سورتين افتتحت بالنداء ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾، وذلك في سورة النساء يقول تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾[النساء: 1].
وفي سورة الحج يقول تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ﴾[الحج: ١](113).
أولًا: تكرار النداءات:
لقد تكرر النداء في سور متعددة من القرآن الكريم نحو عشرين مرة، منها ما تكرر في السور المكية، ومنها ما تكرر في السور المدنية، وقد جاءت على النحو الآتي:
تكرار النداء في السور المكية:
تكرر النداء بـ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ في السور المكية عشر مرات في خمس سور مكية وهي:
- الأعراف مرة واحدة.
- سورة يونس تكرر النداء بـ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ فيها أربع مرات.
- سورة النمل مرة واحدة.
- سورة لقمان مرة واحدة.
- سورة فاطر ثلاث مرات.
تكرار النداء في السور المدنية:
تكرر النداء بـ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ في السور المدنية عشر مرات في أربع سور مدنية وهي:
- سورة البقرة تكرر النداء بـ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ مرتين.
- سورة النساء تكرر النداء بـ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ ثلاث مرات.
- سورة الحج أربع مرات.
- سورة الحجرات مرة واحدة.
حكم النداءات:
إن تعدد النداء للناس، أو كثرة النداء للناس في القرآن الكريم، لم يرد إلا لحكم عظيمة، لما للنداء من أهمية في الأسلوب القرآني و صيغة النداء للناس الواردة في القرآن هي ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ ويا حرف نداء والمنادى أي وهو اسم مفرد مبني على الضم، وها حرف تنبيه مقحم بين المنادى وصفته(114).
وحرفا النداء والتنبيه جاءا ليلفتا الانتباه لما سيأتي بعدهما من أوامر ونواهٍ، ومن خلالها تظهر بعض الحكم، وبعد الغوص في معاني وسياقات القرآن الجليلة نقف على بعض الحكم التي تم التوصل إليها خلال هذا البحث ومنها:
حكم النداءات في السور المكية:
- الأمر بالإيمان.
قال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾[الأعراف: ١٥٨] يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ﴿قُلۡ﴾ يا محمد: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ وهذا خطاب للأحمر والأسود، والعربي والعجمي، ﴿إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا﴾ أي: جميعكم، وهذا من شرفه وعظمته أنه خاتم النبيين، وأنه مبعوث إلى الناس كافة.
وقوله: ﴿فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ﴾ أخبرهم أنه رسول الله إليهم، ثم أمرهم باتباعه والإيمان به(115).
جاء النداء ليشمل جميع الناس كما بينت الآيات السابقة؛ ليدعوهم ويأمرهم بالإيمان بالله تعالى، وهذا يتفق مع خصائص السور المكية التي تدعو إلى غرس الإيمان والتوحيد والعقيدة.
- التذكير بالتقوى و اليوم الآخر.
لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣].
يقول تعالى ذكره: أيها المشركون من قريش، اتقوا الله، وخافوا أن يحل بكم سخطه... لأن الأمر يصير هنالك بيد من لا يغالب، ولا تنفع عنده الشفاعة والوسائل، إلا وسيلة من صالح الأعمال التي أسلفها في الدنيا. وقوله: ﴿إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ﴾ يقول: اعلموا أن مجيء هذا اليوم حق، وذلك أن الله قد وعد عباده ولا خلف لوعده(116).
- ترسيخ مفهوم التوحيد.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ﴾[فاطر: ٣].
ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له، كما أنه المستقل بالخلق والرزق فكذلك فليفرد بالعبادة، ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان؛ ولهذا قال: ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ﴾ أي: فكيف تؤفكون (تصرفون) بعد هذا البيان، ووضوح هذا البرهان، وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان؟!(117).
والمتأمل في هذه الآية يجد أنها اشتملت على أنواع التوحيد الثلاثة، توحيد الألوهية المتمثل في قوله تعالى: ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ﴾ وتوحيد الربوبية المتمثل في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ وقضية الخلق والرزق من قضايا توحيد الربوبية، أما توحيد الأسماء والصفات فمتمثل في قوله تعالى: ﴿هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ﴾.
- إظهار الإعجاز والمعجزة.
قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيۡمَٰنُ دَاوُۥدَۖ وَقَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّيۡرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيۡءٍۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡمُبِينُ﴾[النمل: ١٦]، قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾أي: قال سليمان لبني إسرائيل على جهة الشكر لنعم الله: ﴿عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّيۡرِ﴾ أي: تفضل الله علينا على ما ورثنا من داود من العلم والنبوة والخلافة في الأرض، في أن فهمنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها(118)، وإن علم منطق الطير من المعجزات التي أكرم الله نبيه سليمان بها.
- بيان حاجة الناس لخالقهم.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ﴾[فاطر: ١٥].
ذكر سبحانه افتقار خلقه إليه ومزيد حاجتهم إلى فضله فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ﴾ أي: المحتاجون إليه في جميع أمور الدين والدنيا فهم الفقراء إليه على الإطلاق ﴿وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ﴾على الإطلاق ﴿ٱلۡحَمِيدُ﴾ أي: المستحق للحمد من عباده بإحسانه إليهم(119).
- بيان الجزاء و العاقبة.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾[يونس: ٢٣].
أي: غاية ما تؤملون ببغيكم، وشرودكم عن الإخلاص لله، أن تنالوا شيئًا من حطام الدنيا وجاهها النزر اليسير الذي سينقضي سريعًا، ويمضي جميعًا، ثم تنتقلون عنه بالرغم ﴿ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ﴾ في يوم القيامة(120).
ولما ذكر سبحانه أن هؤلاء المتقدم ذكرهم يبغون في الأرض بغير الحق ذكر عاقبة البغي وسوء مغبته(121).
حكم تكرار النداءات في السور المدنية:
- بيان أصل الخلقة والنشأة والغاية منها.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾[الحجرات: ١٣].
يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس إنا أنشأنا خلقكم من ماء ذكر من الرجال، وماء أنثى من النساء(122).
ويخبر تعالى أنه خلق بني آدم من أصل واحد، وجنس واحد، وكلهم من ذكر وأنثى، ويرجعون جميعهم إلى آدم وحواء، ولكن الله تعالى بث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، وفرقهم، وجعلهم شعوبًا وقبائل أي: قبائل صغارًا وكبارًا، وذلك لأجل أن يتعارفوا، فإنهم لو استقل كل واحد منهم بنفسه، لم يحصل بذلك التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون، والتوارث، والقيام بحقوق الأقارب، ولكن الله جعلهم شعوبًا وقبائل؛ لأجل أن تحصل هذه الأمور وغيرها، مما يتوقف على التعارف، ولحوق الأنساب، ولكن الكرم بالتقوى، فأكرمهم عند الله أتقاهم(123).
- الأمر بالعبادة.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾[البقرة: ٢١].
وهذا أمر عام لكل الناس بأمر عام وهو العبادة الجامعة؛ لامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وتصديق خبره، فأمرهم تعالى بما خلقهم له(124).
- الأمر بأكل الطيبات و النهي عن اتباع الشيطان.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ﴾[البقرة: ١٦٨].
لما بين تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق، شرع يبين أنه الرزاق لجميع خلقه، فذكر في مقام الامتنان أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالًا من الله طيبًا، أي: مستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، وهي: طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها مما زينه لهم في جاهليتهم(125).
- التذكير بالتقوى.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ﴾[الحج: ١]، أمر جل وعلا في أول هذه السورة الكريمة الناس بتقواه: بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وبين لهم أن زلزلة الساعة شيء عظيم(126).
- التذكير بالبعث.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ﴾[الحج: ٥].
يا أيها الناس إن كنتم في شك من الإعادة ﴿فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم﴾ أي: خلقنا أباكم الذي هو أصل البشر، يعني: آدم عليه السلام ﴿مِّن تُرَابٖ﴾ ثم خلقنا ذريته(127)، ووضح من تقلبكم من حالة إلى حالة في الأرحام، وبعد خروجكم إلى الدنيا، وأنتم تعلمون ذلك من أنفسكم، وتشاهدون الأرض على صفة من الهمود والموت إلى حين نزول الماء فنحيي ونخرج أنواع النبات وضروب الثمرات كل ذلك يسقى بماء واحد ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى، وكما أحياكم أولًا وأخرجكم من العدم إلى الوجود وأحيا الأرض بعد موتها وهمودها، كذلك تأتي الساعة من غير ريب ولا شك، ويبعثكم لما وعدكم من حسابكم وجزائكم (128).
- ضرب الأمثال في عجز الأصنام.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ﴾[الحج: ٧٣].
قال ابن كثير: (يقول تعالى منبها على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ﴾ أي: لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به ﴿فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ﴾ أي: أنصتوا وتفهموا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ﴾ أي: لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد ما قدروا على ذلك)(129).
الناس والجن
إن الناس والجن من مخلوقات الله تعالى الذين ورد ذكرهم في كتابه الكريم.
وقد بين سبحانه العلاقة بين الناس والجن من أول لحظة وجد فيها أبو الناس جميعًا، وهو آدم عليه السلام، والناس والجن المخلوقان الوحيدان المكلفان في الأرض، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾[الذاريات: ٥٦].
وقوله تعالى: ﴿سَنَفۡرُغُ لَكُمۡ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ﴾[الرحمن: ٣١] وسنلقي من خلال هذا المبحث الضوء على الناس والجن في عدة محاور ومنها:
أولًا: مادة الخلق:
إن طبيعة خلق الناس تختلف عن طبيعة خلق الجن، فالناس خلقوا من الطين والجن خلقوا من النار.
قال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ ١٤ وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ﴾ [الرحمن: ١٤-١٥].
وقال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ﴾ [الأعراف: ١٢].
وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم من طريق عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم)(130).
ثانيًا: العداء بين الناس والجن:
إن علاقة الناس بالجن منذ لحظتها الأولى قائمة على العداء حتى قيام الساعة، وذلك لقوله تعالى: ﴿قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ﴾[الأعراف: ٢٤].
والمراد بالخطاب في ﴿ٱهۡبِطُواْ﴾ آدم، وحواء، وإبليس، والعمدة في العداوة آدم وإبليس(131).
ثالثًا: تكبر الجن على الناس:
قال تعالى ﴿قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ﴾[ص: ٧٥].
وقال: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾[البقرة: ٣٤].
في الآيتين السابقتين يبين الله تعالى أن تكبر إبليس واستعلاءه منعه من السجود وإطاعة أمر الله تعالى، والذي منع إبليس من الاستجابة لأمر الله تعالى، والسجود هو ظنه الخاطئ بأنه خير من آدم وذلك بقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ﴾[الأعراف: ١٢].
رابعًا: تكريم وتشريف الناس على الجن:
الناس أشرف وأكرم من الجن، وذلك بتشريف الله لأبي البشر آدم وأمر الملائكة وإبليس بالسجود لآدم.
قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا﴾[الكهف: ٥٠].
يخبر تعالى عن عداوة إبليس لآدم وذريته، وأن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم؛ إكراما وتعظيمًا؛ وامتثالًا لأمر الله(132)، فإن تشريف وتكريم الآباء تشريف وتكريم للأبناء.
خامسًا: زمن الخلق:
إن المتأمل في كتاب الله تعالى يتبين له أن زمن خلق الجن متقدم على خلق الناس، وهذا يفهم من سياق الآيات المتعددة في كتاب الله تعالى.
يقول تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾[البقرة: ٣٠].
فأول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضًا(133).
سادسًا: الاشتراك في العبادة والتكليف:
بينت الآيات أن الجن والناس المخلوقات المكلفة بالعبادات في الأرض لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾[الذاريات: ٥٦].
أي: وما خلقت الجن والإنس إلا لأجل العبادة، ولم أرد من جميعهم إلا إياها. فإن قلت: لو كان مريدًا للعبادة منهم لكانوا كلهم عبادًا. قلت: إنما أراد منهم أن يعبدوه(134).
سابعًا: التقديم والتأخير:
إن المتدبر في كتاب الله تعالى يجد أن هناك آيات قدم فيها الجن على الإنس أو الناس، وبعض آيات تقدم فيها الإنس على الجن مثال ذلك:
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾[الذاريات: ٥٦].
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ ١٤ وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ﴾ [الرحمن: ١٤-١٥].
في الآية الأولى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ قدم الجن للاهتمام بهذا الخبر الغريب عند المشركين الذين كانوا يعبدون الجن؛ ليعلموا أن الجن عباد لله تعالى(135).
أما تقديم الإنسان على الجان فهو لبيان التشريف، وهذا من نعمه تعالى على عباده، حيث أراهم من آثار قدرته وبديع صنعته، أنه خلق أبا الإنس وهو آدم عليه السلام ﴿مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ﴾ أي: من طين مبلول، قد أحكم بله وأتقن حتى جف، فصار له صلصلة وصوت يشبه صوت الفخار الذي طبخ على النار(136).
﴿وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ﴾ أي: أبا الجن، وهو إبليس اللعين ﴿مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ﴾ أي: من لهب النار الصافي، أو الذي قد خالطه الدخان.
وهذا يدل على شرف عنصر الآدمي المخلوق من الطين والتراب، الذي هو محل الرزانة والثقل والمنافع، بخلاف عنصر الجان وهو النار، التي هي محل الخفة والطيش والشر والفساد(137).
ثامنًا: العلاقة بين الناس والجن:
- استعاذة الناس واستجارتهم من الجن برب الناس.
قال تعالى: ﴿مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾[الناس: ٦].
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد أستجير ﴿بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ١ مَلِكِ ٱلنَّاسِ﴾[الناس: ١-٢]، وهو ملك جميع الخلق: إنسهم وجنهم.
وقوله: ﴿مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ﴾ يعني: من شر الشيطان ﴿ٱلۡخَنَّاسِ﴾ الذي يخنس مرة ويوسوس أخرى، وإنما يخنس فيما ذكر عند ذكر العبد ربه.
وقوله: ﴿ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ﴾ يعني بذلك: الشيطان الوسواس، الذي يوسوس في صدور الناس: جنهم وإنسهم(138)، هذا قمة الإيمان أن يستعيذ الناس بخالقهم من شر الشيطان والجن.
- استعاذة واستجارة الناس بالجن.
لا ينبغي أن يكون هناك تواصل، وتعامل بين الناس والجن، وذلك لاختلاف الخلقة والطبائع، ولقد ذم الله تعالى رجالًا من الناس كانت تستعيذ بالجن فزادتهم رهقًا.
يقول تعالى: ﴿وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا﴾[الجن: ٦].
أي: كنا نرى أن لنا فضلًا على الإنس؛ لأنهم كانوا يعوذون بنا، أي: إذا نزلوا واديًا أو مكانًا موحشًا من البراري وغيرها - كما كان عادة العرب في جاهليتها - يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم بشيء يسوؤهم كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم، ﴿فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا﴾ أي: خوفًا وإرهابًا وذعرًا، حتى تبقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذًا بهم، كما قال قتادة: أي: إثما، وازدادت الجن عليهم بذلك جراءة(139).
وهذا درب من دروب الشرك بالله تعالى أعاذنا الله جميعًا من الوقوع به.
- الاشتراك في العذاب في حال الكفر.
يقول تعالى: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ﴾[هود: ١١٩] أخبر أنه يملأ ناره و جنته كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام البخاري من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اختصمت الجنة والنار إلى ربهما فقالت الجنة: يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم ؟! وقالت النار: يعني: أوثرت بالمتكبرين فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتي وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء ولكل واحدةٍ منكما ملؤها. قال: فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه ينشئ للنار من يشاء فيلقون فيها فتقول: هل من مزيدٍ؟ ثلاثًا حتى يضع فيها قدمه فتمتلئ ويرد بعضها إلى بعضٍ وتقول: قط قط قط) (140).
نستوضح من الآيات السابقة:.
- اختلاف أصل الخلقة يؤدي إلى اختلاف الطبائع والصفات عند الناس والجن.
- المتدبر للآيات القرآنية يتبين له أن هناك عداوة أزلية بين أبي البشر آدم، وبين أبي الجن إبليس.
- اشتراك الناس والجن في العبادة والتكاليف، ميزتهما عن سائر المخلوقات، فمن أدى وأطاع له الجنة، ومن عصى وامتنع فله النار.
- الجن مخلوق قبل الإنس، وسكن الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فاستحقوا عقاب الله تعالى، وكذلك سنة الله في الناس إذا فسدت استحقت العقاب والعذاب.
- الناس أكرم وأشرف خلقًا من الجن.
- الاستعاذة بالله وحده من الجن، ولا يجوز للناس الاستعانة بالجن.
- دخول الناس والجن للجنة والنار رغم أن الجن خلقوا من النار
| موضوعات ذات صلة: |
| آدم، الإنسان، الجن، الخلق، السياسة |
الحواشي
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/369، لسان العرب، ابن منظور 6/245. ↩
- انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص747. ↩
- المفردات 1/422، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 1/1523. ↩
- الفروق اللغوية ص527. ↩
- التحرير والتنوير 11/127. ↩
- تفسير الشعراوي 1/3816. ↩
- انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص726-729، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب النون ص1355-1360. ↩
- انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، 441-443، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 5/139-140، نزهة الأعين النواظر، ص601-605، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، 4/232-233. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/109. ↩
- انظر: المفردات، الأصفهاني ص345. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم 1/131. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 4/59. ↩
- انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص132. ↩
- انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص101. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 14/89. ↩
- انظر: العين، الفراهيدي 8/88. ↩
- انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص13. ↩
- انظر: المفردات، الأصفهاني ص14. ↩
- انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص13. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/382. ↩
- جامع البيان، الطبري 22/23. ↩
- انظر: العين، الفراهيدي 8/388. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 12/37. ↩
- انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص75. ↩
- انظر: الإتقان في علوم القرآن، السيوطي 1/18. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب فضل المعوذات، 6/190، رقم 5017. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة المعوذتين، رقم 814. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 1/490. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص937. ↩
- انظر: تفسير الشعراوي، 5/3816. ↩
- انظر: جامع البيان 1/ 451. ↩
- مفاتيح الغيب 1/386. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 27/26. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 1/225. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/488. ↩
- روح المعاني، الألوسي 15/127. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 1/224. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 12/98. ↩
- انظر: المصدر السابق 14/322. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري 3/606. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/478. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 12/264. ↩
- روح المعاني، الألوسي 14/108. ↩
- الجامع لأحكام القرآن 16/160. ↩
- جامع البيان، الطبري 17/180. ↩
- زاد المسير، ابن الجوزي 4/363. ↩
- الجامع لأحكام القرآن 14/72. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 8/561. ↩
- جامع البيان 9/175. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/300. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8/353. ↩
- انظر: تفسير الشعراوي 9/4912-4914. ↩
- جامع البيان، الطبري 17/57. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/523. ↩
- انظر: تفسير الشعراوي 12/7137. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن ص546. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 1/292. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 13/8. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 2/273. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/81. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 3/275. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 6/499. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص968. ↩
- انظر: جامع البيان 1/268. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 3/129، الكشاف، الزمخشري 1/223. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/562. ↩
- انظر: المصدر السابق 1/476. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: (فلا تجعلوا لله أندادًا)، 6/18، رقم 4477، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده، 1/141، رقم 52. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 4/201. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/247. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 22/96. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/394. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 12/5. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 20/97. ↩
- صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، 2/100، رقم 1383صحيح مسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، رقم 2658. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص514. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/524. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 26/261. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري 3/479. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/226. ↩
- انظر: تفسير الشعراوي 1/485. ↩
- انظر: تفسير الشعراوي 1/57. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/309. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 17/548. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/176. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن الكريم، القرطبي 14/9. ↩
- انظر: جامع البيان /393. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 3/47. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/294. ↩
- انظر: تفسير الشعراوي 8/4069. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص310. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/378. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/571. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 20/405. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 14/305. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 21/405. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 6/298. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص609. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن الكريم، القرطبي 9/191. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/155. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص968. ↩
- انظر الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/137. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 13/170- 172. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص784. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/369. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 1/314. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 21/189. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/484. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 19/126. ↩
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 4/277. ↩
- انظر: تفسير الشعراوي 10/6693. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 20/149. ↩
- انظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي 1/178. ↩
- انظر: فتح القدير، الشوكاني 1/64. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/489. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 20 /159. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/533. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 13/164. ↩
- انظر: فتح القدير، الشوكاني 4/426. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص361. ↩
- انظر: فتح القدير، الشوكاني 2/540. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 22/309. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص802. ↩
- انظر: المصدر السابق ص44. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/478. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 23/2. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 12/6. ↩
- انظر: نظم الدرر، البقاعي 5/130. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/360، 453. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب في أحاديث متفرقة، رقم 2996. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/399. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص479. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 30/455. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري 4/408. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 27/28. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري 4/444. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص829. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 24/709-711. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/239. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب باب ما جاء في قول الله تعالى: (إن رحمة الله قريبٌ من المحسنين)، 9/134، رقم 7449. ↩
