تنزيل PDF

الملك

المجلد السادس عشر السياسة حرف م ٨٠ قراءة · ٢٤٦ تنزيلاً

مفهوم الملك

أولًا: المعنى اللغوي:

الملك (بضم الميم وفتحها وكسرها: ملك، وملك، وملك) من ملك الشيء ملكًا بمعنى: حازه وانفرد بالتصرف فيه، والـملك ما يملك ويتصرف فيه، والـملك هو صاحب الـملك، وهو صاحب الأمر والسلطة على أمة أو قبيلة أو بلاد، و«الـملك» بفتح الميم وكسر اللام، وهو اسم أو وصف من « الـملك»، بضم الميم، وهو مقصور من مالك أو مليك، والملك هو الله تعالى، والملك أيضًا من ملوك الأرض، ويقال له: ملكٌ بالتخفيف، وملك الله تعالى وملكوته سلطانه وعظمته؛ لأن الـملك ملكٌ، وإنما ضموا الميم؛ تفخيمًا له، والـملك بفتحتين واحد الملائكة(1).

فالملك لغة: يطلق ويراد به احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به، وهو ما يحويه الإنسان من ماله(2)، وكل ما حازه الإنسان، وأصبح له القدرة على التصرف فيه كيف شاء فهو ملكه.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الأصفهاني: «الملك: هو المتصرف بالأمر والنهي في الجمهور، وذلك يختص بسياسة الناطقين»(3)، وقال أصحاب المعاني: « الملك النافذ الأمر في ملكه؛ إذ ليس كل مالك ينفذ أمره وتصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله تعالى مالك المالكين كلهم، والملاك إنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته تعالى »(4).

وأما اسم الله « الملك» فقد عرفه الإمام الغزالي بقوله: «الملك: هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويحتاج إليه كل موجود، بل لا يستغني عنه شيء في شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في وجوده ولا في بقائه؛ فكل شيء سواه سبحانه هو له مملوك في ذاته وصفاته، وهو سبحانه مستغنٍ عن كل شيء»(5).

الملك في الاستعمال القرآني

وردت مادة (ملك) في القرآن (206) مرات، يخص موضوع البحث (117) مرة(6).

والصيغ التي وردت هي:

الصيغةعدد المراتالمثال
الفعل الماضي16﴿لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ﴾ [النور: 58]
فعل المضارع28﴿إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ﴾ [النمل: 23]
اسم الفاعل3﴿فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ ٧١﴾ [يس: 71]
اسم المفعول1﴿۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا﴾ [النحل: 75]
صيغة المبالغة1﴿فِي مَقۡعَدِ صِدۡقٍ عِندَ مَلِيكٖ مُّقۡتَدِرِۭ ٥٥﴾ [القمر: 55]
الأسماء19﴿أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ [الأعراف: 185]
المصدر49﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ﴾ [البقرة: 107]

وجاء الملك في القرآن على وجهين (7):

الأول: التملك والتولي، ويلزم منه القدرة والتمكن من زمام الأمور: ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤].

الثاني: القوة على ذلك، سواء تولى أم لا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا﴾ [المائدة: ٢٠]. أي: أعطاكم القوة التي بها يترشح للسياسة، لا أنهم جعلهم متولين للأمر، فذلك منافٍ للحكمة(8)، ويحتمل أنها بمعنى: الغنى والثروة(9).

ألفاظ ذات صلة

السلطان:

السلطان لغة:

مشتق من: سلط، قال ابن فارس: « السين واللام والطاء أصلٌ واحدٌ، وهو القوة والقهر. من ذلك السلاطة، من التسلط وهو القهر، ولذلك سمي السلطان سلطانًا»(10).

السلطان اصطلاحًا:

المعنى الاصطلاحي للسلطان ليس بعيدًا عن المعنى اللغوي؛ إذ السلطان في الاصطلاح: التمكن من القهر، ومنه سمي السلطان(11).

الصلة بين الملك والسلطان:

الملك أعم من السلطان، وأشمل منه؛ فالسلطان قوة اليد في القهر للجمهور الأعظم، وللجماعة اليسيرة أيضًا؛ لذا يقال: الخليفة سلطان الدنيا، ويقال لأمير البلد: سلطان البلد، ولا يقال له: ملك البلد؛ لأن الملك هو من اتسعت مقدرته؛ فالملك هو القدرة على أشياء كثيرة، والسلطان القدرة سواء كانت على أشياء كثيرة أو قليلة؛ ولهذا يقال هو مسلط علينا، وإن لم يملكنا(12).

وعلى هذا فكل ملك سلطان، وليس كل سلطان ملكًا، ومن الأسماء الحسنى لله عز وجل: الملك، وليس من أسمائه السلطان.

التمكين:

التمكين لغة:

مصدر للفعل (مكن)، والمكان عند أهل اللغة هو: الموضع الحاوي للشيء، وقد وردت مادة (م ك ن) في اللغة بمعانٍ متعددة، منها: مكن الشيء قوي ومتن ورسخ واطمأن فهو ماكن، ومكنه من الشيء، وأمكنه منه: جعل له عليه سلطانًا وقدرة، واستمكن منه قدر عليه وظفر به(13).

التمكين اصطلاحًا:

التثبيت والتقوية، وإعطاء المقدرة على التصرف(14).

وقيل: هو أن لا ينازع الممكن منازع فيما يراه ويختاره(15).

الصلة بين التمكين والملك:

الملك أعم من التمكين؛ فقد يمكن الإنسان من شيء؛ ولكنه لا يملكه، أما من ملك شيئًا؛ فهو ممكن منه(16).

الملك الحق

أولًا: اسم الله (المَلِك):

اسم الله « الملك» يعد من بين أسماء الله الحسنى، وصفاته العلى التوقيفية، فقد أثبت الله تعالى في القرآن الكريم لنفسه اسم « الملك»، والألف واللام في (الملك)، لإفادة استغراق جميع جنس الملك له سبحانه، واختص «الملك» لنفسه فقال: ﴿وَلَهُ ٱلۡمُلۡكُ﴾ [الأنعام: 73]، ونفى الشريك له في الملك فقال: ﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ﴾ [الكهف: 110]. ووصف نفسه بأنه «الملك الحق»، فقال: ﴿فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ﴾ «ملك الناس»، وأنه ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 3]، وأنه ﴿مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ﴾ [آل عمران: 26].

فهذه الملكية لم تكن ولا تكون إلا لله تعالى، فإذا كان في الدنيا من صفته «الملك»؛ فهؤلاء بعضهم على حق، وبعضهم على باطل، ولكن ملكية الله تعالى هي الحق المطلق، وغيره الحق النسبي.

ومن أسماء الله الحسنى: الملك، المليك، مالك الملك، ولها شواهد في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، فهو الآمر، الناهي، المعز، المذل، الذي يصرف أمور عباده كما يحب، ويقلبهم كما يشاء، وله من معنى الملك ما يستحقه من الأسماء الحسنى كالعزيز، الجبار، المتكبر، الحكم، العدل، الخافض، الرافع، المعز، المذل، العظيم، الجليل، الكبير، الحسيب، المجيد، الولي، المتعالي، مالك الملك، المقسط، الجامع، إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى الملك(17).

وقد نهانا الله تعالى عن الإلحاد في أسمائه فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].

والإلحاد في أسمائه: هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها، وهو مأخوذ من الميل كما تدل عليه مادته (ل ح د)، فمنه اللحد وهو: الشق في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط، ومنه الملحد في الدين المائل عن الحق إلى الباطل(18).

ومن الإلحاد في اسم الله (الملك) تسمية رجل بملك الأملاك جاء في الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أخنع اسم عند الله رجل يسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله)(19).

وفي رواية: (أخنى اسم)(20).

وفي رواية: (أغيظ رجل على الله يوم القيامة، وأخبثه، رجل كان يسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا الله)(21).

وقد بسط ابن كثير الخلاف في هذا الموضوع(22)، ونقل المنع والجواز، ورجح هو وجمهور العلماء المنع؛ لظاهر النصوص الصحيحة، وقد ورد هذا الاسم في المناهي اللفظية(23).

ثانيًا: شمول ملك الله الكون:

وجمع ملك السماوات والأرض لنفسه في تسعة عشر موضعًا في كتابه الكريم، وملكية الله تعالى للسماوات والأرض التي تكررت في القرآن الكريم كان الغرض منها التذكير بشأنها في مواطن عدة، ترتبت عليها كثير من القضايا، من أهمها:

  • التوحيد.

قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾ [الفرقان: 2].

  • القدرة.

قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٠٦ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 106-107].

وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 189].

وقال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا فِيهِنَّۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرُۢ﴾ [المائدة: 120]، وقال تعالى: ﴿أَمۡ لَهُم مُّلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ فَلۡيَرۡتَقُواْ فِي ٱلۡأَسۡبَٰبِ﴾ [ص: 10].

وقال تعالى: ﴿لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾[الحديد: 2].

  • الخلق والإحياء والإماتة.

قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [المائدة: 17].

وقال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾[الأعراف: 158].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ﴾ [التوبة: 116].

وقال تعالى: ﴿لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ﴾ [الشورى: 49].

  • الشهادة.

قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ﴾[البروج: 9].

  • المصير والرجوع.

قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾[المائدة: 18].

وقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [النور: 42].

وقال: ﴿لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ﴾ [الحديد: 5].

وقال: ﴿قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [الزمر: 44].

وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَخۡسَرُ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾[الجاثية: 27].

وقوله: ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾[الزخرف 85].

  • الثواب والعقاب.

قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾[المائدة: 40].

وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾[الفتح 14].

وقد قرر الله تعالى حقيقة ملكه هذه بأساليب عدة، فبطريق الخبر.

قال سبحانه: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1].

وأكد هذا الأمر فقال: ﴿أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [يونس: 55].

وبطريق الإنشاء قال سبحانه: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل فِيهِۚ ٱلَّذِينَ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنعام: 12].

ولذا قيل: ملوك الدنيا أربعة: مؤمنان وكافران(24): فالمؤمنان: ذو القرنين وسليمان، والكافران: النمرود وبختنصر، فإنه تعالى ملكه دائم، وملك أولئك قد زال، فهم وما يملكون وما يملك غيرهم من ملك الله تعالى، فهو مالك الملك، بمعنى: الذي ملك الخلائق كلها، وملك الممالك والملوك معًا.

ثالثًا: المتفرد بالملك يوم القيامة.

إن صفة الملكية يوم القيامة لله تعالى لم ولن يشاركه أحد فيها من قبل، ولا من بعد، فهو مالك يوم الدين، وحده لا شريك له، فقال: ﴿ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ [الحج: 56].

وقال: ﴿ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا﴾[الفرقان: 26].

وسيسأل جل جلاله، ويجيب نفسه، ومن أصدق من الله قيلًا: ﴿يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾[غافر: 16].

وصفة الملكية هي التي سيثبتها الله لنفسه أمام الأشهاد في ذلك اليوم العصيب كما أكدت هذا المعنى السنة النبوية فقد جاء في الحديث الصحيح: (يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟)(25)، وفي رواية: (أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)(26).

ويومئذ يتضاءل المتكبرون، وينزوي المتجبرون، ويقف الوجود كله خاشعًا، والعباد كلهم خضعًا. ويتفرد مالك الملك الواحد القهار بالسلطان. وهو سبحانه متفرد به في كل آن. فأما في هذا اليوم فينكشف هذا للعيان، بعد انكشافه للجنان. ويعلم هذا كل منكر، ويستشعره كل متكبر. وتصمت كل نأمة(27) وتسكن كل حركة. وينطلق صوت جليل رهيب يسأل ويجيب؛ فما في الوجود كله يومئذ من سائل غيره، ولا مجيب: لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار.

رابعًا: نفي الامتلاك الحقيقي:

تناول القرآن الكريم هذا الموضوع من جانبين، أحدهما نفي الامتلاك الشخصي على مستوى الإفراد والجمع، والآخر تحديد الامتلاك البشري، على النحو الآتي:

  • نفي الامتلاك الشخصي.

كل كلمة «أملك» بالفعل المضارع بصيغة المتكلم، وردت في القرآن الكريم بصيغة النفي، يعني: نفي الملك والتملك، وقد جاءت في خمسة مواضع، أربعة منها منفية بـ(لا)، وواحدة منفية بـ(ما).

قال تعالى على لسان نبيه موسى عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ [المائدة: 25].

وقال تعالى على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾[الأعراف: 188].

وقال أيضًا: ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَلَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗۖ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ﴾[يونس: 49].

وقال أيضًا: ﴿قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا﴾ [الجن: 21].

وقال تعالى على لسان نبيه إبراهيم عليه السلام: ﴿إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾[الممتحنة: 4].

فإذا كان أنبياء الله ورسله -والآيات الواردة على لسان أولي العزم من الرسل- نفوا امتلاكهم الشخصي الحقيقي أمام ملك الله تعالى وملكوته، فغيرهم من باب أولى، إلا قول موسى عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ [المائدة: 25].

فإنه استثنى الملك لنفسه وأخيه، ولكن قول موسى عليه السلام -هذا- لم يفت تعليق شيخ المفسرين الطبري عندما قال: «فدعا عليهم... وكانت عجلة من موسى عجلها»(28).

ولازم النفي «الملك» المضارع بصيغة المخاطب في موضعين من القرآن الكريم.

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ [المائدة: 41].

وقال تعالى: ﴿يَوۡمَ لَا تَمۡلِكُ نَفۡسٞ لِّنَفۡسٖ شَيۡـٔٗاۖ وَٱلۡأَمۡرُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ﴾ [الانفطار: 19].

والحال نفسه في المضارع بصيغة الغائب المبدوء بالياء.

قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [المائدة: 17].

وأسلوب: ﴿قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا﴾ في هذه الآية متضمن معنى نفي الملك.

قال أبو حيان: «وقل: ليس كما قالوا»(29).

وقال تعالى: ﴿قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس31].

قال ابن عاشور: «أمن: للإضراب الانتقالي من استفهام إلى آخر، ومعنى يملك السمع والأبصار:يملك التصرف فيهما، وهو ملك إيجاد تينك الحاستين، وذلك استدلال وتذكير بأنفع صنع وأدقه»(30).

وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ شَغَلَتۡنَآ أَمۡوَٰلُنَا وَأَهۡلُونَا فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَاۚ يَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢاۚ بَلۡ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرَۢا ١١﴾[الفتح 11].

قال الشنقيطي: «أي: لا أحد يملك دفع الضر الذي أراد الله إنزاله بكم، ولا منع النفع الذي أراد نفعكم به، فلا نافع إلا هو، ولا ضار إلا هو تعالى، ولا يقدر أحد على دفع ضر أراده، ولا منع نفع أراده»(31).

ولم يختلف الأسلوب القرآني في نفي «الملك» بصيغة الجمع المخاطب في موضعين، في قوله تعالى: ﴿قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا﴾[الإسراء: 100].

قال ابن عاشور: «لو أنتم أخصصتم بملك خزائن رحمة الله دون الله؛ لما أنفقتم على الفقراء شيئًا، وذلك أشد في التقريع، وفي الامتنان بتخييل أن إنعام غيره كالعدم»(32).

وفي قوله تعالى: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَلَا تَمۡلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِۖ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٨﴾[الأحقاف: 8].

والشأن نفسه في صيغة الجمع الغائب، ولكن في مواضع أكثر من القرآن الكريم، فقد جاء في تسعة مواضع ثمانية منها بنفي «الملك» بـ(لا)، وواحد بـ(ما)، على ما يأتي.

قال تعالى: ﴿قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ﴾ [الرعد: 16].

وقال: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا﴾ [الإسراء: 56].

وقال: ﴿لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا﴾ [مريم: 87].

وقال: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا﴾[الفرقان: 3].

وقال: ﴿إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 17].

وقال: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِۖ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ﴾ [سبأ: 22].

وقال: ﴿يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ ١٣﴾[فاطر: 13].

وقال: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ قُلۡ أَوَلَوۡ كَانُواْ لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَعۡقِلُونَ﴾ [الزمر: 43].

وقال: ﴿رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلرَّحۡمَٰنِۖ لَا يَمۡلِكُونَ مِنۡهُ خِطَابٗا﴾ [النبأ: 37].

  • تحديد الامتلاك البشري.

تثبت بعض الآيات القرآنية الكريمة الملك للناس، ولكن على وجه التحديد، منها امتلاك الناس لمفاتيح البيوت، وفي هذا تقليل لشأن الملك الدنيوي وحدوده.

قال تعالى: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [النور61].

وهذه اللفظة الوحيدة التي وردت في القرآن الكريم بصيغة التملك الجمعي للبشر «ملكتم»، وأيضًا ورد التملك للناس مع البهائم والأنعام والحيوانات، فقال جل ذكره: ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ﴾ [يس 71].

وفي هذا تحقير للملك الدنيوي في جعله للدواب.

الأساليب القرآنية في عرض الملك

أولًا: الامتنان بالملك على بعض العباد:

لم تقتض سنة الحياة الدنيا أن يكون الناس كلهم ملوكًا، لذا فقد اختص الله تعالى بعض عباده بالملك دون غيرهم، وهذا فضل من الله ونعمة على من اختاره الله ملكًا على الناس.

قال تعالى: ﴿أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَيۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 54].

قال الرازي: «والمعنى: أنه حصل في أولاد إبراهيم جماعة كثيرون جمعوا بين النبوة والملك»(33).

وذرية إبراهيم ورد ذكرهم في الآيات الكريمة بقوله تعالى: ﴿وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٨٣ وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٤ وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٥ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٦ وَمِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡ وَإِخۡوَٰنِهِمۡۖ وَٱجۡتَبَيۡنَٰهُمۡ وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٨٧ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٨٨ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ ٨٩ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ﴾[الأنعام: 83-90].

قال الأستاذ محمد رشيد رضا: «وقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات الثلاث أربعة عشر نبيًا، لم يرتبهم على حسب تاريخهم وأزمانهم؛ لأنه أنزل كتابه هدى وموعظة، لا تاريخًا، ولا على حسب فضلهم ومناقبهم؛ لأن كتابه ليس كتاب مناقب ومدائح، وإنما هو كتاب تذكرة وعبرة، وقد جعلهم ثلاثة أقسام لمعان في ذلك جامعة بين كل قسم منهم»(34).

وخص صاحب المنار القسم الأول بستة أنبياء، وهم: داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، ثم قال: «والمعنى الجامع بين هؤلاء أن الله تعالى آتاهم الملك والإمارة، والحكم والسيادة، مع النبوة والرسالة، وقد قدم ذكر داود وسليمان، وكانا ملكين غنيين منعمين، وذكر بعدهما أيوب ويوسف، وكان الأول أميرًا غنيًا عظيمًا محسنًا، والثاني وزيرًا عظيمًا وحاكمًا متصرفًا، ولكن كلًا منهما قد ابتلي بالضراء؛ فصبر، كما ابتلي بالسراء؛ فشكر، وأما موسى وهارون فكانا حاكمين، ولكنهما لم يكونا ملكين، فكل زوجين من هؤلاء الأزواج الثلاثة ممتاز بمزية، والترتيب بين الأزواج على طريق التدلي في نعم الدنيا، وقد يكون على طريق الترقي في الدين، فداود وسليمان كانا أكثر تمتعًا بنعم الدنيا، ودونهما أيوب ويوسف، ودونهما موسى وهارون، والظاهر أن موسى وهارون أفضل في هداية الدين، وأعباء النبوة من أيوب ويوسف، وأن هذين أفضل من داود وسليمان؛ بجمعهما بين الشكر في السراء والصبر في الضراء، والله أعلم».

فالأنبياء الذين صرح الله -تعالى- في إكرامهم بالنبوة والملك معًا، هم:

  • داود عليه السلام.

قال تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾[البقرة: 251].

  • سليمان عليه السلام.

قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾[ص: 35].

  • يوسف عليه السلام.

قال تعالى: ﴿رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ﴾[يوسف: 101].

وقال: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾[يوسف: 22].

كما أكرم الله تعالى ملوكًا آخرين ليسوا بأنبياء ولا برسل، وقد ورد ذكرهم في القرآن الكريم أيضًا، وهم:

  • ذو القرنين.

جاء ذكر (ذو القرنين) في ست عشرة آية من سورة الكهف، أخبرنا القرآن الكريم عن ذي القرنين بأنه كان ملكا مؤمنًا صالحًا.

قال تعالى: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا ٨٣ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا ٨٤ فَأَتۡبَعَ سَبَبًا﴾[الكهف: 83-85].

  • النمرود.

قال الله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 258].

  • العزيز.

قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّيٓ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ﴾[يوسف: 43].

وقال الله تعالى: ﴿قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ﴾[يوسف: 72].

وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ﴾[يوسف: 88].

  • طالوت.

قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾[البقرة: 247].

  • فرعون.

في عصر الممالك القديمة كان يطلق على حاكم مصر لفظ: «الملك» وذلك زمن سيدنا يوسف عليه السلام.

فقال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ﴾[يوسف: 54].

ففي القرآن الكريم عندما يذكر حكام مصر القدامى لا يذكرهم إلا بلقب (فرعون)، وذلك في حوالي ستين آية كريمة؛ إلا في سورة واحدة ذكر فيها حاكم مصر بلقب (ملك)، وذلك في سورة يوسف في ثلاثة مواضع: 43، 50، 54.

  • بلقيس.

قال تعالى: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ﴾[النمل: 24].

وهذه المرأة هي: بلقيس، فيما قال بعضهم(35).

ثانيًا: الفرق بين ملك الله، وملك الناس:

الفرق بين ملك الله وملك الناس فرق عظيم، فالناس وما يملكون كلهم من ملك الله تعالى، والفرق بين الملكين، هو الفرق بين الملك المطلق والملك النسبي، ويتجلى ذلك بوضوح في القرآن الكريم في المعاني الآتية:

  • ملك الله تعالى شامل للخلق والرزق.

يربط الله تعالى ملكه بالخلق والإيجاد والإحياء والإماتة.

قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾[المائدة: 17].

وقال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾[الأعراف: 158].

وقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ﴾[التوبة: 116].

وقال: ﴿لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ﴾[الشورى: 49].

وقد ارتبط هذا المعنى الشريف بأذكار المسلم وأدعيته في اليوم والليلة، منها دعاء السوق: (من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحى عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألـف درجـة)(36).

وكذلك في بعض الأذكار الأخرى كما في الحديث: (من قال حين يصبح: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيءٍ قديرٌعشر مراتٍ: كتب الله له بكل واحدةٍ قالها عشر حسناتٍ، وحط الله عنه بها عشر سيئاتٍ، ورفعه الله بها عشر درجاتٍ، وكن له كعشر رقابٍ، وكن له مسلحةً من أول النهار إلى آخره، ولم يعمل يومئذٍ عملًا يقهرهن، فإن قال حين يمسي، فمثل ذلك)(37).

  • نفي الملك عن الآلهة من دون الله.

وكذلك نفى القرآن الكريم الملك عن آلهة الباطل من دون الله تعالى، التي لا تملك ضرًا ولا نفعًا، ولا رزقًا ولا شفاعة، ومن هنا قرر القرآن الكريم عقيدة ملك الله -تعالى- المختلفة تمامًا عن ملك المعبودات الآخرى، كما جاء ذلك في قوله سبحانه: ﴿قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾[المائدة: 76].

وقال: ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ﴾[النحل: 73].

وقال: ﴿أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا﴾[طه: 89].

وقال: ﴿فَٱلۡيَوۡمَ لَا يَمۡلِكُ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٖ نَّفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم أَن يَصُدَّكُمۡ﴾[سبأ: 42].

وقال: ﴿وَلَا يَمۡلِكُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾[الزخرف: 86].

هذا بصيغة المفرد الغائب «يملك»، وقد ورد في القرآن الكريم صيغة «يملكون» بالجمع عشر مرات؛ ولكن كلها بصيغة النفي الصريح الظاهر بالأداتين: (لا) النافية تسع مرات، و(ما) النافية مرة واحدة، فنسبة النفي بـ(لا) أكثر من النفي بـ(ما)؛ لأن (لا) أقوى أدوات النفي في العربية، وهنا ربط بين نفي ملك الناس مجتمعًا، إذا ما قورن بملك الله الفرد الصمد الواحد الأحد -جل جلاله-، كما ورد في الآيات القرآنية الآتية:

قال تعالى: ﴿قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ﴾[الرعد: 16].

وقال: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا﴾[الإسراء: 56].

وقال: ﴿لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا﴾[مريم: 87].

وقال: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا﴾ [الفرقان: 3].

وقال: ﴿إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾[العنكبوت: 17].

وقال: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِۖ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ﴾[سبأ: 22].

وقال: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ قُلۡ أَوَلَوۡ كَانُواْ لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَعۡقِلُونَ﴾[الزمر: 43].

وقال: ﴿رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلرَّحۡمَٰنِۖ لَا يَمۡلِكُونَ مِنۡهُ خِطَابٗا﴾[النبأ: 37].

وأما النفي بـ(ما) فقد ورد مع «يملكون» مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ﴾[فاطر: 13].

  • ملك الله دائم، وملك غيره زائل.

ومن المقارنات القرآنية الأخرى بين ملك الله تعالى، وملك غيره، أن ملك الله -تعالى- دائم، وملك غيره زائل، فقد قال تعالى: ﴿ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾[الحج: 56].

وقال: ﴿ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا﴾[الفرقان: 26].

وقال: ﴿يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾ [غافر: 16].

ثالثًا: الملك والاغترار به:

يعرض القرآن الكريم في آياته البينات أساليب للتحذير من «الملك» الدنيوي والاغترار به، وقد جاء بأسلوبين على ما يأتي:

  • الملك كله ملك الله.

وصف الله تعالى نفسه بأنه: «مالك الملك»، فقد ورد هذا الاسم مرة واحدة في القرآن الكريم، وهذه رسالة واضحة للملوك والمالكين أجمعين بأن الله يملكهم وما يملكون، ولقد عبر عن هذا المعنى حجة الإسلام الغزالي فقال: «اعلم أيها السلطان أنك مخلوق ولك خالق، وهو خالق العالم، وجميع ما في العالم، وأنه لا شريك له، فرد لا مثل له، كان في الأزل وليس لكونه زوال، ويكون مع الأبد، وليس لبقائه فناء، وجوده في الأبد والأزل، وما للعدم إليه سبيل، وهو موجود بذاته، وكل أحد محتاج إليه، وليس له إلى أحد احتياج، وجوده به ووجود كل شيء به»(38).

  • الملك كله بيد الله.

قال الله تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [آل عمران: 26].

قيل الملك هنا: النبوة، وقيل: الغلبة، وقيل: المال والعبيد، والظاهر شموله لما يصدق عليه اسم الملك من غير تخصيص(39).

  • ظاهرة الاغترار بالملك.

قال الله تعالى: ﴿يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ [غافر: 29].

قال السعدي: «ثم حذر قومه ونصحهم، وخوفهم عذاب الآخرة، ونهاهم عن الاغترار بالملك الظاهر»(40).

وقال تعالى: ﴿وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۖ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٥١﴾[الزخرف: 51].

رابعًا: ذكر بعض أخلاق الملوك وأفعالهم:

أثبت الله تعالى «الملك» لبعض الناس، وذكر بعض أخلاق الملوك في الدنيا وأفعالهم، على ما يأتي:

ذكر الله تعالى صفة ملكية لليهود في معرض تعداد النعم عليهم فقال: ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾[المائدة 20].

وملكية بني إسرائيل في الدنيا كانت محدودة جدًا، فقد قال حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما: «كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة والخادم والدار؛ سمي ملكًا»(41).

وذكر القرآن الكريم «الملوك» في قصة سبأ مقرونين بالفساد والإفساد فقال تعالى: ﴿قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۖ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ﴾[النمل 34].

قال ابن عاشور: «فعلمت بقياس شواهد التاريخ، وبخبرة طبائع الملوك إذا تصرفوا في مملكة غيرهم؛ أن يقلبوا نظامها إلى ما يساير مصالحهم، واطمئنان نفوسهم من انقلاب الأمة المغلوبة عليهم في فرص الضعف، أو لوائح الاشتغال بحوادث مهمة، فأول ما يفعلونه إقصاء الذين كانوا في الحكم لأن الخطر يتوقع من جانبهم حيث زال سلطانهم بالسلطان الجديد، ثم يبدلون القوانين والنظم التي كانت تسير عليها الدولة، فأما إذا أخذوها عنوة فلا يخلو الأخذ من تخريب وسبي ومغانم، وذلك أشد فسادًا. وقد اندرج الحالان في قولها»(42).

وحين بعث الله تعالى ملكًا عندما طلب بنو إسرائيل ذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 246].

بعث إليهم جنديًا من جنودهم، وهو طالوت، وكان دباغًا وفقيرًا كما يقول المفسرون(43)، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ [البقرة 247].

لكن الله تعالى هنا ذكر أهم صفتين يجب توافرهما في ملوك الدنيا، وهما:

الصفة الأولى: بسطة العلم.

الصفة الثانية: بسطة الجسم.

قال عنهما الإمام القرطبي: «وبين لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت، وهو بسطته في العلم، الذي هو ملاك الإنسان، والجسم، الذي هو معينه في الحرب، وعدته عند اللقاء، فتضمنت بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة، وأنها مستحقة بالعلم والدين والقوة، لا بالنسب، فلا حظ للنسب فيها مع العلم وفضائل النفس، وأنهامتقدمة عليه؛ لأن الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم؛ لعلمه وقوته، وإن كانوا أشرف منتسبا»(44).

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل، وأجمله وأتمه، وزيادة الجسم مما يهيب العدو، وقيل: سمي طالوت: لطوله. وقيل: زيادة الجسم كانت بكثرة معاني الخير والشجاعة، ولم يرد عظم الجسم»(45).

وقد ضرب القرآن الكريم مثلًا لملك من ملوك الدنيا الظالمين، فقال تعالى في قصة موسى والعبد الصالح: ﴿أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا﴾ [الكهف: 79].

فلم يذكر القرآن اسمه، وتجاهل شأنه، وكان التركيز في المساكين دون الملك، قال القرطبي: «مما يستعمله الملك في مصالح نفسه وشهواته»(46).

ومن ملكية الدنيا ذكر الله تعالى في القرآن الكريم سعة ما يملك الملوك وعظم عروشهم وممالكهم، ولكن المثال القرآني كان مضروبًا لامرأة نكرة، لم يذكر اسمها كما تذكر أسماء ملوك الدنيا عند الناس، وهي ملكة سبأ، بلقيس كما نعرف، وناقل خبر ملوكيتها طائر من الطيور، وهو هدهد سليمان، وهنا نتأمل في الخبر وصاحبته وناقله.

قال تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ﴾ [النمل: 23].

قال الشوكاني: «وأوتيت من كل شيءفيه مبالغة، والمراد أنها أوتيت من كل شيء من الأشياء التي تحتاجها، وقيل: المعنى: أوتيت من كل شيء في زمانها شيئًا، فحذف (شيئًا) لأن الكلام قد دل عليه»(47).

ومن بين ما يملكه الملوك وخصه الله تعالى بالذكر في القرآن الكريم: الصواع، وهو جام كهيئة المكوك من فضة. وقرأ يحيى بن يعمر: (صوغ الملك) بغين معجمة، يذهب إلى أنه كان مصوغًا فسماه بالمصدر(48)، فقال تعالى: ﴿قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ﴾ [يوسف: 72].

وهذا الشيء المنسوب للملك -وهو من أشيائه وخواصه- ورد في معرض الحديث عن جريمة سرقة، وانشغال المملكة بفقدانه، وهذا ما يصوره القرآن الكريم في تعلق الممالك بملكها -وإن قل شأنه-.

وما دمنا في الحديث عن هذا الملك في زمن سيدنا يوسف عليه السلام فمن المناسب استكمال بعض صفاته الملكية الدنيوية، منها أوامر الملك فقد ذكر القرآن الكريم أمرين له بصيغة: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيمٞ﴾ [يوسف: 50].

وذكر القرآن الكريم اهتمام الملوك بالرؤيا، وفزعهم منها لا سيما إذا كانت تتعلق بممالكهم، أو فيها إشارة لذلك.

قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّيٓ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ﴾ [يوسف: 43].

ولذلك كان نبي الله يوسف عليه السلام فطنًا لهذا الملك وتصرفاته وأوامره ونواهيه، فتمت عملية التفتيش بصورة متقنة فقال تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ﴾ [يوسف: 76].

ثم إن دين الملك هو غير دين نبي الله يوسف عليه السلام، وهنا إشارة قرآنية إلى دين الملوك الذي يجب أن يكون أفضل مما يملكون، وأن يكون دينهم أولى من ملكهم، كما قال بعض الحكماء: «ينبغي للملك أن يأنف أن يكون في رعيته من هو أفضل دينا منه، كما يأنف أن يكون فيهم من هو أنفذ أمرًا منه»(49).

وإن مما يملك الناس في الدنيا أيضًا، وذكره القرآن الكريم هو (ملك اليمين)، وقد ذكرنا مواضع وروده في مطلب «الملك» في الاستعمال القرآني.

أنواع الملك في الرعية وآثاره

أولًا: الملك الراشد:

يتصف الملك أحيانًا بالراشد، من الرشد وهو نقيض كلمة (الغي) التي تستعمل في وصف كل ما يـــذم، وقد وصف به النبي محمد صلى الله عليه وسلم خلفاءه من بعده بهذا الوصف، فقال عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)(50).

ذكر جلال الدين الشيزري خمسة عشر وصفًا في الملك الراشد، وهي: (العدل، العقل، الشجاعة، السخاء، الرفق، الوفاء، الصدق، الرأفة، الصبر، العفو، الشكر، الأناة، الحلم، العفاف، الوقار)(51)، وكل خصلة من هذه الخصال الكريمة لها شواهدها من القرآن الكريم، إذا ما طبقها الملوك؛ كان بالإمكان وصف ملكهم بأنه «راشد».

وقد عقد الماوردي بابًا في أخلاق الملك، وأوصى الملوك بسياسة أنفسهم قبل غيرهم، فقال: «فإذا بدأ الإنسان بسياسة نفسه كان على سياسة غيره أقدر وإذا أهمل مراعاة نفسه كان بإهمال غيره أجدر»(52).

وثمرة الملك الراشد ونتيجته الطيبة تتجلى في تحقيق العزة للأمة، واستتباب الأمن، وتحقيق السعادة الدنيوية والأخروية، وقد ضرب الله لنا مثلًا للحكم الملكي الراشد في شرع من قبلنا، ومنه الأنبياء الملوك، وطالوت، وذو القرنين، وبلقيس ملكة سبأ، وقصصهم معلومة في القرآن الكريم.

ثانيًا: الملك الفاسد:

قابل جلال الدين الشيزري خمسة عشر وصفًا في الملك الفاسد، وهي: (الجور، الجهل، البخل، السرف، خلف الميعاد، الكذب، الغيبة، الغضب، العجب، الكبر، الحسد، العجلة، المزاح، الضحك، الغدر)(53)، وهذه جميعًا من المناهي القرآنية، التي وردت فيها آيات كريمة، وهذه الخصال المذمومة إذا ما ظهرت على الملوك؛ فإنه يصدق فيهم وصف الملك بـ«الفاسد».

وأما ثمرة الملك الفاسد ونتيجته الخبيثة، فهي تعبيد الناس لغير الله، وشيوع الكفر، وانتشار الظلم والفواحش، والصد عن سبيل الله، والإفساد في الأرض، وفساد الرعية، وقد ضرب الله لنا مثلًا للحكم الملكي الفاسد في شرع من قبلنا، ومنه: فرعون، النمرود، وعزيز مصر، وقصصهم معلومة في القرآن الكريم.

ثالثًا: سياسة الرعية:

سياسة الرعية هو التخصص الدقيق للملوك -إن صح التعبير-، وهذه السياسة مبنية على قواعد قرآنية متينة، تعد بمثابة الأسس لقوام الملك، وهي ما يأتي:

  • الحكم بما أنزل الله.

الحكم بما أنزل الله هو أول ما ينبغي أن يجعله الملوك نصب أعينهم، إذ به يتحقق العدل والخير والأمن وغيرها من سياسية الرعية، وقد أوصى الله تعالى الأنبياء بالحكم بما أنزل الله، وهي الوصية نفسها لمن تقلد الملك من الأنبياء، يذكر أنه دخل ابن شهاب على الوليد بن عبد الملك فقال: يا ابن شهاب ما حديث يحدثنا به أهل الشام؟ قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: حدثونا أن الله -تعالى- إذا استرعى عبدًا رعية كتب له الحسنات ولم يكتب عليه السيئات! قال: كذبوا يا أمير المؤمنين! أنبيٌ خليفة أقرب إلى الله أم خليفةٌ ليس بنبيٍ؟ قال: بل نبيٌ خليفة. قال: أنا أحدثك يا أمير المؤمنين بما لا شك فيه.

قال الله تعالى لنبيه داود: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ﴾ [ص: 26].

يا أمير المؤمنين: هذا وعيد الله لنبي خليفة فما ظنك بخليفة غير نبي؟ فقال الوليد: إن الناس ليفرونا عن ديننا(54)، فكأنه لم يعجبه الكلام.

  • العدل والإحسان.

قال الله تعالى: ﴿وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾[النحل: 89].

قال الحسن البصري: «إن الله تعالى جمع الخير كله والشر كله في هذه الآية، وقال: إن استقامة الملك بالثلاثة المأمور بها في الآية واضطرابه بالثلاثة المنهي عنها فيها»(55).

وقد خصص الطرطوشي بابًا في بيان معرفة الخصال التي هي قواعد السلطان ولا ثبات له دونها، وذكر أول الخصال وأحقها بالرعاية: «العدل، الذي هو قوام الملك، ودوام الدول ورأس كل مملكة سواء كانت نبوية أو اصطلاحية»(56).

وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ٥٨ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 58-59].

قال ابن تيمية: «وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل؛ فهذان جماع السياسة العادلة، والولاية الصالحة»(57).

  • تعبيد الناس لله.

من وظائف الملوك الشرفية: أن يوصلوا الخلق بالخالق؛ فيدلوهم على طريق الهداية، ويعينوهم على طاعة الله، لا أن يجعلوهم عبيدًا لهم، فقال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ﴾[الحج: 41].

قال الطرطوشي: «ومن ذلك آية الملوك التي أنزلها الله تعالى في السلاطين؛ لما اقتضته من السياسة العامة، التي فيها بقاء الملك، وثبوت الدول.

قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40].

ثم سمى المنصور وأوضح شرائط النصر فقال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ﴾[الحج: 41].

فضمن الله تعالى النصر للمملوك، وشرط عليهم أربع شرائط كما ترى، فمتى تضعضعت قواعدهم، أو انتقض عليهم شيء من أطراف ممالكهم، أو ظهر عليهم عدو، أو باغي فتنة، أو حاسد نعمة، أو اضطربت عليهم الأمور، أو رأوا أسباب الغير؛ فليلجؤوا إلى الله تعالى، ويستجيروا من سوء أقداره؛ بإصلاح ما بينهم وبينه تعالى، بإقامة الميزان بالقسط الذي شرعه الله تعالى لعباده، وركوب سبيل العدل والحق، الذي قامت به السماوات والأرض، وإظهار شرائع الدين، ونصر المظلوم، والأخذ على يد الظالم، وكف يد القوي عن الضعيف، ومراعاة الفقراء والمساكين، وملاحظة ذوي الخاصة والفقراء المستضعفين، وليعلموا أنهم قد أخلوا بشيء من الشروط الأربعة التي شرطت في النصر»(58).

  • البطانة الصالحة.

قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام: ﴿وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي﴾ [طه: 29].

قال الطرطوشي: «فلو كان السلطان يستغني عن الوزراء لكان أحق الناس بذلك كليم الله موسى بن عمران. ثم ذكر حكمة الوزراء فقال: ﴿ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي ٣١ وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي﴾[طه: 31-32].

دلت هذه الآية على أن موضع الوزير أن يشد قواعد المملكة وأن يفضي إليه السلطان بعجز ونحوه إذا استكملت فيه الخصال المحمودة.

ثم قال: ﴿كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا ٣٣ وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: 33-34].

دلت هذه الكلمة على أن بصحبة العلماء والصالحين وأهل الخبرة والمعرفة؛ تنتظم أمور الدنيا والآخرة»(59).

  • الشورى.

قال ابن تيمية: «لا غنى لولي الأمر عن المشاورة؛ فإن الله تعالى أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: ﴿فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]».

رابعًا: آثار الملك:

يذكرنا القرآن الكريم بمصير الملوك والممالك، فقال تعالى: ﴿أَلَمۡ نُهۡلِكِ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: 16].

وحتى لا نستصغر ملك الأولين وبساطته؛ فقد جاء التصريح القرآني بقوله تعالى: ﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا﴾ [مريم: 74].

فمن من الملوك كان خدمه الإنس والجن والطير والشياطين والوحوش والبهائم؟، ومن من الملوك تجري له الريح بأمره؟ هكذا كانت الملكية من قبل؛ حتى لا يستهين بها الملوك المتأخرين، فنبي الله سليمان عليه السلام كان مثالًا للملك الصالح، وعلى نظام الملكية الوراثي الذي أخذه عن أبيه النبي الملك داود عليه السلام، ومع كل ما آتاه الله من نعم، قال مقولةً خلدها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ﴾ [النمل: 40].

ومقولة النبي الملك سليمان عليه السلام قررتها آية قرآنية أخرى، فقال سبحانه: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ﴾ [الأنعام: 165].

ثم جاء الخطاب القرآني ليقرر أن هلاك الممالك سنة كونية؛ إذا ما اتبعت آثار الممالك الهالكة، فقال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا﴾ [الإسراء: 16].

وهذه الحقيقة القرآنية قائمة على خصال الملك الفاسد التي مرت معنا في المطلب الثاني، وإلا فالممالك باستطاعتها أن تحافظ على نفسها؛ إذا ما تجنبت الظلم والفسق وغيرهما من المهالك للممالك.

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ﴾ [هود: 117].

وأصرح آية في آثار الملك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُواْ هُمۡ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ﴾ [غافر: 21].

قال ابن عطية: «والآثار في ذلك: هي المباني والمآثر، والصيت الدنياوي»(60).

موضوعات ذات صلة:
البيعة، التمكين، الحكم، ذو القرنين، فرعون

الحواشي

  1. انظر: لسان العرب، ابن منظور 10/491، المصباح المنير، الفيومي 2/580. ↩
  2. انظر: لسان العرب، ابن منظور 10 /491. ↩
  3. المفردات ص774. ↩
  4. تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص30. ↩
  5. المقصد الأسنى ص66. ↩
  6. انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص673، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص 1220-1224. ↩
  7. انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 4/520-521، الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص413. ↩
  8. انظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، الفيروزآبادي، 4/520. ↩
  9. انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص413. ↩
  10. مقاييس اللغة 3/95. ↩
  11. انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص238. ↩
  12. انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص282. ↩
  13. انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/81. ↩
  14. انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 7/138. ↩
  15. انظر: لباب التأويل، الخازن 2/ 536. ↩
  16. انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص142. ↩
  17. انظر: شرح أسماء الله الحسنى، سعيد بن وهف القحطاني، ص167. ↩
  18. انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم، 1/169. ↩
  19. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم التسمي بملك الأملاك، رقم 2143. ↩
  20. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب أبغض الأسماء، رقم 5852. ↩
  21. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم التسمي بملك الأملاك، رقم 2143. ↩
  22. انظر: البداية والنهاية، ابن كثير، 12/55. ↩
  23. انظر: معجم المناهي، بكر أبو زيد، ص 510. ↩
  24. انظر: البداية والنهاية، 1/171. ↩
  25. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة)، رقم 4812، ومسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، أول الكتاب، رقم 2787. ↩
  26. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، أول الكتاب، رقم 2788. ↩
  27. النأمة: بالتسكين: الصوت. وهو كالأنين، وقيل: هو الصوت الضعيف الخفي أيا كان.
    انظر: لسان العرب، ابن منظور 4/3817. ↩
  28. انظر: جامع البيان، الطبري، 10/189. ↩
  29. انظر: تفسير البحر المحيط، 3/450. ↩
  30. انظر: التحرير والتنوير، 12/156-157. ↩
  31. انظر: أضواء البيان، 7/396. ↩
  32. انظر: التحرير والتنوير، 16/224. ↩
  33. مفاتيح الغيب، 10/105. ↩
  34. تفسير المنار، 7/489. ↩
  35. المحرر الوجيز، ابن عطية 4/256. ↩
  36. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات، باب ما يقال إذا دخل السوق، رقم 3428.
    وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم 6231. ↩
  37. أخرجه أحمد في مسنده، رقم 23007، 38/545.
    وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم 114. ↩
  38. التبر المسبوك في نصيحة الملوك، الغزالي ص 9. ↩
  39. انظر: فتح القدير، الشوكاني، 1/22. ↩
  40. انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص736. ↩
  41. انظر: تفسير القرآن العظيم 3/74. ↩
  42. انظر: التحرير والتنوير، 20/266. ↩
  43. انظر: تفسير القرآن العظيم، 1/267. ↩
  44. الجامع لأحكام القرآن، 3/225. ↩
  45. المصدر السابق. ↩
  46. المصدر السابق 17/12. ↩
  47. فتح القدير، 3/77. ↩
  48. انظر: غريب القرآن، السجستاني ص 269. ↩
  49. درر السلوك في سياسة الملوك، ص89. ↩
  50. أخرجه أحمد في مسنده، رقم 17144، وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب لزوم السنة، رقم 4607، والترمذي في سننه، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، رقم 2676.
    وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/499، رقم 2549. ↩
  51. انظر: المنهج المسلوك في سياسة الملوك، الشيزري ص242-357. ↩
  52. درر السلوك في سياسة الملوك، الماوردي ص 58. ↩
  53. انظر: المنهج المسلوك في سياسة الملوك، الشيزري 359-646. ↩
  54. انظر: سراج الملوك، الطرطوشي ص 37. ↩
  55. انظر: المنهج المسلوك في سياسة الملوك، ص243. ↩
  56. انظر: سراج الملوك، ص51. ↩
  57. السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ابن تيمية ص 6. ↩
  58. انظر: سراج الملوك، ص39-40. ↩
  59. انظر: سراج الملوك، ص69. ↩
  60. المحرر الوجيز، 4/553. ↩
البحث السابقالملائكة