مفهوم العين
أولًا: المعنى اللغوي:
العين والياء والنون أصلٌ صحيح يدل على عضوٍ من خلاله يبصر وينظر، ويترتب على ذلك الأصل اللغوي معان عديدة(1)، أوصلها العلامة مرتضى الزبيدي رحمه الله نقلًا عن بعض مشايخه إلى ما يزيد على المائة، وكل معانيها ترجع إلى ما ذكر، فالباصرة أصل في معناها، وهو الذي جزم به الكثيرون(2)، وتطلق العين في اللغة، ويراد بها: عين الينبوع(3)، وعين الجاسوس(4)، وعين الشيء ونفسه(5)، وعين التأمل والمعاينة(6)، وعين الشرف والأشراف(7)، وعين المال الحاضر(8)، وعين الحسد(9).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
نظرًا لأن المعاني اللغوية كلها رجعت إلى معنى واحد، هو أصلها والبقية فرع عنه، فسيكون التعريف الاصطلاحي تبعًا له، وعليه فإن التعريف الاصطلاحي قد تغلب عليه السمة التشريحية الطبية، وفي ضوء هذا عرفوا العين في الاصطلاح بأنها عبارة عن: «عضو صغير معقد، يتم به الإبصار، مكون من عدة أجزاء، على شكل كرة، موجودة داخل محجر، تدرك الأشكال والحركات والنتوءات والألوان واختلافات الإضاءة بصورة معكوسة»(10).
العين في الاستعمال القرآني
وردت مادة (عين) في القرآن الكريم (61) مرة (11).
والصيغ التي وردت، هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| الإفراد | 18 | ﴿وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ﴾ [المائدة: 45] |
| التثنية | 7 | ﴿وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ ٨٤﴾ [يوسف: 84] |
| الجمع | 32 | ﴿تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ٩٢﴾ [التوبة: 92] |
| الصفة المشبهة | 4 | ﴿كَذَٰلِكَ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٥٤﴾ [الدخان: 54] |
وجاءت العين في القرآن على خمسة وجوه(12):
أحدها: العين الباصرة الجارحة: ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ ٨﴾[البلد: ٨].
الثاني: الماء الجاري أو النهر: ومنه قوله تعالى: ﴿عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا ٦﴾[الإنسان: ٦].
الثالث: الحفظ والكلاءة والرعاية: ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ ١٣ تَجۡرِي بِأَعۡيُنِنَا﴾ [القمر: ١٣-١٤]. يعني: بحفظنا ورعايتنا.
الرابع: القلب: ومنه قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ كَانَتۡ أَعۡيُنُهُمۡ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكۡرِي﴾ [الكهف: ١٠١]. يعني: قلوبهم.
الخامس: بمعنى النفس: ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ﴾ [مريم: ٢٦].يعني: طيبي نفسًا.
الألفاظ ذات الصلة
الظرف:
الطرف لغة:
يطلق الطرف في اللغة على ثلاثة معانٍ، وهي: تحريك جفني العين؛ بأن يطبق الجفن على الجفن، وبمعنى العين نفسها ويكون جمعًا ويكون واحدًا(13)، وبمعنى النظر إلى الشيء مد البصر، يقال: طرفت إليه مد بصري، أي: نظرت إلى نهايته(14).
الطرف اصطلاحًا:
لا يختلف معناه الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.
الصلة بين الطرف والعين:
إن الطرف في المعاني اللغوية الأول والثالث يكون جزءًا من معنى العين ومدلولها، وفي المعنى اللغوي الثاني يكون مرادفًا لها.
البصر:
البصر لغةً:
هو إدراك العين، ويطلق على القوة الباصرة، وهو قوة مرتبة في العصبين المجوفين التي من شأنها إدراك أشباح الصور، بانعكاس الضوء فيها؛ إذ البصر هو حاسة الرؤية، وورد في القرآن مع ما يتعلق به من العمليات؛ ليدل على العلم القوي المضاهي لإدراك الرؤية، فيقال: بصر بالشيء: علمه عن عيان، فهو بصير به(15).
البصر اصطلاحًا:
«هو القوة المودعة في العصبتين المجوفتين اللتين تتلاقيان ثم تفترقان، فيتأديان إلى العين تدرك بها الأضواء والألوان والأشكال»(16).
الصلة البصر والعين:
«الفرق بين العين والبصر أن العين آلة البصر وهي الحدقة، والبصر اسم للرؤية؛ ولهذا يقال: إحدى عينيه عمياء، ولا يقال: أحد بصريه أعمى، وربما يجري البصر على العين الصحيحة مجازًا، ولا يجري على العين العمياء، فيدلل هذا على أنه اسم للرؤية، ويسمى العلم بالشيء إذا كان جليًا بصرًا، يقال: لك فيه بصر، يراد أنك تعلمه كما يراه غيرك »(17).
النظر:
النظر لغةً:
«النظر: حس العين، وتقول: نظرت إلى كذا وكذا من نظر العين ونظر القلب، وإذا قلت: نظرت إليه لم يكن إلا بالعين، وإذا قلت: نظرت في الأمر احتمل أن يكون تفكرًا فيه، وتدبرًا بالقلب، والنظر: الفكر في الشيء تقدره وتقيسه منك، والنظر يقع على الأجسام والمعاني، فما كان بالأبصار فهو للأجسام وما كان بالبصائر كان للمعاني»(18).
النظر اصطلاحًا:
«تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، وقد يراد به التأمل والفحص، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص، وهو الرَّويَّة»(19).
الصلة بين النظر والعين:
إن النظر له خاصية من خواص العين، وليس مرادفًا لها.
الرؤية:
الرؤية لغة:
وتعني إدراك المرئي والإقبال بالبصر نحوه، قد يدرك وقد لا يدرك؛ ولذلك قد ينظر الشخص ولا يرى المرئي، وعليه فيجوز أن يقال لله تعالى: إنه راءٍ، ويقال: إنه ناظر.
والرؤية اصطلاحًا:
«المشاهدة بالبصر حيث كان في الدنيا والآخرة»(20).
الصلة الرؤية والعين:
وبهذا يتضح الفرق بين النظر والرؤية، كما يتضح ببيان أن الرؤية من توابع النظر ولوازمه غالبًا؛ لذا أجريت كلمة النظر على الرؤية على سبيل إطلاق اسم السبب على المسبب.
تصنيف العين في القرآن الكريم
وردت العين في القرآن الكريم متعددة ومتنوعة، ولذا اختلف تصنيف العين إلى أصناف مختلفة، نتناولها في أربعة أنواع.
أولًا: الأعين الممنون بها على كل البشر:
امتن الله تعالى علي بني البشر بنعم عظيمة آفاقية وأنفسية لا تعد ولا تحصى، ومن الآفاقية هذه العيون المائية التي بها قوام كل شيء حي، والتي ذكر الله تعالى بها البشر في قوله تعالى: ﴿وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ أَحۡيَيۡنَٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ ٣٣ وَجَعَلۡنَا فِيهَا جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ وَفَجَّرۡنَا فِيهَا مِنَ ٱلۡعُيُونِ ٣٤ لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۖ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ﴾ [يس: 33-35].
ومظاهر الامتنان في الآيات الكريمة -وبخاصة العيون- كثيرة وظاهرة، من أبرزها أمران:
الأول: التعبير بالتفجير في قوله: ﴿وَفَجَّرۡنَا﴾ للدلالة على الكثرة والقوة.
الثاني: مجيء العيون بصيغة الجمع؛ للدلالة على الكثرة والتعدد والتنوع، وهذا من عظيم فضل الله تعالى على عباده.
ومن النعم الأنفسية العظيمة هذه التى أكرمنا الله عز وجل؛ لنبصر بها، ولا يقدر عظم نعمة إلا من حرمها، نسأل الله تعالى أن يمتعنا بأبصارنا وأسماعنا وقوتنا ما أحيانا وأبقانا، اللهم آمين.
وهذا الامتنان ورد صريحًا في قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ﴾ [البلد: ٨].
ويلاحظ على هذا الموطن الكريم أمران:
أولهما: أهمية نعمة البصر، وعظم نفعها، وذلك؛ لتقديمها على بقية النعم المذكورة معها.
ثانيهما: أنه ليس المراد بالعينين وما بعدها العضو وحده، بل ما يترتب عليه من آثار وتبعات، ينتج عنها الثواب والعقاب «من أمانة البصر والنطق؛ تمهيدًا لما يلي في السورة، من تقرير تبعات الرشد، ومسئولية الكلمة بعد وسائل الإدراك الحسي من بصر ونطق، ثم يأتي بعد ذلك التذكير بما هدي تعالى الإنسان إليه من إدراك مميز لمعالم الطريقين في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ﴾ [البلد: ١٠]»(21). والله أعلم.
ثانيًا: عين الإنسان:
المستقرئ لآيات القرآن يجد أن (عين الإنسان) وصفت بصفات مدح في آيات، وبصفات ذم في آيات أخر، وقطعت عن المدح والذم في مجموعة ثالثة، ويمكن جمع هذا في ثلاث مسائل:
1. الأعين الممدوحة وصفاتها.
أقصد بالمدح ما جاء في القرآن وصفًا للعين في سياق المدح تصريحًا أو تلويحًا، من أمور تتعلق بالمؤمنين في الدنيا أو الآخرة، وكذلك ما ورد بصيغة الأمر مما يتعلق بشأن العين، واعتباره مدحًا؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء، بل يأمر بكل فضل وخير، ولا ينهى إلا عن كل سوء وشر، وعلى هذا اعتبرت قوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ﴾ [الحجر: ٨٨] من قبيل المدح.
ووصفت العين بناء عليه بـ(الثابتة غير المتطلعة) وهكذا.
والله تعالى وصف المؤمنين في كتابه بأوصاف عدة، فوصف أفعالهم مرة، وأقوالهم أخرى، ووجوههم ثالثة وهكذا، وكما هو معلوم أن تعدد الصفات يدل على شرف الموصوف.
وعلى هذه الشاكلة يأتينا وصف أعين المؤمنين في القرآن بصفات متعددة، يمكن تجليتها في السطور الآتية:
- الفياضة.
يقصد بها: العين التي يفيض دمعها، وينزل منها منهمرًا مدرارًا، إما من خشية الله تعالى، أو خوفًا من التقصير في عبادته، أو فوت طاعته وقربه، ونحو ذلك، مأخوذ من قولهم «فاض الماء: إذا سال منصبًا، ومنه: فاض صدره بالسر أي: سال، ورجل فياضٌ، أي: سخي، وحديث مستفيضٌ: منتشر، والفيض: الماء الكثير، يقال: إنه أعطاه غيضًا من فيض، أي: قليلًا من كثير»(22).
وورد هذا الوصف في آيتين، هما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣].
وقوله تعالى ﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢].
فالآية الأولى: واردة في سياق الآيات النازلة في نصارى الشام الذين كانوا بالحبشة وأتوا المدينة مع اثنين وستين راهبًا مصاحبين للمسلمين الراجعين من الحبشة، وسمعوا القرآن وأسلموا كما ذكره جمع من المفسرين (23).
وتظهر بلاغة التعبير القرآني عنهم ههنا من وجهين:
الأول: التعبير بقوله: ﴿تَرَىٰٓ﴾ الدالة على الرؤية البصرية، والتي هي من أقوى أسباب العلم الحسي، مبالغة في مدحهم، حيث يراهم الرائي وهم على تلك الصورة من رقة القلب وشدة التأثر عند سماع الحق(24).
الثاني: التعبير بـ﴿تَفِيضُ﴾ ومعناه: امتلاء العين من الدمع حتى تفيض؛ لأن الفيض أن يمتلأ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض موضع الامتلاء، وهو من إقامة المسبب مقام السبب مبالغة في وصفهم بالبكاء، فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أى: تسيل من الدمع من أجل البكاء، من قولك: دمعت عينه دمعًا(25)، وفي ذلك بيان لغاية رقة قلوبهم، وشدة خشيتهم، ومسارعتهم إلى قبول الحق، وعدم إبائهم إياه (26).
والآية الثانية: واردة في سياق الذين رفع الله تعالى عنهم الحرج من ذوي الأعذار ممن تخلفوا عن غزوة تبوك؛ لعذرهم، وعرف هؤلاء بـ(البكائين)، وحق لهم أن يعرفوا بذلك، وأن ينزل الله تعالى رفع الحرج عنهم من فوق سبع سموات؛ لشدة إخلاصهم، ورغبتهم الصادقة في الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للغزو والجهاد، ونظرًا لقوة إيمانهم وفرط محبتهم للاستشهاد وصفهم الله تعالى بأبلغ وصف - كالآية السابقة - فقال: ﴿وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ﴾، ولاشك أن التعبير بذلك أبلغ من قولنا: (يفيض دمع أعينهم)؛ لأن العين في التعبير القرآني جعلت كأنها كلها دمع فائض(27).
- القريرة.
هذا الوصف -كما يقول ابن فارس- يدل على معنيين، أحدهما برد، والآخر تمكن.
فالأول: القـر، وهو البرد، ومنه: يوم قار، أي: بارد، ويقال: أقر الله عينه، إذا سر ورضي، وقرة العين: ما يسر ويفرح من الأمور، ونظرًا لأن للسرور دمعة باردة، وللحزن دمعة حارة قالوا لمن يدعى عليه: أسخن الله دمعه.
والثاني: التمكن، يقال: قر واستقر، أي: هدأ واطمأن، وقولهم: قرت عينه، أي: أعطاه الله تعالى ما تسكن به عينه فلا يطمح إلى غيره (28)، وعليه قال بعض أهل اللغة: إن معنى قرة العين أن يصادف عينه ما يرضاه قلبه، فتقر عينه عن النظر إلى غيره، يعني: لا تنظر إلى غيره(29).
ووصف العين بالقريرة يشمل المعنيين معًا، حيث إنها تكون باردة ودمعتها كذلك عند فرحها وسرورها، كما تكون عندئذ قارة ثابتة غير متطلعة لما ليس لها غالبًا.
والدعاء بقول بعضهم: أقر الله عينك معناه: «صادفت عينك سرورًا فنامت وذهب سهرها، وصادفت ما يرضيك، أي: بلغك الله أقصى أملك، حتى تقر عينك من النظر إلى غيره؛ استغناء ورضى بما في يديك»(30).
ورد هذا المعنى في القرآن في سبع آيات:
قال الله تعالى: ﴿فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ﴾ [مريم: ٢٦]
وقال أيضًا: ﴿فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ﴾ [طه: ٤٠]
وقال أيضًا: ﴿رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ﴾ [الفرقان: ٧٤]
وقال أيضًا: ﴿وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَيۡنٖ لِّي وَلَكَۖ لَا تَقۡتُلُوهُ﴾ [القصص: ٩]
وقال أيضًا: ﴿فَرَدَدۡنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ﴾ [القصص: ١٣]
وقال أيضًا: ﴿فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
وقال: ﴿وَمَنِ ٱبۡتَغَيۡتَ مِمَّنۡ عَزَلۡتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكَۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعۡيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١].
ويلاحظ على هذه الآيات المباركات أمور:
الأول: أن الله تعالى عبر بالفعل (تقر- وقري) في أربع آيات، وبالاسم (قرة) في ثلاث، وهذا أراه في قمة البلاغة، حيث استعمل الفعل -وهو موضوع؛ للدلالة على التجدد والحدوث- حينما كان المقام مقتضيًا لذلك في هذه المواضع، فمثلًا في قصة أم موسى عليه السلام كان قلبها متلهفًا على وليدها وفلذة كبدها، فرده الله تعالى إليها؛ لإرضاعه وتربيته فترة ما، كي تقر عينها بوليدها؛ لأنه غاب عنها فترة من الزمان، وسيغيب فترة أخرى بعد انتهاء الإرضاع، فلكي تتجدد لها قرة العين مرة بعد مرة جاء التعبير بالفعل، في موضعي (طه والقصص)، وكذلك الحال بالنسبة لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتجدد لهن الفرح والسرور وقرة العين أيضًا، هذا عن صيغة المضارع، أما صيغة الأمر في قصة مريم فيلـمح منها الدلالة على إنشاء قرة العين لمريم عليها السلام، وطيب نفسها، وذهاب الخوف عنها حاضرًا ومستقبلًا، عند ولادتها عيسى عليه السلام، ولا أدل على ذلك من صيغة الأمر. والله أعلم.
الثاني: التعبير بإفراد العين (عين، عينها) في ثلاث آيات، والتعبير بجمعها (أعين) في ثلاث أخرى أيضًا، وأرى أن الإفراد ورد لمـا كان حديث الآيات عن شخص مفرد بعينه، وهي أم موسى عليه السلام في سورتي (طه والقصص)، وامرأة فرعون في موضع من سورة (القصص)، ولـما كان الحديث عن جمع من الناس كعباد الرحمن في الفرقان، وأهل الجنة في السجدة، وأمهات المؤمنين في الأحزاب ناسب ذلك الإتيان بصيغة الجمع في الجميع. والله أعلم.
الثالث: التعبير بعطف نفي الحزن على قرة العين في قوله تعالى: ﴿كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ﴾؛ لتنويع المنة على أم موسى؛ لأن قرة عينها يكون برجوع موسى عليه السلام إليها، وانتفاء حزنها يكون بتحقق سلامته من الهلاك ومن الغرق وبوصوله إلى أحسن مأوى(31). والله أعلم.
- الثابتة غير المتطلعة.
هذا الوصف للعين جاء بطريق الإشارة من غير تصريح في موضعين من كتاب الله تعالى.
قال تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ﴾ [الحجر: ٨٨].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ﴾ [طه: ١٣١].
وهذان الموضعان استفيد منهما الوصف بطريق الأمر، حيث أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم -والأمر للأمة أيضا- بأن لا تتطلع عينه، ولا تطمح نفسه إلى ما في أيدي الآخرين، وما منحهم الله تعالى إياه من نعم وآلاء، وليقنع بما رزقه الله تعالى إياه، ولعل هذه النعم من قبيل الابتلاء والفتنة لهم، فضلًا عن أنه من متاع الدنيا، وكل أمرها إلى زوال.
واعتبار هذا الوصف الضمني من قبيل الصفات المحمودة؛ لأنه أمر من قبل الله تعالى، والله جلا وعز لا يأمر إلا بكل خير، مما فيه محبته ورضاه تعالى كما مر، وهذا بلا شك على رأس المحامد كلها، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ﴾ الآية. قال: نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه(32).
ومد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده؛ استحسانا للمنظور إليه.
والمراد: لا تنظرن بعين الرغبة إلى ما متعنا به بعض الخلق، فما أعطيناك في الدنيا من القرآن خير وأفضل مما أعطيناهم من الأموال، فاستغن بما أعطيناك من القرآن والدين والعلم، ولا تنظر إلى أموالهم(33).
وقريب من هذين الموضعين قوله تعالى: ﴿وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا﴾ [الكهف: ٢٨].
حيث ينهى الله تعالى فيه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن لا يجاوز بصره ضعفاء المؤمنين، رغبة في مجالسة الأشراف، وكان صلى الله عليه وسلم حريصًا على إيمان الرؤساء؛ طمعًا في إيمان أتباعهم، ولم يمل إلى الدنيا قط ولا إلى أهلها، وإنما كان يلين في بعض الأحيان للرؤساء؛ طمعًا في إيمانهم، فعوتب بهذه الآية، وأمر بأن يجعل إقباله على فقراء المسلمين، وألا يلتفت إلى غيرهم(34).
والملاحظ على الآيات الكريمة أمور:
الأول: أن (مد العين) هنا كأنه اقترن به تمنٍ ورجاء، ولذلك عبر عن الميل إلى زينة الدنيا بـ(مد العين)(35).
الثاني: التعبير بلفظ التثنية في (عينيك) يدل على المبالغة في النهي، أي: مدًا عظيمًا بالتمني والاشتهاء المؤكد، ولذلك ثنى العين؛ احتزازًا عن حديث النفس(36).
الثالث: ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ﴾ يفيد النهي عن الإعراض، أي: لا تعرض عن هؤلاء الفقراء لأجل الأغنياء، ولذلك ضمن فعل العدو معنى الإعراض، فعدي إلى المفعول بـ (عن) وكان حقه أن يتعدى إليه بنفسه، يقال: عداه إذا جاوزه(37). والله أعلم.
- المتلذذة.
هي: العين التي تنعم وتسعد بكل ما هو طيب المخبر، أو حسن المظهر، ولا يكون كمال اللذة إلا في الجنة بنعيم الله تعالى للمؤمنين.
ووردت الإشارة إلى هذا الوصف في موطن واحد، عند الحديث عن بعض ألوان النعيم للمؤمنين في الجنة، وهو قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١].
فقوله تعالى: ﴿وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ﴾ من لذذت الشيء واستلذذته، والمعنى: ما من شيء اشتهته نفس أو استلذته عين إلا وهو في الجنة، وقد جمع الله تعالى جميع نعيم الجنة في هذين الوصفين، فإنه ما من نعمة إلا وهي نصيب النفس أو العين، وتمام النعيم الخلود؛ لأنه لو انقطع لم تطب(38).
هذا ويلاحظ على هذا الموضع الكريم أمور:
أولها: اشتماله على جميع أنواع النعيم، وألوان المتع لأهل الجنة بأوجز عبارة وأدقها؛ لأنه ما من نعمة إلا وفيها حظ للنفس أو العين، كما مر.
ثانيها: اختصاص العين بالذكر هنا دون بقية الجوارح؛ «لأنها رائد النفس والقلب، وللدلالة على فرط حسن نعيم الجنة، وإلا ما قبلته العين والنفس»(39).
ثالثها: قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ رافع لكل ألمٍ وتنغيص عن أهل الجنة «فإن كل نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ وخوف الزوال، ومستعقب للتحسر في مستقبل الحال» (40) نسأل الله تعالى أن نكون جميعًا من أهل فضله ورضوانه في الحال والمآل، اللهم آمين.
2. الأعين المذمومة وصفاتها.
سيرًا على سنن القرآن الكريم في الجمع بين الترغيب والترهيب والمدح والذم، ألفينا الحديث فيه عن العين جامعًا بين هذين الأسلوبين، ومر بنا سابقًا العين المحمودة وصفاتها، وهذا بلا شك من قبيل الترغيب والمدح؛ ليمتثل المؤمنون الصادقون هذه الصفات، ولهم عند ربهم حسن المثوبة في الجنات، والآن سنعرض الأسلوب الآخر، وهو من قبيل الترهيب والذم؛ ليجتنبه المؤمنون ويحذروه، وستعرض هذه الصفات حسب ترتيبها المصحفي فيما يلي:
- المعطلة.
يقصد بها: العين التي عطلت عن إدراك الحقائق والبينات من غير علة أو آفة من الآفات، ويدخل في ذلك عدم الاهتداء إلى الهدى، وسلوك طريقه دخولا أوليًّا.
وورد هذا الوصف للعين في القرآن الكريم في موضع واحد هو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
والآية الكريمة واردة في سياق ذم بني البشر الذين تنكبوا الصراط المستقيم، وكفروا بربهم الذي أخذ عليهم العهد في عالم الذر، وتأكد هذا المعنى بذكر قصة الذي أوتي آيات الله ثم انسلخ منها، واتضح هنا أكثر ببيان أن بعضًا من أشقياء الجن والإنس عطلوا حواسهم فلم يستعملوها فيما ينجيهم من عذاب الله تعالى، وخزي الآخرة.
ومعنى نفي الفقه والإبصار والسمع هنا عن آلاتها الكائنة فيهم: أنهم عطلوا أعمالها بترك استعمالها في أهم ما تصلح له، وهو معرفة ما يحصل به الخير الأبدي، ويدفع به الضر السرمدي؛ لأن آلات الإدراك والعلم خلقها الله؛ لتحصيل المنافع ودفع المضار، فلما لم يستعملوها في جلب أفضل المنافع، ودفع أكبر المضار نفى عنهم عملها على وجه العموم للمبالغة؛ لأن الفعل في حيز
النفي يعم مثل النكرة، فهذا عام أريد به الخصوص للمبالغة.
وليس في تقديم الأعين على الآذان مخالفة لما جرى عليه اصطلاح القرآن من تقديم السمع على البصر؛ لأن الترتيب في آية سورة الأعراف سلك طريق الترقي من القلوب التي هي مقر المدركات إلى آلات الإدراك، القلوب ثم الأعين ثم الآذان، فللقلوب المرتبة الأولى في الارتقاء(41).
يليها العين حيث تمثل المرتبة الثانية في الإدراك.
ثم الأذن التي تمثل المرتبة الثالثة في الإدراك.
فالآية وردت بترتيب آلات الإدراك، وهي علي حد قوله تعالى: ﴿أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥].
والآية وإن كانت واردة في شأن الأصنام إلا أنها وصفت بما وصف به عابدوها قبل ذلك من نفي أو تعطيل آلات الإدراك والعلم، أو أنهم خوطبوا على وفق ما يعتقدونه فيها. والله أعلم.
وسبحان من هذا كلامه وبيانه، وصدق الله حين وصفه بقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء: ٨٢].
- المزدرية.
هي: العين التي تحتقر ما تقع عليه وتستصغره؛ تقليلًا لشأنه، وتهوينًا من أمره.
وهذا الوصف مأخوذ من قولهم: زريت عليه: أي: عبته، وأزريت به: أي قصرت به، وازدريت، أصله: افتعلت، والإزراء: التهاون بالناس(42).
وعليه فالعين المزدرية أي: المحتقرة للآخرين، المستصغرة لشأنهم، وقد ورد هذا الوصف في موضع واحد، هو قوله تعالى: ﴿وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [هود: ٣١].
والآية واردة في ثنايا قصة سيدنا نوح عليه السلام ومجادلته قومه، وفي هذا السياق نفى نوح عليه السلام «أربعة أمور:
أولها: أنه ليس عنده خزائن، فهو في الأموال دونهم، فالله تعالى لم يبعث رسولا يعطيه خزائن الأرض، لكن يبعثه بما هو أعز وأغلى وهو إثراء الروح والنفس بمحبة الله ورجاء ثوابه وتقوى الله تعالى وخوف عقابه.
ثانيها: نفى أنه يعلم الغيب، فما جاء إلا هاديًا للحق وداعيًا إلى الله تعالى، وذلك لا يقتضي علم الغيب الذي اختص الله تعالى به نفسه، وهو في هذا مثلكم.
ثالثها: أنه لا يقول إنه ملك، وهو بشر مثلكم نشأ بينكم وعرفتم حياته، وأنه بشر كسائر البشر.
رابعها: نفى أنه يقول للمؤمنين الذين تحتقرهم أعينكم: لن يؤتيهم الله خيرًا، بل لهم الخير كل الخير، وأشار بقوله: ﴿أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ﴾ [هود: ٣١].
إلى أن الاعتبار ليس للصورة ولكن إلى نور القلوب(43).
وهنا نسب الازدراء للأعين لأحد أمرين:
الأول: إما بالنظر إلى قولهم: ﴿وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ﴾ [هود: ٢٧].
الثاني: أو الإشعار بأنهم قالوا ذلك لقصور نظرهم، ولو تدبروا في شأنهم ما فعلوا ذلك.
أي: لا أقول في شأن الذين استرذلتموهم واحتقرتموهم لفقرهم من المؤمنين: لن يؤتيهم الله خيرًا في الدنيا أو في الآخرة، فعسى الله أن يؤتيهم خيري الدارين(44)، والله أعلم.
- الدوارة.
يقصد بها: العين المضطربة كثيرة الحركة والتجول من شدة الخوف والفزع لعظيم ما دهاها.
أو هي: الهلعة التي تدور هلعًا من شدة الخوف.
واستفيد هذا الوصف من قوله تعالى في وصف المنافقين: ﴿فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ﴾ [الأحزاب: ١٩].
وهذه الآية الكريمة واردة في سياق غزوة الخندق من سورة الأحزاب؛ لتصف بعضًا من أحوال المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وبيان أن المنافقين قوم جبناء خوارون بخلاء، فإذا جاء الخوف واقترب الوقت الذي يتوقع فيه اللقاء بينكم وبين أعدائكم، رأيتهم -أيها الرسول الكريم- ينظرون إليك بجبن وهلع، تدور أعينهم في مآقيهم يمينًا وشمالًا، كحال المغشي عليه من الموت، وجيء بصيغة المضارع في ﴿يَنظُرُونَ﴾؛ ليدل على تكرر هذا النظر وتجدده.
وجملة ﴿تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ﴾: حال من ضمير ﴿يَنظُرُونَ﴾ لتصوير هيئة نظرهم نظر الخائف المذعور الذي يحدق بعينيه إلى جهات يحذر أن تأتيه المصائب من إحداها.
والدور والدوران: تحرك جسم حركة دائرية -كحركة الرحى- منتقل من موضع إلى موضع، فينتهي إلى حيث ابتدأ، يقال: دار الشيء يدور دورًا ودورانًا وأدار الشيء: جعل حركاته تتواتر بعضها إثر بعض(45).
ومشتقات هذا الفعل تدور حول هذا المعنى، فالدار اسم للمكان المحدود المحيط بسكانه بحيث يكون حولهم، ومنه سميت الدارة لكل أرض تحيط بها جبال، وقالوا: دارت الرحى حول قطبها. وسموا الصنم: دوارا -بضم الدال وفتحها-؛ لأنه يدور به زائروه كالطواف، وسموا ما يحيط بالقمر والشمس دائرة، وسميت مصيبة الحرب دائرة؛ لأنهم تخيلوها محيطة بالذي نزلت به لا يجد منها مفرًا.
وعليه فمعنى ﴿تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ﴾: أنها تضطرب في أجفانها كحركة الجسم الدائري من سرعة تنقلها محملقة إلى الجهات المحيطة، وشبه نظرهم بنظر الذي يغشى عليه بسبب النزع عند الموت فإن عينيه تضطربان، ويصير حاله في أقصى دركات الوهن والخوف والفزع.
وفي الآية الكريمة حذف تقديره: تدور أعينهم دورانا كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت، فحذف المصدر وهو (دورانا) وما أضيفت الكاف إليه وهو (دوران) وما أضيف (دوران) إليه وهو (عين) وأقيم (الذي) مقام (عين)، وإنما وجب هذا التقدير؛ ليستقيم معنى الكلام(46)، والله أعلم.
ويقارب هذه الآية في المعنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُۙ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ﴾ [محمد: ٢٠].
وهي الأخرى تصف المنافقين بهذه الحالة من الهلع والخوف والذعر الذي ينتابهم حين يطالبون بالقتال أو الاشتراك فيه مع المؤمنين، إلا أن الآية السابقة دلت على هذا الوصف مع الحركة والاضطراب، وهذه دلت عليه مع السكون وثبات الحدقة وعدم التحريك، وفي ذلك يقول ابن عاشور:
«ووجه الشبه: ثبات الحدقة وعدم التحريك، أي: ينظرون إليك نظر المتحير بحيث يتجه إلى صوب واحد، ولا يشتغل بالمرئيات؛ لأنه شاغل عن النظر»(47).
فسبحان من هذا كلامه، ومنطقه وبيانه.
- المطموسة.
هي: العين التي لا يكون بين جفنيها شق، حتى تصير كأنها ممسوحة.
والطمس: إزالة الأثر بالمحو كلية، كما تطمس الريح الأثر، يقال: أعمى طميس ومطموس: إذا كان لا يتبين له جفن، ولا يرى شفر عينه(48).
وهذا الوصف ورد في موضعين، هما قوله تعالى: ﴿وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ﴾ [يس: 66].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيۡفِهِۦ فَطَمَسۡنَآ أَعۡيُنَهُمۡ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٧﴾ [القمر: 37].
والآية الأولى: واردة في سياق ذم الكفار وتوبيخهم على تركهم سلوك طريق الحق مع وضوحه، فبين الله تعالى لهم هنا بعض مظاهر قدرته عليهم.
والمعنى: لو نشاء لأعميناهم فعدلوا عن الهدى، فلو أرادوا أن يمشوا مستبقين الطريق المألوف لم يستطيعوا، فكيف بغيره؟ ومن أين يبصرون لو فعلنا بهم ذلك؟!
والثانية: واردة في سياق قصة لوط عليه السلام مع قومه، حيث تعرض الآية مشهدًا من مشاهدها، حيث راودوه عن ضيفه من الملائكة الكرام، ونهاهم لوط عليه السلام عن ذلك، وحذرهم عقاب الله، إلا أنهم لم يرعووا، فطمس الله أعينهم فلم يروا الأضياف، وخرجوا من بينهم سالمين.
ويلاحظ على الآيتين الكريمتين هنا أمران:
الأول: أن الطمس لم يقع في الآية الأولى، بل هو وارد على سبيل التهديد والوعيد، ويدل عليه وقوع فعل المشيئة في أسلوب الشرط، ولعل هذا من فرط رحمة الله تعالى بعباده، إذ لم يعاجلهم بالعقوبة، حتى لو كانوا كفارًا، بينما وقع الطمس في قصة لوط عليه السلام، حيث ضربهم جبريل عليه السلام على أعينهم فأعماهم، وورد الفعل ماضيًا ﴿فَطَمَسۡنَآ﴾؛ ليؤكد ذلك.
الثاني: الدلالة على تمكن الطمس وقوته عند وقوعه، وذلك للتعبير بحرف الاستعلاء (على) في الموطن الأول، مع أن الطمس يتعدى بنفسه (49)، كما جاءنا في الموطن الثاني. والله أعلم.
- الخائنة.
يقصد بها: العين التي تنظر خلسة إلى ما لا يحل لها.
أو المراد: العين التي يومئ صاحبها بخلاف ما يظهر من غدر أو قتل أو ضرب أو خيانة ونحوها فإذا كان ظهور تلك الخيانة من قبل عينه كانت عينه من خائنة الأعين(50).
وهذا الوصف وردت الإشارة إليه في آية واحدة هي قوله تعالى: ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
علق سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما على الآية السابقة فقال: الرجل يكون في القوم فتمر بهم المرأة فيريهم أنه يغض بصره عنها، فإن رأى منهم غفلة نظر إليها، فإن خاف أن يفطنوا به غض بصره، وقد اطلع الله من قلبه أنه ود أنه نظر إلى عورتها(51).
وذكر ابن حجر عن بعض أهل العلم: أن معنى ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ﴾: أن الله يعلم النظرة المسترقة إلى ما لا يحل، وأما خائنة الأعين التي ذكرت في الخصائص النبوية(52).
فهي الإشارة بالعين إلى أمر مباح لكن على خلاف ما يظهر منه بالقول.
قلت(53): وكذا السكوت المشعر بالتقرير فإنه يقوم مقام القول(54).
ولما كانت هذه الخيانة من قبل العين أضيفت إليها، وكان يحرم عليه صلى الله عليه وسلم خائنة الأعين في غير الحرب، ومكايدة العدو وهي أن يشير إلى مباح من غير أن يظهره من ضرب، أو قتل أو نحوه - كما مر - مما يحل أن ينطق به، ولا يحرم ذلك على الأمة إلا في محظور (55).
وفي ضوء ذلك نعلم أن هذا الوصف للعين ذمه القرآن الكريم، وذم متصفيه مما يؤكد أهمية ابتعاد المسلم عنه، وبخاصة إذا كان في أمر محظور نهى الشرع عنه، ولم يكن في مكيدة أو حرب، والله أعلم.
3. أعين لا توصف بمدح ولا ذم.
مر بنا حديث القرآن عن العين المحمودة أولًا، ثم المذمومة ثانيًا، وها نحن أولاء في هذا الموضع نقف على صفات العين الخارجة عن المدح والذم، وهي مرتبة حسب ترتيبها المصحفي كما يلي:
- المسحورة.
هي: العين التي وقع عليها تأثير السحر، فيخيل إليها أنها ترى أشياء غير حقيقية أو واقعية.
أو هي: العين الواقعة تحت التأثير النفسي للسحر، فلا ترى الأشياء على حقيقتها.
وهذا الوصف للعين ورد في موضع واحد من كتاب الله تعالى، وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلۡقُواْۖ فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَآءُو بِسِحۡرٍ عَظِيمٖ﴾ [الأعراف: ١١٦].
ويلاحظ على الآية الكريمة أمران:
أولهما: أن الله تعالى نسب السحر إلى الأعين، ولم ينسبه إلى الناس أنفسهم؛ للدلالة على أنهم سحروا أعين الناس وعقولهم، أى: خيلوا إلى الأبصار -بما فعلوا من التمويه والتخييل- أن صنيعهم له حقيقة في الخارج مع أنه لم يكن إلا مجرد صنعة وخيال، فتأثيرهم في الرؤية لا في تغيير الحقيقة، ولذا لم يقل سبحانه سحروا الناس(56).
ثانيهما: أن لفظ (الأعين) الوارد على أحد أوزان جمع القلة (أفعل)، مراد به الكثرة لا القلة؛ لأن الناس في هذا اليوم جمعهم فرعون من كل حدب وصوب لرؤية هذا الحدث الجلل، تصديقًا لقوله تعالى: ﴿قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ يَوۡمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحٗى﴾ [طه: 59].
وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلۡ أَنتُم مُّجۡتَمِعُونَ ٣٩ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ﴾ [الشعراء: 39: 40].
ونحو ذلك من الآيات المفيدة كثرة الناس في هذا المشهد المهيب، أو أن جمع القلة على بابه والمقصود به طائفة مخصوصة من الناس، وهم قوم فرعون ومن جمعهم لمثل هذا الأمر، والله أعلم.
- المبيضة.
هي: العين التي غلب البياض على حدقتها من شدة الحزن، المستلزم لكثرة البكاء فتذهب الرؤية عنها (57).
واخترت هذه التسمية بدلًا من (البيضاء)؛ لأن كلمة (البيضاء) توحي بأن هذا الوصف ذاتي للموصوف، وليس الأمر كذلك، بل جاءها البياض، وغلب على العين بعد ذلك لسبب من الأسباب كالحزن وكثرة البكاء ونحوهما، وهذا الوصف وارد في موطن واحد في قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ﴾ [يوسف: ٨٤].
والآية مسوقة -كما هو معلوم- ضمن قصة يوسف عليه السلام؛ لبيان عظم حزن أبيه يعقوب عليه السلام عليه، وللمفسرين في ابيضاض العين قولان:
أولهما: أنه ذهب بصره كلية.
ثانيهما: أنه ضعف بصره؛ لبياض حصل فيه من كثرة بكائه(58).
وذهب بعضهم: إلى أن الآية من قبيل المجاز، وعليه فقوله: ﴿وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ﴾ كناية عن غلبة البكاء(59)، وليس ثمة ذهاب للبصر أو بعضه.
وأرجح القول الأول، حيث إن ظاهر القرآن يؤيده في قوله تعالى: ﴿ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا﴾ [يوسف: ٩٣] إلى أن قال تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ﴾ [يوسف: ٩٦].
فقوله: ﴿يَأۡتِ بَصِيرٗا﴾ و ﴿فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ﴾ يقتضيان سبق العمى، الذي أفضى إليه شدة الحزن وكثرة البكاء، والله أعلم.
ثالثًا: العيون الممنون بها على بعض الأقوام السابقين.
مَنَّ الله تعالى على بعض الأقوام السابقين -كما منَّ علينا أيضًا- ببعض عيون الأرض؛ لإصلاح معايشهم ومنافعهم، ومن هؤلاء الأقوام:
1. قوم هود عليه السلام.
قوم هود عليه السلام كانوا يسكنون الأحقاف، وهي جبال رملية قرب حضرموت من ناحية اليمن، وقد جاؤوا بعد قوم نوح عليه السلام، وكانوا ممن زاغت قلوبهم بعد فترة من الطوفان الذي طهر وجه الأرض من العصاة.
وقد وردت هذه القصة في (الأعراف) وفي (هود) مفصلة، كما وردت في سورة (المؤمنون) بدون ذكر اسم هود أو عاد، وهي تعرض هنا في (الشعراء) مختصرة بين طرفيها: طرف دعوة هود لقومه، وطرف العاقبة التي انتهى إليها المكذبون منهم، وقبل هلاكهم ذكرهم نبيهم عليه السلام بعظيم نعم الله تعالى عليهم، والتي منها عيون الماء، ولولاها -بعد الله تعالى- ما كانت لهم حياة ولا وجود ألبتة، لكنهم لم يستجيبوا ولم يؤمنوا فحاق بهم سوء العذاب، وهذا ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٣١ وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعۡلَمُونَ ١٣٢ أَمَدَّكُم بِأَنۡعَٰمٖ وَبَنِينَ ١٣٣ وَجَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ١٣٤ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾ [الشعراء: 131-135].
هذا ويلاحظ على الآيات الكريمة أمور كما يلي:
أولها: أن سيدنا هودًا عليه السلام استعمل مع قومه في دعوته (أسلوب التفصيل بعد الإجمال) في قوله تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعۡلَمُونَ ١٣٢ أَمَدَّكُم بِأَنۡعَٰمٖ وَبَنِينَ﴾ [الشعراء: 132-133].
وهذا بلا شك أوقع في النفس، وأبلغ في الموعظة والنصح، ولعل دعاة اليوم يستفيدون من مثل هذه المناهج الدعوية للقرآن الكريم.
ثانيها: ابتدأ هود عليه السلام في تعداد النعم بذكر الأنعام؛ لأنها أجل نعمة على أهل ذلك البلد، فمنها أقواتهم ولباسهم وعليها أسفارهم، وكانوا أهل حل وترحال، وعطف عليها البنين؛ لأنهم نعمة عظيمة، وبها أنسهم وعونهم على أسباب الحياة وبقاء ذكرهم بعدهم، وكثرة سوادهم وعددهم(60).
ثالثها: ثم ذكر عليه السلام (الجنات والعيون) بعد ذلك؛ لأن بها رفاهية حالهم، واتساع رزقهم، وعيش أنعامهم (61).
رابعها: ورود النعم المذكورة بصيغة الجمع يدل على تعددها وتنوعها، فهي ليست واحدة، بل أنعام وبنون وجنات وعيون، وهذا الجمع باعتبار التعدد والتنوع، أو باعتبار انفراد كل واحد من القوم بمجموع هذه النعم، وهذا فيه مزيد إكرام وإنعام لهم، ومع ذلك كله لم يتعظوا ولم ينتفعوا فنزل بهم ما أوعدوا به، والله أعلم.
2. قوم صالح عليه السلام.
كما ذكر سيدنا هود عليه السلام قومه بنعم الله تعالى عليهم، ذكر سيدنا صالح عليه السلام قومه كذلك، ومما ذكرهم به هذه الجنات والعيون التى أغدقها الله عليهم، والزروع والنخيل المترتبة على هذه العيون، فالعيون ههنا لم توصف بمدح أو ذم، لكنها واردة في مقام الامتنان والتذكير بنعم الله تعالى، ولننظر إلى سيدنا صالح عليه السلام هنا وهو يذكر قومه بقوله: ﴿أَتُتۡرَكُونَ فِي مَا هَٰهُنَآ ءَامِنِينَ ١٤٦ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ١٤٧ وَزُرُوعٖ وَنَخۡلٖ طَلۡعُهَا هَضِيمٞ ١٤٨ وَتَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا فَٰرِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦-١٤٩].
وقوله: ﴿أَتُتۡرَكُونَ فِي مَا هَٰهُنَآ ءَامِنِينَ ١٤٦ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ﴾ أي: في هذا الخير والسعة آمنين من الموت في البساتين والأنهار، ويقال: العيون هاهنا الآثار؛ لأن قوم صالح لم يكن لهم أنهار جارية (62).
هذا ويلاحظ على الآيات الكريمة هنا أمران:
الأول: أن العيون جاءت مجموعة أيضًا فهذا لتعددها أو تنوعها، وفي كلٍ مزيد إنعام وإكرام.
الثاني: ظاهر هذه الآيات يدل على أن الغالب على قوم هود هو اللذات المعنوية، وهي طلب الاستعلاء والبقاء والتفرد والتجبر، والغالب على قوم صالح هو اللذات الحسية، وهي طلب المأكول والمشروب والمساكن الطيبة الحصينة(63).
3. بنو إسرائيل.
امتن الله تعالى على بني إسرائيل بمنن عظيمة، وأنعم عليهم بنعم كثيرة متنوعة، ومن ذلك هذه العيون التي رزقهم الله تعالى إياها، والمشار إليها في موضعين من كتابه هما قوله تعالى: ﴿فَأَخۡرَجۡنَٰهُم مِّن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٥٧ وَكُنُوزٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٥٨ كَذَٰلِكَ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧-٥٩].
وقوله تعالى: ﴿كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٢٥ وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٢٦ وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ ٢٧ كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥-٢٨].
وفي تفسير العيون قولان:
أحدهما: عيون الماء، وهو قول الجمهور.
والثاني: عيون الذهب، قاله ابن جبير(64).
والظاهر ما رجحه الجمهور؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَكُنُوزٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ﴾ بعد قوله: ﴿جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ﴾، مما يدل على أن العيون للماء وليست للذهب، فالعيون شيء، والكنوز شيء آخر، فضلًا عن أن الذهب أول ما يكتنز من المعادن، فلفظ الكنوز يدل عليه ويشمله، ولا ثمة داع أن يشار إليه ثانية، فلغة القرآن منزهة عن العبث، والتكرار غير المفيد، والله أعلم.
والموضعان يتحدثان عن إرث بني إسرائيل للجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم، التي كانت لقوم فرعون بعد هلاكهم «والمعنى: أخرجناهم من بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة، والمواضع التي كانوا يتنعمون فيها؛ لنسلمها إلى بني إسرائيل، وسمى الله الكنوز بهذا الاسم؛ لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى، والمقام الكريم هو المنازل الحسنة والمجالس البهية»(65).
وهذا يقتضي رجوع بني إسرائيل إلى مصر؛ لأن هذه الجنات والعيون والكنوز كانت لفرعون وقومه بمصر، ثم آلت لبني إسرائيل بعد غرق فرعون، فتمتعوا بها فترة معينة، ثم خرجوا إلى الأرض المقدسة التي دعاهم موسى عليه السلام لدخولها كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١].
ويلاحظ على هذه الآيات الكريمة أمران:
الأول: أن آيات سورة الشعراء بمثابة التفسير لآيات سورة الدخان، حيث فسرت القوم الآخرين بأنهم بنو إسرائيل، وهذا يعد من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، وهو مقدم على كل تفسير.
الثاني: أن العبد بحسن طاعته وإقباله على ربه، يمنحه النعم الكثيرة والهبات الجزيلة، فبنو إسرائيل بإيمانهم أورثهم الله تعالى ما كان لفرعون، ولما طغى فرعون وتأله أهلكه، وأراح منه البلاد والعباد، والله أعلم.
رابعًا: عيون الجنة وحورها:
الناظر في كتاب الله تعالى يجد عددًا غير قليل من الآيات الكريمة، ورد فيه أوصاف لعيون الجنة وحورها مما يثير الاهتمام بها، ويؤهلها لدراسة مستقلة، لذا كانت هذه المسألة، وستكون الأوصاف مرتبة تبعًا لورودها بالمصحف في مسألتين:
1. عيون الجنة.
- الجارية.
هي: العين التي يجري فيها ومنها الماء جريانًا سريعًا كثيرًا، غير بطيء ولا قليل.
والجري: المر السريع، وأصله كمر الماء، يقال: جرى الماء يجري جريًا وجريانًا(66).
وقد ورد هذا الوصف للعين في القرآن في موضعين:
قال تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيۡنَانِ تَجۡرِيَانِ﴾ [الرحمن: 50].
وقال تعالى: ﴿فِيهَا عَيۡنٞ جَارِيَةٞ﴾ [الغاشية: 12].
وكلا الموضعين ورد وصفًا لعيون الجنة، وجاء الأول بلفظ التثنية موافقة للسياق، وأن من خاف ربه- على خلاف بين المفسرين في المراد - له جنتان من صفتهما أنه ﴿فِيهِمَا عَيۡنَانِ تَجۡرِيَانِ﴾ [الرحمن: 50].
وهاتان الجنتان تجريان بالزيادة والكرامة على أهل الجنة.
وقيل: تجريان بالماء الزلال، إحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل. وقيل: إحداهما من ماء، والأخرى من خمر. وقيل: تجريان في الأعالي والأسافل من جبل من مسك(67).
فإن كان الجنتان اثنتين لكل من خاف مقام ربه، فلكل جنة منهما عين، فهما عينان لكل من خاف مقام ربه، وإن كان الجنتان جنسين فالتثنية مستعملة في إرادة الجمع، أي: عيون على عدد الجنات، وكذلك إذا كان المراد من تثنية (جنتان) الكثرة كما أن تثنية (عينان) للكثرة.
وفصل بين الأفنان وبين ذكر الفاكهة بذكر العينين مع أن الفاكهة بالأفنان أنسب؛ لأنه لما جرى ذكر الأفنان، وهي من جمال منظر الجنة، أعقب بما هو من محاسن الجنات، وهو عيون الماء؛ جمعا للنظيرين، ثم أعقب ذلك بما هو من جمال المنظر، أعني: الفواكه في أفنانها وملذات أذواقها(68).
أما الإفراد في قوله: ﴿فِيهِمَا عَيۡنَانِ تَجۡرِيَانِ﴾ فلعله؛ لأن عين اسم جنس، أي: عيون، أو عين مخصوصة ذكرت تشريفًا لها(69)، وقيل: في الجنة العالية عين جارية في غير أخدود(70).
وسواء أكانت عينًا أم عينين أم عيونًا فهذا مما يدل على كرامة أهل الجنة عند المليك المقتدر تعالى، وأنه عز وجل يكرمهم بتعدد ألوان النعيم لهم، وذلك لتعدد أنواع الطاعات منهم، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعًا من أهل منه وكرمه، اللهم آمين.
- النضاخة.
العين النضاخة هي: الفوراة شديدة الفوران، كثيرة الماء مع حسنه وجماله.
وفي ذلك يقول صاحب اللسان: والنضخ شدة فور الماء في جيشانه وانفجاره من ينبوعه.
وقال أبو علي: ما كان من سفل إلى علو فهو نضخ، وعين نضاخة تجيش بالماء(71).
ولم يرد هذا الوصف للعين إلا في موضع واحد من التنزيل، وهو قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيۡنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: 66].
وعليه فـ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ بمعنى: فوارتان، وجل المفسرين على ذلك، وقال الضحاك: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ أي: ممتلئتان لا تنقطعان(72).
وسواء أكان فورانها بالماء أم المسك والعنبر أم الخير والبركة ونحو ذلك مما ذكره المفسرون(73)، فهذا مما يدل على غاية إكرام الله تعالى لهم أيضًا، مع تعدده وتنوعه، ولا حرج على فضل الله تعالى.
والملحوظ هنا أن الله تعالى وصف العين بالنضخ وهو أدون، وفي الآيات السابقة بالجري، وهو أعظم؛ لأن الجري أقوى من النضخ، والجنات الموصوفة بالنضخ أدون وأقل درجة من السابقة؛ لأنه تعالى قال في هذين دون الأوليين: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢].
وفي ذلك يقول صاحب (باهر البرهان): «﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ أي: فوارتان، والنضخ دون الجري، فلذلك كانتا دون الأوليين»(74). والله أعلم.
- الكافور.
الكافور: شجر من الفصيلة الغارية يتخذ منه مادة شفافة بلورية الشكل، يميل لونها إلى البياض، رائحتها عطرية وطعمها مر، وهو الذي يجعل في الطيب، وأصنافه كثيرة(75).
وقيل: هو زيت يستخرج من شجرة تنبت في بلاد الصين، يغلى حطبها ويستخرج منه زيت يسمى الكافور، وهو ثخن قد يتصلب فيصير كالزبد، وإذا وقع حطب شجرة الكافور في الماء صار نبيذًا يتخمر فيصير مسكرًا، ولونه أبيض ذكي الرائحة منعش(76).
وهذا الوصف ورد في موضع واحد أيضًا هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥ عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا﴾ [الإنسان: ٥-٦].
والكافور في الآية قيل: هو اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده.
وعن قتادة: تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك، وقيل: تخلق فيها رائحة الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت بالكافور(77).
وقوله: ﴿مِزَاجُهَا﴾ أي: يمازجه ماء هذه العين التي تسمى كافورًا، وقال عكرمة: مزاجها طعمها.
وقيل: إنما الكافور في ريحها لا في طعمها، وقيل: أراد كالكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده؛ لأن الكافور لا يشرب(78)، وعليه فشراب أهل الجنة هنا من عين ماؤها كالكافور بياضًا ورائحة وبرودة وفضلًا.
والملوحظ هنا أن الله تعالى عبر بقوله: ﴿يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ ولم يقل: (يشرب منها) -مع أنه المتبادر من الكلام- لأمرين:
الأول: أن الفعل (يشرب) عدي بالباء؛ لتضمينه معنى التلذذ أو الارتواء، والمعنى: يتلذذ بها أو يروى بها عباد الله؛ لأن الشرب قد يكون أقل من الارتواء، يؤتى الشخص بإناء يشرب منه، فيشرب، لكن ليس إلى درجة الارتواء، فقد يرتوي وقد لايرتوي، وإذا أتي بشيء يشرب به فلابد أن يرتوي، وعليه (فشرب به) بمعنى ارتوى لغة(79).
الثاني: أن (شرب به) يفيد معنى الوجود في المكان نفسه، يقال: شربت بالعين، وسكنت بالبلد أي: أقمت فيها؛ لأن الباء قد تكون للظرفية، إذن: شرب بالعين معناها: أنه كان قطعًا موجودًا ومقيمًا فيها أو حولها وشرب، أما شرب من العين ليس بالضرورة أن يكون في العين، إذن اللذة تكون بشيئين: بالمنظر وبالارتواء.
وفي ذلك يقول الراغب رادًا على من ذهب إلى زيادة الباء أو بعضيتها في الآية: «وقال بعضهم: الباء بمعنى (من) في قوله: ﴿عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: 28].
وقوله: ﴿عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦].
والوجه ألا يصرف ذلك عما عليه، وأن العين هاهنا إشارة إلى المكان الذي ينبع منه الماء لا إلى الماء بعينه، نحو: نزلت بعين، فصار كقولك: مكانًا يشرب به»(80).
وعلى هذا فقوله: ﴿يَشۡرَبُ بِهَا﴾ يدل لغة على الارتواء والوجود في المكان حين الشرب، فتجتمع لهم لذة الشرب مع الارتواء، ولذة المقام والوجود وعدم المفارقة، فلاهم يفارقون هذا النعيم وهذه العيون، ولا هي تفارقهم إلى غيرهم، وهذا أبعد للتنغيص والتكدير، ثم ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا﴾ أي: يتصرفون فيها حيث شاؤوا وأين شاؤوا، من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم، نسأل الله تعالى أن نكون منهم أجمعين.
- السلسبيل.
الماء السلسبيل: هو الماء السهل اللذيذ، سلس الجري (81) والمساغ.
وقيل: هو عين في الجنة يوجد منها طعم الزنجبيل، لا يشبه زنجبيل الدنيا، يشربها المقربون صرفًا، ويمزج لسائر أهل الجنة(82).
وورد هذا الوصف أيضًا في موضع واحد من التنزيل، وهو قوله تعالى: ﴿وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا كَأۡسٗا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ١٧ عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا﴾ [الإنسان: ١٧-١٨].
والسلسبيل صفة لعين ماء في الجنة -على الراجح- ووصفت بذلك؛ لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها، يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل، وهو ما كان من الشراب غاية في السلاسة، وجاءت الباء مبالغة في هذا المعنى، والمراد: أنها في طعم الزنجبيل، وليس فيها لذعة بل هي على نقيض اللذع وهو السلاسة(83).
والزنجبيل: مما كانت العرب تستطيبه جدًا، فوعدهم الله تعالى أنهم يسقون في الجنة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنة(84).
وقال قتادة: سميت بذلك؛ لأنها سلسة منقاد ماؤها حيث شاؤوا(85).
وحكى ابن جرير عن بعضهم أنها سميت بذلك؛ لسلاستها في الحلق، ورجح الطبري أنها تعم ذلك كله، والأمر كما قال(86)، والله أعلم.
وفي ترجيح كون ﴿سَلۡسَبِيلٗا﴾ صفة للعين لا اسمًا لها يقول الطبري، بعد ذكره الأقوال الأخرى: «الصواب من القول في ذلك عندي أن قوله: ﴿تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا﴾ صفة للعين، وصفت بالسلاسة في الحلق وإنما قلت ذلك أولى بالصواب لإجماع أهل التأويل على أن قوله: ﴿سَلۡسَبِيلٗا﴾ صفة لا اسم»(87).
والله عز وجل جمع لأهل الجنة ألوانًا من النعيم والعيون، فجعل شرابهم جامعًا بين برد الكافور وطعم الزنجبيل من غير لذع وريح المسك، وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة ومن ذاك تارة، أما المقربون فإنهم يشربون من كلٍ صرفًا، كما قاله قتادة وغير واحد(88)، والله اعلم.
- التسنيم.
عين (التسنيم): هي عين يمزج بها الرحيق لأصحاب اليمين في الجنة، وأما المقربون فيشربونها صرفًا، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ ٢٥ خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسۡنِيمٍ ٢٧ عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٥-٢٨].
وجل المفسرين على هذا القول.
واللفظ مأخوذ من (سنم) أي: ارتفع، ومنه سنام البعير(89).
والتسنيم: تفعيل من قول القائل: سنمتهم العين تسنيمًا، إذا أجريتها عليهم من فوقهم، فكان معناه في هذا الموضع: ومزاجه من ماء ينزل عليهم من فوقهم فينحدر عليهم(90).
وسميت بذلك؛ لأنها عين في الجنة رفيعة القدر، أو أنها تجري فوق الغرف والقصور، أو لأنها أرفع شراب في الجنة أو أنها تجري في الهواء مسنمة فتنصب في أوانيهم، أو لأن ماءها عند الجري يرى فيه ارتفاع وانخفاض، فهو التسنيم أيضًا، وذلك لأن أصل هذه الكلمة للعلو والارتفاع(91).
ولا مانع من الجمع بين هذه الأسباب كلها، ولا حرج على فضل الله تعالى أن تجتمع هذه الصفات لعين التسنيم، وبخاصة أن الجنة فضلت بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
والناظر في سياقات الآيات الواردة في عيون الجنة يلحظ أمرين:
الأول: أن بعض هذه العيون ورد في وصفها قوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُۥ﴾ وقوله: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾ والبعض الآخر ليس كذلك، ومن خلال استقراء كتب التفسير وجدت أن العلة في ذلك المغايرة بين جزاء الأبرار والمقربين، وتفاوت درجة كل منهم، فإذا كان الحديث عن الأبرار جاءت الآيات بالشراب الممزوج بغيره لنزول رتبتهم عن رتبة المقربين، وإذا كان الحديث عن المقربين كان شرابهم خالصًا صرفًا لعلو مكانتهم.
الثاني: ورد في التعبير عن بعضها قوله: ﴿يَشۡرَبُ بِهَا﴾ وذلك حين يكون الحديث عن المقربين؛ للدلالة علي شربهم حتى الري، مع الاستقرار والإقامة في المكان، علي ما سبقت الإشارة إليه، والله أعلم.
2. الحور العين.
من مشتقات مادة (عين) مجيئها في القرآن الكريم بكسر العين (عين) وصفًا للحور العين، والعين في الأصل جمع (عيناء) وهي المرأة واسعة العين، وهو وصف كذلك للبقر الوحشي.
وورد هذا الوصف في القرآن للحور العين في أربع آيات هي:
قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ عِينٞ﴾ [الصافات: ٤٨].
وقوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ﴾ [الدخان: ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ﴾ [الطور: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٞ ٢٢ كَأَمۡثَٰلِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٢-٢٣].
والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يلحظ أمورًا:
الأول: أن الله تعالى وصف الحور فيها بأنهن (عين) وهذا الوصف فسره العلماء بتفسيرين:
- اتساع العين وكبرها مع حسنها وجمالها، ومن ذلك قولهم: امرأة عيناء، وهي الواسعة العين ويقال ذلك لبقر الوحش، ومنه أيضًا: رجل أعين، إذا كان ضخم العين واسعها(92).
- شدة سواد الحدقة، مع شدة بياض ما حولها، وهذا يضفي علي العين حسنًا وبهاءً، ومنه قولهم: شاة عيناء، إذا اسود عينتها، وابيض سائرها(93)، ولا مانع أن يجمع الله تعالى للحور العين هذين الوصفين وأكثر، بل وأعظم من ذلك؛ إكرامًا لأهل النعيم، فاللهم اجعلنا منهم أجمعين.
الثاني: أنه تعالى وصفهن في بعض الآيات بأنهن ﴿قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ﴾ ثم وصفهن ثانية بأنهن ﴿عِينٞ﴾ وكأن الوصف الأخير وارد هنا على سبيل (الاحتراس)(94)، حيث إنه سبحانه لما وصفهن بأنهن قاصرات الطرف؛ لشدة عفتهن وحيائهن -لا من ضعف في العيون أو لعيب فيها- فلما وصفهن بالوصف الأول احترس بالوصف الثاني، حتي لا يظن بهن أي نوع من أنواع العيب يسبب لهن قصر النظر(95)، مع تشبيهن في بقية الآيات بالبيض أو اللؤلؤ المكنون، وهذا فيه من كمال الجمال ما فيه.
الثالث: الاقتصار في وصف الحور على هذه الصفة ﴿عِينٞ﴾ في الآيات المذكورة مما يدل على أنها أصل لما سواها وغنية عنه، وليس سواها كذلك، حتى صارت هذه الصفة بمثابة العلم عليهن، فإذا ذكرت (العين) انصرف الذهن إليهن مباشرة.
وهذا غيض من فيض، وقليل من كثير، مما لم تره عين، أو تسمع به أذن، أو يخطر علي قلب بشر، فاللهم اجعلنا أجمعين من أهل فضلك ورضوانك في الدنيا والآخرة اللهم آمين اللهم آمين.
| موضوعات ذات صلة: |
| الآيات الكونية، البصر، التفكر، الرؤية |
الحواشي
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/199 . ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/199، تاج العروس، الزبيدي 35/440 . ↩
- انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 3/130، لسان العرب، ابن منظور 13/303. ↩
- انظر: العين، الفراهيدي 2/254 . ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 13/306. ↩
- انظر: العين، الفراهيدي 2/255، تهذيب اللغة، الأزهري 3/132. ↩
- انظر: العين، الفراهيدي 2/255، تهذيب اللغة، الأزهري 3/133، مقاييس اللغة، ابن فارس 4/203. ↩
- انظر: العين، الفراهيدي 2/254. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 13/301. ↩
- انظر: أمراض العين وعلاجاتها، ابن سينا ص26، أسرار العيون، محمود مصطفى ص7، العين عناية ووقاية، خالد طبارة ص13. ↩
- انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص 495-496، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب العين ص844-845. ↩
- انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص344-345، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص443-444. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 9/213. ↩
- انظر: معاني القرآن، الفراء 2/294، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 3/501. ↩
- انظر: الحواس في القرآن الكريم، بليل عبد الكريم، مقال منشور على موقع شبكة الألوكة الإسلامية. ↩
- التعريفات، الجرجاني ص46. ↩
- الفروق اللغوية، العسكري ص381. ↩
- لسان العرب، ابن منظور 6/4466. ↩
- المفردات الراغب الأصفهاني 2/438. ↩
- التعريفات، الجرجاني ص109. ↩
- انظر: التفسير البياني للقرآن الكريم، بنت الشاطئ 1/181. ↩
- المفردات، الراغب الأصفهاني ص648. ↩
- روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم.
انظر: جامع البيان، الطبري 10/507، البسيط، الواحدي 7/493. ↩ - انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 5/2328، التفسير الوسيط، طنطاوي 4/256. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري 1/669. ↩
- روح المعاني، الألوسي 4/5. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري 2/301. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/7، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 6/122، القاموس المحيط، الفيروزآبادي 1/460. ↩
- انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 8/225. ↩
- انظر: نظم الدرر، البقاعي 5/470. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 16/219. ↩
- تفسير ابن أبي حاتم الرازي 7/2273. ↩
- انظر: تفسير السمرقندي 2/262. ↩
- انظر: الوسيط الواحدي 3/145. ↩
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 3/347. ↩
- انظر: نظم الدرر، البقاعي 11/86. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 15/305. ↩
- انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 4/83. ↩
- غرائب التفسير وعجائب التأويل، الكرماني 2/1067. ↩
- انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 5/96. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/359. ↩
- انظر: العين، الفراهيدي 7/381، المفردات، الراغب الأصفهاني ص 379. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 7 /3702. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 4/203. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 21/297. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 21/218، التفسير الوسيط، طنطاوي 11/189، التفسير المنير، وهبة الزحيلي 21/257. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 26/91. ↩
- انظر: مجاز القرآن، أبو عبيدة معمر بن المثنى 2/165، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 4/293، المفردات، الراغب الأصفهاني ص 524. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 23/51. ↩
- انظر: عون المعبود، العظيم آبادي 7/249. ↩
- أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، 4/327. ↩
- يشار بذلك إلى الحديث الصحيح الذي أخرجه مصعب بن سعد، عن سعد قال: لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان رضي الله عنه، فجاء به حتى أوقفه على النبي، فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، ثم أقبل على أصحابه، فقال: (أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟) فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ فقال: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين).
أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام، رقم 2683، 3 /59، والنسائي في الكبرى، كتاب المحاربة، باب الحكم في المرتد، رقم 3516، 3/443.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، 4/300. ↩ - الكلام للإمام ابن حجر رحمه الله تعالى وجميع علمائنا المسلمين. ↩
- فتح الباري 11/9. ↩
- انظر: شرح السنة، البغوي 11/43. ↩
- انظر: تفسير السمعاني 2/204، زهرة التفاسير، أبو زهرة 1/339، التفسير الوسيط، طنطاوي5/349. ↩
- انظر: تفسير السمعاني 3/58. ↩
- النكتب والعيون، الماوردي 3/69. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 18/498. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 19/170. ↩
- انظر: المصدر السابق 19/170. ↩
- انظر: تفسير السمرقندي 2/563. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 24/525. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 5/251. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 24/506. ↩
- انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 194. ↩
- انظر: معالم التنزيل، البغوي 4/340، زاد المسير، ابن الجوزي 4/213، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 17/178. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 27/266. ↩
- انظر: البحر المحيط، أبو حيان10/463. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 24/387. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 3/61، تاج العروس، الزبيدي 7/357. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/507 ↩
- انظر: الكشف والبيان، الثعلبى 9/193. ↩
- انظر: باهر البرهان في معانى مشكلات القرآن، أبو القاسم النيسابورى. ↩
- انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/792. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 29/353. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 6/420. ↩
- انظر: الكشف والبيان، الثعلبي 10/95، معالم التنزيل، البغوي 8/293. ↩
- انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي ابن أبي طالب 12/7912. ↩
- انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 161، لمسات بيانية، فاضل السامرائي ص100. ↩
- انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 418. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 24/300، معالم التنزيل، البغوي 8/296. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 6/423، السراج المنير، الشربيني 4/456. ↩
- معالم التنزيل، البغوي 8/296. ↩
- أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/338، والطبري في تفسيره 29/218. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 24/109- 110، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/292. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 24/109- 110. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/292. ↩
- انظر: مختار الصحاح، الرازي ص326. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري24 /300. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري24 /300، المفردات، الراغب الأصفهاني ص 429. ↩
- انظر: العين، الفراهيدي 2/255، تهذيب اللغة، الأزهري 3/131، لسان العرب، ابن منظور 13/302 . ↩
- انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 3/131، المفردات، الراغب الأصفهاني ص 599. ↩
- الاحتراس هو: أن يؤتي في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفع ذلك الوهم، وسمى بذلك لأن فيه التوقي والاحتراز عن توهم خلاف المقصود، ويسمى بـ «التكميل» أيضًا.
انظر: الإيضاح في علوم البلاغة، القزويني 3/208، الكليات، الكفوي ص 55. ↩ - انظر: القاموس القويم، عبد الفتاح إبراهيم 2/46. ↩
