مفهوم الزينة
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: «الزاء والياء والنون: أصل صحيح يدل على حسن الشيء وتحسينه»(1)، و«الزينة بالكسر: ما يتزين به»(2)، وفي التهذيب: «اسمٌ جامع لكل شيء يتزين به»(3)، و«الزّين: خلاف الشّين، وجمعه أزيانٌ»(4).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
أما في الاصطلاح فقال ابن الجوزي: «الزّينة: ما يحصل به التحسين للشّيء حتّى تتوق النّفس إليه بالشهوة»(5).
ويقال: «الزينة: تحسين الشيء بغيره؛ من لبسة أو حلية أو هيئة»(6).
ويقول ابن عاشور: «الزينة: تحسين الذات أو المكان بما يجعل وقعه عند ناظره مسرًّا له، وفي طباع الناس الرغبة في أن تكون مناظرهم حسنة في عين ناظريهم، وذلك في طباع النساء أشد»(7).
الزينة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (زين) في القرآن الكريم (46) مرة (8).
والصيغ التي وردت، هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| الفعل الماضي | 26 | ﴿وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ﴾ [فصلت: 12] |
| الفعل المضارع | 1 | ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ [الحجر: 39] |
| اسم المصدر | 19 | ﴿ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ [الكهف: 46] |
وجاءت الزينة في القرآن على وجهين(9):
الأول: ما يتزيّن به، ويشمل الملابس والحلي وغيرها: ومنه قوله تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ﴾ [الأعراف: ٣١].
الثاني:التحسين والتجميل: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ﴾ [الملك: ٥].
الألفاظ ذات الصلة
الريش:
الريش لغة:
كسوة الطائر الواحدة ريشة واللباس الفاخر والحالة الجميلة، والجمع أرياش ورياش. الريش والرياش:ما ظهر من اللباس(10).
الريش اصطلاحًا:
قال ابن عاشور: «والريش: لباس الزينة الزائد على ما يستر العورة، وهو مستعار من ريش الطير لأنه زينته، ويقال للباس الزينة رياش»(11).
العلاقة بين الريش والزينة:
الريش جزء من الزينة التي يتزين بها، فالزينة:اسمٌ جامع لكل شيء يتزين به.
الزخرف:
الزخرف لغة:
الزينة، فكل زينة زخرف، يقال: زخرف البيت زخرفة، أي: زينه وأكمله. وكل ما زين، فقد زخرف(12).
ومنه قوله تعالى:﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ﴾ [الأنعام: 112].
قال الزجاج: «الزخرف:الزينة، والمعنى أن بعضهم يزيّن لبعضٍ الأعمال القبيحة»(13).
الزخرف اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي، الذي هو الزينة وكمال حسن الشيء(14).
العلاقة بين الزخرف والزينة:
زخرف هو حالة اكتمال الزينة وتمامها، وأما الزينة فهي أعم من ذلك.
أنواع الزينة
«من بديع حكمة الله في خلقه:أنه ألبس مطالب الحياة أثواب مطالب الشهوات، لتكون هذه الشهوات بمثابة المحرّض الذاتي على تناول حاجات الجسد، التي تمدّه بالبقاء إلى أمده المقدّر له، أو على ممارسة الغرائز التي تمد النوع بالتكاثر والبقاء، إلى الأمد المقدّر لبقاء النوع، أو لبقاء الحياة على هذه الأرض، أو على السعي لتحقيق حاجاتٍ نفسيّة ترتبط بها مصلحةٌ من المصالح الإنسانية الفردية أو الجماعية.
ولقد أبدع القرآن أيما إبداع؛ إذ اختار لفظة «الزينة» للتعبير عن الخصائص التي أودعها الله في الأشياء، ليكون فيها ملاءمةٌ وجذب للغرائز والطبائع التي فطر الله الأنفس عليها، وتلك نعمةٌ كريمة من نعم الله في الحياة، ولو أن حاجات الحياة مرتبطة بأشياء لا زينة فيها، فلا ملاءمة بينها وبين شهوات الأنفس وغرائزها وطبائعها؛ لكان السعي لاستمرار الحياة مشكلةٌ قد تستعصي على الحل!»(15).
سنحاول في النقاط الآتية التأمل في أنواع الزينة في القرآن الكريم بشيء من التفصيل بعون الله تعالى.
أولًا: زينة الكون:
إن الله سبحانه هو أحسن الخالقين، خلق هذا الكون فأبدع خلقه، وزينه وأتقن صنعه، وجعله كالبيت الواحد؛ فالسماء سقفه المحفوظ، والأرض فرشه الممهود، والجبال جدرانه الراسيات، وخلق فيه كل ما تحتاجه المخلوقات في ذلك البيت: من الماء والنبات وأنواع المشروبات والمطعومات، والأعظم من هذا والأجل: أن الله سبحانه خلق كل ذلك في أحسن صورة، وأجمل منظر، وأبدع شكل، فيه من الزخرف والزينة ما عجزت فصاحة البشر أن تفصح عنه، وبلاغتهم أن تبلغ وصفه!
قال الله سبحانه ممتنًا على عباده: ﴿إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ﴾ [الكهف: 7].
« قال الزمخشري في معنى هذه الآية الكريمة: «ما عليها » يعني ما على الأرض مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها، من زخارف الدنيا وما يستحسن منها»(16).
وقال بعض العلماء: كل ما على الأرض زينة لها من غير تخصيص، وعلى هذا القول فكل الحيات وغيرها مما يؤذي زينة للأرض؛ لأنه يدل على وجود خالقه، واتصافه بصفات الكمال والجلال، ووجود ما يحصل به هذا العلم في شيء زينة له.
فمن أنواع البيان المذكورة في القرآن الكريم: أن يذكر لفظ عام ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، كقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ٣٢﴾ [الحج: 32].
مع تصريحه بأن البدن داخلة في هذا العموم بقوله: ﴿وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ﴾ [الحج: 36]الآية.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ﴾ قد صرح في مواضع أخر ببعض الأفراد الداخلة فيه، كقوله تعالى: ﴿ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ [الكهف: 46].
وقوله: ﴿وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةٗۚ وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨﴾ [النحل: 8].
إلى غير ذلك من الآيات»(17).
وطوّف الله تعالى بنا في آيات بديعات لنتأمل زينة هذا الكون، وبديع إتقان الله له، فقال في معرض ردّه على المكذبين بنبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ﴿أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ ٦ وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ ٧ تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٨ وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ ٩ وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ ١٠ رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ ١١﴾ [ق:6-11].
إن هذه السماء صفحة من كتاب الكون تنطق بالحق الذي فارقوه، أفلم ينظروا إلى ما فيها من تشامخ وثبات واستقرار؟ وإلى ما فيها بعد ذلك من زينة وجمال وبراءة من الخلل والاضطراب! إن الثبات والكمال والجمال هي صفة السماء التي تتناسق مع السياق هنا، مع الحق وما فيه من ثبات وكمال وجمال، ومن ثم تجيء صفة البناء وصفة الزينة وصفة الخلو من الثقوب والفروج.
وعن بديع لون السماء يقول الرازي رحمه الله: «تفكّر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير؛ فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة للبصر وتقوية له، حتى أن الأطباء يأمرون من أصابه وجع العين بالنظر إلى الزرقة، فانظر كيف جعل الله تعالى أديم السماء ملونًا بهذا اللون الأزرق، لتنتفع به الأبصار الناظرة إليها، فهو تعالى جعل لونها أنفع الألوان، وهو المستنير ، وشكلها أفضل الأشكال، وهو المستدير»(18).
ثم قال الحق تعالى: ﴿وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ﴾ وكذلك الأرض صفحةٌ من كتاب الكون القائم على الحق المستقر الأساس، الجميل البهيج، فالامتداد في الأرض، والرواسي الثابتات، والبهجة في النبات؛ تمثّل كذلك صفة الاستقرار والثبات والجمال، التي وجّه النظر إليها في السماء.
وعلى مشهد السماء المبنية المتطاولة الجميلة، والأرض الممدودة الراسية البهيجة؛ يلمس قلوب أولئك المكذبين، ويوجهها إلى جانبٍ من حكمة الخلق، ومن عرض صفحات الكون: ﴿تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ﴾ تبصرة تكشف الحجب، وتنير البصيرة، وتفتح القلوب، وتصل الأرواح بهذا الكون العجيب، وما وراءه من إبداع وحكمة وترتيب.. تبصرة ينتفع بها كل عبد منيب، يرجع إلى ربه من قريب...
إن هذا الكون هو كتاب الحق المفتوح، الذي يقرأ بكل لغة، ويدرك بكل وسيلة، ويستطيع أن يطالعه الساذج ساكن الخيمة والكوخ، والمتحضر ساكن العمائر والقصور، كل يطالعه بقدر إدراكه واستعداده، فيجد فيه زادًا من الحق، حين يطالعه بشعور التطلع إلى الحق.
إن إخبار الله تعالى بمنته على خلقه بهذا الكون المزيّن البديع «يجمع الامتنان على الناس والتذكير ببديع صنع الله؛ إذ وضع هذا العالم على أتقن مثال ملائم لما تحبه النفوس من الزينة والزخرف، والامتنان بمثل هذا كثير، مثل قوله: ﴿وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ ٦﴾ [النحل: 6].
وقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ﴾ [آل عمران: 14].
ولا تكون الأشياء زينة إلا وهي مبثوثةٌ فيها الحياة التي بها نماؤها وازدهارها، وهذه الزينة مستمرة على وجه الأرض منذ رآها الإنسان، واستمرارها باستمرار أنواعها، وإن كان الزوال يعرض لأشخاصها فتخلفها أشخاصٌ أخرى من نوعها، فيتضمن هذا امتنانًا ببث الحياة في الموجودات الأرضية.
ومن لوازم هذه الزينة: أنها توقظ العقول إلى النظر في وجود منشئها، وتسبر غور النفوس في مقدار الشكر لخالقها وجاعلها لهم، فمن موفٍ بحق الشكر، ومقصّر فيه، وجاحدٍ كافرٍ بنعمة هذا المنعم؛ ناسبٍ إياها إلى غير موجدها!
ومن لوازمها أيضًا: أنها تثير الشهوات لاقتطافها وتناولها، فتستثار من ذلك مختلف الكيفيات في تناولها، وتعارض الشهوات في الاستيثار بها، مما يفضي إلى تغالب الناس بعضهم بعضًا، واعتداء بعضهم على بعض، وذلك الذي أوجد حاجتهم إلى الشرائع لتضبط لهم أحوال معاملاتهم، ولذلك علل جعل ما على الأرض زينة بقوله: ﴿لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا﴾ [الكهف: 7]»(19)، «وتحقيق معنى كونها ابتلاء: أن الله تعالى يختبر بها:
- طالبها ما يقصد منها؟
- وواجدها أيشكر المنعم عليه بها إذا استعملها، ويقف عند الحد المشروع فيها، وماذا يقصد وينوي بترك ما يتركه منها؟
- وفاقدها أيصبر على فقدها، أم يكون ساخطًا على ربه، وحاسدًا لأهلها؟»(20).
ولو أردنا استقصاء كلّ زينةٍ لله تعالى في هذا الكون لتطلب منا ذلك كتبًا مستقلة! وهي موجودة ولله الحمد لمن أراد مزيد علم في هذا الباب، لكنا اقتصرنا هنا على ما يناسب هذا البحث؛ فذكرنا أمثلة تدل على ما وراءها.
ثانيًا: زينة بني آدم:
لقد خلق الله تعالى هذا الإنسان ﴿فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ﴾ [التين: 4].
وامتن عليه سبحانه فقال: ﴿وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡ﴾ [غافر: 64].
فـ«جعلهم أحسن الحيوان كلّه وأبهاه، بدليل: أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته أنه خلق منتصبًا غير منكب، كما قال عز وجل: ﴿فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ﴾ [التين: 4].
فإن قلت: فكم من دميمٍ مشوّه الصورة!
قلت: الحسن كغيره من المعاني؛ على طبقات ومراتب، فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطًا بيّنًا وإضافتها إلى الموفى عليها؛ لا تستملح، وإلا فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة عن حدّه، ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستملحها، ولا ترى الدنيا بها، ثم ترى أملح وأعلى في مراتب الحسن منها، فينبو -ينصرف- عن الأولى طرفك، وتستثقل النظر إليها بعد افتتانك بها، وتهالكك عليها! وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما: الجمال، والبيان»(21).
«وإن شئت فتأمل عضوًا واحدًا من أعضاء الإنسان، وهو العين:
فخلق الحدقة سوداء، ثم أحاط بذلك السواد بياض العين، ثم أحاط بذلك البياض سواد الأشفار، ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان، ثم خلق فوق بياض الجفن سواد الحاجبين، ثم خلق فوق ذلك السواد بياض الجبهة، ثم خلق فوق بياض الجبهة سواد الشعر! وليكن هذا المثال الواحد أنموذجًا لك في هذا الباب»(22).
ثم كمّل الله هذا الإنسان بزينة خارجة عن ذاته، ويهمّنا هنا أن ندرس ما ذكره القرآن الكريم من تلك الزينة، وعند البحث في القرآن ، نجد أنه ذكر أنواعًا من الزينة لبني آدم، منها:
1. زينة اللباس.
قال الله تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٢٦﴾ [الأعراف: 26]، فالزينة (الإنسانية) هي زينة الستر، بينما الزينة (الحيوانية) هي زينة العري، ولكن (الآدميين) في هذا الزمان يرتدّون إلى رجعية جاهلية! تردهم إلى عالم البهيمة، فلا يتذكرون نعمة الله بحفظ إنسانيتهم وصيانتها!
قال عبد الرحمن بن أسلم: «يتقي الله فيواري عورته، فذاك لباس التقوى»(23).
فجمعت هذه الآية بين الزينتين: الحسية ﴿لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ﴾، والمعنوية: ﴿وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ﴾، فهناك تلازم بين شرع الله اللباس لستر العورات والزينة، وبين التقوى، كلاهما لباس، هذا يستر عورات القلب ويزينه، وذاك يستر عورات الجسم ويزينه...والله يذكر بني آدم بنعمته عليهم في تشريع اللباس والستر، صيانة لإنسانيتهم من أن تتدهور إلى عرف البهائم! وفي تمكينهم منه بما يسّر لهم من الوسائل: ﴿لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ﴾.
«والمراد بإنزال ما ذكر: أن الله تعالى خلق لبني آدم مادّته من القطن والصوف والوبر وريش الطير والحرير وغيرها، كما قال سبحانه: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡۙ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٨٠ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ ٨١﴾ [النحل: 80-81].
وعلّمهم بما خلق لهم من الغرائز والقوى والأعضاء وسائل صنع اللباس منها كالزراعة والغزل والنسج والخياطة، كما قال جل وعلا: ﴿وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ ٧٩ وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ ٨٠﴾ [الأنبياء: 79-80].
وإن مننه تعالى بهذه الصناعات على أهل هذا العصر أضعاف مننه على المتقدمين من شعوب بني آدم؛ فيجب أن يكون شكرهم له أعظم»(24).
ثم قال رشيد رضا: «فقد بلغ من إتقان صناعات اللباس: أن عاهل ألمانية الأخير (قيصرها) دخل مرة أحد معامل الثياب ليشاهد ما وصلت إليه من الإتقان؛ فجزّوا أمامه عند دخوله صوف بعض أكباش الغنم، ولما انتهى من التجوال في المعمل ومشاهدة أنواع العمل فيه وأراد الخروج؛ قدّموا له معطفًا ليلبسه تذكارًا لهذه الزيارة، وأخبروه أنه صنع من الصوف الذي جزوه أمامه عند دخوله! فهم قد نظفوه في الآلات المنظفة فغزلوه بآلات الغزل، فنسجوه بآلات النسج، ففصلوه فخاطوه في تلك الفترة القصيرة، فانتقل في ساعة أو ساعتين من ظهر الخروف إلى ظهر الإمبراطور»!(25).
2. زينة النساء.
ولعلهن من أعظم زينة بني آدم، فهي إن كانت أمًّا فهي زينة بحنانها وعطفها ورحمتها، وإن كانت بنتًا فهي زينة كونها نعمة يسعى لها كل والدين، وزينة بدلالها لوالديها وتحببها لهما، والتهائهما بها، وإن كانت زوجة فهي زينة بجمالها وحبها ومشاعرها وسكون الزوج إليها، قال الحق سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ...﴾ [آل عمران: 14].
قال ابن عاشور: «وتعليق التزيين بالحب جرى على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأن المزين للناس هو الشهوات، أي المشتهيات نفسها، لا حبها، فإذا زينت لهم أحبوها، فإن الحب ينشأ عن الاستحسان، وليس الحب بمزين، وهذا إيجاز يغني عن أن يقال: زينت للناس الشهوات فأحبوها...»(26).
وقال ابن عطية: «وإذا قيل: زيّن الله، فمعناه: بالإيجاد والتهيئة لانتفاع وإنشاء الجبلّة عن الميل إلى هذه الأشياء، وإذا قيل: زين الشيطان، فمعناه: بالوسوسة والخديعة، وتحسين أخذها من غير وجوهها، والآية تحتمل هذين النوعين من التزيين»(27).
«وأخّر ذكر الذهب والفضة عن النساء والبنين، لأنهما أقوى في الشهوة الجبلية من المال، فإن الطبع يحث على بذل المال فيحصل النكاح، والنساء أقعد من الأولاد في الشهوة الجبلية، والبنون أقعد من الأموال، والذهب أقعد من الفضة، والفضة أقعد من الأنعام، إذ هي وسيلة إلى تحصيل النعم، فلما صدّرت الآية بذكر الحب، وكان المحبوب مختلف المراتب، اقتضت حكمة الترتيب أن يقدّم ما هو الأهم فالأهم في رتبة المحبوبات»(28).
3. زينة البنين.
قال الله تعالى: ﴿ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ [الكهف: 46].
وأنه من زينة بني آدم قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَأُوْلَٰٓئِكَ﴾ [آل عمران: 14].
«وكل ما كان من زينة الدنيا فهو سريع الانقضاء والانقراض، وما كان كذلك فإنه يقبح بالعاقل أن يفتخر به، أو يفرح بسببه، أو يقيم له في نظره وزنًا»(29).
وقد جعلهم الله هنا زينة «اعتبارًا بأحوال الناس في تزيّنهم بهم، وسماهم فتنة في قوله: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ﴾ [الأنفال: 28] اعتبارًا بما ينال الإنسان من الاختبار بهم، وسمّاهم عدوًّا في قوله: ﴿إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ﴾ [التغابن: 14] اعتبارًا بما يتولّد منهم»(30).
فالبنون زينة يهبها الله تعالى لمن يشاء من عباده، ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ٤٩ أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ﴾ [الشورى: 49-50].
فمنهم من يرزقه الله إناثًا فقط، ومنهم من يرزقه ذكورًا فقط، ومنهم من يرزقه الزوجين؛ إناثًا وذكورًا، ومنهم من يجعله الله عقيمًا، فالبنون هبة من الله تعالى يزين بهم حياة من شاء من عباده، فواجب المسلم مع هذه المنّة والهبة الإلهية أن يحوطها بالحفظ والرعاية والتربية الحسنة، فهم رعية سيسأل عنهم يوم القيامة.
4. زينة المال.
قال الله تعالى: ﴿ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ [الكهف: 46].
«وإنما كان المال والبنون زينة الحياة الدنيا ، لأن في المال جمالًا ونفعًا، وفي البنين قوة ودفعًا؛ فصارا زينة الحياة الدنيا»(31).
وهنا تساؤل: لماذا قدّم في سورتي آل عمران والتوبة البنون على الأموال؟
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ١٤﴾ [آل عمران: 14].
وقال سبحانه: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤﴾ [التوبة: 24].
الجواب: لـمّا يذكر سبحانه الحبّ الفطري يؤخّر الأموال، لأن الأموال تترك للأبناء؛ يعمل ويكد ويعلم أنه ميت ويترك الأموال للأبناء.
أما في مواطن الإلهاء قدّم الأموال على الأولاد مع أن حبّ الأولاد أكثر! لكن الالتهاء بالمال يكون أكثر، لذا قدّم الأموال على الأولاد للتحذير.
قال أبو حيان رحمه الله: «ولما كان المال في باب المدافعة والتقرب والفتنة أبلغ من الأولاد؛ قدّم في هذه الآية ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ﴾ [آل عمران: 10].
وفي قوله: ﴿وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ﴾ [سبأ: 37].
وفي قوله: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ﴾ [الأنفال: 28].
وفي قوله: ﴿وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ﴾ [الحديد: 20].
وفي قوله: ﴿يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ ٨٨﴾ [الشعراء: 88]، بخلاف قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ١٤﴾ [آل عمران: 14]؛ فإنه ذكر هنا حبّ الشهوات، فقدّم فيه النساء والبنين على ذكر الأموال»(32).
قال حكيم بن حزام رضي الله عنه: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: (يا حكيم! إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى)(33).
فيجب على المسلم أن يحذر من فتنة المال وزينته وزخرفه، بل يتق الله تعالى في أخذه وفي إنفاقه؛ فهو مسؤل عن ذلك يوم القيامة.
5. زينة الحلي.
والحلي: اسم لكل ما يتزين به من مصاغ الذهب والفضة، والجمع حليٌّ بضم الحاء وكسرها، كالخلخال، والسّوار، والقرط، والقلادة، والطّوق، ونحو ذلك(34).
قال الله تعالى عن قوم موسى أنهم: ﴿قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا﴾ [طه: 87].
وقال سبحانه: ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ ١٨﴾ [الزخرف: 18].
«﴿فِي ٱلۡحِلۡيَةِ﴾ وهو الحلي الذي لا يليق إلا بالإناث دون الفحول، لتزينهن بذلك لأزواجهن...وفي ذلك إشارة إلى أن الرجل لا يناسب له التزين كالمرأة، وأن يكون مخشوشنًا»(35).
ولا يعني هذا أن الرجل لا يتزين بأي زينة لامرأته! بل لقد ؤ قال ابن عباس رضي الله عنه: « إني أحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله تعالى ذكره يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾[البقرة: 228]»(36)، إنما المحرم تشبه الرجل بالمرأة في زينتها، كالتحلي بالذهب ولبس الحرير...الخ.
ثالثًا: زينة الحياة الدنيا:
كثيرة هي الآيات التي تحدثت عن هذه الحياة الدنيا وزينتها وزهرتها وزخرفها ومتاعها وغرورها وحقيقتها، كقوله تعالى: ﴿وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۖ﴾ [الأنعام: 32].
وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨﴾ [التوبة: 38].
وضرب لنا فيها الأمثال فقال: ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا ٤٥﴾ [الكهف: 45].
وكان من الآيات الجامعة في هذا الباب هي قوله تعالى: ﴿وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185] «يعني منفعة ومتعة، كالفأس والقدر والقصعة، ثم تزول ولا تبقى، وقال الحسن: كخضرة النبات ولعب البنات؛ لا حاصل له»(37).
وأجمع منها قوله تعالى: ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ٢٠﴾ [الحديد: 20].
قال ابن عاشور: «واللعب يكثر في أحوال الناس في الدنيا، فهو جزء عظيم من أحوالها، وحسبك أنه يعمر معظم أحوال الصبا.
واللهو: يغلب على أحوال الشباب، فطور الشباب طوره.
والزينة: تحسين الذات أو المكان بما يجعل وقعه عند ناظره مسرًّا له...ويكثر التزين في طور الفتوة، لأن الرجل يشعر بابتداء زوال محاسن شبابه، والمرأة التي كانت غانية تحب أن تكون حالية.
والتفاخر: الكلام الذي يفخر به، والفخر: حديث المرء عن محامده والصفات المحمودة منها فيه بالحق أو الباطل...وأغلب التفاخر في طور الكهولة واكتمال الأشد؛ لأنه زمن الإقبال على الأفعال التي يقصد منها الفخر»(38).
وأوضح لنا القرآن الكريم أن زينة الحياة الدنيا ليس شيئًا واحدًا؛ بل: ﴿ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ [الكهف: 46].
ومجالسة الأغنياء والأشراف زينة الحياة الدنيا(39).
قال تعالى: ﴿وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ [الكهف: 28].
«أي لا تكن إرادة الزينة سبب الإعراض عنهم، وهذا الكلام تعريض بحماقة سادة المشركين، الذين جعلوا همّهم وعنايتهم بالأمور الظاهرة، وأهملوا الاعتبار بالحقائق والمكارم النفسية؛ فاستكبروا عن مجالسة أهل الفضل والعقول الراجحة والقلوب النيرة، وجعلوا همّهم الصور الظاهرة»(40).
وعند التأمل في أمثال هذه الآيات؛ نجد أن الله تعالى يتبع الحديث عن زينة الدنيا وزخرفها ومتاعها الزائل بثواب الآخرة الدائم الثابت الجليل، فمثلًا:
بعد قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ﴾ قال: ﴿ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ١٤ ۞ قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۚ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ١٥﴾[آل عمران: 14-15]
وبعد قوله تعالى: ﴿ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ قال: ﴿وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا﴾ [الكهف: 46](41).
وبعد قوله: ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ﴾ [الحديد: 20]قال: ﴿سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١﴾ [الحديد: 21].
وغيرها من الآيات الدالة على ذلك.
ولعل من أبرز حكم ذلك: ليعلمنا الله تعالى «أن خيرات الدنيا منقرضة منقضية، وخيرات الآخرة دائمة باقية، والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي، وهذا معلوم بالضرورة، لا سيما إذا ثبت أن خيرات الدنيا خسيسة حقيرة، وأن خيرات الآخرة عالية رفيعة»(42).
مظهر الاغترار بالزينة وآثاره
حذّر الله تعالى المؤمنين في كتابه الكريم من أن يغتروا بهذه الحياة الدنيا أو بشيء من زينتها ، فقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٣٣﴾ [لقمان: 33].
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩﴾ [المنافقون: 9].
لكن: ما هي مظاهر الاغترار بالدنيا وزينتها؟ وما عواقب ذلك؟ في هذا المبحث نريد أن نتعرف على ذلك من خلال آيات القرآن الكريم.
أولًا: مظاهر الاغترار بالزينة:
من مظاهر وصور الاغترار بالزينة ما يأتي:
1. الشرك.
كما في قول الحق سبحانه: ﴿۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢﴾ [الكهف: 32].
فلما أهلك الله ملكه، وأخذ ما كان معه من زينة هذه الحياة الدنيا، وصف الله حاله فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٤٢﴾ [الكهف: 42]!
فاعترف أخيرًا بالذنب والخطيئة التي أخذ الله ملكه بسببها ، وهي: الشرك، بسبب اغتراره بما أعطاه الله من نعم وزينة وصفها الله بقوله: ﴿جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢ كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣﴾ [الكهف: 32-33].
وفي هذا المثل المضروب «زجر للكفرة من قريش أو غيرهم؛ لئلا تجيء لهم حالٌ يؤمنون فيها بعد نقم تحل بهم»(43).
1. الضلال والإضلال.
قال الله تعالى عن نبيه موسى عليه السلام: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيۡتَ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةٗ وَأَمۡوَٰلٗا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَۖ رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٨٨﴾ [يونس: 88].
«فالزينة تلهيهم عن اتباع المواعظ، وتعظّم شأنهم في أنظار قومهم، والأموال يسخّرون بها الرعية لطاعتهم، وقد كان للفراعنة من سعة الرزق ورفاهية العيش ما سار ذكره في الآفاق، وظهرت مثلٌ منه في أهرامهم ونواويسهم»(44).
3. كفر النعمة.
يبين ذلك هذا المثل الذي ضربه الله تعالى في كتابه: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١١٢﴾ [النحل: 112].
قال الرازي: «قوله: ﴿ءَامِنَةٗ﴾ إشارة إلى الأمن، وقوله: ﴿مُّطۡمَئِنَّةٗ﴾ إشارة إلى الصحة، لأن هواء ذلك البلد لما كان ملائماً لأمزجتهم اطمأنوا إليه واستقروا فيه، وقوله: ﴿يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ﴾ إشارة إلى الكفاية، قال المفسرون: وقوله: ﴿مِّن كُلِّ مَكَانٖ﴾ السبب فيه: إجابة دعوة إبراهيم عليه السلام(45) وهو قوله: ﴿فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ [إبراهيم: 37]»(46)، «﴿فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ﴾ أي: جحدت آلاء الله عليها، وأعظم ذلك بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم»(47).
4. نسيان ما ذكروا به من مواعظ.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ٤٤﴾ [الأنعام: 44].
«أي: تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء والضراء، ولم ينزجروا، ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ﴾ أي: أعجبوا بما أوتوا من النعم، ولم يزيدوا على البطر والاشتغال بالنعم عن المنعم والقيام بحقه، ﴿أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ﴾»(48)، « قال أهل المعاني: « وإنما أخذوا في حال الرخاء والراحة، ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية، وقوله: ﴿فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ﴾ أي آيسون من كل خير»(49).
5. الفرح المذموم.
قال الله سبحانه محذرًا من هذا النوع من الفرح: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ ٢٣﴾ [الحديد: 23].
«قال المبرد: «ليس نفي الأسى والفرح على الإطلاق، بل معناه: لا تحزنوا حزنًا يخرجكم إلى أن تهلكوا أنفسكم، ولا تعتدوا بثواب على فوات ما سلب منكم، ولا تفرحوا فرحًا شديدًا يطغيكم حتى تأشروا فيه وتبطروا»(50).
6. البغي والكبر.
كما في قوله تعالى عن قارون الذي اغتر بما آتاه الله من زينة الحياة الدنيا: ﴿إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيۡهِمۡۖ﴾[القصص: 76].
«فتجاوز حدّه في الكبر والتجبّر عليهم»(51)، والبغي هو الاعتداء(52).
وقد «بغى على قومه بأنواع من البغي ، من ذلك: كفره بموسى، واستخفافه به، ومنعه حقوق الفقراء من زكاة ماله، إلى غير ذلك مما يصدر عمن فسد اعتقاده»(53).
ثانيًا: آثار الاغترار بالزينة:
لا شك أن الاغترار بالزينة، وعدم شكر الله تعالى عليها، وإيثارها على محبة الله تعالى وطاعته والقيام بحقوقه؛ أنه يجلب على صاحبه آثارًا وخيمة في الدنيا والآخرة، ومن خلال آيات القرآن الكريم سنحاول التعرف على بعض تلك الآثار على الفرد والمجتمع:
1. زوال النعم.
قال الله تعالى عن الرجل الذي دخل بستانه وهو ظالم لنفسه وهو يقول في كبر وغرور: ﴿مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥ وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦﴾ [الكهف: 35-36].
فقال الله عن خاتمته كما سبق ذكرها: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٤٢﴾ [الكهف: 42].
وقال تعالى: ﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥٨﴾ [القصص: 58].
2. الخسف.
قال سبحانه عن قارون بعد أن اغتر بما أعطاه الله من زينة الحياة الدنيا، وبعد أن قال له قومه: ﴿لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ ٧٦ وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٧٧﴾ [القصص: 76-77].
فقال في كبر وغرور: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ﴾ [القصص: 78]!
فكانت العاقبة الإلهية: ﴿فَخَسَفۡنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلۡأَرۡضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٖ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُنتَصِرِينَ ٨١﴾ [القصص: 81].
«لما ذكر تعالى اختيال قارون في زينته، وفخره على قومه وبغيه عليهم؛ عقّب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض»(54)، «والخسف: انقلاب بعض ظاهر الأرض إلى باطنها، وعكسه، يقال: خسفت الأرض، وخسف الله الأرض فانخسفت، فهو يستعمل قاصرًا ومتعديًا، وإنما يكون الخسف بقوة الزلزال، وأما قولهم: (خسفت الشمس) فذلك على التشبيه»(55).
3. الخسران.
قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩﴾ [المنافقون: 9].
«لا تشغلكم ﴿أَمۡوَٰلُكُمۡ﴾ والتصرف فيها، والسعي في تدبير أمرها، والتهالك على طلب النماء فيها بالتجارة والاغتلال، وابتغاء النتاج والتلذذ بها، والاستمتاع بمنافعها، ﴿وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ﴾ وسروركم بهم، وشفقتكم عليهم، والقيام بمؤنهم، وتسوية ما يصلحهم من معايشهم في حياتكم وبعد مماتكم، وقد عرفتم قدر منفعة الأموال والأولاد، وأنه أهون شيء وأدونه في جنب ما عند الله ﴿عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ وإيثاره عليها، ﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ﴾ يريد الشغل بالدنيا عن الدين ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ في تجارتهم؛ حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني!»(56).
فبما أن الأموال والأولاد من زينة الحياة الدنيا؛ فحذّر الله تعالى عباده المؤمنين أن تسوقهم تلك الزينة إلى الخسار في الدنيا والآخرة؛ بعدم استغلال تلك الزينة فيما أمر الله تعالى، أو باستخدامها فيما يغضب الله تعالى، أو الالتهاء بها عن ذكر الله سبحانه.
4. النار والعذاب.
كما قال الحق سبحانه: ﴿وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٥١﴾ [الأعراف: 50-51].
«﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا﴾ أي: مما زيّنه لهم الشيطان، واللهو: كل ما صدّ عن الحق، واللعب: كل أمر باطل، أي: ليس دينهم في الحقيقة إلا ذلك، إذ هو دأبهم وديدنهم ﴿وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ﴾ بزخارفها العاجلة، فلم يعملوا»(57).
فانظر كيف ساقتهم زينة الحياة وزخرفها إلى نسيان دين الله تعالى، فاغتروا بها؛ حتى كانت لهم تلك العاقبة المؤلمة في نار جهنم!
أحكام الزينة ومواطنها
أولًا: حكم الزينة:
بعد تتبع آيات الزينة في القرآن الكريم؛ وجدنا أنه يقسّم حكمها إلى قسمين:
1. زينة مباحة.
والزينة هنا يدخل فيها جميع أنواع الزينة؛ كتنظيف البدن، وزينة المركوب، والطّيب، والسواك، والثياب الحسنة غير الحرير للرجال، والنعل الحسنة، وتسريح شعر اللحية، وقص الشارب، وكل ما وجد استحسانه في الشريعة ولم يقصد به مستعمله الخيلاء، ولا تعدى به إلى الإسراف(58).
قال الله تعالى: ﴿قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣٢﴾ [الأعراف: 32].
«فدل هذا النص القرآني أن تمتع المؤمنين بالزينة والطيبات من الرزق في الحياة الدنيا لم يمنعهم من اختصاصهم بالتنعم بذلك يوم القيامة... ولا ينافي هذا أن من كان يعاني شدة الفقر في الدنيا -كأصحاب الصّفّة- يكون لهم أجر زائد على ذلك؛ لأن المؤمنين يؤجرون بما يصيبهم في الدنيا من المصائب والشدائد، كما هو معلوم»(59).
قال ابن بطال: «﴿قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ﴾ فدخل فيه كل زينة مباحة»(60).
ومن الزينة المباحة التي ذكرها القرآن الكريم: زينة الأنعام، كما في قوله تعالى: ﴿وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةٗۚ وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨﴾ [النحل: 8].
ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا﴾ [طه: 87] وهي: الحلي.
2. زينة واجبة.
كما في قوله تعالى: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ﴾ [الأعراف: 31].
فهذا أمر، والأمر في الشريعة للوجوب، والزينة هنا هي: ستر العورة، يرجح ذلك أمران:
الأول: أن سبب نزول الآية كما سبق طواف المشركين بالبيت عراة، فنزلت هذه الآية التي توجب على المسلم ستر عورته عند العبادة.
الثاني: نقل بعض العلماء الإجماع أن مقصود الآية هنا هو: ستر العورة، قال ابن حزم رحمه الله عند هذه الآية: «فاتفق على أنه ستر العورة»(61).
وتبويب البخاري رحمه الله في صحيحه يشير لذلك، حيث قال: «باب وجوب الصلاة في الثياب، وقول اللّه تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ﴾»(62).
قال ابن عبد البر عن القول بالوجوب: «والقول الأول أصح في النظر، وأصح أيضًامن جهة الأثر، وعليه الجمهور»(63).
ثانيًا: مواطن الزينة:
ورد في القرآن الكريم ذكر المواطن التي يباح أو يجب على المسلم أن يبدي فيها زينته، وهي كما يلي:
1. التزين عند ارتياد المساجد.
كما في قول الله سبحانه: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ﴾ [الأعراف: 31].
قال ابن عطية: «عند كل موضع سجود...ويدخل مع الصلاة : مواطن الخير كلها، ومع ستر العورة ما ذكرناه من الطيب للجمعة وغير ذلك»(64).
قال ابن كثير: «ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة: يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب لأنه من الزينة، والسواك لأنه من تمام ذلك، ومن أفضل الثياب : البياض»(65).
تزين الزوجين لبعضهما: قال تعالى في حق الزوج: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [البقرة: 228].
وقال في حق الزوجة: ﴿وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: 31].
«عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله تعالى ذكره يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾»(66).
ولاشك أن الزينة التي يظهرها الزوجان لبعضهما ليست هي التي يظهرانها لأقاربهما أو الأجانب عنهما.
ثالثًا: إظهار الزينة:
أما بالنسبة لإظهار الزينة كما ورد في القرآن الكريم؛ فنقسمها كما يلي:
1. زينة الرجل.
كاللباس الحسن، والمظهر الحسن، والمركب الحسن، فهذا ذكر القرآن الكريم أن الرجل يظهره بلا كبر أو خيلاء في المساجد ،كما في الآية السابقة: ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ﴾ [الأعراف: 31].
وفي مجامع الناس كما مرّ أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةٗۚ﴾ [النحل: 8].
ثم الزينة التي يتزين بها الرجل لزوجته كما يدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [البقرة: 228].
فهذه مواطن يجوز للرجل إظهار زينته فيها، وفي كل موطن بحسبه.
2. زينة المرأة.
أما المرأة فكونها محط فتنة للرجال، والفتنة بها أشد من غيرها؛ فقد كان من حكمة الشريعة أن سدّت كل الذرائع التي تدعو للافتتان بالمرأة؛ حتى لا يغرق المجتمع في مستنقع الرذيلة والفاحشة، ولتحفظ الأنساب، فأمر الشرع الرجل بأن يغض بصره عن النساء، وأمر النساء بأن لا يظهرن زينتهن لكل أحد.
ومن خلال آيات القرآن الكريم؛ نجد أنه حدّد المواضع التي يجوز للمرأة فيها أن تظهر زينتها، وقد جمعت أغلب تلك المواضع في آية واحدة.
وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ﴾ [النور: 31].
وقبل الشروع في التفصيل ؛ نبدأ بتعريف الزينة في هذه الآية، يقول الشنقيطي: «الزينة في لغة العرب: هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها -كالحلي، والحلل-»، ثم قال رحمه الله: «فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه...»(67) وذكر ما يرجح قوله، فليراجع ذلك من أراد مزيد تفصيل.
أولًا: ما ظهر منها:
قال تعالى: ﴿وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ﴾، «...عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: هي الثياب»(68)، «أي: الثياب الظاهرة، التي جرت العادة بلبسها، إذا لم يكن في ذلك ما يدعو إلى الفتنة بها»(69)، فهذه لا حرج على المرأة في إظهارها.
ثانيًا: الزوج:
قال سبحانه: ﴿وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ و«البعولة: جمع بعل، وهو الزوج، وسيد الأمة...وأصل البعل الرب والمالك (وسمي الصنم الأكبر عند أهل العراق القدماء بعلًا، وجاء ذكره في القرآن في قصة أهل نينوى ورسولهم إلياس)، فأطلق على الزوج لأن أصل الزواج ملك وقد بقي من آثار الملك فيه: الصّداق؛ لأنه كالثمن»(70).
فللزوج أن ينظر لكل بدن امرأته، كما للزوجة أن تنظر لكل بدن زوجها، وقد ثبت في الصحيحين أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تغتسل هي وزوجها رسول الله عليه الصلاة والسلام من إناء واحد(71).
أما حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنها: (ما نظرت -أو ما رأيت- فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط)(72) فقد ضعف.
ثالثًا: المحارم:
قال جل وعلا: ﴿أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ﴾ « عن ابن عباس رضي الله عنه قال: « الزينة التي يبدينها لهؤلاء: قرطاها، وقلادتها، وسوارها، فأما خلخالاها ومعضداها ونحرها وشعرها؛ فإنه لا تبديه إلا لزوجها»(73).
رابعًا: النساء المسلمات:
قال تعالى: ﴿أَوۡ نِسَآئِهِنَّ﴾ قال ابن كثير: «يعني: تظهر زينتها أيضًا للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة؛ لئلا تصفهن لرجالهن، وذلك -وإن كان محذورًا في جميع النساء- إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد؛ فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع، وأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تباشر المرأة المرأة، تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها) أخرجاه في الصحيحين(74)، عن ابن مسعود»(75).
خامسًا: ملك اليمين:
قال سبحانه: ﴿أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ﴾ قال ابن عطية: «يدخل فيه الإماء الكتابيات ويدخل فيه العبيد عند جماعة من أهل العلم، وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، وقال ابن عباس وجماعة من العلماء : لا يدخل العبد على سيدته فيرى شعرها ونحو ذلك إلا أن يكون وغدا، فمنعت هذه الفرقة الكشف بملك اليمين وأباحته بأن يكون من ﴿ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ﴾»(76).
سادسًا: الرجال التابعين من غير أولي الإربة:
قال الله تعالى: ﴿أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ﴾ التابعين أي: «كونهم من أتباع بيت المرأة وليسوا ملك يمينها، ولكنهم يترددون على بيتها لأخذ الصدقة أو للخدمة»(77).
ويكون هؤلاء الرجال من الذين «لا إربة لهم في هذه الشهوة؛ كالمعتوه الذي لا يدري ما هنالك، وكالعنّين الذي لم يبق له شهوة، لا في فرجه، ولا في قلبه، فإن هذا لا محذور من نظره»(78)، «مع السلامة الغالبة من تطرق الشهوة وآثارها من الجانبين»(79).
سابعًا: الأطفال غير المميزين:
قال جل وعز: ﴿أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ﴾ «يعني: لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن؛ من كلامهن الرخيم، وتعطفهن في المشية وحركاتهن، فإذا كان الطفل صغيرًا لا يفهم ذلك؛ فلا بأس بدخوله على النساء، فأما إن كان مراهقًا أو قريبًا منه، بحيث يعرف ذلك ويدريه، ويفرق بين الشوهاء والحسناء؛ فلا يمكّن من الدخول على النساء»(80).
ثامنًا: القواعد من النساء:
و«هن اللواتي قعدن عن الحيض والولد؛ من الكبر، ولا مطمع لهن في الأزواج»(81).
فهؤلاء يجوز لهن وضع ثيابهن الظاهرة.
قال الله تعالى: ﴿وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ﴾ [النور: 60].
أي: حرج وإثم، ﴿أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النور: 60].
أي: الثياب الظاهرة، كالخمار ونحوه، الذي قال الله فيه للنساء: ﴿وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ﴾ فهؤلاء: يجوز لهن أن يكشفن وجوههن؛ لأمن المحذور منها وعليها، ولما كان نفي الحرج عنهن في وضع الثياب، ربما توهم منه جواز استعمالها لكل شيء؛ دفع هذا الاحتراز بقوله: ﴿غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۭ بِزِينَةٖۖ﴾ [النور: 60]»(82).
أي: «غير مظهرات زينةً، يريد: الزينة الخفية التي أرادها في قوله: ﴿وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾، أو غير قاصدات بالوضع التبرج، ولكن التخفف إذا احتجن إليه ، والاستعفاف من الوضع ﴿خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ﴾ [النور: 60].
لما ذكر الجائز عقّبه بالمستحب، بعثًا منه على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها، كقوله: ﴿وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ﴾ [البقرة: 237].
﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ﴾ [البقرة: 280]»(83).
صور التزيين
«التزيين: تصيير الشيء زينًا أي حسنًا، فهو تحسين الشيء المحتاج إلى التحسين، وإزالة ما يعتريه من القبح أو التشويه، ولذلك سمّي الحلاق مزيّنًا»(84)، وللتزيين في القرآن الكريم صور متعددة، بيانها فيما يلي:
أولًا: تزيين محمود:
وهو: تزيين الإيمان:
دليل ذلك قول الحق سبحانه: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٨﴾ [الحجرات: 7-8].
فقوله سبحانه: ﴿حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ﴾ «أي: حبّبه إلى نفوسكم، وحسّنه في قلوبكم»(85).
إن من يحب شيئًا قد يمل منه حين يجده ثم يطول مكثه عنده! إلا الإيمان بالله تعالى؛ فإنه «كل يوم يزداد حسنًا، ولكن من كانت عبادته أكثر، وتحمله لمشاق التكليف أتم؛ تكون العبادة والتكاليف عنده ألذ وأكمل، ولهذا قال في الأول: حبّب إليكم، وقال ثانيًا: وزينه في قلوبكم، كأنه قرّبه إليهم ثم أقامه في قلوبهم»(86).
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه هو الذي حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان؛ جاء موضحًا في آيات كثيرة، مصرح فيها بأنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كقوله تعالى: ﴿مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ﴾ [الأعراف: 178].
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ﴾ [الإسراء: 97].
وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ﴾ [الأعراف: 43].
والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، نرجو الله الرحيم الكريم أن يهدينا وألا يضلنا(87).
ثانيًا: تزيين مذموم:
وبتتبع آيات التزيين في القرآن نجد أن هذا النوع من التزيين له صور، منها:
1. تزيين الكفر والضلال.
قال الله تعالى عن إبليس: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ [الحجر: 39].
أي: لأزينن لهم المعاصي والكفر في الدنيا(88).
وقال سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ﴾ [الأنعام: 112]ومعناه أنهم يغرّون به المضلّلين، ويوهمون لهم أنهم على شيء والأمر بخلافه!(89)، قال السدي: أما «شياطين الإنس»: فالشياطين التي تضل الإنس، «وشياطين الجن»: الذين يضلون الجن، يلتقيان فيقول كل واحد منهما: «إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، وأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا»، فيعلّم بعضهم بعضًا»(90).
2. تزيين الشيطان للأعمال السيئة.
كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٤٣﴾ [الأنعام: 43].
وقوله جل وعلا: ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ [النحل: 63].
وقوله تعالى:﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ﴾ [النمل: 24].
والأعمال في كل هذه الآيات يقصد بها الأعمال الخبيثة والسيئة، التي تصدهم عن سبيل الله ورضوانه.
«فإن قلت: قد أسند الله هنا التزيين إلى الشيطان وأسنده إلى نفسه في قوله: ﴿كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ﴾ [الأنعام: 108].
فهل هو حقيقة فيهما أو في أحدهما؟
قلت: وقع التزيين في النظم في مواضع كثيرة، فتارة أسنده إلى الشيطان، وتارة إلى نفسه، وتارة إلى البشر كقوله: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ﴾ [الأنعام: 137].
وتارة مجهولًا غير مذكور فاعله كقوله: ﴿زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ﴾ [يونس: 12] ؛ لأنّ التزيين له معان يشهد بها الاستعمال واللغة:
أحدها: إيجاد الشيء حسنًا مزينًا في نفس الأمر، كقوله: ﴿زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا﴾ [الصافات: 6].
والثاني: جعله مزينًا من غير إيجاد، كتزيين الماشطة العروس.
والثالث: جعله محبوبًا للنفس، مشتهى للطبع، وإن لم يكن في نفسه كذلك، فهذا إن كان بمعنى خلق الميل في النفس والطبع فلا يسند إلا إلى الله، كقوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ [النمل: 4] أي: زينا لهم أعمالهم القبيحة، بأن جعلناها مشتهاة بالطبع محبوبة للنفس، -وذلك عقوبة لهم لعدم إيمانهم بالآخرة، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ﴾ [التوبة: 115].
فإذا بيّن لهم ما يتقون فلم ينقادوا له؛ عاقبهم بالإضلال جزاء لهم على ردهم الحق المبين»(91).
وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ [الصف: 5].
وإن كان تزيين الباطل بمجرّد تزويره وترويجه بالقول وما يشبهه، كالوسوسة والإغواء كما أفصح عنه تعالى في حكايته قول إبليس: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ﴾ [الحجر: 39] فهذا يسند إلى الشيطان أو البشر»(92).
3. تزيين قتل المشركين لأولادهم.
قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ﴾ [الأنعام: 137].
تأتي هذه الآية بعد أن حكى لله تعالى شيئًا من سفه المشركين وضلالهم، وطاعتهم العمياء لشياطين الإنس والجن، فبين الله تعالى في هذه الآية أن من سفه المشركين وضلالهم أيضًا: «أنه زيّن لكثير من المشركين شركاؤهم -أي: رؤساؤهم وشياطينهم- قتل أولادهم، وهو: الوأد، الذين يدفنون أولادهم الذكور خشية الافتقار، والإناث خشية العار.
وكل هذا من خدع الشياطين، الذين يريدون أن يردوهم بالهلاك، ويلبسوا عليهم دينهم، فيفعلون الأفعال التي في غاية القبح، ولا يزال شركاؤهم يزينونها لهم، حتى تكون عندهم من الأمور الحسنة والخصال المستحسنة».
فهذه كلها أنواع من التزيين المذموم، الذي يفتن العباد ويصرفهم عن ما خلقهم الله تعالى له من عبادته وتوحيده، وصاحب هذا التزيين المذموم متوعد بعذاب الله تعالى في نار جهنم إن لم يتب إلى ربه قبل موته، بل هو ومن اتبعه في تزيينه ذلك يتلاومون في نار جهنم! كما قال سبحانه: ﴿وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٧ قَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَأۡتُونَنَا عَنِ ٱلۡيَمِينِ ٢٨ قَالُواْ بَل لَّمۡ تَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٢٩ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭۖ بَلۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا طَٰغِينَ ٣٠ فَحَقَّ عَلَيۡنَا قَوۡلُ رَبِّنَآۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ٣١ فَأَغۡوَيۡنَٰكُمۡ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ ٣٢ فَإِنَّهُمۡ يَوۡمَئِذٖ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٣﴾ [الصافات: 27-33].
« عن السدي، في قوله: ﴿إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَأۡتُونَنَا عَنِ ٱلۡيَمِينِ﴾ قال: « تأتوننا من قبل الحق تزينون لنا الباطل، وتصدوننا عن الحق»(93).
وفي ختام هذا النوع المذموم من التزيين، نورد كلامًا قيمًا لابن عاشور رحمه الله، وهو قوله: «وقد استقريت مواقع التزيين المذموم فحصرتها في ثلاثة أنواع:
الأول: ما ليس بزينٍ أصلًا -لا ذاتًا ولا صفة- لأن جميعه ذمٌّ وأذى، ولكنه زيّن للناس بأوهام وخواطر شيطانية، وتخييلات شعرية (كالخمر).
الثاني: ما هو زين حقيقة، لكن له عواقب تجعله ضرًّا وأذى (كالزنا).
الثالث: ما هو زين لكنه يحف به ما يصيره ذميمًا (كنجدة الظالم)»(94).
ثالثًا: تزيين كوني قدري:
وهو: تزيين الحياة الدنيا ومتاعها:
وهذه الزينة أو التزيين سماه بعض العلماء: (الزينة الحيادية)! وهي تزيين الله تعالى متاع الدنيا للناس ؛ التي يمكن للإنسان أن يستخدم ذلك التزيين في طاعة الله تعالى، ويمكنه أن يستخدمه في المعصية، كما قال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ١٤﴾[آل عمران: 14].
وحسن المآب يكون لمن استقام في الدنيا على الصراط الذي رسمه الله للمتقين، وكما قال سبحانه: ﴿وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةٗۚ وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨﴾[النحل: 8].
وعن الحكمة من هذا التزيين يقول سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧﴾ [الكهف: 7] فهذا النوع من التزيين إنما هو: ليبتلي الله عباده، فيكشف المطيعين والعاصين عن طريقه.
فحبّ الشهوات من النساء، وحبّ البنين، وحبّ المال، وحبّ المآكل والمشارب، وحبّ المراكب، وحبّ الخيل المسوّمة والأنعام والحرث، إلى غير ذلك ممّا جعل الله فيه زينة للناس، فالزينة في كلّ ذلك من خلق الله، ومن فطرته التي فطر المزيّنات والنفوس عليها؛ ليمتحن إرادات الناس بها.
فإن استخدمت هذه الزينة في حدود ما أذن الله، دون عدوان، ولا ظلم، ولا بغي، ولا إسراف، ولا تبذير، ولا تجاوز إلى مواطن الضرر؛ كانت منّة من الله تعالى وإكرامًا لعبده، كما قال سبحانه: ﴿وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١ قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣٢﴾ [الأعراف: 31-32].
أمّا إن استخدمت هذه الزينة في غير ما أذن الله وأحلّ؛ فإنّها تكون إمهالًا من الله تعالى واستدراجًا لصاحبها ، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ٤٤﴾ [الأنعام: 44](95).
وبعد: فقد ذكرنا في صور التزيين أن الأولى: تزيين محمود، لأنه يعود على الإنسان بالخير والرحمة، فحري بالمسلم أن يسعى قدر مستطاعه لتزيين الأعمال الصالحة لنفسه ولغيره، فمن فعل ذلك فهو محمود ممدوح، وهو داخل في الدعوة إلى الله تعالى، وقد قال سبحانه: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [فصلت: 33].
أما الصورة الثانية: فتزيين مذموم ؛ لأنه يعود على الإنسان بالشر والعذاب، فعلى المسلم أن يسعى لاجتناب تزيين الشر لنفسه أو لغيره؛ فقد قال تعالى ماقتًا ومحذرًا الذين يزخرفون ويزينون الباطل: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ﴾ [الأنعام: 112].
أما الصورة الثالثة: التزيين القدري، فعلى المسلم أن يعلم ذلك ثم يسعى لاغتنام ذاك التزيين فيما يعود عليه بالخير والفلاح.
| موضوعات ذات صلة: |
| حجاب المرأة، الحياة، العفة، النساء |
الحواشي
- مقاييس اللغة.ابن فارس 3/41. ↩
- مختار الصحاح، الرازي ص 139. ↩
- تهذيب اللغة، الأزهري 13/175. ↩
- لسان العرب، ابن منظور 13/201. ↩
- نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 339. ↩
- التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 188. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 27/402. ↩
- انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص335-336، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم ص607. ↩
- انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص251-252، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص239، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 3/155-160، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، 2/158-159. ↩
- انظر: لسان العرب 6/308- 309. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 8-ب/75. ↩
- انظر: لسان العرب 9/132. ↩
- المصدر السابق 2/284 بتصرف. ↩
- انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 1/391. ↩
- أجنحة المكر الثلاثة، عبدالرحمن حبنكة ص 505. ↩
- الكشاف، الزمخشري 2/704. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 3/203. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 2/340. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 15/257. ↩
- المنار، محمد رشيد رضا 8/320. ↩
- الكشاف، الزمخشري 4/546-547بتصرف يسير. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 21/373. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 5/1458. ↩
- المنار، محمد رشيد رضا 8/319. ↩
- المصدر السابق 8/320. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 3/179. ↩
- المحرر الوجيز، ابن عطية 1/408. ↩
- البرهان في علوم القرآن، الزركشي 3/248. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 21/467 بتصرف. ↩
- المفردات، الراغب الأصفهاني ص 624 بتصرف. ↩
- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/413. ↩
- البحر المحيط، أبو حيان 3/34. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا المال خضرة حلوة)، رقم 6441، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة وأن السفلى هي الآخذة، رقم 1035. ↩
- انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 1/435، أضواء البيان، الشنقيطي 2/352. ↩
- البحر المحيط، أبو حيان 9/363. ↩
- جامع البيان، الطبري 4/532. ↩
- معالم التنزيل، البغوي 2/145. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 27/402-403 بتصرف. ↩
- معالم التنزيل، البغوي 5/166. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 15/305 بتصرف يسير. ↩
- فتح القدير، الشوكاني 3/344. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 21/468. ↩
- المحرر الوجيز، ابن عطية 3/519. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 11/269. ↩
- على القول بأن هذه القرية هي مكة، كما رجح ذلك الطبري في تفسيره 17/309. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 20/279. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/608. ↩
- البحر المديد، الفاسي 2/118. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 12/535. ↩
- المصدر السابق 29/468. ↩
- جامع البيان، الطبري 19/616. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 20/176. ↩
- المحرر الوجيز، ابن عطية 4/298 بتصرف. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/256. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 20/185. ↩
- الكشاف، الزمخشري 4/544. ↩
- محاسن التأويل، القاسمي 5/64-65. ↩
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 2/392، مفاتيح الغيب، الرازي 14/230. ↩
- أضواء البيان، الشنقيطي 7/230، وانظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 2/321. ↩
- شرح صحيح البخاري، ابن بطال 2/39. ↩
- المحلى بالآثار، ابن حزم 2/240. ↩
- انظر: صحيح البخاري، كتاب الصلاة 1/79. ↩
- الاستذكار، ابن عبدالبر 2/197. ↩
- المحرر الوجيز، ابن عطية 2/392. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/406. ↩
- جامع البيان، الطبري 4/532. ↩
- أضواء البيان، الشنقيطي 5/516. ↩
- جامع البيان، الطبري 19/156.
إسناد رواية ابن جرير هذه هو: «حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني الثوري، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي الأحوص، عن عبد الله...»، قال المقدّم: «إسناده في غاية الصحة وأورد هذا الأثر الإمام ابن كثير في تفسيره» عودة الحجاب.المقدّم 3/287. ↩ - إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب، سعيد القحطاني ص 107.
وانظر: عودة الحجاب، محمد المقدّم3/283. ↩ - التحرير والتنوير، ابن عاشور 18/209. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الغسل، باب غسل الرجل مع امرأته، رقم 250، ومسلم في صحيحه كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد في حالة واحدة، وغسل أحدهما بفضل الآخر، رقم 321. ↩
- أخرجه أحمد في مسنده، مسند عائشة رضي الله عنها، 42/367، رقم 25568، وابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب النهي أن يرى عورة أخيه، رقم 662.
وضعفه الألباني في الإرواء، 6/213، رقم 1812. ↩ - جامع البيان، الطبري 19/160. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها، رقم 240.وليس الحديث في مسلم كما وهم ابن كثير رحمه الله. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/47. ↩
- المحرر الوجيز، ابن عطية 4/179. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 18/211. ↩
- إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب، سعيد القحطاني ص 108. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 18/211. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/49. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 24/420.
قال ابن قتيبة: «ولا أراها سميت قاعدًا، إلا بالقعود.لأنها إذا أسنّت: عجزت عن التّصرّف وكثرة الحركة، وأطالت القعود».
انظر: غريب القرآن ص 308. ↩ - تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 574. ↩
- الكشاف، الزمخشري 3/255. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 3/179. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/372. ↩
- مفاتيح الغيب، الرازي 28/102. ↩
- انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 7/412. ↩
- البحر المديد، ابن عجيبة 3/88. ↩
- المحرر الوجيز، ابن عطية 2/336. ↩
- جامع البيان، الطبري 12/52. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 354. ↩
- حاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي 4/59 بتصرف يسير. ↩
- جامع البيان، الطبري 21/32. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور 2/295. ↩
- أجنحة المكر الثلاثة ص 507 بتصرف. ↩
