مفهوم الحوار
أولًا: المعنى اللغوي:
(الحاء والواو والراء) ثلاثة أصول: أحدها لون، والآخر الرجوع، والثالث أن يدور الشيء دورًا، وتعود أصل كلمة الحوار إلى (الحور) وهو الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، يقال: (حار بعدما كار)(1)، والحور النقصان بعد الزيادة؛ لأنه رجوع من حال إلى حال، والتحاور: التجاوب، نقول: كلمته فما حار إلي جوابًا، أي: ما رد جوابًا(2)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤].
أي: «لن يرجع»(3)، وهم يتحاورون أي: يتراجعون الكلام، والمحاورة: مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة(4).
«تحاوروا: تراجعوا الكلام بينهم»(5).
ويقصد بالمحاورة «المجاوبة ومراجعة النطق والكلام في المخاطبة»(6).
إذن فالحوار لغة تعني المراجعة في الكلام بين اثنين فأكثر، فمعناه في اللغة واسع يشمل كل مناقشة بين اثنين أو أكثر في أي موضوع.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الحوار هو: «نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين، يتم فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافئة فلا يستأثر به أحدهما دون الآخر، ويغلب عليه الهدوء والبعد عن الخصومة والتعصب»(7).
الحوار هو: «محادثة بين شخصين أو فريقين، حول موضوع محدد، لكل منهما وجهة نظر خاصة به، هدفها الوصول إلى الحقيقة، أو إلى أكبر قدر ممكن من تطابق وجهات النظر، بعيدًا عن الخصومة أو التعصب، بطريق يعتمد على العلم والعقل، مع استعداد كلا الطرفين لقبول الحقيقة ولو ظهرت على يد الطرف الآخر»(8).
ويلاحظ من التعاريف الثلاثة السابقة اتفاقهم على أن الحوار حديث متبادل بين طرفين أو أكثر، ويعجبني التعريف الثالث للدكتور بسام عجك، فهو تعريف جامع مانع مكتمل الأركان.
العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:
هناك علاقة قوية بين معنى الحوار في اللغة والاصطلاح، فالحوار هو نشاط عقلي ولفظي يقدم المتحاورون الأدلة والحجج والبراهين التي تبرر وجهات نظرهم بحرية تامة من أجل الوصول إلى حل لمشكلة أو توضيح لقضية ما، وهذا ما يتفق عليه المعنيون.
ولم يرد لفظ (الحوار) في القرآن الكريم، وإن ورد أصل مادته (حور).
الألفاظ ذات الصلة
الجدل:
الجدل لغةً:
اللدد في الخصومة والقدرة عليها، وجادله أي: خاصمه مجادلة وجدالًا، والجدل: مقابلة الحجة بالحجة؛ والمجادلة: المناظرة والمخاصمة، والجدال: الخصومة؛ سمي بذلك لشدته(9).
الجدل اصطلاحًا:
الجدل: «هو عبارة عن دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجة أو شبهة، وهو لا يكون إلا بمنازعة غيره والنظر قد يتم به وحده»(10).
وقيل: مقابلة المتنازعين الحجة بالحجة على سبيل التدافع والتخاصم؛ بالعبارة أو ما يقوم مقامها؛ لإلزام الخصم غالبًا، وتقرير المذهب، سواء أكان حقًّا أم باطلًا.
الصلة بين الحوار والجدل:
كل من الحوار والجدال عبارة عن تبادل للحديث بين أطراف معينة، ولكن القصد مختلف فالجدال كما بين الإمام أبو زهرة الغرض منه بقوله: «والجدل يكون الغرض منه إلزام الخصم والتغلب عليه في مقام الاستدلال»(11)، ومثال ذلك قوله تعالى ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]
قال تعالى: ﴿هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا﴾ [النساء: ١٠٩].
المناظرة:
المناظرة لغةً:
المناظرة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (نظر)، ومن معانيها تأمل الشيء بالعين المجردة، وتقليب البصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، والتّأمّل والفحص، وقد يراد بالنظر المعرفة الحاصلة بعد الفحص، والطلب؛ يقال: انظر لي فلانًا، أي: اطلبه، والمقابلة؛ والعرب تقول: داري تنظر إلى دار فلان، ودورنا تناظر، أي: تقابل، والإمهال والترقب والتوقع واللّمحة السّريعة(12).
المناظرة اصطلاحًا:
المحاورة بين طرفين متضادين في الرأي، والقائمة على الأدلة المنطقية والبراهين والإحصائيات الدقيقة، يقصد كل منهما تصحيح قوله وإبطال قول الآخر بأدب رفيع، مع الرغبة في إظهار الحق، والراجح على المرجوح، وتحقيق الفائدة المبنية على المناصحة والحلم(13).
الصلة بين الحوار والمناظرة:
وهكذا يتبين أن المناظرة ما هي إلا محاورة من أجل الوصول إلى الصواب.
المحاجة:
المحاجة لغةً:
الحجّ: الغلبة بالحجّة، يقال: حجّه يحجّه حجًّا، إذا غلبه على حجّته، ومنه الحجّة بالضّمّ: الدّليل والبرهان، وقيل: ما دفع به الخصم، وإنما سمّيت حجّةً لأنّها تحجّ، أي: تقصد؛ لأنّ القصد لها وإليها، وبها يقصد الحقّ المطلوب، وجمع الحجّة حججٌ وحجاجٌ(14).
المحّاجة اصطلاحًا:
قدرة الفرد على توظيف ما يمتلكه من الأدلة والبراهين العقلانية الموضوعية في قضية خلافية؛ لإثبات دعواه، وأيضًا ح فكرته، مع تفنيد حجج مخالفيه، والوصول بهم إلى الاقتناع بهذه الفكرة، والإيمان بها، دون إلزامهم باتباعها، والسير عليها(15).
الصلة بين الحوار والمحاجة:
هناك فرق بين الحوار والمحاجة حيث إن الحوار هو تبادل حديث بقصد الوصول لحل مشكلة ما، أما المحاجة ففيها يثبت كل طرف صحة دعواه، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ﴾[البقرة: ٢٥٨]
قال تعالى: ﴿وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ﴾ [الأنعام: ٨٠].
المخاصمة:
المخاصمة لغةً:
المخاصمة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (خصم)، ويأتي بمعنى الجدل والمنازعة؛ يقال: خاصمه خصامًا وخصومة، أي: جادله ونازعه، وبمعنى الشّقِّ؛ يقال للخصمين: خصمان؛ لأخذ كلّ واحد منهما في شقٍ من الحجاج والدّعوى، والطرف والجانب والزاوية، تلقين الحجة؛ يقال: أخصم صاحبه إذا لقّنه حجّته على خصمه(16).
المخاصمة اصطلاحًا:
اللجاج في الكلام من أجل المعارضة والمعاندة ابتداءً؛ يستوفي به المخاصم مراده من خصمه، في جو من التشاحن والتباغض ورفض الآخر(17).
الصلة بين الحوار والتخاصم:
هناك فرق واضح بين المعنيين حيث إن الأول المقصود منه إيجاد حل لمشكلة ما بالتوافق، أما الثاني فهو يؤدي للتنازع دون إيجاد حلول ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ﴾ [ص: ٢٢].
قال تعالى: ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩].
مقاصد الحوار
القرآن الكريم تناول كثيرًا من الأدلة والبراهين التي حاور بها وحاج بها خصومه في صورة واضحة جلية يفهمها العامة والخاصة، وأبطل كل شبهة فاسدة، فللحوار في القرآن الكريم مقاصد عدة، منها: إقامة الحجة على البشر و الهداية إلى الحق وحل الخلافات، وبيان ذلك فيما يأتي:
أولًا: إقامة الحجة:
إنّ من الأساليب التي استخدمها القرآن الكريم من أجل إقامة الحجّة على العباد، والدّلالة على وحدانيّته تعالى، وعلى صدق ما جاؤوا به من رسالات، وبلّغوا به دين الله في الأرض، هو الحوار فالغاية من الحوار إقامة الحجة ودفع الشبهة والفاسد من القول والرأي، والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق.
من أجل ذلك ورد السياق القرآني الجليل مصدرًا بصيغة الأمر (قل) المشعرة بأن الداعية ينبغي أن يتخذ من القول المبين والحجة البالغة منهاجًا وغاية، ونجد فعل الأمر: (قل) وردت (332) مرة في القرآن الكريم، (18) من تأملها وتدبرها وقف على منهاج متكامل في صيغ البيان وطرائق الأداء ومسالك إقامة الحجة في إحقاق الحق ودحض الباطل(19).
- في تقرير التوحيد يقول عز وجل: ﴿قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ﴾ [الرعد: ١٦].
- وأيضًا في الرد على المشركين قال تعالى: ﴿قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٤ قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٥ قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٦ قُلۡ أَرُونِيَ ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ شُرَكَآءَۖ كَلَّاۚ بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾[سبأ: ٢٤-27].
- وأيضًا في الرد على منكري النبوة قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ ٤٦ قُلۡ مَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٖ فَهُوَ لَكُمۡۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ ٤٧ قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٤٨ قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩ قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ﴾ [سبأ: 46-50].
نلاحظ من الآيات السابقة كيف أقام القرآن الكريم الحجة على الناس أجمعين مؤمنهم وكافرهم، وأظهرت قدرة الله عز وجل وعظيم شأنه جل جلاله.
وإذا نظرنا في المحاورات التي أثبتها الله في كتابه العزيز، فسنلاحظ صنفين منها:
صنف يبتدئ فيه المتحاورون بالتخاصم من أول الأمر، كل يريد إثبات دعواه فيما ذهب إليه، وهذا الصنف نستطيع تسميته «مناظرة أو جدل».
ومثال ذلك: عندما حاور سيدنا إبراهيم عليه السلام النمرود في المناظرة التي أثبتها الله عز وجل في آياته الكريمة.
ومن الواضح من خلال هذه الآية، أن النمرود بدأ مخاصمًا لإبراهيم عليه السلام من أول الأمر، وهذه مناظرة.
قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
فهذا الملك الذي حاج إبراهيم في ربه لم يكن منكرًا لوجود الله أصلًا إنما كان منكرًا لوحدانيته في الألوهية والربوبية ولتصريفه للكون وتدبيره لما يجري فيه وحده، وهذا شأن الكثير من الناس في الجاهلية يعترفون بوجود الله، ولكنهم يجعلون له اندادًا ينسبون إليها الأعمال، وسبب هذه المحاجة لأنه أعطاه جل جلاله الملك فبطر وتكبر ولم يشكره سبحانه على هذه النعمة، بل استعملها في غير ما خلقت له فنسب لنفسه الإحياء والإماتة بطريقة سخيفة غير منطقية.
وكان رد سيدنا إبراهيم عليه السلام على ذلك الملك في مقام التدليل على وحدانية الله أنه عز وجل هو المستحق للعبادة، ربي وحده هو الذي ينشئ الحياة ويوجدها، ويميت الأرواح ويفقدها حياتها، ولا يوجد أحد سواه يستطيع أن يفعل ذلك، فالتحدي قائم، والأمر ظاهر، ولا سبيل إلى سوء الفهم، أو الجدال والمراء، وكان التسليم أولى والإيمان أجدر، ولكن الكبر عن الرجوع إلى الحق يمسك بالذي كفر، فيبهت ويبلس ويتحير، ولا يهديه الله إلى الحق؛ لأنه لم يتلمس الهداية، ولم يرغب في الحق ولم يلتزم القصد والعدل(20).
صنف ثان يبتدئ فيه الطرفان لا على أنهما خصمان يختلفان في الاعتقاد والمذهب، بل هما شريكان فيه، وهذا ما نستطيع تسميته بالحوار.
حوار آخر في القرآن لإبراهيم عليه السلام أيضًا وهو يحاور قومه: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ ٧٥ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ ٧٦ فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ ٧٧ فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٧٨ إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥-٧٩].
فسيدنا إبراهيم عليه السلام يحاكي قومه في اعتقادهم، ولا يعلن مخالفته لهم، ولم يسفه أحلامهم، فذلك أدعى إلى إنصاتهم لقوله، وتفهمهم لحجته، ثم لم يلبث أن كرّ على قولهم ينقضه، ولكن من طرف خفي ينبئ عن سداد في الرأي ونفاذ للبصيرة(21).
ولم يكن إبراهيم عليه السلام يعتقد هذه العبادة، ولكنه نصّب نفسه في أول الأمر شريكًا لقومه فيها، استدراجًا لهم واستهواء لقلوبهم، حتى إذا أحس منهم الإصغاء راح ينقض هذه العبادة شيئًا فشيئًا، وقومه لا يبدون التخاصم معه، حتى إذا أعلن انصرافه عن آلهتهم وبراءته من عبادتهم، عندها حاجوه في ذلك الذي فاجأهم به حيث لا يتوقعونه، وفي هذه المرحلة بدأت المناظرة.
فيلاحظ هنا أنه بدأ معهم شريكًا في الاعتقاد، وهو يحاورهم ويحاورونه في جو من الهدوء حتى إذا أعلن مخالفته لهم انقلب الحوار إلى مناظرة بينه وبينهم كل يريد إثبات رأيه(22).
فلما ستره الليل بظلامه، أبصر كوكبًا ظاهرًا في السماء فقال عليه السلام مستعظمًا شأن هذا الكوكب: هذا ربي، مجاراة لقومه وتأليفًا لقلوبهم، حتى بلغوا بقلوبهم إلى التأمل في موضع الحجة، فلما غاب هذا الكوكب وأفل قال: لا أحب اتخاذ الآفلين أربابًا، لأن الرب الحقيقي، الجدير بالربوبية، يستحيل عليه التغير والانتقال من حال إلى حال؛ لأن ذلك من شأن الحوادث فلم ينتفعوا بهذا الاستدلال(23).
فانتقل إلى الاستدلال التالي حين أبصر إبراهيم القمر قال مستعظمًا شأنه: إنه ربه، مجاراةً لقومه أيضًا، فلما أفل وغاب قال إبراهم: ﴿لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ ٧٧﴾ [الأنعام: 77]، قصد به تنبيه قومه للنظر في معرفة الرب الحق وأنه واحد، وأن الكوكب والقمر كليهما لا يستحقان ذلك، مع أنه عرّض في كلامه بأن له ربًّا يهديه وهم لا ينكرون عليه ذلك؛ لأنهم قائلون بعدة أرباب، وفي هذا تهيئة لنفوس قومه لما عزم عليه من التصريح بأن له ربًّا غير الكواكب.
ثم عرَّض بقومه أنهم ضالون وهيأهم قبل المصارحة للعلم بأنهم ضالون.
وإنما تريث إلى أفول القمر فاستدل به على انتفاء إلهيته، ولم ينفها عنه بمجرد رؤيته بازغًا، مع أن أفوله محقق بحسب المعتاد؛ لأنه أراد أن يقيم الاستدلال على أساس المشاهدة على ما هو المعروف في العقول؛ لأن المشاهدة أقوى.
فلما طلعت الشمس قال: ﴿هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ﴾، فعلل ربوبية الشمس بكونها أكبر من الكوكب والقمر، وهي أكثر إضاءة، فأولى باستحقاق الإلهية(24).
فلما غابت الشمس أعلن براءته مما كانوا يعبدون من دون الله، وأعلن الإيمان الذي استقر في قلبه حقًّا ويقينًا و بين عليه السلام بالحجة الدامغة على أن لا اله إلا الله عز وجل، والذي يستحق العبادة الذي أنشأ السموات والأرض وما فيهما مائلًا عن الاعتقادات الباطلة، إلى عقيدة التوحيد المؤيدة بالدلائل(25).
وعن هذا يقول الزمخشري رحمه الله تعالى: «فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤدّ إلى أن شيئًا منها لا يصح أن يكون إلهًا، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثًا أحدثها، وصانعًا صنعها، ومدبرًا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها، هذا ربّي، قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكى قوله كما هو غير متعصب لمذهبه؛ لأنّ ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب، ثم يكرّ عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة أنه لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حال إلى حال»(26).
ومن خلال ما سبق يتضح لنا أن القرآن الكريم قد أقام الحجة على المشركين بالله بالحوار بطريق الاستدلال العقلي للوصول إلى الحقيقة الكامنة بأن لا إله يستحق العبادة سوى الله جل جلاله.
ثانيًا: الهداية إلى الحق:
كشف الشبهات والرد على الأباطيل، لإظهار الحق وإزهاق الباطل هو واحد من مقاصد الحوار في القرآن الكريم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِتَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥].
ومن أمثلة هذه الحوارات الهادية للحق في القرآن الكريم:
1. حوار الرجل المؤمن مع صاحبه الكافر.
والحوار في الآيات التالية ينحو نحوًا إيجابيًّا لإحقاق الحق وإبطال الباطل، والآيات تقرر أن الطرفين المتحاورين ليسا عدوّين ابتداءً.
قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧ لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٣٨ وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا ٣٩ فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا ٤٠ أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا﴾ [الكهف: ٣٧-٤١].
وفى هذه الرؤية العاقلة، والحوار البناء نرى بصيصًا من نور في قلب وفكر يعرف طريق الحق، فينصح ويبذل الخير لغيره حتى يهتدى، يصور هذا كله في صورة رجلين:
أحدهما: له جنتان مثمرتان، وقد حوتا ألوان الثمار، وزخرتا بكل ألوان الجمال البادي في المياه الجارية، والزروع، والنخيل، والأعناب، مما كان دافعًا بصاحبها إلى الغرور، والتباهي على الآخر بكثرة ما لديه، وأنه لن يفنى أبدًا، وأن حظه في الآخرة، إن كانت هناك آخرة، سيكون أوفر ثراء، وأكثر رزقًا، ظلم نفسه بهذا التفكير الأخرق، وبكفره، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا، ونسيانه للآخرة، وبذلك عرضها للعقاب يوم القيامة(27).
والثاني: المؤمن الواعظ لأخيه الناصح له بالحوار الهادئ الزاجر عما هو فيه الآخر من الكفر الراضي عن الله عز وجل والذي ادخر ما عنده للآخرة التي هي خير وأبقى(28).
هذه صورة مؤلمة لمن يخدع بالمظاهر البراقة التي قد تخدع، وتغري بما لا تحمل في طياتها من القيم الرفيعة التي يعتز بها الإنسان، يخدع بمتاع زائل، وجاه عريض، وسلطان مزيف، ولذائذ رخيصة، وينسى تلك القيم التي تعلي من شأن الإنسان، وإن كان فقيرًا مجردًا من المال والسلطان، من جهاد النفس، والزهد في الحياة، والعلم، والعمل، والبذل في سبيل الدعوة فالحق بين وإن كان الباطل الخبيث أوفر حظًّا من الطيب(29).
وصيغة (يحاوره) و(تحاوركما) تقتضي المشاركة من الطرفين في هذا النقاش والحوار وأن كلًّا منهما يسمع للآخر دون مصادرة للرأي أو قصدٍ لمجرد الإفحام، والملاحظ أن الطرف المؤمن في هذا الحوار على درجة من الوعي الديني والثبات والعلم، فكان الهدف من هذا الحوار أن يرجع الكافر الضال عما هو فيه من الغي والظلم لنفسه ويعود للحق الذي لا مراء فيه، وأخيرًا اتضحت هذه الحقائق أمام عينيه وتكشفت الحقائق، فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهى خاوية على عروشها، ويقول ﴿يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا﴾ [الكهف: 42].
2. حوار موسى عليه السلام وفرعون.
﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ ٤٩ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠ قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ ٥١ قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه: 49-52].
أمر الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام بالتوجه إلى فرعون وإخباره أنهما رسولان من ربه، وأن يطلبا منه رفع العذاب عن بنى إسرائيل، ويخبراه أن السلام على من اتبع الهدى، والعذاب على من كذب وتولى فتوجها إليه وأبلغاه، فبدأ يناقشهما فيما جاءاه به.
وأول ما بدأ به مناقشته أن قال: إذا كنتما رسولي ربكما الذي أرسلكما فأخبراني من ربكما الذي تدعوني إلى الإيمان به يا موسى.
فكان جواب موسى عليه السلام لفرعون: ربّنا يعرف بصفاته، ولا يدرك بذاته، فهو الذي أعطى كل شيءٍ ما خلقه عليه من المادة والصورة والوظيفة، وأعطاه ما يحقق به ما خلق له، وهداه إلى تحقيقه(30).
فلما وضح الحق في جانب موسى عليه السلام وظهر جليًّا للعيان، خاف فرعون أن يتأثر الناس بما قاله موسى عليه السلام، فيكفوا عن القول بألوهيته، والاندماج في عبوديته، فلهذا وجه إليه سؤالًا يريد أن يحرجه به، ويظهر ضعفه أمام سامعيه، فقال له: إن كنت رسولًا يا موسى فأخبرنى: ما حال أهل القرون الماضية، وماذا جرى عليهم من الحوادث مفصلة؟ فقال موسى عليه السلام ﴿عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه: ٥٢].
فعلم أحوال القرون الماضية يختص به ربّى الذي أرسلني وما أنا إلا عبد له تعالى، فلا علم لي إلا بما أخبرني من شئون الرسالة، وقد بلغ من علم الله أنه تعالى لا يضل ولا يغيب عنه شيء في الوجود، فلا يفوته علم شيءٍ منه ابتداءً، ولا ينسى معلومًا دخل دائرة علمه، فقد أحصى وأحاط بكل شيءٍ علمًا أزلًا وأبدًا(31).
هذا هو ديدن الكفار والظالمين على مر الزمان، جدال عقيم من أجل إضلال الناس، وغطوا أعينهم عن الحق وأبوا إلا المشي في طريق الضلال وكذبوا الرسل بما جاؤوا به من عند الله، فقال الحق تعالى: ﴿كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۖ وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۭ بِرَسُولِهِمۡ لِيَأۡخُذُوهُۖ وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ فَأَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥].
يجادلون في آيات الله تعالى الواضحة البيان، المؤيدة بالبرهان، ويكفرون بالحق مع وضوحه، فهمت كل أمة برسولهم ليقتلوه، وخاصموا رسولهم بالباطل ليبطلوا بجدالهم إياه وخصومتهم له الحق الذي جاءهم به من عند الله، من الدخول في طاعته، والإقرار بتوحيده، والبراءة من عبادة ما سواه.
فما كان عقابهم إلا أن أخذ الله عز وجل الذين هموا برسولهم ليأخذوه بالعذاب، فأهلكهم وجعلهم للخلق عبرة، ولمن بعدهم عظة(32).
ونظير ذلك من قبيل المناظرة التي تهدف إلى إظهار الحق، وإقامة البرهان على صحته، وهي الطريقة التي يشتمل عليها جدل القرآن في هداية الكافرين وإلزام المعاندين، بخلاف مجادلة أهل الأهواء فإنها منازعة باطلة، قوله عز وجل: ﴿وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا﴾ [الكهف: ٥٦].
فهنا أيضًا يجادل الذين كفروا رسلهم بالجدال الباطل، ليزيلوا به الحق الذي جاء به هؤلاء الرسل ويدحضوه ويبطلوه، والله تعالى متم نوره ولو كره الكافرون، فإن الباطل مهما طال فإن مصيره إلى الاضمحلال والزوال(33).
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «ويستفاد من الآية أن كل إنسان يجادل من أجل أن يدحض الحق فإن له نصيبًا من هذه الآية، يعني: أن فيه نصيبًا من الكفر والعياذ بالله؛ لأن الكافرين هم الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق»(34).
ثالثًا: حل الخلافات:
الحوار الهادئ مفتاح للقلوب وطريق إلى النفوس الطيبة وسبيل مضمون لحل الخلافات.
قال تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: ١٢٥].
فالحوار المشتمل على الموعظة الحسنة التي يستحسنها السامع، وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها والتي تساعد في حل المشكلات، ولكن الداعي قد يحتاج مع الخصم الألد إلى استعمال المعارضة والمناقضة ونحو ذلك من الجدل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: ١٢5]، أي: بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة، وإنما أمر الله عز وجل بالمجادلة الحسنة لكون الداعي محقًّا وغرضه صحيحًا، وكان خصمه مبطلًا وغرضه فاسدًا، والغرض الرئيس من ذلك الجدال الحسن هو السير قدمًا نحو الأفضل(35).
فمن ثمرات الحوار تضييق هوة الخلاف، وتقريب وجهات النظر، وإيجاد حل وسط يرضي الأطراف في زمن كثر فيه التباغض والتناحر.
ومن ضمن المشكلات التي تحل بالحوار من أجل تقارب وجهات النظر ومحاولة إيجاد حلول مرضية المشاكل الزوجة، ولنا في القرآن الكريم أسوة حسنة في الحوار الجاد من أجل إنقاذ بيت الزوجية.
فعن عروة، قال: قالت عائشة رضي الله عنها: (تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: يا رسول الله، أكل شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني وانقطع له ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، قالت عائشة: فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]، قال: وزوجها أوس بن الصامت(36).
نلاحظ هنا:
- «أن المرأة المسلمة وقفت أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم تجادله وتحاوره وتبادله الحجة بالحجة، حتى إن القرآن يستدل في شأنها، ويستجيب الحق لندائها، وتكون قضيتها صدر سورة من كتاب الله خالدة ما بقيت السماوات والأرض»(37).
- بيان لما جبلت عليه المرأة المسلمة من شريف الخلال، ونبيل الخصال، وكريم الأخلاق، فهي في هذه القصة: مؤمنة تقية قوية الإيمان، عظيمة التقوى لله، تمنع نفسها زوجها حتى تعلم حكم الله ورسوله، وتلجأ إلى الله وحده في حرارة ورجاء أمل؛ تسأله أن ينزل تفريج كربها وحل لمشكلتها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم(38).
- وهي فقيهة ذكية الفؤاد تقرع الحجة بالحجة والدليل بالدليل، وتراها وفيّة لزوجها، أمينة على صحبته، حفيظة على حقوق عشرته، وتراها مربية فاضلة تقدر حياة الأسرة قدرها وتحافظ على كيانها، وتعلم أن الأسرة المبتورة لا خير فيها.
- هذه الصورة للجدال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تدلّ على حضور الله تعالى مع الناس، وما يصيبهم من مشكلات، وتدلّ على رعايته وتوجيهه لكل حدث في الأرض، صغير أو كبير، وأن تشعر جماعة من الناس أن الله هكذا معها، حاضر شؤونها، جليلها وصغيرها، معنيّ بمشكلاتها اليومية، مستجيب لأزماتها العادية، فالحوار من أمثل الطرق التي تؤدي إلى حل لهذه المشاكل بين الناس(39).
ثم يقرر أصل القضية، وحقيقة الوضع فيها والحل الجذري لمثل هذه المشاكل، فالحوار البناء الهادف هو الذي تنتج عنه الحلول، فكان الحل من رب السموات والأرض.
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٣ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٣-٤].
فهو علاج للقضية من أساسها إن هذا الظهار قائم على غير أصل، فالزوجة ليست أما حتى تكون محرمة كالأم، فالأم هي التي ولدت، ولا يمكن أن تستحيل الزوجة أما بكلمة تقال، إنها كلمة منكرة ينكرها الواقع(40).
ونلاحظ أن الخلافات بين الناس قد لا تحل نهائيًّا ولا تحسم القضية فيها، لكن الحوار على الأقل قد يزيل بعض ما في الصدور، حتى تجمع بين المختلفين على الأقل ليخف شيء من الشحناء إذن قد تكون غاية الحوار ليست بالضرورة أن تصل إلى ما تريد في هذه المرحلة، إنما تكون الغاية إيجاد حل وسط يرضي الأطراف، فأحيانًا يكون مقصود المحاور التعرف على وجهات نظر الأطراف الأخرى.
أما وقوع الخلاف بين الناس فقد أشار الله تعالى إلى أن الخلاف موجود، كما أن الله جعل الناس مختلفين في صورهم ومختلفين في أشكالهم؛ قال جل جلاله: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ﴾ [الروم: 22].
نبه تعالى على خلق السماوات والأرض واختلاف اللغات والألوان واختلاف ضروب بني آدم وأنواعهم(41).
هذا الاختلاف الخلقي يترتب عليه اختلاف في الرؤى، واختلاف في التصورات، ولهذا قال الله تعالى في مقام آخر: ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ ١١٨ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ﴾ [هود: 118-119]، فالخلاف موجود، ولا يمكن أن تنفك الدنيا عن الخلاف، ولو أراد الله تعالى أن يكون الناس جماعة واحدة في دينها وتقواها واتزان عقولها، بحيث لا يقع من أحد منهم كفر ولا إفساد، لو أراد الله عز وجل ذلك لوقع، ولكنه لم ولا يزال الناس مختلفين، بعضهم على الحق، وبعضهم على الباطل، بعضهم يستعمل عقله، ويسترشد مما رسمه له الرسل فيهتدى، وبعضهم لا ينتفع بذلك، بل يتبع هواه فيضل ويغوى(42).
ومن أروع نماذج الحوار الهادف لحل المشكلات في السنة المطهرة حوار عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه على الحوار حتى في أحلك الظروف وفي المواقف التي تستدعي أناة وترويًّا، ومثاله ما كان يوم الحديبية لما كتب الصلح ورأى بعض المسلمين فيها إجحافًا، وقع حوار بين بعضهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقًّا.
قال: (بلى).
قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل.
قال: (بلى).
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟
قال: (إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري).
قلت: أَوَ ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟
قال: (بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام).
قال: قلت: لا.
قال: (فإنك آتيه ومطوف به).
قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًّا؟
قال: بلى.
قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟
قال: بلى.
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟
قال: أيها الرجل إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه (43)، فوالله إنه على الحق.
قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟
قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟
قلت: لا.
قال: فإنك آتيه ومطوف به)(44).
أنواع الحوار في القرآن
لقد استخدم القرآن الكريم أسلوب الحوار، كأحد أهم الأساليب لإيصال دعوة التوحيد لكافة المكلفين، فكان منها الحوار العقدي، والذي يهدف لترسيخ العقيدة الصحيحة، والحوار الدعوي، والحوار العتابي، والحوار الإصلاحي، والحوار العلمي، وفيما يأتي تفصيل ذلك.
أولًا: الحوار العقدي:
إرساء العقيدة الصحيحة هو الأساس المتين الذي يقوم عليه صرح الإسلام العظيم؛ لذا فقد اهتم القرآن الكريم في إرساء تلك القواعد والمفاهيم من خلال أساليب كثيرة، والتي كان أبرزها أسلوب الحوار العقدي، والذي كان فيه الأنبياء وأقوامهم هم طرفي الحوار، وفيما يأتي بعضًا من تلك النماذج.
1. حوار نوح عليه السلام مع قومه.
أخبرنا الله عز وجل أنه بعث نوحًا رسولًا إلى قومه، حيث قال: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥٩﴾ [الأعراف: 59].
ونرى بأن حواره صيغ بصياغة واضحة بألفاظ دقيقة ومحددة الدلالات؛ لأن الكلمات الفضفاضة والتعابير المطاطة تلقى بالناس في متاهات لا صلة لها بالواقع.
قال تعالى: ﴿فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ ٢٧ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ ٢٨ وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ﴾ [هود: 27-29].
فلما دعا سيدنا نوح عليه السلام قومه إلى عبادة الله كان ردّهم: ﴿فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ﴾ [هود: 27]، قال الطبري: قال الكبراء من قوم نوح وأشرافهم الذين كفروا بالله وجحدوا نبوة نبيهم نوح عليه السلام: ما نراك يا نوح إلا بشرًا مثلنا، يعنون بذلك أنه آدمي مثلهم في الخلق والصّورة والجنس، كأنهم كانوا منكرين أن يكون الله يرسل من البشر رسولًا إلى خلقه(45).
بعد أن سمعهم سيدنا نوح عليه السلام وتأمل في أدلتهم وما اشتملت عليه من شبهات، رد عليهم بأسلوب رقيق وجذاب بأدلة تفنّد مزاعمهم: ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ ٢٨ وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ﴾ [هود: 28-29](46).
قال المراغي: بعد أن ذكر مقالتهم وطعنهم في نوح عليه السلام بتلك الشبه السالفة، قفى على ذلك بدحض نوح لها، ورد شبهات أخرى قد تكون صدرت منهم ولم يحكها، لعلها من الرد عليها، وربما لم يقولوها وإن كان كلامهم يستلزمها، وهذا من خواصّ أسلوب الكتاب الكريم، وسرّ من أسرار بلاغته(47).
فلقد ردّ نوح على كل شبهة على حده، وحاول أن يرجعهم إلى الموضوع الرئيسي وهو عبادة الله.
2. حوار إبراهيم عليه السلام مع قومه.
حاور إبراهيم عليه السلام أبيه وقومه وعلى رأسهم الطاغية النمرود حوارات متعددة، وذلك لإرساء قواعد العقيدة الصحيحة، وكانت حواراته كلها مفعمة بأدب الحوار، وتبيين ذلك فيما يلي:
أولًا: في كلامه الموجّه إلى رب العالمين والذي يظهر في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ ٧٩ وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ﴾ [الشعراء: 79-80]، أسند المرض إلى نفسه تأدبًا في كلامه الموجّه إلى الله، وأسند الشفاء إلى الله، وإلا فالممرض والشافي هو الله تعالى بإجماع أهل الدين(48).
ثانيًا: في حواره مع أبيه آزر حينما قال له: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا﴾ [مريم: 46]، تهديد من الأب بالرجم والهجر الطويل، فما كان من نوح إلا أن قال: ﴿قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا﴾ [مريم: 47]، إنه أدب الحوار، وردّ نية الإساءة بالإحسان، قال الرازي: «واعلم أن إبراهيم عليه السلام رتب هذا الكلام في غاية الحسن؛ لأنه نبه أولًا على ما يدل على المنع من عبادة الأوثان، ثم أمره باتباعه في النظر والاستدلال وترك التقليد، ثم نبه على أن طاعة الشيطان غير جائزة في العقول، ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام على ما لا ينبغي، ثم إنه عليه السلام أورد هذا الكلام الحسن مقرونًا باللطف والرفق، فإن قوله في مقدمة كل كلام: ﴿يَٰٓأَبَتِ﴾ دليل على شدة الحب والرغبة في صونه عن العقاب وإرشاده إلى الصواب، وختم الكلام بقوله: ﴿إِنِّيٓ أَخَافُ﴾ وذلك يدل على شدة تعلق قلبه بمصالحه»(49).
ثالثًا: حتى في حواره مع الملائكة مع جهله بحقيقتهم في بداية الأمر فقد ظنهم ضيوفًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجۡلٍ حَنِيذٖ﴾ [هود: 69].
يبيّن أدب المعاملة وكرم الضيافة حتى مع الأغراب فقد قالوا له سلامًا، فرد عليهم بقوله: سلامٌ، أي: عليكم، قال علماء البيان: هذا أحسن مما حيّوه به؛ لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام(50).
رابعًا: في حواره مع أبنائه عندما وصّاهم بالتمسك بالدين في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [البقرة: 132].
ويظهر ما في لهجته مع أبنائه من تحبب وتقرب يدلان على أدب رفيع في الحوار مع الآخرين، متلازمًا مع غرز عقيدة الإسلام الصحيحة؛ والتي تمثلت بالتمسك بالإسلام الذي هو الشق العقدي من رسالة الأنبياء جميعًا، وقضية الموت عليه؛ فقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾: إيجاز بليغ، وذلك أنّ المقصود من أمرهم بالإسلام الدوام عليه، فأتى بلفظ موجزٍ يقتضي المقصود، ويتضمّن وعظًا وتذكيرًا بالموت، وذلك أن المرء يتحقّق أنه يموت، ولا يدري متى، فإذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إلاّ وهو عليه، فقد توجّه من وقت الأمر دائبًا لازمًا.
خامسًا: في حواره مع الكفار والنمرود الذي ادّعى الألوهية وهو واحد منهم؛ ويتضح ذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 258].
وفي هذا الحوار أيضًا تناول قضية الربوبية والتي تمثلت في قضية الإحياء والإماتة، وقضية التحكم بالشمس التي جزء من الكون الفسيح؛ قال السمعاني: «كانت تلك المحاجة في الربوبية من نظر الملك وطغيانه»(51).
وبعد هذا، فليس غريبًا أن يقول الله تعالى في سيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [النحل: 120]، وقد امتزج إرساء قواعد العقيدة بالأدب الحواري الجم.
3. حوار شعيب عليه السلام مع قومه.
أرسل الله تعالى نبيه شعيبًا عليه السلام إلى أصحاب الأيكة، وهم مدين؛ ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۗ﴾ [الأعراف: 85].
وقد اشتملت قصته مع قومه على أفضل الأساليب في الحوار مع الطرف الآخر، لتبليغ دعوة الله، حيث اشتمل حواره على الجانبين: جانب العقيدة، وجانب الحياة، وقد برع وأبدع في حواره حيث لون في الخطاب، ورغب ورهب، وفيما يلي بيان ذلك:
قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۗ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨٥ وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨٦ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٞ مِّنكُمۡ ءَامَنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٞ لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ فَٱصۡبِرُواْ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ بَيۡنَنَاۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٧ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ ٨٨ قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ﴾ [الأعراف: 85-89].
عند تحليل حوار شعيب مع قومه نقف على براعة الحوار وقوة الأسلوب لتحقيق الأهداف، ويظهر ذلك فيما يأتي (52):
- بدأ شعيب عليه السلام دعوة قومه بالتوحيد، وهي الدعوة التي جاء بها جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام؛ لأن الخصم إذا آمن بالله وحده، واستسلم له، فإنه يمتثل لكل ما أمر الله به ونهى عنه، ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ﴾، وفي العنكبوت: ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ﴾ [العنكبوت: 36]؛ فوحدانية الله هي القاعدة التي يعلم أن منها تنبثق كل مناهج الحياة، وكل أوضاعها، كما أن منها تنبثق قواعد السلوك والخلق والتعامل، ولا تستقيم كلها إلا إذا استقامت هذه العقيدة. ولقد جرت سنة الأنبياء أن يبدأوا بدعوة أقوامهم إلى التوحيد، ثم علاج المشكلات القائمة عندهم(53).
- استعمال الألفاظ المحببة: ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ﴾ [الأعراف: ٦٥].
- استعمال الفصاحة والبيان والبلاغة: فشعيب عليه السلام هو خطيب الأنبياء، وحواره مع قومه كان حوارًا فصيحًا بليغًا، بعيدًا عن الغموض والتشدق، والمقصود أن يتكلم المحاور عندما يحاور الآخرين، بكلام واضح مفهوم، ليس فيه غموض ولا لبس.
- تلوين الخطاب في الحوار: للنهي عن المخالفات الخطيرة التي يفعلها قومه بأكثر من أسلوب، فبعد أن نهى شعيب عليه السلام قومه عن الشرك، ودعاهم للتوحيد، وجههم إلى الالتزام بطاعة الله، حذرهم من معاصي خطيرة تهدد وجودهم ومصيرهم، ومن أبرز ذلك: لا شك أن أعظم مخالفة كان يفعلها قوم شعيب بعد الشرك، هي: التطفيف في الكيل والميزان، وبخس الناس أشياءهم.
- ضبط النفس: فقد اتهموه بالسحر والكذب، فلم ينفعل، ولم يغضب، بل تحلى بسعة الصدر، وهكذا الداعية المسلم المحاور، ﴿قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ [هود: 87](54).
- الإقناع بالأدلة والبراهين والحجج الدامغة: فقد ردّ شعيب عليه السلام على قومه بالأدلة المقنعة، فبهتهم، ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]، هذا تلطف معهم في العبارة ودعوة لهم إلى الحق بأبين إشارة. يقول لهم: أرأيتم إن كنت على أمر بيّن من الله تعالى، وأنه أرسلني إليكم، ورزقني النبوة والرسالة، وعمي عليكم معرفتها، فأي حيلة لي فيكم(55)، وهكذا يبين المحاور أنه يمتلك الحجة والدليل، وأن رأيه ليس مبنيًّا على الهوى والمزاج.
- الثبات عند الخلاف على العقيدة: «لقد وقف شعيب عليه السلام عند النقطة التي لا يملك أن يتزحزح وراءها خطوة، إنها عقيدة الوحدانية التي لا يملك أي محاور التنازل عنها، تحت أي ضغط أو أي تهديد من الطواغيت وإلا لتنازل كلية عن الحق الذي يمثله؛ ﴿قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ ٩١ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيٓ أَعَزُّ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ﴾ [هود: ٩١-٩٢].
- طلب النصرة من الله: فشعيب عليه السلام استفتح على قومه، واستنصر ربه عليهم في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال: ﴿رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]، إنه يعرف مصدر القوة، وملجأ الأمان، ويعلم أن ربه هو الذي يفصل بالحق بين الإيمان والطغيان، ويتوكل على ربه وحده في خوض المعركة المفروضة عليه وعلى المؤمنين معه، والتي ليس منها مفر، إلا بفتح من ربه ونصر.
ثانيًا: الحوار العلمي:
هذا النوع من الحوار الذي يكون موضوعه التعليم والتلقين ظهر واضحًا جليًّا في قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح، والتي حملت في ثناياها دروسًا كثيرة في التواضع وأدب المتعلم واحترام العلماء.
قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا ٦٥ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا ٦٦ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٦٧ وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا ٦٨ قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا ٦٩ قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا﴾ [الكهف: 65-70].
هذه رحلة موسى بن عمران نبي بني إسرائيل مع فتاه يوشع عليهما السلام للقاء العبد الصالح، وهو الخضر عليه السلام، لتعليمه التواضع في العلم، وأنه وإن كان نبيًّا مرسلًا، فقد يكون بعض العباد أعلم منه، وفي هذا من الفقه: رحلة العالم لطلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب، واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء، وإن بعدت أقطارهم، كما كان دأب السلف الصالح(56).
وقد اشتمل ذلك الحوار على مجموعة كبيرة من آداب المتعلم والتي منها:
- لقد جعل موسى عليه السلام نفسه تبعًا للعبد الصالح رغم كونه هو النبي وقال: ﴿هَلۡ أَتَّبِعُكَ﴾، وفي هذا دليل على التواضع للعالم، وفي هذه القصة دليل على الحث على الرحلة في طلب العلم، وعلى حسن التلطف والاستنزال والأدب في طلب العلم، بقوله: ﴿هَلۡ أَتَّبِعُكَ﴾، وفيه المسافرة مع العالم لاقتباس فوائده(57).
- أنه استأذن في إثبات هذه التبعية، فقال: هل تأذن لي أن أجعل نفسي تابعًا لك؛ ﴿قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ﴾، وهذه مبالغة عظيمة في التواضع.
- أنه قال: ﴿عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ﴾، وهذا إقرار منه على نفسه بعدم المعرفة، وعلى أستاذه بالعلم.
- أنه قال: ﴿مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا﴾، وصيغة ما للتبعيض، فطلب منه تعليم بعض ما عّلمه الله، وهذا أيضًا يشعر بالتواضع، كأنه يقول له: لا أطلب منك أن تجعلني مساويًا في العلم لك، بل أطلب منك أن تعطيني جزءًا من أجزاء علمك، كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزءًا من أجزاء ماله.
- إنّ قول موسى: ﴿مِمَّا عُلِّمۡتَ﴾ اعتراف بأن الله علمه ذلك العلم.
- إن قوله: ﴿رُشۡدٗا﴾ فيه طلب للإرشاد والهداية، والإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل لحصلت الغواية.
- إن قوله: ﴿أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا﴾ معناه: أنه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامل الله به، وفيه إشعار بأنه يكون إنعامك عليّ عند هذا التعليم شبيهًا بإنعام الله عليك في هذا التعليم(58).
- وفي قول العبد الصالح لموسى عليه السلام: ﴿وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا﴾ [الكهف: ٦٨]، احترام للعقل الذي يؤمن بالأمور الظاهرة، وقد ينكر الأمور الغائبة؛ قال الطبري: «وكيف تصبر يا موسى على ما ترى مني من الأفعال التي لا علم لك بوجوه صوابها، وتقيم معي عليها، وأنت إنما تحكم على صواب المصيب وخطأ المخطئ بالظاهر الذي عندك، وبمبلغ علمك، وأفعالي تقع بغير دليل ظاهر لرأي عينك على صوابها، لأنها تبتدئ لأسباب تحدث آجلة غير عاجلة، لا علم لك بالحادث عنها، لأنها غيب، ولا تحيط بعلم الغيب خبرًا»(59).
- ويظهر في توجيهات العبد الصالح لموسى عليه السلام أدب المتعلم حيث علمه تلك القاعدة الأدبية: ﴿قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا﴾ [الكهف: ٧٠]، ﴿قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي﴾ أي: إذا رأيت مني شيئًا خفي عليك وجه صحته، فأنكرت في نفسك فلا تفاتحني بالسؤال حتى أكون أنا الفاتح عليك، وهذا من أدب المتعلم مع العالم المتبوع(60)، وقال أبو السعود: وفي قوله: ﴿فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ﴾ التزام موسى عليه السلام للصبر والطاعة، وهذا من أدب المتعلم من العالم والتابع مع المتبوع(61).
- وقد ظهر الحرص على التعلم مقرونًا بالاستعانة بالله، وذلك في قول موسى عليه السلام: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا﴾ [الكهف: ٦٩]، فقد طلب موسى عليه السلام لحرصه على العلم وازدياده، أن يستطيع معه صبرًا بعد إفصاح الخضر عن حقيقة الأمر، فوعده بالصبر معلقًا بمشيئة الله، علمًا منه بشدّة الأمر وصعوبته، وأن الحمية التي تأخذ المصلح عند مشاهدة الفساد شيء لا يطاق(62).
ثالثًا: الحوار الدعوي:
الحوار الدعوي من الأساليب الناجعة لتبليغ دعوة الله واقناع الآخرين، وإبراز الصورة واضحة جلية، وقد استخدم القرآن الكريم هذا الأسوب كثيرًا، ومثاله: قصة صاحب الجنتين حيث تضرب مثلًا للقيم الزائلة والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة، والنفس المعتزة بالله، وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس، صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري، تذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى القوة الكبر التي تسيطر على أقدار الناس والحياة، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة ولا الجاه.
وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه، الذاكر لربه، يرى النعمة دليلًا على المنعم، موجبة لحمده وذكره، لا لجحوده وكفره.
قال تعالى: ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢ كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣ وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤ وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥ وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦ قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧ لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٣٨ وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا ٣٩ فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا ٤٠ أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا ٤١ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا﴾ [الكهف: 32-42].
تخبرنا آيات القصة عن وجود رجلين في الماضي، كان بينهما صلة وصحبة، أحدهما مؤمن، والآخر كافر، وقد أبهمت الآيات اسميّ الرجلين، كما أبهمت تحديد زمانهما ومكانهما وقومهما، فلا نعرف من هما، ولا أين عاشا، ولا في أيّ زمان وجدا، وقد ابتلى الله الرجل المؤمن بضيق ذات اليد، وقلة الرزق والمال والمتاع، لكنه أنعم عليه بأعظم نعمة، وهي نعمة الإيمان واليقين والرضا بقدر الله وابتغاء ما عند الله، وهي نعمٌ تفوق المال والمتاع الزائل، أما صاحبه الكافر فقد ابتلاه الله بأن بسط له الرزق، ووسّع عليه في الدنيا، وآتاه الكثير من المال والمتاع، ليبلوه هل يشكر أم يكفر؟ وهل يطغى أم يتواضع؟ وقد دار بينهما حوار دعوي مفعم باللفتات الدعوية التربوية والتي نذكر منها ما يأتي:
- في قوله: ﴿أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا﴾.
- قال الرازي: اعلم أن المقصود من هذا أن الكفار افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين فبين الله تعالى أن ذلك مما لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الفقير غنيًّا والغني فقيرًا، أما الذي يجب حصول المفاخرة به فطاعة الله وعبادته وهي حاصلة لفقراء المؤمنين، وبين ذلك بضرب هذا المثل المذكور في الآية(63).
- وقال السعدي: الافتخار بأمر خارجي ليس فيه فضيلة نفسية، ولا صفة معنوية، وإنما هو بمنزله فخر الصبي بالأماني، التي لا حقائق تحتها، ثم لم يكفه هذا الافتخار على صاحبه، حتى حكم، بجهله وظلمه(64).
- وفي قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥ وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦﴾ [الكهف: ٣٥-٣٦]:
- اطمئنان الرجل إلى الدنيا ورضاه بها وإعجابه بجنتيه حتى نسي أن الدنيا لا تبقى لأحد.
- القياس الفاسد وإنكار البعث؛ حيث ظن أن الله لما أنعم عليه في الدنيا فلابد أن ينعم عليه في الآخرة، ولا تلازم بين هذا وذاك، بل إن الكفار ينعّمون في الدنيا وتعجّل لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ولكنهم في الآخرة يعذّبون.
- تمرده وعناده ؛ لقوله: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي﴾ قاله على وجه التهكم والاستهزاء!.
- الغالب أن الله يزوي الدنيا عن أوليائه وأصفيائه، ويوسّعها على أعدائه الذين ليس لهم في الآخرة من نصيب (65).
- وفي قوله: ﴿قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧ لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا﴾ [الكهف: ٣٧-٣٨].
- إن عزة الإيمان في النفس المؤمنة تنتفض، فلا تبالي المال والنفر، ولا تداري الغنى والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا تجامل فيه الأصحاب. وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال، وأن ما عند الله خير من أعراض الحياة، وأن فضل الله عظيم وهو يطمع في فضل الله، وأن نقمة الله جبارة وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرين.
- نصح صاحبه المؤمن له وتذكيره بنعم الله عليه، وكيف خلقه ونقله من طور إلى طور، ويسر له الأسباب، فكيف يليق بك أن تكفر بالله ؟!.
- أن منكر البعث كافر، وفي قول المؤمن ﴿هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي﴾ دليل على أن صاحب الجنتين قد أشرك.
- أن في تذكر الإنسان مبدأ أمره وخلقه موعظة عظيمة وذكرى(66).
- وفي قوله: ﴿وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا﴾ [الكهف: ٣٩].
- أن نعمة الله على الإنسان بالإيمان والإسلام ولو مع قلة المال والولد هي النعمة الحقيقية، وما عداها معرض للزوال والعقوبة.
- ينبغي للإنسان إذا أعجبه شيء أن يقول: ﴿مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ﴾ حتى يفوض الأمر إلى الله لا إلى حوله وقوته.
- من اعترف بفضل الله عليه، فإنه يبارك الله له فيما أعطاه، وأما من أشر وبطر، فلا يبارك الله له فيما آتاه ولا ينتفع به.
- أن ما عند الله خير وأبقى، وما يرجى من خيره وإحسانه أفضل من جميع الدنيا التي يتنافس فيها المتنافسون(67).
- وفي قوله: ﴿فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]:
- الإرشاد إلى التسلي عن لذات الدنيا وشهواتها بما عند الله من الخير.
- الدعاء بتلف مال من كان ماله سبب طغيانه وكفره وخسرانه، خصوصًا إن فضّل نفسه بسبب ماله على المؤمنين وفخر عليهم.
- أن دعاء المؤمن على جنتيّ الكافر كان غضبًا لله ؛ لكونها غرته وأطغته، لعله ينيب ويراجع رشده ويبصر في أمره.
- لا حرج على الإنسان أن يدعو على ظالمه بمثل ما ظلمه.
- في قوله: ﴿حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾، خص السماء لأن ما جاء من الأرض قد يدافع، لكن ما نزل من السماء يصعب دفعه ويتعذر. ابن عثيمين
- قوله: ﴿خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ﴾، أي: أفضل منها، وهي جنة الآخرة، وجنة الدنيا هي الفرح بفضل الله والالتذاذ بطاعته، والاغتباط بالأعمال الصالحة، والأنس بذكر الله وشكره، فهذا خير من متاع الدنيا متاع الغرور(68).
- وفي قوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا﴾ [الكهف: ٤٢]:
- استجابة الله لدعاء من دعاه.
- كان مآل الجنتين الانقطاع والاضمحلال، وكأنه لم يتمتع بها.
- الندم بعد فوات الأوان لا ينفع، إنما ينتفع من سمع القصة واعتبر بها.
- أن ما افتخر به لم يدفع عنه من العذاب شيئًا.
- أن سبب عقوبته لأنه أشرك بالله، ونسب نعمة الله إلى غيره، وفضل الله إلى نفسه وقوته وحيلته، وتناسى عطاء الله له(69).
رابعًا: الحوار العتابي:
الحوار العتابي نوع من أنواع الحوارات المختلفة، يتعاتب الفرقاء فيما اختلفوا فيه، وقد يتعاتب الرؤساء والمرؤوسين فيه يوم يكونون سواء أمام رب العالمين، كما ويتعاتب أهل النار وهم في النار وكلٌّ منهم يلقي المسؤولية على الآخر، ويكون نقاشهم عقيمًا لا فائدة ترجى منه، وفيما يأتي بعض النماذج لذلك الحوار:
1. حوار ابني آدم عليه السلام.
يقدم هذا الحوار نموذجًا لطبيعة الشر والعدوان ونموذجًا كذلك من العدوان الصارخ الذي لا مبرر له. كما تقدم نموذجًا لطبيعة الخير والسماحة ونموذجًا كذلك من الطيبة والوداعة. وتقفهما وجهًا لوجه، كل منهما يتصرف وفق طبيعته، وترسم الجريمة المنكرة التي يرتكبها الشر، والعدوان الصارخ الذي يثير الضمير ويثير الشعور بالحاجة إلى شريعة نافذة بالقصاص العادل، تكف النموذج الشرير المعتدي عن الاعتداء وتخوفه وتردعه بالتخويف عن الإقدام عن الجريمة فإذا ارتكبها- على الرغم من ذلك- وجد الجزاء العادل، المكافئ للفعلة المنكرة، كما تصون النموذج الطيب الخير وتحفظ حرمة دمه، فمثل هذه النفوس يجب أن تعيش، وأن تصان، وأن تأمن في ظل شريعة عادلة رادعة.
قال تعالى: ﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧ لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩ فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٣٠ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ٣١ مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ ٣٢﴾ [المائدة: 27-32].
ولقد ظهر في الحوار بعض اللطائف واللفتات والتي نذكر منها ما يأتي:
- العبرة في قصة ابني آدم عليه السلام أن الحسد كان سبب أول جريمة قتل في البشر، وأنه هو أس المفاسد والمعايب والرذائل في المجتمع، فالأمة المتحاسدة متمزقة متعادية متباغضة، لا تجتمع على خير، ولا تلتقي على فضيلة، ولا تتعاون على بر وصلاح وتقدم، مما يؤدي إلى الضعف والذل والهوان وعبودية أفرادها لمن سواهم(70).
- إن ابني آدم هذين في موقف لا يثور فيه خاطر الاعتداء في نفس طيبة، فهما في موقف طاعة بين يدي الله.
- إنّ اللّه تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متقٍ(71).
- لم يسم الله تعالى المتقبل منه والذي لم يتقبل منه إذ لا جدوى لذلك في موقع العبرة، وإنما حمله على قتل أخيه حسده على مزية القبول، والحسد أول جريمة ظهرت في الأرض(72).
- وقوله: ﴿لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي﴾ إلخ موعظة لأخيه ليذكره خطر هذا الجرم الذي أقدم عليه، وفيه إشعار بأنه يستطيع دفاعه ولكنه منعه منه خوف الله تعالى(73).
- ﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا﴾ دليل على الاستفادة من تجارب الآخرين.
- قال ابن القيم: تأمل الحكمة في إرسال الله تعالى لابن آدم الغراب المؤذن اسمه بغربة القاتل من أخيه وغربته هو من رحمة الله وغربته من أبيه وأهله واستيحاشه منهم واستيحاشهم منه. والغراب أحد الفواسق الخمسة، وفعل ابن آدم وهو القتل من أعظم الفسق فناسب ما بعث إليه هذا الفعل، والله أعلم بمراد كتابه(74).
- ودلت آية: ﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ﴾ على تشريع القصاص في حق القاتل على بني إسرائيل. وقوله: ﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ﴾ ليس إشارة إلى قصة قابيل وهابيل، بل هو إشارة إلى ما ذكر في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام وهو القتل العمد العدوان(75).
2. الحوار بين الأتباع والمتبوعين.
هذا الحوار من الحوارات العقيمة بالنسبة لجدواها للمتحاورين، حيث لا تجلب لهم نفعًا، فهم يتعاتبون بعد انقضاء وقت العمل، ويتمنوا لو تكون لهم كرة ليتبرأوا منهم، وتكون عاقبة أمرهم خسرًا، ويريهم الله أعمالهم حسرات.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ ١٦٥ إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ ١٦٦ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 165-167].
لقد تضمنت الآيات السابقة مجموعة من الفوائد والدروس والعبر والتي نذكر منها:
- يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا له أندادًا، أي: أمثالًا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ندّ له، ولا شريك معه(76). وهؤلاء الذين يتخذون الأنداد مع الله، لا يسوونهم بالله في الخلق والرزق والتدبير، وإنما يسوونهم به في العبادة، فيعبدونهم، ليقربوهم إليه، وفي قوله: ﴿يَتَّخِذُ﴾ دليل على أنه ليس لله ند، وإنما المشركون جعلوا بعض المخلوقات أندادًا له، تسمية مجردة، ولفظًا فارغًا من المعنى، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ﴾ [الرعد: ٣٣](77).
- من أسباب الحب: اعتقاد المحب أن في المحبوب قدرة فوق قدرته، ونفوذًا يعلو نفوذه، مع ثقته بأنه يهتم لأمره، ويعطف عليه بحيث يمكنه اللجأ إليه عند الحاجة فيستعين به على ما لا سبيل له إليه بدونه، فهذا الاعتقاد يحدث انجذابًا من المعتقد يصحبه شعور خفي بأن له قوةً عاليةً مستمدةً ممن يحب، ويعظم هذا النوع من الحب بمقدار ما يعتقد في المحبوب من الصفات والمزايا التي بها كان مصدر المنافع وركن اللاجئ، وكل ما للمخلوق من ذلك فهو داخل في دائرة الأسباب والمسببات والأعمال الكسبية(78).
- وفي قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ﴾ حبًّا مطلقًا من كل موازنة، ومن كل قيد، أشد حبًّا لله من كل حب يتجهون به إلى سواه، والتعبير هنا بالحب تعبير جميل، فوق أنه تعبير صادق، فالصلة بين المؤمن الحق وبين الله هي صلة الحب، صلة الوشيجة القلبية، والتجاذب الروحي، صلة المودة والقربى، صلة الوجدان المشدود بعاطفة الحب المشرق الودود.
- موقف المشركين يوم القيامة عندما يرون جزاء أعمالهم وجزاء إتباعهم لرؤسائهم على معصية الله تعالى، حينما يرون العذاب هو التخلي، قال تعالى: ﴿وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. قال ابن كثير: «لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعًا، أي: إن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره، وغلبته، وسلطانه»(79)، ثم يبدأ المتبوعون بالتخلي عن أتباعهم(80).
- إن أعظم جريمة عند اللّه هي: الشرك به قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ﴾ [النساء: 48]، وفي الصحيحين عن عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أيّ الذنب أعظم عند الله ؟ قال: (أن تجعل للّه ندًّا وهو خلقك)(81)(82).
- تحذير العلماء من أن يتخذوا السلاطين أندادًا من دون الله، و«هم علماء الدنيا فإنهم يحلون لمرضاتهم ويحرمون، ويخالفون النصوص الصريحة بضروب سخيفة من التأويل لموافقة أهوائهم، فإن لم يفتوهم بخلاف النص التماسًا لخيرهم، أو هربًا من سخطهم كتموا حكم الله من أجل ذلك، فترى أحدهم إذا سئل: أهذا حق أم باطل وحلال أم حرام ؟ يغض من صوته بالجواب، ولا يجهر بالقول مداراةً للعوام، إذا كان الجواب على غير ما هم عليه، ولا سيما إذا كان هؤلاء العامة من الأغنياء وأصحاب السلطة(83).
- «يتبرأ العابدون أيضًا من معبوديهم، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا حتى يعملوا صالحًا ويتبرأوا من الآلهة المزعومة، بل إنهم يطلبون من اللّه مضاعفة العذاب لهم، كما قال اللّه تعالى: ﴿يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠ ٦٦ وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠﴾ [الأحزاب: 66-67]، وهم في هذا التمني كاذبون، بل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون»(84).
- دلت الآيات على أن الإتباع في غير طريق الله شرك يعقب ندامة يوم القيامة فلينظر الإنسان من يتبع ؟ وعلى ماذا ؟ وبماذا؟ وإلا فإنه سيكون من النادمين فإذا قال الله: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 31] لمن تابعوا رجال دينهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، فكيف بمن يتبع من لا يعترف بحلال وحرام أصلًا؟!(85).
- لا عذر لأحد في التقليد المحض ولا الاتباع المحض، فالاتباع لا بد أن يكون مبنيًّا على بصيرة وعلم، وليس على هوى ومعصية، ولا يعذر الإنسان في اتباع مثل هذا الاتباع(86).
- قوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ دليل على خلود الكفار فيها، وأنهم لا يخرجون منها، وهذا قول جماعة أهل السنة لهذه الآية، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ﴾[الأعراف: 40](87)، وهذا الخلود والاشتراك في العذاب إنما يعم الأتباع والمتبوعين.
3. التحاور بين أهل النار.
كما في الجنة نعيمٌ مادي ونعيمٌ معنوي، هناك في النار أيضًا عذاب مادي وآخر نفسي معنوي، والذي يتمثل في التشفّي والانتقام من بعضهم البعض، ولقد ظهر واضحًا جليًّا في محاورة أهل النار لبعضهم وتعاتبهم الذي أفضى لطلب المزيد من العذاب، وفيما يلي توضيح ذلك:
قال الله تعالى: ﴿فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ٣٧ قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ ٣٨ وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ﴾ [الأعراف: 37-39].
أخبر الله تعالى في هذه الآيات الكريمات أنه لا أحد أخطأ فعلًا، وأجهل قولًا، وأبعد ذهابًا عن الحق والصواب ممن اختلق على الله زورًا من القول، فقال إذا فعل فاحشة: إن الله أمرني بها، أو كذب بأدلته، وأعلامه الدّالة على وحدانيته، ونبوّة أنبيائه، فجحد حقيقتها ودافع صحتها، فهذا سينال العقاب من الله تعالى، وسيصل إليه حظهم مما كتب الله له في اللوح المحفوظ، وسيأخذوا حظوظهم التي قدرها الله تعالى لهم في الدنيا، إلى أن يتوفاهم فينالوا مصيرهم في الآخرة(88).
ولقد تضمنت هذا الآيات العديد من الدروس والعبر واللفتات والهدايات، نقتطف منها ما يأتي:
- ﴿قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ﴾ [الأعراف: ٣٨]، أي: يقول الله لكفار العرب، وهم المفترون الكذب والمكذبون بالآيات وذلك يوم القيامة «وعبر بالماضي لتحقّق وقوعه، وقوله ذلك على لسان الملائكة»(89): ﴿ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم﴾ على مذهبكم ﴿مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ﴾، يعني: النار ﴿أُمَّةٞ﴾: جماعة، ﴿لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ﴾ يعني: «لعنت الأمة التي دخلت قبلها النار»(90)، «إذ هي قد ضلّت باتّباعها وتقليدها في الكفر، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ﴾[العنكبوت: 25].وهكذا يلعن أصناف الكفار بعضهم بعضًا، ويتبرّأ بعضهم من بعض»(91)، قال مقاتل: «يعني: لعنوا أهل ملتهم»(92)، فيلعن المشركون المشركين واليهود اليهود، وكذلك النصارى النصارى والمجوس المجوس ويلعن الأتباع القادة يقولون: لعنكم الله أنتم غررتمونا(93).
- ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا﴾، أي: تداركوا بمعنى تلاحقوا واجتمعوا في النار، ﴿قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ﴾ منزلة، وهي: الأتباع والسفلة ﴿لِأُولَىٰهُمۡ﴾ منزلة، وهي القادة والرؤوس، ومعنى ﴿لِأُولَىٰهُمۡ﴾: لأجل أولاهم؛ لأن خطابهم مع الله لا معهم، ﴿عَذَابٗا ضِعۡفٗا﴾: مضاعفًا، ﴿لِكُلّٖ ضِعۡفٞ﴾(94)، «للقادة ضعف؛ لغوايتهم وإغوائهم؛ لضلالهم وإضلالهم، وللأتباع ضعف؛ لكفرهم؛ ولاقتدائهم؛ ولتقويتهم أمر القادة، فلولا الأتباع ما كان للقادة سلطان، أو للمستقدمين ضعف بضلالهم وإضلالهم، وللمتأخرين ضعف بضلالهم ومتابعتهم»(95).
- ﴿وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ﴾، أي: الرؤساء قالوا لأتباعهم: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ﴾ أي: قد اشتركنا جميعًا في الغي والضلال، وفي فعل أسباب العذاب، فأي فضل لكم علينا، ﴿فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ﴾، ولكنه من المعلوم أن عذاب الرؤساء، وأئمة الضلال أبلغ وأشنع من عذاب الأتباع، كما أن نعيم أئمة الهدى ورؤسائه أعظم من ثواب الأتباع، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ﴾ [النحل: 88]، فهذه الآيات ونحوها، دلت على أن: سائر أنواع المكذبين بآيات اللّه مخلدون في العذاب، مشتركون فيه وفي أصله، وإن كانوا متفاوتين في مقداره، بحسب أعمالهم وعنادهم وظلمهم وافترائهم، وأن مودتهم التي كانت بينهم في الدنيا تنقلب يوم القيامة عداوة وملاعنة(96).
- شر الظلم ما كان كذبًا على الله تعالى، وتكذيبا بشرائعه(97).
- بينت هذه الآيات أن هؤلاء الناس اجتمعوا في الدنيا على الباطل، ثم يوم القيامة تتفكك الروابط، وتنقلب المحبة إلى عداوة وبغضاء، كانت هذه الأمم، والجماعات، والفرق في الدنيا من الولاء بحيث يتبع آخرها أولها، ويملي متبوعها لتابعها، فلننظر اليوم كيف تكون الأحقاد بينها، وكيف يكون التنابز فيها، كلما دخلت أمة لعنت أختها، فما أبأسها نهاية تلك التي يلعن فيها الابن أباه، ويتنكر فيها الولي لمولاه، وهذا كما أخبر الله تعالى: ﴿ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [الزّخرف:67]، «السّادة والأتباع في الكفر سواء، يدخلون النّار، ويضاعف لهم العذاب، إما بالإضلال وهو فعل السّادة، أو بالتّقليد وإهمال العقل، وهو فعل الأتباع، والتّعذيب ليس تشفّيًا وانتقامًا، وإنما هو بسبب اقتراف السّيئات واعتقاد الكفر»(98).
- بينت الآيات أن من أعظم أسباب الانحراف لدى الناس هو: التقليد الأعمى لبعضهم في مسائل الاعتقاد، وقد ذم اللّه تعالى الكفار باتباعهم لآبائهم في الباطل(99)، «واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية، وتركهم النظر فيما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم(100)، وهذا في الباطل صحيح، أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين(101). ولعل القرطبي أراد بالتقليد الذي يعتبر أصلًا من أصول الدين هو التقليد: في فرعيات مسائل الدين. قال الشيخ أبو بكر الجزائري: يحرم التقليد في العقائد مطلقًا(102)، وإنما لا بدّ من غرس العقيدة بالحجة والبرهان(103)، أما في الفروع فهو أهون، والتقليد هو قبول الحكم بلا دليل ولا حجة(104)، وقال ابن عطية: أجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد(105).
- كل دعاة التقليد الأعمى من هؤلاء المضلين الذين يضاعف لهم العذاب، وأن أئمة الهدى من علماء السلف ليسوا منهم ؛ لأنهم كانوا يستنبطون الأحكام من الكتاب والسنة ؛ ليفتحوا للناس أبواب الفهم والفقه فيهما، مع نهيهم عن تقليدهم، وأمرهم بعرض كلامهم على الكتاب والسنة، وأخذ ما وافقهما ورد ما عداه، ومنهم الأئمة الأربعة الذين تنتمي إليهم طوائف السنة، وأئمة العترة الذين تنتمي إليهم الشيعة(106).
خامسًا: الحوار العقيم:
الغاية من الحوار هي الوصول إلى ما يريح النفس من اقتناعٍ وتسليم، ولكن هناك حوارات عديدة وردت في القرآن الكريم، لم تكن هذه الغاية هدفها؛ فجاءت عقيمة الفائدة للمتحاورين، وذلك زيادة في تعذيبهم عذابًا نفسيًا بجانب العذاب الجسدي، ومن أمثل هذا النوع: الحوار الذي دار بين المستكبرين والأتباع وخزنة النار، وحوار الضعفاء والمستكبرين بين يدي الله، وحوار الشيطان وأتباعه في النار، وحوار الكافر وقرينه الشيطان بين يدي الله، وفيما يأتي تفصيل ذلك.
1. حوار المستكبرين والأتباع وخزنة النار.
يخبر تعالى عن تخاصم أهل النار، وعتاب بعضهم بعضًا واستغاثتهم بخزنة النار، وعدم الفائدة في ذلك فقال: ﴿وَإِذۡ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا نَصِيبٗا مِّنَ ٱلنَّارِ ٤٧ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُلّٞ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ حَكَمَ بَيۡنَ ٱلۡعِبَادِ ٤٨ وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٤٩ قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ تَكُ تَأۡتِيكُمۡ رُسُلُكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ قَالُواْ بَلَىٰۚ قَالُواْ فَٱدۡعُواْۗ وَمَا دُعَٰٓؤُاْ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٍ﴾ [غافر: 47-50].
يحتج التابعون بإغواء المتبوعين، ويتبرأ المتبوعون من التابعين، فيقول الضّعفاء: أنتم أغويتمونا، وأضللتمونا، وزينتم لنا الشرك والشر، فهل تستطيعوا أن تخففوا عنا من عذاب الله ولو قليلًا؟؛ فيرد عليهم القادة المستكبرون: إن الله جعل لكل منا قسطًا من العذاب، فلا يزاد في ذلك ولا ينقص منه، ولا يغير ما حكم به الحكيم(107).
قال الفخر الرازي: «واعلم أن أولئك الأتباع يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرة لهم على ذلك التخفيف، وإنما مقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تخجيل أولئك الرؤساء، وإيلام قلوبهم؛ لأنهم هم الذين سعوا في إيقاع هؤلاء الأتباع في أنواع الضلالات، فعند هذا يقول الرؤساء: ﴿إِنَّا كُلّٞ فِيهَآ﴾، يعني: أن كلنا واقعون في هذا العذاب، فلو قدرت على إزالة العذاب عنك لدفعته عن نفسي، ثم يقولون: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ حَكَمَ بَيۡنَ ٱلۡعِبَادِ﴾، يعني: يوصل إلى كل أحد مقدار حقه من النعيم أو من العذاب»(108).
ولما يئسوا من السادة اتّجهوا إلى خزنة جهنم يطلبون منهم الدعاء:
أهل النار: ادعوا اللّه ربّكم لعله أن يخفف عنا مقدار يوم من العذاب.
خزنة النار: أو ما جاءتكم الرسل في الدنيا بالحجج والأدلة الواضحة على توحيد اللّه، والتحذير من سوء العاقبة ؟
أهل النار: بلى، قد جاءتنا الرسل، فكذبناهم، ولم نؤمن بهم ولا بما جاؤوا به من الحجج.
خزنة النار: إذا كان الأمر كما ذكرتم، فادعوا أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لمن كفر باللّه وكذّب رسله، ولا فائدة من دعائكم(109).
ويظهر من خلال هذا الحوار بعض الدروس والعبر واللفتات، نذكر منها:
- «هذه كانت خصومة بين الأتباع مع المتبوعين، ولم تنته إلى طائل إلا زيادة الحسرة والغم والهم»(110).
- التنديد بالكبر والاستكبار؛ إذ الكبر عائق عن الطاعة والاستقامة.
- «لا يستجاب دعاء الكافر في الدنيا والآخرة إلا ماشاء الله، ولا تقبل المعذرة يوم القيامة، ولا يستجاب الدعاء لمن في النار»(111).
2. الحوار بين الضعفاء والمستكبرين.
قال الله تعالى: ﴿جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ﴾ [إبراهيم: 21].
بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى يجمع الخلائق كلها، برها وفاجرها، في براز من الأرض، وهو المكان الذي ليس فيه شيء يستر أحدا، ويبدأ الجدال بين الأتباع وسادتهم، حيث يقول الأتباع لقادتهم وسادتهم وكبرائهم الذين استكبروا عن عبادة، الله وحده لا شريك له، وعن موافقة الرسل: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ﴾.
أي: فهل تدفعون عنا شيئًا من عذاب الله، كما كنتم تعدوننا وتمنوننا؟ فقالت القادة لهم: ﴿قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ﴾، ولكن حق علينا قول ربنا، وسبق فينا وفيكم قدر الله، وحقت كلمة العذاب على الكافرين.
﴿سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ﴾، أي: ليس لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا منه(112).
والضعفاء هم الضعفاء، هم الذين تنازلوا عن أخص خصائص الإنسان الكريم على الله، حين تنازلوا عن حريتهم الشخصية في التفكير والاعتقاد والاتجاه، وجعلوا أنفسهم تبعًا للمستكبرين والطغاة، ودانوا لغير الله من عبيده واختاروها على الدينونة لله.
والضعف ليس عذرًا، بل هو الجريمة، فما يريد الله لأحد أن يكون ضعيفًا، وهو يدعو الناس كلهم إلى حماه يعتزون به والعزة لله، وما يريد الله لأحد أن ينزل طائعًا عن نصيبه في الحرية التي هي ميزته ومناط تكريمه أو أن ينزل كارهًا، والقوة المادية كائنة ما كانت لا تملك أن تستعبد إنسانًا يريد الحرية، ويستمسك بكرامته الآدمية، فقصارى ما تملكه تلك القوة أن تملك الجسد، تؤذيه وتعذبه وتكبله وتحبسه، أما الضمير، أما الروح، أما العقل: فلا يملك أحد حبسها، ولا استذلالها، إلا أن يسلمها صاحبها للحبس والإذلال.
3. الحوار بين الشيطان وأتباعه.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّۖ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [إبراهيم: 22].
لما ذكر المناظرة التي وقعت بين الرؤساء والأتباع من كفرة الإنس: أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وبين أتباعه من الإنس(113)، وموضوع المناظرتين واحد، وهو: تبرؤ المتبوع من التابع، ولكن الشيطان كان أصدق في هذه المحاورة من الإنسان ؛ لأنه أعلن أن اللّه وعد الناس وعد الحق، وهو البعث والجزاء على الأعمال، فوفى لهم بما وعدهم، وأما هو فوعد الناس بخلاف ذلك، وأنه لا بعث ولا جزاء، فأخلف الوعد(114).
ففي الآية: يخبر الله تعالى عن موقف إبليس يوم القيامة، فبعد أن يقضى الأمر ويدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ويستقرّ كل فريق منهم قرارهم(115)، ينادي إبليس في جماعته الذين أغواهم: إن الله وعدكم، أيها الأتباع، النار، ووعدتكم النّصرة، فأخلفتكم وعدي، ووفى الله لكم بوعده، وما كان لي عليكم، فيما وعدتكم من النصرة، من حجة تثبت لي عليكم بصدق قولي: ﴿إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ﴾، وهذا من الاستثناء المنقطع عن الأول، بمعنى: ولكن دعوتكم فاستجبتم لي، استجبتم إلى طاعتي، ومعصية الله، فلا تلوموني على إجابتكم إياي، ولكن لوموا أنفسكم، فلا أنا مغيثكم من عذاب الله، ولا أنتم مغيثي؛ لأني جحدت أن أكون شريكًا لله فيما أشركتموني فيه من عبادتكم في الدنيا، فالعذاب لكل من كفر بالله(116).
قال ابن عاشور: «وقد جيء في هذه الآية بوصف حال الفرق يوم القيامة، ومجادلة أهل الضلالة مع قادتهم، ومجادلة الجميع للشيطان، وكون المؤمنين في شغل عن ذلك بنزل الكرامة، والغرض من ذلك تنبيه الناس إلى تدارك شأنهم قبل الفوات، فالمقصود: التحذير مما يفضي إلى سوء المصير»(117).
4. حوار الكافر وقرينه (الشيطان) بين يدي الرحمن.
قال تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٢٧ قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ ٢٨ مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ [ق:27 - 29].
يخبر الله تعالى أن الكافر يقول يوم القيامة عن قرينه، وهو الشيطان الذي وكل به: يا رب، هذا أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، فيقول القرين: ما أضللته، بل كان هو في نفسه ضالًّا قابلًا للباطل معاندًا للحق، فيقول الرب عز وجل لهما: ﴿قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ﴾ أي: عندي، ﴿وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ﴾ أي: قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت الكتب، وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين(118) على أن من كفر بالله وأشرك به وعصى رسله فإن له نار جهنم خالدًا فيها أبدًا)(119).
ثم يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيله للمشركين وقرنائهم من الجنّ يوم القيامة، إذ تبرأ بعضهم من بعض: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: ﴿قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ [الأعراف: 18]، ولا قضائي الذي قضيته فيهم فيها)(120).
أهم الفوائد والدروس والعبر المستفادة من هذه الحوارات:
- بيان أن التقليد والتبعية لا تكون عذرًا لصاحبها عند الله تعالى(121).
- العتاب والنزاع والخصام قائم بين أهل النار، فهذه محاورة بين القادة والأتباع تدل على عجز السادة عن تحقيق أي شيء لأتباعهم الذين اتبعوهم في الدنيا، فهم لا يستطيعون تخليص أنفسهم من عذاب اللّه، ولا تحقيق أي نفع لذواتهم، فبالأولى لا يتمكنون من نفع غيرهم، والكل لا يجدون مهربًا ولا ملجأ من عذاب اللّه، وعقابه على الكفر والعصيان، وذلك سواء صبروا على العذاب، أو جزعوا وضجروا.
- إقرار السادة بالضلال، فدعوا أتباعهم إلى الضلال، ولو هدوا وأرشدوا لأرشدوا غيرهم، وهذا كذب منهم، كما قال تعالى حكاية عن المنافقين: ﴿يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيَحۡلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحۡلِفُونَ لَكُمۡۖ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍۚ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ﴾[المجادلة: ١٨](122).
- بيان أن الشيطان هو المعبود من دون الله تعالى، إذ هو الذي دعا إلى عبادة غير الله وزينها للناس(123).
- استنبط الرازي من هذه الآيات «أن الشيطان الأصلي هو النفس، وذلك؛ لأن الشيطان بين أنه ما أتى إلا بالوسوسة، فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة، والغضب، والوهم والخيال، لم يكن لوسوسته تأثير البتة، فدل هذا على أن الشيطان الأصلي هو النفس»(124).
- كانت مواعيد الشيطان باطلة، ووعد اللّه هو الحق، واتبع الناس قول الشيطان بلا حجة ولا برهان، وتبرأ الشيطان منهم، ومن عملهم، فليس لهم لوم عليه، إنما عليهم اللوم، وأيأسهم بأنه لا نصر عنده، ولا عون، ولا إغاثة، بل هو محتاج إلى من ينصره، وكفر بشركهم له في الدنيا، وهذا تنبيه لهم مما سيلقونه من العذاب(125).
- لم يكن للطغاة أن يتسلطوا على الضعفاء إلا لما أهدر الضعفاء حرياتهم في العقيدة، والتفكير، وفي كل شيء، وأسلموها للطغاة، واشتروا بعقولهم أهواءهم فصاروا عبيدًا للشيطان، إن الطغاة لا يملكون أن يستذلوا الجماهير إلا برغبة هذه الجماهير، فهي دائمًا قادرة على الوقوف لهم لو أرادت، فالإرادة هي التي تنقص هذه القطعان، إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء، وهذه القابلية هي وحدها التي يعتمد عليها الطغاة.
- كل من الشيطان والفاجر الكافر يلقي التبعة في كفره على الآخر، ويتبرأ الشيطان من الكافر، ويكذبه يوم القيامة، وينسب الطغيان والكفر له، لا لنفسه، والحق أن كلا الفريقين في النار، وقد أعذر من أنذر، واللّه تعالى أرسل الرسل، وأنزل الكتب لهداية الإنس والجن، فاختار كل منهما ما يحلو له(126).
- أخبر تعالى ذكره هذا الخبر، عن قول قرين الكافر له يوم القيامة إعلامًا منه عباده: تبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة (127).
- نفي الظلم عن الله تعالى، وهو كذلك فلا يظلم الله أحدًا من خلقه(128).
قواعد الحوار
إن قواعد الحوار والاختلاف وضوابطه هي العاصم للمتحاورين من الغلو وشتم الآخرين إن كان الحق هو الرائد والمطلوب، أما إذا كان الخلاف انتصارًا لأهواء سياسية وتعصبًا أعمى، فهذا أمر لا ينفع معه قواعد ولا ضوابط، إذ إن الهوى ليس له ضوابط ولا موازين، ولذلك حذرنا الله تعالى من اتباع الهوى فقال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [القصص: 50]، لذا فلابد من تسليط الضوء على بعض تلك القواعد القرآنية والتي منها:
أولًا: الحوار بالتي هي أحسن:
إن من أهم ما يتوجه إليه المحاور في حواره، التزام الحسنى في القول والمجادلة، قال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾[الإسراء: 53].
وقال عز وجل: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا﴾ [البقرة: 83]؛ فعلى المحاور اللبيب طالب الحق، أن ينأى بنفسه عن أسلوب الطعن والتجريح والهزء والسخرية، وألوان الاحتقار والإثارة والاستفزاز، حتى لو تعرض للاحتقار والازدراء؛ قال الطبري: وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى(129).
ومن لطائف التوجيهات الإلهية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، الانصراف عن التعنيف في الردّ على أهل الباطل، حيث قال الله لنبيه: ﴿وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٦٨ ٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٨-٦٩]، وقوله: ﴿وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [سبأ: 24]، مع أن بطلانهم ظاهر، وحجتهم داحضة.
ويلحق بهذا الأصل: تجنب أسلوب التحدي والتعسف في الحديث، ويعتمد إيقاع الخصم في الإحراج، ولو كانت الحجة بينه والدليل دامغًا، فإن كسب القلوب مقدم على كسب المواقف، وقد تفحم الخصم ولكنك لا تقنعه، وقد تسكته بحجة ولكنك لا تكسب تسليمه وإذعانه، وأسلوب التحدي يمنع التسليم، ولو وجدت القناعة العقلية. والحرص على القلوب واستلال السخائم أهم وأولى عند المنصف العاقل من استكثار الأعداء واستكفاء الإناء. وإنك لتعلم أن إغلاظ القول، ورفع الصوت، وانتفاخ الأوداج، لا يولّد إلا غيظًا وحقدًا وحنقًا، ومن أجل هذا فليحرص المحاور؛ ألا يرفع صوته أكثر من الحاجة فهذا رعونة وإيذاء للنفس وللغير، ورفع الصوت لا يقوّي حجة ولا يجلب دليلًا ولا يقيم برهانًا؛ بل إن صاحب الصوت العالي لم يعل صوته -في الغالب -إلا لضعف حجته وقلة بضاعته، فيستر عجزه بالصراخ ويواري ضعفه بالعويل، وهدوء الصوت عنوان العقل والاتزان، والفكر المنظم والنقد الموضوعي(130).
ثانيًا: الإنصات الجيد وحسن الاستماع:
الإنصات الجيد هو بداية الحوار الفعّال الناجح مع الآخرين، والغريب أن الذين يتقنون هذه المهارة قلائل جدًّا، لذلك كان من الضروري أن نتعلم هذه المهارة؛ لأنها ستفتح لنا مجالًا أكبر للتواصل مع من حولنا والتحاور بصورة أفضل وستفتح لنا المجال في بناء علاقات مميزة مع الآخرين.
والإنصات: هو السكوت للاستماع(131)، وهناك فرق بين السماع والاستماع: فالسماع قد يكون بغير قصد ولا انتباه، أما الاستماع فهو بقصد وانتباه وتركيز كما جاء في معجم الفروق اللغوية: إن الاستماع هو استفادة المسموع بالإصغاء إليه ليفهم، ولهذا لا يقال: إن الله يستمع، وأما السماع فيكون اسمًا للمسموع يقال لما سمعته من الحديث: هو سماعي، ويقال للغناء: سماع، ويكون بمعنى السمع، تقول: سمعت سماعًا، كما تقول: سمعت سمعًا(132).
ويظهر ذلك جليًّا في قوله تعالى: ﴿قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا﴾ [الجنّ:1]، يقول البقاعي: ﴿ٱسۡتَمَعَ﴾ أي: بغاية الإصغاء والإقبال والتقبل والإلف استماعًا هو الاستماع في الحقيقة(133).
أهمية الاستماع والإنصات في الحوار:
إن عملية الاستماع هي المقدمة الطبيعية لغالب العمليات الفكرية والعقلية الموجهة للسلوك البشري التنموي التحاوري، والسماع هو مفتاح الفهم والتأثر والإقناع والتشبع بالأفكار؛ لذا قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ﴾ [فصّلت:26]، فما داموا لا يسمعون له فلن يتأثروا به، كما أنهم لمّا انقشع عنهم الغمام تمنوا لو أنهم كانوا قد أحسنوا السماع، ﴿وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]، إننا نستمع أحيانًا بدون وعي، فإذا اجتمع مع الاستماع وعيٌ يكون الإصغاء، وهو سماع الأذن بوعي وتفهّم، والإصغاء الفعال هو الاستماع والإنصات المركّز لمجموعة من المعلومات حول موضوع ما لغرض التفهّم الكامل لذلك الموضوع. وهو مهارة مهمة إذ إنه يبني نوعًا من الثقة والمودة المتبادلة ويعزز التفاهم والتواصل، ومعظم المشاكل التي تحدث في العلاقات بين الناس يكون عدم الإلمام بهذه المهارة سببًا رئيسًا فيها(134).
ومن أهم فنون التواصل مع الآخرين عند دعوتهم أو الحوار معهم: أن تستمع إليهم لكي تعطيهم فرصة للتكلم والتعبير عن آرائهم ووجهة نظرهم، «والواجب على العاقل أن ينصف أذنيه من فيه، ويعلم أنّه إنّما جعلت له أذنان وفم واحدٌ ليسمع أكثر ممّا يقول؛ لأنّه إذا قال ربّما ندم، وإن لم يقل لم يندم، وهو على ردّ ما لم يقل أقدر منه على ردّ ما قال، والكلمة إذا تكلّم بها ملكته، وإن لم يتكلّم بها ملكها»(135).
وقد ترتب في سورة الأحقاف على حسن الاستماع والإنصات دعوة أمة الجن بأسرها في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ ٢٩﴾ [الأحقاف: 29]، حيث تلقي هذه الكلمة ظلال الموقف كله طوال مدة الاستماع. وهذه تصور الأثر الذي انطبع في قلوبهم من الإنصات للقرآن. فقد استمعوا صامتين منتبهين حتى النهاية. فلما انتهت التلاوة لم يلبثوا أن سارعوا إلى قومهم، وقد حملت نفوسهم ومشاعرهم منه ما لا تطيق السكوت عليه، أو التلكؤ في إبلاغه والإنذار به. وهي حالة من امتلأ حسه بشيء جديد، وحفلت مشاعره بمؤثر قاهر غلاب، يدفعه دفعًا إلى الحركة به والاحتفال بشأنه، وإبلاغه للآخرين في جد واهتمام.
قال المراغي: فلما حضروا الرسول قال بعضهم لبعض: أنصتوا مستمعين، فلما فرغ من تلاوته رجعوا إلى قومهم لينذروهم بأس الله وشديد عذابه(136).
والإنصات الجيد يؤثر في النفس أبلغ الأثر، ويزيد القدرة على الاستيعاب، فقد جاء في تفسير هذه الآية: قال بعضهم لبعض: أنصتوا؛ لنستمع القرآن، فلما فرغ الرسول من تلاوة القرآن، وقد وعوه وأثّر فيهم، رجعوا إلى قومهم منذرين ومحذرين لهم بأس الله، إن لم يؤمنوا به(137).
وحسن الاستماع من الآداب الإسلامية والأخلاق الرفيعة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه من يناقشه استمع إليه وأنصت لكلامه حتى يفرغ من حديثه ثم أجابه.
وخير مثال على ذلك من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم إنصاته الجيد لعتبة بن ربيعة في القصة المشهورة، حيث قال عتبة: (.... إنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال رسول صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع، قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سوّدناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه- أو كما قال له- حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه: قال: أو قد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع مني، قال: أفعل، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حمٓ ١ تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٢ كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٤﴾ [فصّلت:1-5].
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما، يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك. فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.
فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم)(138).
وهكذا نلاحظ أنه لما جاء عتبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحاوره في دينه ويبين له على ما ترتب على دعوته إلى دين الإسلام من أمور يظنها مفاسد من التفريق بين الوالد والولد، وجعل ذلك تسفيهًا لدين الآباء والأجداد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أو قد فرغت يا أبا الوليد؟) قال: نعم، فالنبي صلى الله عليه وسلم استمع له وأنصت له حتى أكمل كلامه كله، فلما قضى كلامه قرأ عليه من سورة فصلت فكان ذلك سببًا في تغيير شيء من موقفه(139).
فمن هذا الموقف العظيم ندرك كم لأهمية الإنصات الجيد وحسنه من أثر إيجابي على الآخرين؛ فقد أثر على صنديد من صناديد قريشٍ أبلغ التأثير.
ثالثًا: إبراز الحقائق:
إن من القواعد والمبادئ الأساسية للحوار والتي جاءت بها شريعة الإسلام لقطع الخلاف: إبراز الدليل الناصع، والبرهان الساطع(140)، والتي تتمثل في أمرين: إبراز الحقائق المثبتة، وصحة النقل، وعليها وضع العلماء قاعدتهم المشهورة: (إن كنت ناقلًا فالصحة، أو مدّعيًا فالدليل)(141).
وقد وردت الإشارة إلى مضمون هذه القاعدة في كثير من الآيات القرآنية التي تطالب الطرف الآخر بتقديم البراهين والحجج المنطقية، منها قوله تعالى: ﴿أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [النمل: 64]، وقوله تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۗ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 24].
ففي هذه النصوص يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يطالب المشركين بتقديم براهينهم وأدلتهم على ما يقدمون من دعاوى إن كانوا على يقين من الأمور التي يعتقدونها: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111].
وهكذا نجد أن المحاورة في القرآن الكريم تعتمد على العقل والمنطق، ولا تتأثر بأي عامل أو مؤثر خارجي كالنبوة والرسالة والوحي، ولاشك أن الحوار الذي يعتمد على الحجة الواضحة والدليل المنطقي القوي سيؤدي في النهاية إلى الحرية في التفكير، والتخلص من التعصب والانحياز، فنحن نرى أن إبراهيم عليه السلام في حواره مع الله عز وجل يتقدم للمحاورة وكأنه متجردٌ من النبوة، بل من الإيمان: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ﴾ [البقرة: 260].
فإبراهيم في هذه المحاورة يريد التحاور ضمن قواعد العقل والمنطق، ويرفض وجود أي مؤثر في المحاورة غير العقل(142).
ولقد ظهرت تلك القاعدة أيضًا واضحة جلية في حوار إبراهيم عليه السلام مع الملك الكافر الظالم الذي كان يعيش في عصره.
قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 258].
أراد إبراهيم عليه السلام: أن الله هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد، وأراد الكافر: أنه يقدر أن يعفو عن القتل فيكون ذلك إحياء، وعلى أن يقتل فيكون ذلك إماتة، فكان هذا جوابًا أحمق، لا يصح نصبه في مقابلة حجة إبراهيم، لأنه أراد غير ما أراد الكافر، فلو قال له: ربه الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهل تقدر على ذلك؟ لبهت الذي كفر بادئ بدء وفي أول وهلة، ولكنه انتقل معه إلى حجة أخرى تنفيسًا لخناقه، وإرسالًا لعنان المناظرة فقال: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب لكون هذه الحجة لا تجري فيها المغالطة، ولا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة ومشاغبة. قوله: ﴿فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ﴾ بهت الرجل وبهت وبهت: إذا انقطع وسكت متحيرًا(143).
رابعًا: الإنصاف:
إن العدل والإنصاف مع الخصم مبدأ مهم صعب جليل، وإن المفترض في المسلم أن يكون عادلًا منصفًا، حيث منهج دين الإسلام هو الأمر بالعدل والتهي عن الظلم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾[النحل: 90].
والعدل والإنصاف مطلوبان في القول: ﴿وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ﴾ [الأنعام: 152]، كما هما مطلوبان في الحكم: ﴿وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [النساء: 58]، ولو اتبع المسلمون هدي دينهم في هذا الأمر لما وقع كثير من المسلمين فيما وقعوا فيه من الظلم والاختلاف والنزاع والشقاق، ومن تمام الانصاف قبول الحق من الخصم والتفريق بين الفكرة وصاحبها، وأن يبدي المحاور إعجابه بالأفكار الصحيحة والأدلة الجيدة، والمعلومات الجديدة التي يوردها خصمه، وهذا الإنصاف له أثره الإيجابي لقبول الحق، ويضفي على المحاور روح الموضوعية(144).
وإنما كان الإنصاف والعدل صعبًا لما اتصف به الإنسان من الجهل والظلم.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾ [الأحزاب: 72].
فأكثر الناس مجبول على عدم الانصاف إلا من رحم الله، ولذلك قال الإمام الشعبي: «والله لو أصبت تسعًا وتسعين مرة، وأخطأت مرة لأعدوا عليّ تلك الواحدة»(145).
وقد ذكر العلماء ضوابط في العدل والإنصاف: فمن ذلك قول عبد الله بن المبارك رحمه الله: «إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ على المحاسن لم تذكر المحاسن»(146).
وذكر عن حاتم الأصم أنه قال: «معي ثلاث خصال أظهر بها على خصمي، قالوا: وما هي؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ نفسي لا تتجاهل علي، فبلغ ذلك الإمام أحمد بن حنبل فقال: سبحان الله ما كان أعقله من رجل»(147).
ولا شك أن الآيات والأحاديث، والأمثلة والنماذج والسير كثيرة جدًّا في تقرير هذا المبدأ وتأصيله، وهناك نصوص عامة تأمر بالعدل والإنصاف في الحوار وغيره.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ﴾ [النساء: 135]، ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾[المائدة: 8].
قال الزمخشري: «وفيه تنبيه عظيم على أن وجود العدل مع الكفار الذين هم أعداء اللّه إذا كان بهذه الصفة من القوة، فما الظنّ بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه»(148).
فالآيات تفرض العدل في جميع الأحوال، كما تحذر الظلم وتحرم الجور في جميع الأوقات، وقد مضت سنة الله العادلة في خلقه بأن جزاء ترك العدل وعدم إقامة القسط في الدنيا، هو ذل الأمة وهوانها، واعتداء غيرها من الأمم على استقلالها، ولجزاء الآخرة أذل وأخزى وأشد وأبقى (149).
وكما يروى عن شيخ الإسلام قوله: إن الله ينصر الأمة العادلة ولو كانت كافرة، ويذل الأمة الظالمة وإن كانت مسلمة(150).
ومن نماذج الإنصاف في القرآن ما جاء في وصف أهل الكتاب وذكر بعض مثالبهم كما في قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ﴾ [آل عمران: 112].
ثم أنصف الله عز وجل المتقين منهم بقوله: ﴿لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ﴾ [آل عمران: 113].
ومثلها إنصافهم في قوله تعالى: ﴿وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ [آل عمران: 75].
وهذا غاية الإنصاف والعدل للقلة الخيرة منهم، التي وعدها بالوعد الصادق لهم: أنهم لن يبخسوا حقًّا، ولم يفكروا أجرًا مع الإشارة إلى أن الله سبحانه علم أنهم من المتقين.
خامسًا: الرفق واللين:
إن إظهار الحق وإيصاله للآخرين وإقناعهم به ودحض شبهاتهم وأباطيلهم يحتاج إلى معرفة طبيعة النفس البشرية، وما يصلح لها وما يسوؤها، ومن أهم سمات النفوس أنها تميل إلى اللين والملاطفة والتعامل بالحسنى، وتنفر من الشدة والإذلال والإفحام، إذ إن لها كبرياء، فمن أكرمها فأنه يستطيع أن يقودها وأن يسيّرها كيفما شاء، ومن خدش كبرياءها، فلن يظفر منها بطاعة ولا تصديق ولا انقياد، ولا يلومنّ بعد ذلك إلا نفسه! لذا فمن أراد أن يمسح الشبهات من عقول الناس، أو أراد أن يدحضها، فعليه أن يلج إلى ذلك بالحسنى، وأن يتجّنب العنف والشدة والتحدي(151).
ولا شك أن القلوب تميل إلى من يلين ويرفق بها، وتنفر الطبائع البشرية من الفظ الغليظ، حتى لو كان خير الناس! كما قال الله: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران: 159].
والمحاور الناجح في أمسّ الحاجة إلى التفاف الناس حوله، وتحّليه بالرفق واللين يساعد في تحقيق ذلك. إلى جانب ذلك، فقد ينشأ عند كثير من الناس نفور تجاه المحاور بسبب دعوته، وذلك إذا خالف رغبات كثير منهم أو عارض شهواتهم، لكنّ اتصافه بالرفق يساهم في إزالة أو تقليل هذا النفور(152).
إنّ الرفق سمة واضحة في دعوة الأنبياء عليهم السلام لأقوامهم، فما من نبي بعث إلا ودعا قومه وحاورهم بالتي هي أحسن، فها هو نبي الله شعيب عليه السلام يحاور قومه بكل رفق قائلًا: ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].
فهذا تلطف منه في العبارة ودعوة لهم إلى الحق بأبين إشارة، يقول لهم: أرأيتم أيها المكذبون إن كنت على بينة من ربي ورزقني النبوة والرسالة، وعمّي عليكم معرفتها، فأي حيلة لي فيكم؟ ولست آمركم بالأمر إلا وأنا أول فاعل له، وإذا نهيتكم عن الشيء فأنا أول من يتركه(153)، فهو يتلطف معهم ليشعرهم أنه على بينة من ربه، وأنه على ثقة مما يقول لهم، وأنه يدعوهم إلى الأمانة في المعاملة، وسيتأثر مثلهم بنتائجها، لأنه ذو مال وعلاقات تجارية، فهو لا يبغي كسبًا شخصيًّا من وراء دعوته لهم، فلن ينهاهم عن شيء ثم يفعله لينفرد بالكسب وحده! إنما هي دعوة الإصلاح للناس أجمعين بكل حكمة وروية ولين(154).
ولقد أمر الله نبييه موسى وهارون عليهم السلام أن يحاورا فرعون، ذلك الطاغية الذي ادعى الربوبية فقال: ﴿فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾ [النّازعات:24]، ثم ادعو الألوهية فقال: ﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي﴾ [القصص: 38]، ورغم ذلك أمرهم الله بالرفق واللين معه فقال: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ﴾ [طه: 44].
قال ابن كثير: «هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين(155).
قال الزمخشري: «اذهبا على رجائكما وطمعكما، وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولا يخيب سعيه، فهو يجتهد بطوقه، ويحتشد بأقصى وسعه»(156).
إن الحوار أو الجدال الذي يدور بين الناس، إذا كان يقوم على التواضع ولين الجانب، وعلى الأسلوب المهّذب الخالي من كل ما لا يليق، كانت نتائجه طيبة وآثاره حميدة، لأنه يوصل إلى الحقيقة المرجوة، وإلى الاتفاق ولو على معظم المسائل التي دار من أجلها الحوار. أما الحوار أو الجدال الذي يكون مبعثه الغرور والتعالى والتباهي بالأقوال، فمن المستبعد أن يأتي بنتيجة توصل إلى الحقيقة أو إلى اتفاق على ما ينفع، وإنما المتوقع من هذا الحوار الذي سداه الغرور، أن تتولد عنه الآثام والشرور وهكذا نتيقن أن الرفق يزين الحوار ويقوده إلى نتائج طيبة وثمار ناضجة، أسوتنا في ذلك الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام(157).
| موضوعات ذات صلة: |
| الإنصاف، التربية، الجدال، الدعوة، النصيحة |
الحواشي
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 1/ 287. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور5/297. ↩
- فتح القدير، الشوكاني 5/ 515. ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 5/ 218. ↩
- القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 487. ↩
- تاج العروس، الزبيدي 6/ 317. ↩
- الحوار ، آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسنة، يحي بن محمد زمزمي ص 32. ↩
- الحوار الإسلامي المسيحي، بسام عجك، ص 20 ↩
- انظر: لسان العرب، ابن منظور 11/ 105، مجمل اللغة، ابن فارس 1/ 179. ↩
- الكليات، الكفوي ص 353. ↩
- تاريخ الجدل، ص 5. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/444، لسان العرب، ابن منظور 5/ 215، تاج العروس، الزبيدي 14/ 245، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/ 932. ↩
- انظر: التعريفات، الجرجاني ص250، آداب البحث والمناظرة، محمد الأمين الشنقيطي ص4، حلية طالب العلم، بكر أبو زيد ص68، منهج الجدل والمناظرة في تقرير مسائل الاعتقاد، عثمان علي حسن 1/ 30. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 29-30، لسان العرب، ابن منظور 2/ 226، تاج العروس، الزبيدي 5/ 459-464. ↩
- انظر: المحاجة طرق قياسها وأساليب تنميتها، طريف شوقي محمد ص3، الجدل في القرآن الكريم، خصائصه ودلالته دراسة لغوية دلالية، يوسف عمر العساكر ص30. ↩
- انظر: تهذيب اللغة، للأزهري 7/154-155، مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 150، لسان العرب، ابن منظور 12/180-181. ↩
- انظر: فن الحوار، فيصل الحاشدي ص20. ↩
- انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص571. ↩
- انظر: وسطية الإسلام ودعوته إلى الحوار، عبدالرب آل نواب، ص 34. ↩
- انظر: منهج القرآن الكريم في إقامة الدليل والحجة، مجاهد محمود ص102. ↩
- انظر: قصص القرآن، جاد المولى، ص132. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث 3/1275. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/ 26. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 7/321-322. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 11/ 480. ↩
- الكشاف 2/ 40. ↩
- السراج المنير، الشربيني 2/ 375. ↩
- انظر: محاسن التأويل، القاسمي 7/ 32. ↩
- انظر: عون الحنان في شرح الأمثال في القرآن، الطهطاوي ص 260. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/ 262. ↩
- انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث 6/ 1030. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 21/ 353. ↩
- انظر: مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، ص 310. ↩
- تفسير القرآن الكريم، سورة الكهف، ابن عثيمين ص 100. ↩
- انظر: نيل المرام من تفسير آيات الأحكام، القنّوجي، ص 363 ↩
- أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق، باب الظهار، 1/666، رقم 2063، والحاكم في المستدرك على الصحيحين، كتاب التفسير، تفسير سورة المجادلة 2/ 523، رقم 3791.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.
وصححه الألباني في إرواء الغليل، 7/175، رقم 2087. ↩ - نظرات في كتاب الله، الساعاتي، ص485. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/37. ↩
- انظر: نظرات في كتاب الله، الساعاتي، ص486. ↩
- انظر: تفسير القرآن، السمعاني 5/ 383. ↩
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 4/ 333. ↩
- انظر: فتح القدير، الشوكاني 2/ 605. ↩
- بغرزه: «أي: أمسكه وأتبع قوله وفعله، كمن يمسك بركاب راكب ويسير بسيره»، مجمع بحار الأنوار 4/ 27. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، 3/ 196، رقم 2731. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 15/ 295. ↩
- انظر: دراسة عن أسلوب الحوار في القرآن الكريم، إسحاق رحماني على موقع النور للدراسات الحضارية والفكرية. ↩
- انظر: تفسير المراغي 12/ 26. ↩
- انظر: تفسير القرآن، السمعاني 4/ 53. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب21/ 545. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير4/ 332. ↩
- تفسير القرآن، السمعاني 1/ 261. ↩
- انظر: دراسة بعنوان: حوار شعيب عليه السلام مع قومه في القرآن الكريم، محمد أحمد الكردي، على موقع حيران انفوا. ↩
- انظر تفسير المراغي 8/ 210. ↩
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 3/ 201. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 4/ 234. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي 15/ 296. ↩
- انظر: البحر المحيط في التفسير، ابن حيان7/ 205. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 21/ 483. ↩
- جامع البيان، الطبري 18/ 71. ↩
- انظر: البحر المحيط في التفسير، ابن حيان 7/ 206. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم 5/ 235. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري 2/ 734. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب 21/ 462. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 477. ↩
- انظر: المصدر السابق. ↩
- انظر: فتح القدير، الشوكاني 3/ 339، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 477. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 12/462، فتح القدير، الشوكاني 3/ 339، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 478، التفسير المنير، الزحيلي 15/ 256. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي 478، التفسير المنير، الزحيلي 15/ 256. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 12/462، فتح القدير، الشوكاني 3/ 339، تيسير الكريم الرحمن، السعدي 478، التفسير المنير، الزحيلي 15/ 256. ↩
- التفسير المنير، الزحيلي 6/ 157. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري 1/ 624. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 6/ 170. ↩
- انظر: المصدر السابق. ↩
- انظر: مفتاح دار السعادة، ابن القيم 1/ 239. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي 6/ 159. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/476. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 79. ↩
- انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا 2/55. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم 1/477. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 3/294. ↩
- أخرجه البخاري، في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة، باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾، 6/ 18، رقم 4477. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي 1/432. ↩
- تفسير المنار، محمد رشيد رضا 2/63. ↩
- التفسير المنير، الزحيلي 1/433. ↩
- انظر: الأساس في التفسير، سعيد حوى 2/141. ↩
- انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا 2/69. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 2/207. ↩
- انظر: جامع البيان 12/408. ↩
- تفسير البحر المحيط، أبو حيان 4/297. ↩
- تفسير السمرقندي 1/530. ↩
- التفسير المنير، الزحيلي4/564. ↩
- تفسير السمرقندي 1/530. ↩
- انظر: الكشف والبيان، الثعلبي 4/232. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري 2/98. ↩
- الأساس في التفسير، سعيد حوى 4/ 1900. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص288. ↩
- انظر: أيسر التفاسير، الجزائري 2/173. ↩
- التفسير المنير، الزحيلي 4/566. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 2/211. ↩
- انظر: المصدر السابق 16/75. ↩
- انظر: المصدر السابق 2/211. ↩
- انظر: أيسر التفاسير، الجزائري 1/ 145. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي 10/488. ↩
- انظر: أيسر التفاسير، الجزائري 1/ 145. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 2/ 212. ↩
- انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا 8/369. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 739. ↩
- مفاتيح الغيب 27/65. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي 12/459. ↩
- أيسر التفاسير، الجزائري 4/540. ↩
- المصدر السابق 4/541. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 488. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 19/ 87. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي 7/ 258. ↩
- وزمن الخطبة يكون بعد فصل القضاء وقبل دخول النار، والله أعلم.
انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/490. ↩ - انظر: جامع البيان، الطبري 16/560-561. ↩
- التحرير والتنوير 13/ 216. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/403. ↩
- انظر: أيسر التفاسير، الجزائري 5/147. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 22/ 359. ↩
- انظر: أيسر التفاسير، الجزائري 3/ 54. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي 7/258. ↩
- انظر: أيسر التفاسير، الجزائري 3/ 54. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 19/88. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي 7/259. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي 13/ 638. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 22/ 358. ↩
- انظر: أيسر التفاسير، الجزائري 5/ 148. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 17/ 321. ↩
- انظر: الحوار أصوله المنهجية وآدابه السلوكية، أحمد بن عبد الرحمن الصويان، ص187. ↩
- انظر: الصحاح، الجوهري 1/268. ↩
- انظر: الفروق اللغوية، العسكري 49. ↩
- انظر: نظم الدرر، البقاعي20/462. ↩
- انظر: الإدارة المدرسية والإشراف التربوي، قسم أصول التربية، ص123. ↩
- انظر: الانتصار للصحابة الأخيار، عبدالمحسن البدري، ص142. ↩
- انظر: تفسير المراغي،26،/36. ↩
- انظر: الرحيق المختوم، المباركفوري ص60. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير7/163. ↩
- انظر: أدب الحوار، سعد بن ناصر الشثري، ص36. ↩
- انظر: أدب الحوار في الإسلام،، محمد سيد طنطاوي 25. ↩
- انظر: مناظرات ابن تيمية لأهل الملل والنحل، عبد العزيز آل عبد اللطيف، ص 67. ↩
- انظر: الحوار في الإسلام، عبد الله الموجان، ص37. ↩
- انظر: فتح القدير، الشوكاني 1/ 318. ↩
- انظر: الحوار آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسنة، يحيى زمزمي، ص141. ↩
- أعلام النبلاء، الذهبي، 4/308. ↩
- المصدر السابق 8/398. ↩
- إحياء علوم الدين، الغزالي 1/ 67. ↩
- الكشاف، الزمخشري 1/ 613. ↩
- انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا 6/ 227. ↩
- انظر: الاستقامة 2/247. ↩
- انظر: منهجية التعامل مع الشبهات، الحمادي 2/14. ↩
- انظر: الحوار في القرآن الكريم، معن محمود ص 124. ↩
- انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير ص446. ↩
- انظر: ديماس، فنون الحوار والإقناع ص91. ↩
- تفسير القرآن العظيم 5/ 294. ↩
- الكشاف 3/ 65. ↩
- انظر: أدب الحوار في الإسلام، طنطاوي 30. ↩
