مفهوم التمكين
أولًا: المعنى اللغوي:
مشتق من تمكن يتمكن تمكنًا فهو متمكن، يقال: تمكن الشخص بالمكان: أي: استقر فيه ورسخ، يقال: مكانك أيها اللص: أي: اثبت في مكانك، وتمكنت من الأمر، أي: صار عندي سهلًا، وتمكن الشخص من الأمر، أي: أصبح ذا قدرة عليه أو ظفر به، وتمكن عند الناس، أي: علا شأنه عندهم(1).
نستدل مما سبق أن التمكين في اللغة يدل على معاني القوة، والقدرة، والاستقرار، والعلو، وعلى ذلك يكون المراد به لغة: إعطاء ما يصح به الفعل من الآلات والأدوات، وإزالة ما يمنع هذا الفعل(2).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
يرى الخازن أن التمكين: «هو أن لا ينازع الممكن منازع فيما يراه ويختاره»(3).
ويرى ابن عرفة: «التمكين هو القدرة على الفعل»(4).
وقد سئل الإمام الشافعي رحمه الله يومًا: أيٌ أفضل الصبر أو المحنة، أو التمكين؟
فقال الشافعي رحمه الله: «التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتحن صبر، وإذا صبر مكن، ألا ترى أن الله عز وجل امتحن إبراهيم عليه السلام ثم مكنه، وامتحن سليمان عليه السلام، ثم مكنه، وآتاه ملكًا، والتمكن أفضل الدرجات»(5).
واستنادًا لما سبق يمكن القول بأن التمكين اصطلاحًا: هو منزلة رفيعة يهبها الله تعالى للصالحين من عباده بعد صبرهم على الابتلاءات والمحن، فتسمو مكانتهم، وتعلو كلمتهم، ويسود شرعهم، وتمتلأ الدنيا بنورهم عدلًا، وبهديهم إحسانًا وبرًا.
فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن معانيه اللغوية.
التمكين في الاستعمال القرآني
وردت مادة (مكن) الدالة على (التمكين) في القرآن الكريم(18) مرة(6)، وهي على النحو الآتي:
والصيغ التي وردت هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| الفعل الماضي | 10 | ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ [يوسف: 21] |
| الفعل المضارع | 4 | ﴿أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ﴾ [القصص: 57] |
| صيغة المبالغة | 4 | ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ ٢٠﴾ [التكوير: 20] |
وجاءت مادة (مكن) الدالة على (التمكين) في القرآن الكريم بمعناها اللغوي، وهو من القدرة على الشيء وإطاقته، مع زوال المانع(7)، أو من الرسوخ والاستقرار(8)، وأصله من المكان، والمكان لغةً: هو الحاوي للشيء، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا ٨٤﴾ [الكهف: 84].
يعني: «أعطيناه ملكًا عظيمًا متمكنًا، فيه له من جميع ما يؤتى الملوك، من التمكين والجنود، وآلات الحرب والحصارات؛ ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأمم، من العرب والعجم»(9).
الألفاظ ذات الصلة
النصر:
النصر لغة:
النون والصاد والراء أصلٌ صحيحٌ يدل على إتيان خيرٍ وإيتائه. ونصر الله المسلمين: آتاهم الظفر على عدوهم(10).
النصر اصطلاحًا:
العون، ويختص لفظ النصر بأنه إعانة في مقابل العدو المتربص، إما بالظفر عليه، وإما بدفع مضرته(11).
الصلة بين التمكين والنصر:
التمكين أعظم من النصر، وذلك أن حدوث التمكين قد يتطلب سلسلة من الانتصارات.
الغلبة:
الغلبة لغة:
من غلب يغلب غلبةً، وهو القهر(12).
الغلبة اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي، قال الراغب: «الغلبة القهر»(13). والمقصود هو قهر العدو.
الصلة بين التمكين والغلبة:
أن الغلبة قد تكون مؤقتة سرعان ما تزول، قال تعالى: ﴿وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ﴾ [الروم: ٣].
والفرس غلبت الروم، ولكن سرعان ما أعقب هذه الغلبة هزيمة للفرس على يد الروم(14)، ولكن التمكين يكون معه دوام الغلبة واستقرارها.
الاستخلاف:
الاستخلاف لغةً:
من خلف، ويعني أن يجيئ شيء من بعد شيء يقوم مقامه(15).
الاستخلاف اصطلاحًا:
هو «استرعاء يختص لمن ينصح للمرعي، فيؤدي عن الله أمره ونهيه، ولا يأخذه في الدين لومة لائم، ولا سطوة جبار»(16).
قال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ﴾ [النور: ٥٥].
الصلة بين الاستخلاف والتمكين:
أن الاستخلاف لا يكون إلا مع الاستبدال (أي: استبدال الصالحين مكان الطالحين)، ولا يشترط الاستبدال مع التمكين(17).
العزة:
العزة لغةً:
عز أي: اشتد وقوي(18).
العزة اصطلاحًا:
صفة تفيد حصول الفوقية والغلبة لله تعالى وعباده الصالحين على أعدائهم(19)، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾[المنافقون: ٨].
الصلة بين العزة والتمكين:
أن العزة من لوازم التمكين.
التمكين مشيئة إلهية
يقول مصطفى مسلم: «إن لفظة التمكين في القرآن الكريم لا تأتي إلا للشيء الذي لا تسعفه الأسباب المادية من الوصول إليها، فيأتي بأسباب وتدابير ربانية غير عادية»(20).
وذلك يعني أن حصول التمكين مرتبط بالمشيئة الإلهية التي تقتضي توفير أسباب غير عادية تؤدي إلى حصول هذا التمكين، وفيما يلي أمثلة تبرهن على ذلك:
- تمكين الله تعالى لنبيه إبراهيم عليه السلام.
- تمكين الله تعالى لنبيه يوسف عليه السلام.
- تمكين الله تعالى عباده المسلمين من الانتصار على أعدائهم المشركين خلال فترات الصراع بين المسلمين والمشركين على الرغم من اختلال موازين القوى، وذلك كما حدث على سبيل المثال في غزوة بدر، والخندق، والحديبية.
فإن قيل: ما الأسباب والتدابير الربانية التي توفرت فيما سبق ذكره من أمثلة؟
فالجواب كما يأتي:
أولًا: بالنسبة لإبراهيم عليه السلام، فبعد أن صبر على دعوته لقومه إلى عبادة الله وحده، وصبر على ما لاقاه من الأذى والتنكيل في سبيل هذه الدعوة مكنه الله تعالى بأن أنجاه من النار، قال تعالى: ﴿قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69].
ولما اعتزل قومه وأصنامهم وهبه الله تعالى الولد على الرغم من كبر سنه، قال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ [إبراهيم: 39].
ولما أمره الله تعالى بترك ذريته في مكة عند البيت الحرام دون أن يتوفر عندهم المياه، ففجر الله عين زمزم(21).
ثانيًا: بالنسبة ليوسف عليه السلام: فبعد أن ألقاه إخوته في الجب لهلك وحيدًا، مكنه الله تعالى بأن خلصه من الجب، وآواه في بيت العزيز.
قال تعالى: ﴿وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٩ وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ٢٠ وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [يوسف: 19-21].
يقول الدكتور وهبة الزحيلي: «خطط إخوة يوسف للتخلص نهائيًا من أخيهم، فباءوا بالخيبة والفشل؛ لأن الله تعالى هو الإله القادر المنفذ لما يريد»(22).
وبعد أن كبر وصار شابًا وقع في محنة مراودة امرأة العزيز له عن نفسه.
قال تعالى: ﴿وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [يوسف: 23].
ولما استعصم سجن ظلمًا وعدوانًا.
قال تعالى: ﴿قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ﴾ [يوسف: 32].
فمكنه الله تعالى، بأن أخرجه من السجن ليكون عزيز مصر(23).
قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ ٥٤ قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ ٥٥ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [يوسف: 54-56].
ثالثًا: بالنسبة للمسلمين أتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: فقد مكنهم الله تعالى من أعدائهم المشركين في مواطن عديدة منها:
يوم بدر، حيث كان المسلمون على قلة في العدد والعدة مقارنة بالمشركين، ومع ذلك نصرهم الله تعالى على عدوهم نصرًا مؤزرًا، علت بسببه مكانة المسلمين بين الأمم، وفي المقابل انحدرت مكانة المشركين وضاعت هيبتهم بين الأمم(24).
وقد حكى القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [الأنفال: 7].
وبغية تحقيق هذا الوعد الإلهي.
قال تعالى: ﴿إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9].
واستمر الدعم الإلهي للمؤمنين في هذه الغزوة حتى وصل إلى ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 125].
وقد روى ابن حبان في صحيحه قال: قال أبو زميل: حدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين، يومئذ يشد في إثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس فوقه يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه خر مستلقيًا فنظر إليه، فإذا هو خطم أنفه، وشق وجهه بضربة سوط، فاخضر ذاك أجمع، فجاء الأنصاري، فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: (صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة)(25).
يوم الخندق: حيث تكالبت قوى الشر الممثلة في الأحزاب لضرب المسلمين عن قوس واحدة، وقد كانت ظروف المسلمين حينها غاية في الصعوبة، فلا وفرة في الطعام ولا دفئ، إضافة إلى خذلان المنافقين، ونكوث العهد من قبل يهود بني قريظة بتحالفهم مع الأحزاب ضد المسلمين.
وقد وصف الله تعالى ذلك بقوله: ﴿إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠ هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا﴾ [الأحزاب: 10-11].
ومع ذلك مكن الله تعالى لعباده المؤمنين ونصرهم على عدوهم دون قتال(26).
قال تعالى: ﴿وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا﴾ [الأحزاب: 25].
يوم الحديبية: حيث ظن المسلمون في بداية الأمر أن قريشًا غدرت بهم، وقتلت عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولم يكونوا قد أعدوا العدة لمواجهة هذا الموقف العصيب؛ إذ لم يكن معهم سوى سلاح الراكب المسافر، ومع ذلك قرروا إعلاء شأن دينهم، وبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على قتال المشركين، وبعدها جاء التمكين الإلهي للمؤمنين، فقد عاد عثمان رضي الله عنه سالمًا، وأرسلت قريش سهيل بن عمرو ليفاوض النبي صلى الله عليه وسلم، فنجم عن ذلك صلح الحديبية والذي كان بمثابة بداية الطريق لنصر عظيم مؤزر من الله تعالى به على المؤمنين، فما هي إلا سنتين حتى نكثت قريش عهدها مع الرسول صلى الله عليه وسلم، مما أدى إلى فتح مكة عام (8هـ)(27).
وقد حكى القرآن الكريم ذلك، فقال تعالى: ﴿لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا﴾ [الفتح: 18].
وقد أكد الله مشيئته بتمكين المؤمنين بوعد يساوي في قوته القسم.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [النور: 55].
ومما يؤكد أن وعد الله بذلك يساوي القسم دخول اللام في جواب القسم المفهوم من الوعد، وذلك في الوعود الثلاثة: (الاستخلاف والتمكين واستبدال الخوف بالأمن) إضافة إلى وجود نون التوكيد الثقيلة في الوعود الثلاثة، مما يؤكد أن ذلك واقع لا محالة إن تحقق الإيمان والعمل الصالح، عبادة بلا شرك.
وهذا دليل قاطع على أن التمكين يتبع لمشيئة الله عز وجل، وليس لإرادة بشرية مهما كانت قوية، فالله يعز من يشاء بعزه، ويذل من يشاء متى يشاء بما يشاء، تعالى القوي القدير صاحب العزة والجبروت.
أنواع التمكين
للتمكين أنواع تحدث عنها القرآن الكريم، نعرضها فيما يأتي:
أولًا: التمكين الخاص:
والتمكين الخاص هو ما كان خاصًا بالأفراد، وبحسب القرآن الكريم فقد حصل لنبي الله يوسف عليه السلام، ولذي القرنين من البشر، ولجبريل عليه السلام من الملائكة، وبيان ذلك فيما يلي:
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].
يقول الشيخ الشعراوي: «وقد بدأ التمكين في الأرض من لحظة دخوله بيت عزيز مصر ليحيا حياة طيبة»(28).
قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [يوسف: 56].
يقول الشيخ الشعراوي: «وهكذا كان تمكين الله ليوسف عليه السلام في الأرض بحيث أدار شئون مصر»(29).
ويقول الشيخ محمد الناصري في تفسير هذه الآية أن فيها: «إشارة إلى ما أكرم الله به يوسف من الحرية والسعة والنفوذ والتصرف في أرض مصر...»(30).
والملاحظ أن التمكين في الآيتين السابقتين هو تمكين خاص بفرد واحد هو نبي الله يوسف عليه السلام، كما يلاحظ أن الآية الأولى أشارت إلى تمكين جزئي ليوسف عليه السلام، فكل ما حصل له أنه نجا من الجب، وانتقل للعيش في بيت يكفل له الحياة الكريمة، فهذا وإن كان بمثابة نقلة نوعية في حياة يوسف عليه السلام، إلا أنه لا يرقى ليصل إلى درجة العلو والهيمنة، وهذا ما نوه إليه الشيخ الشعراوي رحمه الله، حين وصف التمكين المذكور في الآية الأولى بأنه بداية التمكين وليس تمام التمكين(31).
بينما نجد أن الآية الثانية قد أشارت بالفعل إلى التمكين الكلي لنبي الله يوسف عليه السلام، حيث أصبح يدير شئون مصر كما ذكر المفسرون.
يقول الدكتور علي الصلابي: «فإذا تأملت في الآيتين تلاحظ أن الآية الأولى أشارت للتمكين الجزئي ليوسف عليه السلام، والآية الثانية للتمكين الكلي في حقه...»(32).
وبناءً على ذلك يمكن القول بأن التمكين المذكور في الآية الثانية هو تمكين خاص كلي.
قوله تعالى: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا ٨٣ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا﴾ [الكهف: 83-84].
يقول المراغي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا﴾ «أي: مكنا له أمره من التصرف فيها كيف شاء، بحيث يصل إلى جميع مسالكها، ويظهر على سائر ملوكها، وآتيناه من كل شيء أراده من مهام ملكه وبسطة سلطانه طريقًا يوصله إليه، فآتيناه العلم والقدرة والآلات التي توصله إلى ذلك»(33).
ويتضح من خلال كلام المراغي رحمه الله، أن تمكين الله تعالى لذي القرنين هو تمكين خاص كلي.
قوله تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ﴾ [التكوير: 20].
ومعنى مكين هنا: أن جبريل عليه السلام، ذو جاه ومنزلة رفيعة عند الله تعالى(34)، ومن ثم فتمكين الله تعالى لجبريل عليه السلام هو تمكين خاص كلي.
ثانيًا: التمكين العام:
والتمكين العام هو ما كان غير مختص بفرد معين، وإنما يكون للجماعات، وبحسب القرآن الكريم فقد ثبت هذا التمكين لأصحاب القرون الأولى مثل قوم نوح، وعاد، وثمود، ولأهل مكة، وللمؤمنين الصادقين، وبيان ذلك فيما يلي:
قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ﴾ [الأنعام: 6].
قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم ير هؤلاء المكذبون بآياتي، الجاحدون بنبوئتك، كثرة من أهلكت من قبلهم من القرون الذين وطأت لهم البلاد والأرض توطئة لم أوطئها لهم، وأعطيتهم فيها ما لم أعطهم»(35).
ويقول أبو الحسن النيسابوري في تفسير قوله تعالى: ﴿مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ﴾ «أعطيناهم من المال والعبيد والأنعام ما لم نعطكم»(36).
وبناءً على ذلك، نفهم من كلام المفسرين أن تمكين الله تعالى لأصحاب القرون الأولى مثل قوم نوح، وعاد، وثمود، كان تمكينًا عامًا كليًا.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ﴾ [الأعراف: 10].
يقول أبو السعود في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ «لما أمر الله سبحانه أهل مكة باتباع ما أنزل إليهم، ونهاهم عن اتباع غيره، وبين لهم وخامة عاقبته بالإهلاك في الدنيا والعذاب المخلد في الآخرة ذكرهم ما أفاض عليهم من فنون النعم الموجبة للشكر ترغيبًا في الامتثال بالأمر والنهي إثر ترهيب، أي: جعلنا لكم فيها مكانًا وقرارًا، أو ملكناكم فيها وأقررناكم على التصرف فيها»(37).
ويفهم من هذا الكلام أن تمكين الله تعالى لأهل مكة كان تمكينًا عامًا كليًا.
ومن الجدير بالذكر أن الله تعالى قد مكن لتلك الأقوام على الرغم من كفرها؛ لأنها أخذت بأسباب التمكين المادية كإعداد الجيوش، وامتلاك الأموال وغير ذلك، ولكنهم لما تركوا السبب الأهم لبقاء التمكين وهو اتباع الرسل، أهلكهم الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ﴾ [الحج: 41].
يقول مقاتل بن سليمان في تفسير قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾، «يعنى: أرض المدينة وهم المؤمنون بعد القهر بمكة»(38).
ومعنى التمكين في هذه الآية: النصر على العدو(39)، وبالفعل فإن الله تعالى قد مكن الصحابة الكرام ومن بعدهم من المؤمنين من عدوهم بعد هجرتهم إلى المدينة المنورة فألحقوا به الهزيمة تلو الهزيمة بدءًا بغزوة بدر عام (2هـ) مرورًا بغزوة فتح مكة عام (8هـ) ووصولًا إلى اتساع الفتح الإسلامي حتى وصل إلى الصين شرقًا والمحيط الأطلسي غربًا، وقد كان هذا التمكين تمكينًا عامًا كليًا.
وقد وعد الله تعالى عباده المؤمنين الصادقين بتمكينهم في الأرض تمكينًا عامًا كليًا ما داموا على إخلاصهم له سبحانه، وذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [النور: 55].
يقول الدكتور مازن عيسى: «فهذا الوعد مناسب لكل من اتصف بهذا الوصف، فلما اتصف به الأولون استخلفهم الله كما وعد، وقد اتصف بعدهم به قوم بحسب إيمانهم وعملهم الصالح، فمن كان أكمل إيمانًا وعمل صالحًا، كان استخلافه المذكور أتم، فإن كان فيه نقص وخلل كان تمكينه خللًا ونقصًا؛ وذلك أن هذا جزاء هذا العمل، فمن قام بذلك العمل استحق ذلك الجزاء»(40).
مقومات التمكين
مما لا شك فيه أن الإنسان مطالب إلى جانب عبادة الله تعالى وحده، أن يحصل على التمكين في الأرض، فقد قال ربنا جل علا: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
وقال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ﴾ [البقرة: 30].
وإسناد هاتين المهمتين للناس دليل على أنه لا مجال لأداء العبادات بحرية دون قيد إلا بتحقيق الاستخلاف في الأرض، وإن الاستنكاف عن السعي لتحقيق أي من المهمتين يعني ضياع المهمة الأخرى وعدم التمكن من تحقيقها، وهذا يعني الإفساد في الأرض، يفهم هذا من رد الملائكة لما أخبرها الله عز وجل أنه سيجعل في الأرض خليفة قالوا: ﴿أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ﴾ [البقرة: 30].
قالوا ذلك لعلمهم بما كان من الجن الذين أفسدوا في الأرض، فعاقبهم الله تعالى، وحتى يتجنب الإنسان من الوقوع فيما وقع فيه الجن من قبل، لابد له من المحافظة على ما أسند له ربه تعالى من مهمات، ولضمان ذلك لابد له أن يحصل على التمكين في الأرض، وللحصول على هذا التمكين لابد من توفر المقومات الواردة فيما يلي:
أولًا: الإيمان:
يقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [النور: 55].
في هذه الآية نجد أن الله تعالى قد ربط بين تحقيق الإيمان وحصول الاستخلاف، ويفهم من هذا الربط أن تحقق الإيمان شرط أساس لحصول الاستخلاف، فلا استخلاف دون إيمان(41).
وهذه القاعدة لا تقف عند هذا الحد فقط، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى كون الاستخلاف باقيًا ما دام الإيمان متحققًا عبر الأجيال التي حصل آباؤها على الاستخلاف في الأرض، وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك من خلال إحدى قصص بني إسرائيل، وهي تلك التي وردت في سورة الإسراء.
قال تعالى: ﴿وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا ٢ ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا ٣ وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا ٥ ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا ٦ إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا﴾[الإسراء: 2-7].
فهذه الآيات تبين أن الله تعالى قد من على المؤمنين الذين كانوا مع نوح عليه السلام، بأن نجاهم من الغرق الذي أصاب الكافرين آنذاك وذلك يعتبر تمكينًا لهم.
ثم جاء من بعدهم خلفٌ من ذريتهم أفسدوا في الأرض، فأرسل الله تعالى عليهم من يهزمهم شر الهزيمة، وهذا زوال للاستخلاف، وبعد ذلك عاد بنو إسرائيل لرشدهم وإيمانهم، فأعاد لهم العزة والهيمنة، وبذلك عاد لهم الاستخلاف.
ثم أخبر القرآن أنهم سيعودون بعد ذلك إلى الفساد مرة أخرى، وهذا سيؤدي إلى إهلاكهم مرة أخرى، وهذا يعني زوال الاستخلاف تارة أخرى عن بني إسرائيل، ثم يقرر الله تعالى أنه في كل عودة للكفر والإفساد يزول الاستخلاف، وفي كل رجعة إلى الله تعالى بالإيمان والإحسان يرجع الاستخلاف، وهذه القاعدة ليست خاصة ببني إسرائيل وحدهم، وإنما هي سنة إلهية تتكرر لكل من أوكل الله تعالى إليهم مهمة الاستخلاف، يتضح ذلك من قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ﴾ [محمد: 7].
ونصرة الله تعالى تكون بالجهاد في سبيله، وإعلاء شأن دينه، واتباع رسوله، وموالاة أوليائه، والتزام أوامره، واجتناب نواهيه، وهذه من لوازم الإيمان بالله تعالى(42).
ثانيًا: العمل الصالح:
قال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [النور: 55].
كما هو ملاحظ في هذه الآية، فإن القرآن قد استخدم أحد أهم وأقوى أساليب التوكيد وهو الوعد المكافئ للقسم، من أجل تقرير الوعد الإلهي لمن تحقق فيهم الإيمان مع المداومة على العمل الصالح بالاستخلاف في الأرض.
وقد دلنا ربنا تعالى على الأسس التي يرتبط على وفقها حصول التمكين بالعمل الصالح، وهذه الأسس تتمثل في أنه لحصول العبد على التمكين لابد له من الجمع بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح.
قال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾[النحل: 97].
كما تتمثل هذه الأسس أيضًا في أنه من غرق في المعاصي والذنوب فإن عاقبته الهلاك وزوال التمكين عنه إن كان من الممكنين.
قال تعالى في سياق وعيده لأهل مكة بسبب كفرهم وعصيانهم بالهلاك أسوة لمن سبقهم من الأقوام الفاسدة: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٨ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٩ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۖ وَلِلۡكَٰفِرِينَ أَمۡثَٰلُهَا﴾ [محمد: 8-10].
وقد جمع ربنا بين الأساسين السابقين في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ﴾ [إبراهيم: 7].
وشكر الله تعالى بطاعته وعمل الصالحات، وكفره بجحود نعمه والانغماس في الشهوات(43).
ومن الأسس أيضًا أن أفضل الأعمال الصالحة التي تؤدي إلى حصول التمكين هي الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد أثنى الله تعالى على أمة التمكين بقوله: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110].
ومن الأسس أن أخطر ما يؤدي إلى زوال التمكين هو ترك التناهي عن المنكر، وقد استحق كفار بني إسرائيل اللعنة بسبب ذلك.
قال تعالى: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79].
وقال رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: (إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)(44).
ومن الأسس أيضًا أنه لابد من المداومة على العمل الصالح لضمان بقاء التمكين واستمراره.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ ١٠ أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١ وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَيۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ وَمِنَ ٱلۡجِنِّ مَن يَعۡمَلُ بَيۡنَ يَدَيۡهِ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَمَن يَزِغۡ مِنۡهُمۡ عَنۡ أَمۡرِنَا نُذِقۡهُ مِنۡ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ١٢ يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ﴾ [سبأ: 10-13].
وفائدة الشكر هي استمرار العطاء للشاكر، وترك الشكر يعني الحرمان مما يستوجبه الشكر وترك الشكر عليه(45).
وباستقراء التاريخ يلاحظ أن استخلاف الله تعالى لعباده اقترن بإيمانهم وعملهم الصالحات، وذلك كما حدث مع بني إسرائيل كما هو مبين فيما سبق، وكما حدث مع غيرهم من الأقوام، وفي مقدمتهم الصحابة الكرام، والتابعون وتابعوهم بإحسان، وفي كتب السيرة والتاريخ وغيرها ما يشهد بذلك.
ثالثًا: الأخذ بالأسباب:
إن العبد مأمور بالأخذ بالأسباب، ويتجلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [المائدة: 23].
فالآية تحتوي على أسلوب شرط، وقد ربط الشرط هنا بين الإيمان بالله والتوكل عليه -جل وعلا-، واستنادًا إلى تعريف الشرط بأنه أحد أساليب الخطاب التي تقوم على الربط بين الشرط وجوابه، فلا يتحقق الثاني إلا بتحقيق الأول، يمكن القول بأنه لا يتحقق الإيمان إلا بتحقق التوكل، ومعنى الآية: ﴿إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ ﴿فَتَوَكَّلُوٓاْ﴾ ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ﴾.
وقد حذف جواب الشرط؛ لأنه تقدم في الآية ما يدل عليه وهي جملة ﴿فَتَوَكَّلُوٓاْ﴾، ومن المعلوم أن التوكل على الله تعالى لا يتم إلا بأمرين هما:
الأخذ بالأسباب الممكنة.
ثم تفويض الأمر إلى الله تعالى مع كامل الثقة به جل وعلا(46).
ومن ثم فإن الأخذ بالأسباب جزء من التوكل على الله تعالى، وبتركه يصبح التوكل تواكلًا، والتواكل مذموم، كما أشار إلى ذلك الخليفة الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما قال لأبي عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه: «أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديًا له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله!»(47).
ويستفاد من كلام عمر رضي الله عنه، ضرورة الأخذ بالأسباب، مع العلم أن الأخذ بالأسباب من القضاء والقدر.
ولقد علمنا ربنا جل وعلا ضرورة الأخذ بالأسباب، ونجد ذلك جليًا في قوله تعالى لمريم عليها السلام: ﴿وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا﴾ [مريم: 25].
والله تعالى قادر على أن يسقط الرطب دون أن تقوم الصديقة مريم عليها السلام بهز النخلة، كما أنه جل وعلا علمنا أيضًا ألا نستهين بالأخذ بالأسباب وإن بدا لنا أنه لا تجدي نفعًا، فمن المعلوم أن المرأة النفساء لا تقوى على هز جذع النخلة، فضلًا عن أن يتسبب ذلك الهز في إسقاط الرطب، فذلك يحتاج إلى جهد يفوق ما تقوى عليه النفساء، ومع ذلك فإن الله تعالى أمرها بالهز، كما علمنا جل شأنه كذلك أن فاعلية الأسباب التي أمرنا بالأخذ بها مرهونة بمشيئته جل وعلا، فهو المسبب للأسباب، والقادر على تعطيلها، ويفهم ذلك من قوله تعالى خلال سرد قصة إبراهيم عليه السلام: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٦٨ قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ﴾ [الأنبياء: 68-69].
كما علمنا أنه سبحانه لو أراد أن يجعل ما لم تجر العادة بكونه سببًا لجعل منه سببًا لما أراد أن يكون سببًا له، فهذه العصا التي سأل الله تعالى موسى عنها فرد عليه قائلًا: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ﴾ [طه: 18].
فذكر موسى عليه السلام الأسباب التي اتخذ العصا من أجلها ولم يكن من ضمنها فلق البحر، ومع ذلك جعلها الله تعالى سببًا لفلق البحر، وأنقذ المؤمنين من فرعون وجنوده.
قال تعالى: ﴿فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ ٦٣ وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡأٓخَرِينَ ٦٤ وَأَنجَيۡنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ٦٥ ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ﴾ [الشعراء: 63-66].
هذا بالإضافة جعلها سببًا لتحقيق أمور أخرى لا تحققها العصا بالعادة، كما علمنا ربنا -جل وعلا- أنه واهب الأسباب، وأنه ما على العبد إلا أن يكون صاحب إرادة لتوظيف هذه الأسباب فيما يرضيه سبحانه يدل على ذلك:
قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 258].
وقوله تعالى عن الرجل الصالح الذي سار معه موسى عليه السلام (48): ﴿وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا﴾ [الكهف: 65].
وقوله تعالى عن ذي القرنين: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا﴾ [الكهف: 84].
والمفهوم من تلك الآيات وغيرها أن الله تعالى هو واهب الملك، والعلم، والقدرة، وسائر الأسباب، وقد فقه أهل الصلاح ذلك كله لذلك: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [المائدة: 23].
والرجلان هما من أهل الصلاح ممن كانوا على دين موسى عليه السلام (49).
ولذلك أيضًا رفع رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يديه إلى السماء قبيل غزوة بدر حتى ظهر بياض إبطه الشريف راجيًا ربه أن ينجز له ما وعده من النصر(50)، مستخدمًا بذلك أقوى الأسباب فاعلية في جلب المصالح ودفع المضار، ألا وهو سلاح الدعاء الخالص لله تعالى(51)، فنصره الله تعالى، ومن معه من المؤمنين، ولذا أيضًا حفر الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين الخندق بأظفارهم وبما توفر لديهم من وسائل يسيرة، مصدقين بذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60].
فأيدهم الله تعالى ونصرهم على الأحزاب(52)، ولذلك أيضًا حافظ المسلمون على سنة السواك في معاركهم، فكان ذلك سببًا من أسباب نصرهم على أعدائهم أصحاب القوة والبأس(53)، والتاريخ حافل بدلائل التمكين الإلهي للمؤمنين الآخذين بكل ما توفر لديهم من أسباب النصر والعزة والغلبة.
رابعًا: العلم:
معلوم أن من أحد أهم عوامل تحقيق التمكين في الأرض هو العلم، لاسيما وأنه السبيل إلى الرفعة والهيمنة، وتبيانًا لذلك يقول ربنا جل وعلا: ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ﴾ [المجادلة: 11].
وقد ربطت الآية الكريمة بين الإيمان وطلب العلم، وذلك الربط يأتي في إطار الإشارة إلى أن طلب العلم يؤتي ثماره الطيبة إذا كان طالب العلم مؤمنًا، فالإيمان هو الضابط لطالب العلم، فلا يوظف علمه إلا بما يرضي الله تعالى، كما يعود بالنفع على البشرية(54).
ومما يبرز الدور الهام لطالب العلم في تحقيق التمكين في الأرض هو المضمون الذي اشتملت عليه آيات القرآن الكريم، فالله تعالى وعد المؤمنين الصادقين بأن يستخلفهم ويمكن لهم دينهم.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [النور: 55].
والدين الذي يرتضيه ربنا جل وعلا هو الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].
والإسلام هو الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء جميعًا، وإن أول ما أوحى به الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن هو الأمر بالقراءة.
قال تعالى: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1].
والقراءة تعد من أهم وسائل طلب العلم، ومن ثم فلا تمكين إلا بإقامة الدين، ولا دين غير الإسلام، وقد بدأ الإسلام بالدعوة إلى طلب العلم.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلۡمٖ لِّمَا عَلَّمۡنَٰهُ﴾ [يوسف: 68].
هذه الآية هي ثناء من الله تعالى على نبيه يعقوب عليه السلام لما حصل من العلوم، وبالنظر في نصوص القرآن نجد أن يعقوب عليه السلام قد وظف علمه خلال نصحه لأبنائه، فهذا يوسف عليه السلام يروي لأبيه يعقوب الرؤية التي رآها في منامه، فنصحه أبوه ألا يقص رؤيته لإخوته فيكيدوا له.
قال تعالى: ﴿إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ ٤ قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ﴾ [يوسف: 4-5].
فيعقوب عليه السلام علم من خلال سماعه الرؤيا أمرين:
الأول: تأويل الرؤيا.
الثاني: الأثر السلبي الذي قد تتركه الرؤيا على إخوة يوسف عليه السلام إذا سمعوا بها، فكانت نصيحته لولده يوسف عليه السلام تهدف إلى المحافظة على بقاء اللحمة بين أولا ده، وهذا يؤدي إلى حصول التمكين.
وفي موقف آخر ينصح أبناءه عندما أرادوا الخروج من عنده، والتوجه إلى مصر قائلًا لهم: ﴿وَقَالَ يَٰبَنِيَّ لَا تَدۡخُلُواْ مِنۢ بَابٖ وَٰحِدٖ وَٱدۡخُلُواْ مِنۡ أَبۡوَٰبٖ مُّتَفَرِّقَةٖۖ وَمَآ أُغۡنِي عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍۖ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَعَلَيۡهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: 67].
وذلك خوفًا عليهم من العين(55)، ومما لا شك فيه أن نصيحته هذه تدل على علمه بالضرر الذي قد يسبب فيه دخولهم من باب واحد، وتجنب الضرر يؤدي إلى حصول التمكين.
وقال تعالى: ﴿أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [سبأ: 11].
يأمر الله تعالى نبيه داود عليه السلام في هذه الآية أن يتقن صنعة الحدادة، وذلك من خلال قوله: ﴿وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ﴾، أي: تمهل وترو في السرد كي تحكمه(56)، وإتقان الصنعة يؤدي إلى حصول التمكين.
وقال تعالى: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۙ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ [المائدة: 4].
يقول الزمخشري: «وانتصاب ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ على الحال من ﴿عَلَّمۡتُم﴾، فإن قلت: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بـ ﴿عَلَّمۡتُم﴾؟
قلت: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح تحريرًا في علمه مدربًا فيه، موصوفًا بالتكليب ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حال ثانية أو استئناف، وفيه فائدة جليلة وهي أن على كل آخذ علمًا أن لا يأخذه إلا من أقتل أهله علمًا، وأنحرهم دراية، وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل»(57).
وإتقان المهارات يؤدي إلى حصول التمكين.
خامسًا: القوة:
جرت سنة الله تعالى أن يهيئ لمن أراد التمكين لهم الوسائل التي يستطيعون من خلالها الحصول على التمكين، وذلك يعني أنه لابد للذي يسعى للحصول على التمكين في الأرض أن يكون صاحب بضاعة تعينه على تحقيق ما يسعى للحصول عليه، وإن أهم ما تحويه تلك البضاعة هو عنصر القوة، وأهمية هذا العنصر تكمن في أنه الوسيلة التي تتم من خلالها عمليتي الحصول، والمحافظة على التمكين، وتنقسم هذه القوة إلى قسمين هما:
- القوة المادية: فهي تتمثل في قوة الجسد، وكثرة العدد والعدد.
- القوة المعنوية: فهي تتمثل في رجاحة العقل، وشجاعة القلب.
الله تعالى إذا أراد أن يهب التمكين لأحد أعطاه القوة.
قال تعالى: ﴿وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 247].
والملاحظ هنا أن الله تعالى قد جمع لطالوت بين القوة المادية الجسدية، والقوة المعنوية العلمية، بحيث أنه فاق بما آتاه الله تعالى من القوة أهل زمانه، فكان أهلًا لاختياره ملكًا(58).
وقد قدم الله تعالى قوة العلم على قوة الجسم لبيان أنه لابد من تقديم القوى العقلية على القوى المادية عند استخدام القوة؛ وذلك لتوجيه الطاقات في الاتجاه الصحيح، وعدم تدبيرها وإحسان استثمارها، وفي قصة ملكة سبأ التي أرسل الله إليها سليمان عليه السلام رسالة يدعوها فيها وقومها للإسلام، فاستشارت رؤوس دولتها، فردوا عليها ما مفاده أنهم جاهزون للمواجهة العسكرية ﴿قَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَٱلۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣].
فردت عليهم ردًا يبين رجاحة عقلها، قال تعالى: ﴿قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۖ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٣٤ وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ﴾ [النمل: 34-35].
وهذا الرد من الملكة يبرز أن تغليب العقل على امتلاك القوة المادية من شأنه أن يحقن الدماء، ويحفظ الممتلكات، ويبقي على السيادة.
وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالسعي بكل جهد للحصول على أسباب القوة؛ بغية الحصول على التمكين.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60].
وقد دل الله تعالى عباده على أهم الأسباب التي يؤتي الله تعالى عباده من خلاله وهو الاستغفار.
قال تعالى: ﴿وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ﴾ [هود: 52].
وفي مقابل ذلك حذر من الوقوع في الآثام والمخالفات التي من شأنها تدمير القوة مهما بلغت، وإزالة التمكين.
قال تعالى مخاطبًا الكفرة الفجرة: ﴿أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ [الروم: 9].
سادسًا: الأمانة:
جعل الله تعالى الحصول على التمكين أمانة في أعناق المؤمنين، والشواهد على ذلك في القرآن عديدة، منها:
قوله تعالى: ﴿يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا﴾ [مريم: 12].
في هذه الآية يأمر ربنا سبحانه يحيى عليه السلام بأن يعرف أحكام الله، وأن يحكم بها وهو صغير(59).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا﴾ [النساء: 105].
في هذه الآية يكلف الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يقضي بين الناس بما علمه من أحكام الدين(60).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 5].
وفي هذه الآية يأمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يقاتلوا المشركين الناكثين عهودهم مع المسلمين وحبسهم ومحاصرتهم ومطاردتهم، وعدم التسامح معهم إلا في حال توبتهم، وإيمانهم بالله تعالى، وأدائهم حقوق الله تعالى عليهم(61).
ومما سبق يمكن القول بأن الله تعالى استأمن يحيى عليه السلام على الحكم بالكتاب الذي أنزله ليكون هدى للناس، واستأمن محمدًا صلى الله عليه وسلم للقضاء بين الناس بموجب أحكام القرآن، واستأمن المسلمين على المحافظة على بلاد المسلمين وتطهيرها من الفجار، وذلك كله يعني أن الله تعالى استأمن عباده على المحافظة على الإسلام، وتطبيق أحكامه في الأرض من خلال بسط المسلمين سيطرتهم على الأرض وتمكنهم منها.
وقد ذم الله تعالى الذين فرطوا في المحافظة على أمانة التمكين.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الجمعة: 5].
والمعنى أن الله تعالى قد استأمن اليهود والنصارى على حمل التوراة والعمل بموجب أحكامها، والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم خانوا هذه الأمانة فهم بذلك كالحمار الذي يحمل الكتب التي تحتوي على العلوم الكثيرة، ولكنه لا يعي منها شيئًا(62).
وحتى يتجنب أتباع محمد صلى الله عليه وسلم تلك المذمة لابد لهم من المحافظة على أعظم أمانة استحفظ الله تعالى عليها الإنسان، وهي أمانة الدين.
قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾ [الأحزاب: 72].
ومسئولية الحفاظ على هذه الأمانة العظيمة وإن كانت تقع على عاتق المسلمين جميعًا، إلا أن الجزء الأكبر من هذه المسئولية إنما تقع على العلماء وأولي الأمر من المسلمين، وقد أعانهم الله تعالى على تحمل هذه المسئولية من خلال توجيه الأمر لعامة المسلمين بطاعة أولي أمرهم وعلمائهم.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 59].
وقال أيضًا: ﴿وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [النساء: 83].
والمقصود بالذين يستنبطونه هم: العلماء النحارير(63)، وقد أعانهم أيضًا من خلال الحث على طلب العلم الشرعي؛ بغية نشره بين الناس.
قال تعالى: ﴿فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].
ومما يدل على أن المسئولية الكبرى في حفظ أمانة الدين تقع على عاتق العلماء والقادة قوله تعالى: ﴿لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ﴾ [المائدة: 63].
والربانيون هم الولاة والأحبار هم العلماء(64).
ومما يدل على مشاركة عامة الناس للقادة والعلماء في مسئولية حفظ أمانة الدين: ذمه تعالى اليهود والنصارى طاعة علمائهم في معصية الله تعالى والإيغال في ذلك.
قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31].
فعلى العلماء والقادة تقع أمانة التبليغ والتطبيق لأحكام الدين، وعلى العامة الطاعة في غير معصية الله تعالى.
ولا يعني التخصيص لأمانة حفظ الدين بالذكر أن المحافظة على باقي الأمانات أمر ثانوي لحصول التمكين، وإنما كان الاختيار لأمانة حفظ الدين لأمرين مهمين:
الأول: أن الحفاظ على هذه الأمانة هو الأساس لحصول التمكين، يفهم ذلك من تركيز القرآن على الدعوة لحفظ هذه الأمانة العظيمة.
الثاني: أن المحافظة على هذه الأمانة باعث للحفاظ على باقي الأمانات التي هي فرع، ولا انفصال بين الأصل والفرع كما هو معلوم، وبهذا الفهم الدقيق مكن الله تعالى للصالحين في الأرض، ومن الأمثلة على ذلك:
قال تعالى: ﴿وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠ إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١ فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ٣٢ رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ﴾ [ص: 30-33].
هذا نبي الله سليمان عليه السلام يشغله حب الخيل وبهاء منظرها عن الصلاة، فيغضب لذلك، ويدرك خطورة الانشغال بمتاع الدنيا عن حفظ أمانة الدين، فيقوم بعقر تلك الخيل(65).
وهذا هو الأساس الذي مكن الله تعالى به لسليمان عليه السلام.
ولما ارتد أناس عن الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بتركهم للزكاة أمر أبو بكر الصديق رضي الله عنه بتحريك الجيوش وقتال المرتدين؛ وذلك ليقينه بضرورة حفظ أمانة الدين من أجل بقاء التمكين للمسلمين(66).
وقد سار المسلمون الأوائل على هذا النهج القويم، وحافظوا على الأمانات التي استحفظ الله تعالى عباده عليها، متأولين بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا﴾ [النساء: 58].
فأمكن الله تعالى لهم حتى وصلت فتوحات المسلمين الصين شرقًا، والمحيط الأطلسي غربًا(67).
سابعًا: العدل:
يمثل العدل أحد أهم الركائز التي يستند إليها للحصول على التمكين مع ضمان بقائه واستمراره، وإن من أهم الدلالات على ذلك أن الله تعالى أمر بالعدل وجعله من جوامع الخير.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
كما أنه تعالى نهى عن الجور، وذلك كما جاء في الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا...)(68).
والعدل مما أوصى به ربنا جل وعلا في كتابه العزيز.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].
والعدل كما هو مفهوم من هذه الآية لابد له من أن يكون بعيدًا عن حظوظ النفس، فلا تؤدي العداوة لقوم إلى عدم إنصافهم(69).
ومما يعلل كون صفة العدل أحد أهم سبل الوصول إلى حالة التمكين أنه لا أحد من الخلق يقبل وقوع الهضم والحيف عليه، ومن ثم فإن النفوس تكره كل ظالم وبالذات إذا كان في موقع النفوذ والسلطان؛ لأن ظلمه يكون أشد وفرص معاقبته تكون محدودة إن لم تكن معدومة، والعكس صحيح، وهذا يعني أنه لابد لمن أراد التمكين في الأرض أن يتصف بالعدل؛ حتى ينال محبة الناس وثقتهم، فيحصل بذلك على ما أراد.
وقد أيقن المسلمون الأوائل أهمية العدل في حصول التمكين فحافظوا عليه، فحفظ الله تعالى عليهم ملكهم، ويسر لهم فتح البلاد، وحبب منهم العباد، ومن الشواهد على عدل الخلفاء الراشدين ما كان يوصي به عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلًا: «إني لم أسلطكم على دماء المسلمين، ولا على أموالهم، ولكني بعثتكم تقيموا بهم الصلاة، وتحكموا بينهم بالعدل»(70)، وغير ذلك من الشواهد كثير.
ثامنًا: التعاون:
العباد مأمورون من الله تعالى بأن يكونوا متعاونين متآزرين في الحق، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
والبر هو ما أمر الله تعالى به، والتقوى هو اجتناب ما نهى الله تعالى عنه(71).
ومن أبرز ما دعا الإسلام للتعاون من أجل تحقيقه هو الحصول على التمكين، أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ﴾ [الصف: 4].
وهذه دعوة من الله تعالى للمسلمين بالتضامن مع بعضهم البعض لنصرة دين الله تعالى وإعلاء كلمته.
ومن المعلوم أن الجهاد في سبيل الله تعالى هو الطريق إلى تمكين المسلمين في الأرض يؤيد دعوة التناسب بين دعوة المسلمين إلى رص صفوف المجاهدين في سبيل الله تعالى وبين نهي المسلمين عن موالاة الكافرين قبل تلك الدعوة.
فقد قال تعالى في آخر آية من سورة الممتحنة: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ قَدۡ يَئِسُواْ مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلۡكُفَّارُ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡقُبُورِ﴾ [الممتحنة: 13].
ثم قال تعالى في أول سورة الصف التي تلي سورة الممتحنة مباشرة: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ﴾ [الصف: 4].
يقول المراغي عن مطلع سورة الصف: «ومناسبتها لما قبلها أنها اشتملت على الحث على الجهاد والترغيب فيه، وفي ذلك تأكيد المنهي الذي تضمنته السورة السابقة من اتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين»(72).
وطلب المعونة من الغير ممن تجوز الاستعانة بهم في سبيل تحقيق التمكين للمسلمين في الأرض أمر مطلوب، وأولى من يستعان به لذلك هو الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ ١٢٧ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 127-128].
كما أنه يستعان بأسباب القوة المختلفة من أجل تحقيق التمكين.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا ٩٤ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا﴾ [الكهف: 94-95].
فذي القرنين طلب المعونة من أجل بناء السد على الرغم من أنه صاحب قوة.
وتاريخ المسلمين يشهد بأنهم طلبوا العون في سبيل تحقيق التمكين، ومن ذلك ما حصل في غزوة الأحزاب حيث استعان الرسول صلى الله عليه وسلم بالصحابي الجليل نعيم بن مسعود الغطفاني رضي الله عنه من أجل تفريق كلمة الأحزاب(73). وغير ذلك من الشواهد كثير.
أهداف التمكين
تحدث القرآن الكريم عن أهداف التمكين وسوف نبينها فيما يأتي:
أولًا :إقامة شعائر الدين:
خلق الله تعالى الإنسان وأوكل إليه مهمة الاستخلاف، وهذه المهمة تشمل أمرين أساسيين، هما:
عبادة الله تعالى على الوجه الذي يرضيه جل وعلا.
الإصلاح والتعمير في الأرض.
دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 30].
فرد الملائكة لما أخبرها ربها جل وعلا أنه سيجعل في الأرض خليفة بقولهم: ﴿قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ﴾، دل على أن الاستخلاف يلزم منه الإصلاح والتعمير، وقولهم: ﴿وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ﴾، دل على أن الاستخلاف يلزم منه العبودية لله تعالى (74).
مما سبق يتبين أن مهمة الخلافة هي مهمة حساسة؛ لكونها شديدة التأثر بما يحيطها من العوامل، وأبرز تلك العوامل هو عامل التمكين، فليس لأحد أن يقوم بمهام الاستخلاف في الأرض إلا إذا كان ممكنًا فيها، ويجب على المؤمنين بمجرد أن يمكن الله تعالى لهم في الأرض أن يسعوا بكل جهد إلى تحقيق مهام الاستخلاف التي أسندها الله تعالى إليهم، وأولى هذه المهام هي مهمة العبادة لله تعالى وحده، وإقامة شعائر دينه.
قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ﴾ [الحج: 41].
وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وفي مقدمة المؤمنين الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم(75)، ومما يشهد بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة المنورة قام ببناء المسجد الذي يعتبر المقر الرئيس لإقامة شعائر الدين.
كما حرص الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم على السير على ذات الدرب الذي سار عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم فكان في عهدهم أن جمع القرآن ونقط وشكل، وحورب المرتدون، وفتح بيت المقدس، وعلا دين الله تعالى على ما سواه(76).
ثانيًا: عمارة الأرض:
الإسلام هو دين التعمير والبناء والإصلاح في الأرض، وقد أوجب الله تعالى على المؤمنين أن يعمروا في الأرض، دل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ [التوبة: 18].
والعمارة هنا نوعان:
الأول: معنوية بالصلاة والاعتكاف والذكر في هذه المساجد.
الثاني: مادية بالبناء والتشييد والتوسيع بهذه المساجد(77).
ودل على وجوب الإصلاح والتعمير في الأرض قوله صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)(78).
والمقصود بالعلم هو كل علم نافع سواءً أكان علمًا دينيًا أو دنيويًا، وكما أن علوم الدين تدعو إلى توظيف الإمكانات للبناء والتعمير، فإن علوم الدنيا تشرف مباشرة على ذلك البناء والتعمير.
أسباب زوال التمكين
وضح القرآن الكريم أسباب زوال التمكين، وسوف نتناولها بالبيان فيما يلي:
أولًا: الكفر:
الكفر بأقسامه وأنواعه يؤدي إلى زوال التمكين، يؤيد ذلك قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ ١٧ أَنۡ أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٨ وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنِّيٓ ءَاتِيكُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٩ وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ ٢٠ وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ ٢١ فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ مُّجۡرِمُونَ ٢٢ فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٢٣ وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًاۖ إِنَّهُمۡ جُندٞ مُّغۡرَقُونَ ٢٤ كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٢٥ وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٢٦ وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ﴾ [الدخان: 17-27].
فهذه الآيات تتحدث عن فرعون وملئه، وعن عاقبة إفسادهم في الأرض، حيث أغرقهم في البحر بعد أن كانوا أهل سيادة في الأرض(79).
ثانيًا: الظلم:
الظلم بأنواعه سبب من أسباب زوال التمكين، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٩٦ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ فِرۡعَوۡنَۖ وَمَآ أَمۡرُ فِرۡعَوۡنَ بِرَشِيدٖ ٩٧ يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ ٩٨ وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِۦ لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُودُ ٩٩ ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيۡكَۖ مِنۡهَا قَآئِمٞ وَحَصِيدٞ ١٠٠ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ﴾ [هود: 96-101].
فهذه الآيات تتحدث عن إهلاك الله تعالى لقوم موسى عليه السلام بسبب ظلمهم أنفسهم بالكفر والمعاصي(80).
ثالثًا: كفران النعمة:
مما لا شك فيه أن إنكار ونسيان النعم التي من الله تعالى بها على عباده من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى زوال تلك النعم، ولما كانت نعمة التمكين من أعظم ما يمن به الله تعالى على عباده كان إهمالها ونكرانها أحد أعظم الأسباب التي تؤدي إلى زوال تلك النعمة والحرمان منها.
ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ﴾ [النحل: 112].
وهذا مثل ضربه الله تعالى لمن يكون في رغد من العيش وسعة، ثم يكفر بما أنعم الله تعالى به عليه لتكون عاقبته الحرمان من تلك النعم(81).
ونظرًا لخطورة كفران النعمة فقد حذر الله تعالى عباده من الانجرار وراء رغبات نفوسهم التي تأمرهم بالجحود والنكران.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٞ﴾ [العاديات: 6].
﴿لَكَنُودٞ﴾ هو الكفور(82) الذي يذكر المصائب، وينسى النعم(83).
وقد أكد الحق جل وعلا بالمؤكدات الثلاث: القسم، وإن، واللام؛ للمبالغة في تحذير الإنسان من كفران النعمة الذي ينجم عن الانصياع للنفس التي تنسى ما أنعم الله تعالى به عليها، وتذكر ما ابتلاها به فقط، ومن ثم يكون من الواجب على العبد أن يؤدب نفسه، ويذكرها بوافر نعم الله تعالى كلما حرضته على جحود تلك النعم العظيمة، والتي في مقدمتها نعمة التمكين.
رابعًا: ارتكاب الذنوب:
وعد الله تعالى عباده المؤمنين الصالحين المداومين على فعل الطاعات بالغلبة والتمكين في الأرض، فقال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾[النور: 55].
ويفهم من هذا الوعد الإلهي بالمخالفة أن الكفر بالله وإتيان الذنوب يؤديان إلى زوال التمكين.
ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ عَتَتۡ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبۡنَٰهَا حِسَابٗا شَدِيدٗا وَعَذَّبۡنَٰهَا عَذَابٗا نُّكۡرٗا ٨ فَذَاقَتۡ وَبَالَ أَمۡرِهَا وَكَانَ عَٰقِبَةُ أَمۡرِهَا خُسۡرًا﴾[الطلاق: 8-9].
والعتو عن أمر الله تعالى إنما يكون بمعصيته وارتكاب الذنوب(84).
لذلك فإنه من الواجب على العباد أن يحذروا من الوقوع في الذنوب؛ لئلا تزول عنهم نعمة التمكين.
| موضوعات ذات صلة: |
| الخلافة، النجاة، النصر |
الحواشي
- انظر: مختار الصحاح، الرازي ص279، المصباح المنير، الفيومي 2/577، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/881. ↩
- انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص111، شمس العلوم، نشوان الحميري 9/6361. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن 2/536. ↩
- انظر: تفسير ابن عرفة، 1/358. ↩
- تفسير الإمام الشافعي 2/978. ↩
- انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص672. ↩
- انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي 4/104. ↩
- انظر: التعريفات، الجرجاني ص66. ↩
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/ 189. ↩
- مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 435. ↩
- المفردات، الراغب ص808، الفروق اللغوية، العسكري ص189، الكليات، الكفوي ص 909. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/388. ↩
- المفردات، ص611. ↩
- انظر: تفسير القرآن، السمعاني 4/195. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 2/210. ↩
- غرائب القرآن، النيسابوري، 1/395. ↩
- انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 13/156. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/38. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 18/129. ↩
- مباحث في التفسير الموضوعي، مصطفى مسلم ص216. ↩
- انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 3/201. ↩
- الوسيط، الزحيلي 2/1098. ↩
- انظر: معالم التنزيل، البغوي 4/217. ↩
- انظر: العذب النمير، الشنقيطي 4/277. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة، 3/1383، رقم 1763. ↩
- انظر: السيرة النبوية، كما جاءت في الأحاديث الصحيحة، محمد الصوباني 3/94. ↩
- انظر: دلائل النبوة، البيهقي، 4/160. ↩
- تفسير الشعراوي 11/6899. ↩
- المصدر السابق 11/7001. ↩
- التيسير في أحاديث التفسير 3/188. ↩
- انظر: تفسير الشعراوي 11/6899. ↩
- فقه النصر والتمكين ص7. ↩
- تفسير المراغي، 16/16. ↩
- انظر: مدارك التنزيل، النسفي 3/607. ↩
- جامع البيان 11/263. ↩
- الوجيز ص345. ↩
- إرشاد العقل السليم 3/214. ↩
- تفسير مقاتل بن سليمان 3/130. ↩
- انظر: فتح البيان، القنوجي 9/58. ↩
- الإصابة في الذب عن الصحابة رضي الله عنه ص119. ↩
- انظر: نور الإيمان وظلمات النفاق، الدكتور سعيد القحطاني ص23. ↩
- انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي 1/266. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن 3/29. ↩
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، 4/175، رقم 3475. ↩
- انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي 2/248. ↩
- انظر: جهود الشيخ محمد الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف، عبد العزيز الطوبان 1/163. ↩
- انظر: المصدر السابق 1/163. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن 1/192. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 10/182. ↩
- انظر: مغازي الواقدي، 1/67. ↩
- انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي ص466. ↩
- انظر: دلائل النبوة، البيهقي 3/399. ↩
- انظر: تفسير الشعراوي، 19/1987. ↩
- انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب 11/7366. ↩
- انظر: التفسير البسيط، الواحدي 12/173. ↩
- معجم وتفسير لغوي كلمات القرآن، حسن الجمل 3/318. ↩
- الكشاف، الزمخشري 1/606. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 5/313. ↩
- انظر: المصدر السابق ص490. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 9/175. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن 2/337. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 23/377. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن 1/403. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 6/543. ↩
- انظر: الدر المنثور، السيوطي 7/177. ↩
- انظر: حياة محمد صلى الله عليه وسلم، محمد حسين هيكل ص332. ↩
- انظر: مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى مسلم ص280. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، 4/1994، رقم 2577. ↩
- انظر: أيسر التفاسير، الجزائري 1/602. ↩
- شعب الإيمان، البيهقي، 9/493، رقم 7009. ↩
- انظر: تأويلات أهل السنة، الماتردي 3/423، لطائف الإشارات، القشيري 1/398. ↩
- تفسير المراغي 28/79. ↩
- انظر: معارج القبول، حافظ الحكمي 2/565. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 1/479، التفسير البسيط، الواحدي 1/194. ↩
- انظر: مدارك التنزيل، النسفي 2/444. ↩
- انظر: ثلاثية البردة بردة الرسول صلى الله عليه وسلم، حسن حسين ص129. ↩
- انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/347. ↩
- أخرجه ابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، 1/101، رقم 224.
والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع، رقم 3913. ↩ - انظر: لباب التأويل، الخازن 4/118. ↩
- انظر: التفسير البسيط، الواحدي 11/546. ↩
- انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 8/4284. ↩
- انظر: تفسير التستري، 1/203. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 24/585. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 23/469. ↩
