مفهوم الاتخاذ
أولًا: المعنى اللغوي:
الاتخاذ مصدر من تخذ يتخذ، كعلم يعلم: بمعنى: أخذ، تخذت الشيء واتخذته، وقرئ: (لتخذت) و(لاتخذت)، وهو افتعل من تخذ، فأدغم إحدى التاءين في الأخرى(1)، يقال: تخذت مالًا، أي: كسبته، ألزمت التاء كأنها أصلية، والأصل من الأخذ(2).
ورأى ابن الأثير أنها ليس من الأخذ في شيء، فإن الافتعال من الأخذ: ائتخذ؛ لأن فاءه همزةٌ، والهمزة لا تدغم في التاء(3). والأكثرون على أن أصله من الأخذ، ومعنى الأخذ والتخذ واحدٌ، وهو حوز الشيء وتحصيله(4).
ومن خلال ما سبق يتبين أن الاتخاذ يتمركز معناه اللغوي حول الكسب والحوز والتحصيل.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الاتخاذ اصطلاحًا: هو «الاقتناء»(5)، «والاتخاذ: أخذ الشيء لأمر يستمر فيه، مثل الدار يتخذها مسكنًا، والدابة يتخذها قعدة»(6).
والمتدبر في المعنيين اللغوي والاصطلاحي يجد اتصالًا بينهما؛ حيث إن المعنى الاصطلاحي أخذ الشيء والاستمرار فيه، وهذا مرتبط بمعنى الاتخاذ اللغوي الذي هو الكسب والحوز والتحصيل مع الاستمرار في الأخذ، وهذا هو الاقتناء.
الاتخاذ في الاستعمال القرآني
ورد الجذر (أ خ ذ) في القرآن (273) مرة، يخص موضوع البحث منها (128) مرة (7).
والصيغ التي ورددت عليها هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
| الفعل الماضي | 66 | ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا﴾ [النساء: 125] |
| الفعل المضارع | 53 | ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۗ﴾ [النحل: 67] |
| فعل الأمر | 5 | ﴿وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا﴾ [النحل: 68] |
| المصدر | 1 | ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ﴾ [البقرة: 54] |
| اسم فاعل | 3 | ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا ٥١﴾ [الكهف: 51] |
وجاء الاتخاذ في القرآن بمعناه في اللغة، وهو: الافتعال من الأخذ، وهو: التناول للشيء والحوز والاختيار والجعل(8).
قال تعالى: ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا﴾ [النساء: 125]. يعني: اختار الله إبراهيم مصافيًا(9).
الألفاظ ذات الصلة
الأخذ:
الأخذ لغة:
الأخذ مصدر أخذ، الهمزة والخاء والذال أصل واحد تتفرع منه فروع متقاربة في المعنى، يقال: أخذت الشيء آخذه أخذًا، أي: تناولته(10).
الأخذ اصطلاحًا:
الأخذ خلاف العطاء، وهو حوز الشيء وتحصيله، وذلك تارة بالتناول، وتارة بالغلبة والقهر، ومنه أخذته الحمى، وفلان يأخذ مأخذ فلان يذهب مذهبه ويسلك مسلكه(11).
الصلة بين الأخذ والاتخاذ:
الأخذ هو تحصيل الشيء، أما الاتخاذ فهو أخذ الشيء والاستمرار فيه مثل الدار يتخذها مسكنًا(12)، فالاتخاذ اقتناء واجتباء.
الإبعاد:
الإبعاد لغة:
الإبعاد بكسر الهمزة وسكون الباء من أبعد، والأصل بعد بالضم بعدًا فهو بعيد، أي: تباعد، وأبعده غيره، وباعده، وبعده تبعيدًا، والبعد ضد القرب (13).
الإبعاد اصطلاحًا:
التنحية(14)، وترك الشيء بعيدًا.
الصلة بين الإبعاد والاتخاذ:
الإبعاد من الألفاظ المقابلة للاتخاذ، فالاتخاذ أخذ الشيء وقصده واعتماده والاستقامة عليه، أما الإبعاد تنحية الشيء وتركه بعيدًا.
الاتخاذ في حق الله تعالى
إن المتأمل في الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن الاتخاذ، يجد أن الاتخاذ في حقه سبحانه، منه ما هو مثبت في حقه، ومنه ما هو منفي، وسنوضح ذلك فيما يلي.
أولًا: الاتخاذ المثبت في حق الله تعالى:
إن المستقريء لآيات الاتخاذ في حق الله سبحانه وتعالى يجد أن الله سبحانه وتعالى أثبت لنفسه اتخاذ الخليل واتخاذ الشهداء، ولم ينسب لنفسه اتخاذًا سوى ذلك، فالاتخاذ المثبت في حق الله بمعنى الاختيار، فالله عز وجل اختار إبراهيم خليلًا، ويختار من يشاء من عباده ليكون شهيدًا.
- 1. اتخاذ الخليل.
لقد اتخذ الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام خليلًا، والخلة كمال المحبة، وسيدنا إبراهيم عليه السلام أهلًا لذلك.
قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا﴾ [النساء: 125].
ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا﴾ مجاز يفيد اصطفاءه واختياره واختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله.
والخليل: هو الذي يخالك، أي: يوافقك في خلالك، أو يسايرك في طريقك، أو يسد خللك كما تسد خلله، وهو المحب لمن يحبه، من الخلة وهى المودة والمحبة التي تتخلل النفس وتمازجها(15).
فالآية الكريمة تدل على اختيار الله إبراهيم خليلًا، وفيها تأكيد على وجوب اتباع ملته؛ لأن من كانت له هذه المنزلة من الزلفى عند الله بأن اتخذه خليلًا، كان جديرًا بأن تتبع ملته وطريقته، فالله امتن على إبراهيم بسلامة الفطرة والاعتقاد، وقوة العقل وصفاء الروح، وكمال المعرفة بالله، وشدة العزيمة وعلو الهمة في محاربة الوثنية والشرك، حتى صار من أولي العزم، فهو خليل الرحمن، عدو الشيطان(16).
إن اتخاذ الله سبحانه وتعالى إبراهيم خليلًا لشدة محبة ربه سبحانه وتعالى له؛ لما قام له من الطاعة التي يحبها ويرضاها، لا لحاجته إلى مخالته وللتكثر به والاعتضاد، وهذا من باب الترغيب في اتباعه؛ لأنه إمام يقتدى به حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له، حتى انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ [النحل: 120].
وقال أيضًا: ﴿وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ﴾ [النجم: 37](17).
يقول ابن القيم: «ولما كانت الخلة مرتبة لا تقبل المشاركة امتحن الله -سبحانه إبراهيم الخليل بذبح ولده، لما أخذ شعبة من قلبه، فأراد -سبحانه أن يخلص تلك الشعبة له ولا تكون لغيره فامتحنه بذبح ولده، والمراد: ذبحه من قلبه لا ذبحه بالمدية، فلما أسلما لأمر الله وقدم محبة الله تعالى على محبة الولد، خلص مقام الخلة وفدى الولد بالذبح، وقيل: إنما سميت خلة لتخلل المحبة جميع أجزاء الروح»(18).
ولم يختص إبراهيم عليه السلام بخلة الرحمن سبحانه وتعالى ، بل شاركه فيها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فعن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ؛ فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكرٍ خليلًا...)(19)، وقد استحق كلا النبيين عليه السلام هذه المنزلة؛ لما لهما من الصفات، والأفعال العظيمة الجميلة.
- 2. اتخاذ الشهداء.
إن الحق سبحانه المتعال الغني عن الخلق غنى مطلق في سياق تكريمه للشهداء، يجعلهم ممن يتخذهم، فقد أثبت الله لنفسه اتخاذ الشهداء.
قال تعالى: ﴿وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ﴾ [آل عمران: 140].
فالله يميز بين المؤمنين والمنافقين، ويكرم من أكرم من أهل الإيمان بالشهادة(20)، فالشهادة اختيار وإكرام واصطفاء من الله، والشهداء اتخاذ من الله يتخذهم لنفسه.
والشهداء جمع شهيد، وهو من قتل من المسلمين بسيف الكفار في المعركة، واختلفوا في معنى الشهيد: فقيل: الشهيد الحي؛ لأن أرواحهم حية حضرت دار السلام وشهدتها، وأرواح غيرهم لا تشهدها، وقيل: سمي شهيدًا؛ لأن الله تعالى شهد له بالجنة، وقيل: سموا شهداء؛ لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين على الأمم؛ لأن الشهادة تكون للأفضل فالأفضل من الأمة؛ لأن منصب الشهادة منصب عظيم، ولفضل الشهداء العظيم يتخذهم الله، والاتخاذ دائمًا هو أن يأخذه إلى جانبه لمزية له ورفعة لمكانته(21).
﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ﴾ وهو تعبير عجيب عن معنى عميق، إن الشهداء لمختارون يختارهم الله من بين المجاهدين، ويتخذهم لنفسه سبحانه، فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد، إنما هو اختيار وانتقاء وتكريم واختصاص، إن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة ليستخلصهم لنفسه سبحانه، ويخصهم بقربه، ثم هم شهداء يتخذهم الله، ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس، يستشهدهم فيؤدون الشهادة، يؤدونها أداء لا شبهة فيه ولا مطعن عليه، ولا جدال حوله، يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق وتقريره في دنيا الناس.
يطلب الله سبحانه منهم أداء هذه الشهادة على أن ما جاءهم من عنده الحق؛ وعلى أنهم آمنوا به وتجردوا له وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه، وعلى أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحق، وعلى أنهم هم استيقنوا هذا فلم يألوا جهدًا في كفاح الباطل، وطرده من حياة الناس، وإقرار هذا الحق في عالمهم، وتحقيق منهج الله في حكم الناس، يستشهدهم الله على هذا كله فيشهدون، وتكون شهادتهم هي هذا الجهاد حتى الموت، وهي شهادة لا تقبل الجدال والمحال، وكل من ينطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقال له: إنه شهد، إلا أن يؤدي مدلول هذه الشهادة ومقتضاها، ومدلولها هو ألا يتخذ إلا الله إلهًا، ومن ثم لا يتلقى الشريعة إلا من الله، فأخص خصائص الألوهية التشريع للعباد، وأخص خصائص العبودية التلقي من الله.
ومدلولها كذلك ألا يتلقى من الله إلا عن محمد صلى الله عليه وسلم، بما أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعتمد مصدرًا آخر للتلقي إلا هذا المصدر، ومقتضى هذه الشهادة أن يجاهد إذن لتصبح الألوهية لله وحده في الأرض، كما بلغها محمد صلى الله عليه وسلم، فيصبح المنهج الذي أراده الله للناس والذي بلغه عنه محمد صلى الله عليه وسلم هو المنهج السائد والغالب والمطاع، وهو النظام الذي يصرف حياة الناس كلها بلا استثناء.
فإذا اقتضى هذا الأمر أن يموت في سبيله فهو إذن شهيد، أي: شاهد، طلب الله إليه أداء هذه الشهادة فأداها، واتخذه الله شهيدًا، ورزقه هذا المقام، هذا فقه ذلك التعبير العجيب، ويتخذ منكم شهداء، وهو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ثانيًا: الاتخاذ المنفي في حق الله تعالى:
كما أن الله سبحانه وتعالى أثبت لنفسه اتخاذًا، فقد جاءت آيات قرآنية أخرى تنفي صورًا من الاتخاذ عن الله سبحانه وتعالى، ومنها اتخاذ الزوجة والولد والظهير والمعين.
- 1. اتخاذ الزوجة.
لقد نفى الله سبحانه وتعالى عن نفسه اتخاذ الزوجة، فهو منزه عن المماثلة بخلقه، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُۥ تَعَٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَٰحِبَةٗ وَلَا وَلَدٗا﴾ [الجن: 3].
فالآية الكريمة تنفي عن الله اتخاذ الصاحبة أي: الزوجة، تعالت عظمة ربنا وجلاله، ما اتخذ زوجة ولا ولدًا(22).
يقول الطبري في تفسير هذه الآية: «والمعنى: أن حظوته من الملك والسلطان والقدرة العظيمة عالية، فلا تكون له صاحبة ولا ولد؛ لأن الصاحبة إنما تكون للضعيف العاجز الذي تضطره الشهوة الباعثة إلى اتخاذها، وأن الولد إنما يكون عن شهوة أزعجته إلى الوقاع الذي يحدث منه الولد، فقال النفر من الجن: علا ملك ربنا وسلطانه وقدرته وعظمته أن يكون ضعيفًا ضعف خلقه، الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة، أو وقاع شيء يكون منه ولد»(23)، ويؤكد ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ﴾ [الأنعام: 101].
فماذا يريد الحق من الصاحبة؟ إنه لا يريد شيئًا، فلا الولد ولا الصاحبة يزيدان له قدرة تخلق، ولا حكمة ترتب، ولا علمًا يدبر، ولا أي شيء، وخلاف هذا التصور عبث(24)، فالله منزه عن اتخاذ الزوجة سبحانه وتعالى ذلكم الله لا إله إلا هو، فهو الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل نقص.
- 2. اتخاذ الولد.
الأدلة على نفي اتخاذ الله سبحانه وتعالى للولد كثيرة، منها: قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ﴾ [مريم: 35].
فالله سبحانه وتعالى منزهٌ عن اتخاذ الولد، وهو غني عن العالمين؛ إذ اتخاذ الولد افتقار إليه، والله سبحانه وتعالى هو الغني فلا يفتقر إلى أحد، فما يريد تحقيقه يحققه بتوجه الإرادة لا بالولد والمعين(25).
ونفى القرآن الكريم ما ينسبه المشركون لله سبحانه وتعالى من اتخاذه الولد، تعالى الله عز وجل عما يقولون علوًا كبيرًا.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ بَل لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ﴾ [البقرة: 116].
قال أهل الكتاب والمشركون من اليهود والنصارى وغيرهم: المسيح ابن الله، وعزير ابن الله، والملائكة بنات الله!!
سبحانه وتعالى وتنزيهًا له عما يدعون، بل له كل ما في السماوات والأرض ومنهم هؤلاء، الكل قد خلقهم الله، كلٌ له منقادون إن طوعًا وإن كرهًا، وهو الذي أبدع السماوات والأرض وما فيهن، وإذا أراد أمرًا -فلا راد لقضائه- كان وتحقق من غير امتناع، فمن له كل ما في السماوات والأرض خلقًا وملكًا، ومن له كل ما في الكون كائنًا ومنقادًا، ومن أبدع السماء والأرض والوجود كله، ومن إذا أراد أمرًا كان ووجد من غير امتناع أو إباء، من كان هذا شأنه أيحتاج إلى الولد أو الوالد؟ ومن كان هذا شأنه يكون له جنس؟ أم هو الواحد الأحد الفرد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد؟!»(26).
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗا ٨٨ لَّقَدۡ جِئۡتُمۡ شَيۡـًٔا إِدّٗا﴾ [مريم: 88-89].
والإد: هو المنكر العظيم والأمر الفظيع(27).
﴿وَمَا يَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 92] فهو الغني فلا يفتقر إلى أحد، وهو الملك فكل ما سواه مملوك، وهو الحي الذي لا يموت، وهو الوارث الباقي، تعالى ربنا وتقدس(28).
- 3. اتخاذ الظهير والمعين.
وإن من الاتخاذ المنفي عن الله سبحانه وتعالى: اتخاذه الظهير والمعين.
قال تعالى: ﴿مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا﴾ [الكهف: 51].
فالله ينفي اتخاذه الشياطين والكفار أنصارًا وأعوانًا، والعضد يستعمل كثيرًا في معنى العون؛ لأنه قوام اليد، والاعتضاد: التقوي وطلب المعونة، والله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى عون أحد(29).
ومعنى الآية: «أي ما أحضرت إبليس وذريته خلق السماوات والأرض، حين خلقتهما، ﴿وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ﴾ أي: وما أشهدت بعضهم أيضًا خلق بعض منهم، ونفي الإشهاد كناية عن نفي الاعتضاد بهم والاستعانة على خلق ما ذكر أبلغ؛ إذ من لم يشهد فأنى يستعان به؟ فأنى يصح جعله شريكًا؟ ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا﴾ أي: وما كنت متخذهم أعوانًا لخلق ما ذكر، بل تفردت بخلق جميع ذلك بغير معين ولا ظهير، أي: وإذا لم يكونوا عضدًا في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء في العبادة؟ واستحقاق العبادة من توابع الخالقية»(30).
وخص سبحانه وتعالى المضلين بالذكر، زيادة في ذمهم وتوبيخهم، وتقريعًا لأمثالهم؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس له أعوان ولا أنصار لا من المضلين ولا من المهتدين(31).
ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ﴾ [سبأ: 22].
أي: ما لله من هؤلاء من معين على خلق شيء، بل الله المنفرد بالإيجاد، فهو الذي يعبد، وعبادة غيره محال، والظهير: هو المعين الذي يسند ظهر من يستعين به، فهم ليسوا شركاء لله، ولا أعوانًا له، وإنما هم عبيد مسخرون لجلاله وقدرته(32).
أنواع الاتخاذ
إن المتأمل في معاني الآيات التي تحدثت عن الاتخاذ في حق المخلوق يجد أن الاتخاذ إما أن يكون محمودًا وإما أن يكون مذمومًا، فالمحمود مدحه الله ومدح أهله، ودعا إليه، والمذموم ذمه الله وذم أهله، وحذرنا منه.
أولًا: الاتخاذ المحمود:
اشتملت كثير من الآيات التي تتحدث عن الاتخاذ في القرآن الكريم على معنى الاتخاذ المحمود، وفيما يلي نذكر بعض صور الاتخاذ المحمود.
- 1. اتخاذ الله سبحانه وتعالى وكيلًا.
أمر الله سبحانه وتعالى نبيه، وهو أمر للمسلمين جميعًا باتخاذ الله وكيلًا.
قال تعالى:﴿رَّبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا﴾ [المزمل: 9].
فهذا اتخاذ محمود، فالله سبحانه وتعالى رب المشرق والمغرب وما بينهما من العالم، لا ينبغي أن يعبد إله سواه، فهو المستحق للعبادة، ولا وكيل سواه؛ لذا أمرنا الله باتخاذه وكيلًا ومدبرًا في كل أمورنا، نعتمد عليه ونلجأ إليه ونفوض إليه الأسباب(33).
يقول الشوكاني: «﴿فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا﴾ أي: إذا عرفت أنه المختص بالربوبية فاتخذه وكيلًا، أي: قائمًا بأمورك، وعول عليه في جميعها، وقيل: كفيلًا بما وعدك من الجزاء والنصر» (34).
- 2. اتخاذ مقام إبراهيم مصلى.
أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين أن يتخذوا مقام إبراهيم عليه السلام ؛ تكريمًا له لإخلاصه، وليكون قدوة للناس، وهذا اتخاذ محمود، فهو أمر من الله، قال تعالى: ﴿وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ﴾ [البقرة: 125].
على إرادة القول، أي: وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه، وهو على وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب، ومقام إبراهيم: الحجر الذي فيه أثر قدميه، والموضع الذي كان فيه الحجر حين وضع عليه قدميه، وقيل: الحرم كله مقام إبراهيم(35).
ويطلق مقام إبراهيم على الكعبة؛ لأن إبراهيم عليه السلام كان يقوم عندها يعبد الله تعالى، ويدعو إلى توحيده، ويطلق مقام إبراهيم على الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم عليه السلام حين بنائه الكعبة ليرتفع لوضع الحجارة في أعلى الجدار، وقد ثبتت آثار قدميه في الحجر، وهذا الحجر يعرف إلى اليوم بالمقام، وكان إبراهيم عليه السلام قد وضع المسجد الحرام حول الكعبة ووضع الحجر الذي كان يرتفع عليه للبناء حولها، فكان المصلى على الحجر المسمى بالمقام، فذلك يكون المصلى متخذًا من مقام إبراهيم على كلا الإطلاقين، ولم يكن الحجر الذي اعتلى عليه إبراهيم في البناء مخصوصًا بصلاة عنده، ولكنه مشمول للصلاة في المسجد الحرام، ولما جاء الإسلام بقي الأمر على ذلك إلى أن كان عام حجة الوداع أو عام الفتح دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام ومعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم سنت الصلاة عند المقام في طواف القدوم(36).
- 3. اتخاذ النحل للجبال بيوتًا.
لقد أوحى الله للنحل أن تتخذ الجبال بيوتًا، وهنا أكثر من كونه أمرًا فهو وحي، إذًا هو اتخاذ محمود.
قال تعالى: ﴿وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ﴾ [النحل: 68].
أودع الله في النحل إدراكًا لصنع محكم مضبوط منتج شرابًا نافعًا: إنه العسل، فقد افتتحت الآية بفعل أوحى لما في أوحى من الإيماء إلى إلهام تلك الحشرة الضعيفة تدبيرًا عجيبًا وعملًا متقنًا وهندسة في الجبلة(37)، ﴿أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ﴾ أي: اجعلي لك بيوتًا في الجبال تأوين إليها، واتخاذ البيوت هو أول مراتب الصنع الدقيق الذي أودعه الله في طبائع النحل فإنها تبني بيوتًا بنظام دقيق، وأشير إلى أنها تتخذ في أحسن البقاع من الجبال أو الشجر أو العرش دون بيوت الحشرات الأخرى؛ وذلك لشرفها بما تحتويه من المنافع، وبما تشتمل عليه من دقائق الصنعة(38).
يقول بعض المفسرين: «والنحل تعمل بإلهام من الفطرة التي أودعها إياها الخالق، فهو لون من الوحي تعمل بمقتضاه، وهي تعمل بدقة عجيبة يعجز عن مثلها العقل المفكر سواء في بناء خلاياها، أو في تقسيم العمل بينها، أو في طريقة إفرازها للعسل المصفى، وهي تتخذ بيوتها -حسب فطرتها- في الجبال والشجر وما يعرشون، أي: ما يرفعون من الكروم وغيرها، وقد ذلل الله لها سبل الحياة بما أودع في فطرتها وفي طبيعة الكون حولها من توافق».
- 4. اتخاذ الشيطان عدوًا.
أمر الله سبحانه وتعالى عباده أن يتخذوا الشيطان عدوًا؛ لأنه يسعى دائمًا لإيقاعهم بالفساد، فاتخاذ الشيطان عدوًا هو اتخاذ محمود، يجنب العبد الوقوع في مكائد الشيطان.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6].
أمر الله باتخاذ العدو عدوًا، وتلك عداوة مودعة في جبلته كعداوة الكلب للهر؛ لأن جبلة الشيطان موكولة بإيقاع الناس في الفساد وأسوأ العواقب في قوالب محسنة مزينة، ومن لوازم اتخاذه عدوًا العمل بخلاف ما يدعو إليه لتجنب مكائده ولمقته بالعمل الصالح، حيث أعقبت الآية الأمر باتخاذ الشيطان عدوًا بتحذير من قبول دعوته، وحث على وجوب اليقظة لتغريره، وتجنب توليه بأنه يسعى في ضر أوليائه وحزبه، فيدعوهم إلى ما يوقعهم في السعير(39).
الشيطان يغر ويخدع؛ فلا تمكنوه من أنفسكم ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ﴾، والشيطان قد أعلن عداءه لكم وإصراره على عدائكم ﴿فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ﴾ لا تركنوا إليه، ولا تتخذوه ناصحًا لكم، ولا تتبعوا خطاه، فالعدو لا يتبع خطى عدوه وهو يعقل! وهو لا يدعوكم إلى خير، ولا ينتهي بكم إلى نجاة: ﴿إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾! فهل من عاقل يجيب دعوة الداعي إلى عذاب السعير؟! إنها لمسة وجدانية صادقة، فحين يستحضر الإنسان صورة المعركة الخالدة بينه وبين عدوه الشيطان، فإنه يتحفز بكل قواه وبكل يقظته وبغريزة الدفاع عن النفس وحماية الذات، يتحفز لدفع الغواية والإغراء، ويستيقظ لمداخل الشيطان إلى نفسه، ويتوجس من كل هاجسة، ويسرع ليعرضها على ميزان الله الذي أقامه له ليتبين، فلعلها خدعة مستترة من عدوه القديم! وهذه هي الحالة الوجدانية التي يريد القرآن أن ينشئها في الضمير.
ثانيًا: الاتخاذ المذموم:
اشتملت كثير من الآيات التي تتحدث عن الاتخاذ في القرآن الكريم على معنى الاتخاذ المذموم، نذكر منها ما يلي:
- 1. اتخاذ الأولياء والآلهة من دون الله.
إن اتخاذ الأولياء من دون الله هو اتخاذ مذموم، ذمه القرآن الكريم، فلما أمر بالتوحيد والإخلاص، نهى عن الشرك به، وأخبر بذم من أشرك به واتخذ من دونه وليًا.
قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ﴾ [الزمر: 3].
فالذين يتخذون من دون الله آلهة يتولونهم بعبادتهم ودعائهم لتشفع لهم وتقربهم لله، قد تركوا ما أمر الله به من الإخلاص والتوحيد، وتجرأوا على أعظم المحرمات، وهو الشرك، فهؤلاء وصفهم الله بالكذب والكفر(40)، وقد ضرب الله مثل من اتخذ من دون الله وليًا معتمدًا عليه يحتمي بحماه، يقصد به التعزز والتقوي والنفع، وهو لا يجلب له نفعًا ولا يدفع عنه ضرًا، بحال العنكبوت اتخذت بيتًا؛ لتحتمي به من الأخطار، وهي لا تدري أن هذا البيت لا يقي حرًا ولا بردًا.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۖ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 41].
«فالعنكبوت من الحيوانات الضعيفة، وبيتها من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفًا، كذلك هؤلاء الذين يتخذون من دونه أولياء، فقراء عاجزون من جميع الوجوه، وحين اتخذوا الأولياء من دونه يتعززون بهم ويستنصرونهم، ازدادوا ضعفًا إلى ضعفهم، ووهنًا إلى وهنهم»(41).
ومن الاتخاذ المذموم اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، وهذا شرك بالله، فلا يجوز طاعتهم.
قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31].
هذه الآية في اليهود الذين اتخذوا علماءهم، والنصارى الذين اتخذوا رهبانهم سادة لهم يطيعونهم في معصية الله، فيحلون ما أحلوه لهم مما حرمه الله، ويحرمون ما حرموه لهم مما أحله الله، بالإضافة لاتخاذهم المسيح ابن مريم ربًا من دون الله، والله أمرهم ألا يعبدوا ويطيعوا إلا إلهًا واحدًا هو الله سبحانه وتعالى ، وأما طاعة الرسول وسائر من أمر الله بطاعته فهو في الحقيقة طاعة الله، وهذا الأمر من الله دليل على بطلان اتخاذهم(42).
وكذلك نهى الله عن اتخاذ الأصنام شفعاء من دون الله، فهي لا تملك نفعًا ولا ضرًا، فالشفاعة لله وحده.
قال تعالى: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ قُلۡ أَوَلَوۡ كَانُواْ لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَعۡقِلُونَ ٤٣ قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [الزمر: 43-44].
أي: قل لهم يا محمد: أتتخذون الأصنام والقربان شفعاء من دون الله، وهي لا تملك شيئًا ولا تعقل؛ لأنها جمادات، فهذا استفهام إنكاري لهذا الاتخاذ الباطل، فالشفاعة لله وحده، ولا شافع إلا من شفاعته(43).
- 2. اتخاذ الكفار واليهود والنصارى أولياء من دون المؤمنين.
فقد نهى الله سبحانه وتعالى المسلمين من اتخاذ الكفار أولياء بموالاتهم ونصرتهم ومحبتهم، بل لابد من التبرؤ منهم، واتخاذ المؤمنين أولياء.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا﴾ [النساء: 144].
هذا نهي من الله لعباده المؤمنين أن يتخلقوا بأخلاق المنافقين، الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فيكونوا مثلهم في ركوب ما نهاهم عنه من موالاة أعدائه، فيقول لهم -جل ثناؤه-: لا توالوا الكفار فتؤازروهم من دون أهل ملتكم ودينكم من المؤمنين، فتكونوا كمن أوجبت له النار من المنافقين(44).
وقال تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 28].
وهذا نهي من الله لعباده المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أعوانًا وأنصارًا يبادلونهم المحبة والمناصرة على إخوانهم المؤمنين، وأعلمهم تعالى أن من يفعل ذلك فقد برئ الله تعالى منه، وذلك لكفره وردته، حيث والى أعداء الله وعادى أولياءه(45).
ونهى الله سبحانه وتعالى أيضًا من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء وحلفاء، فهذا الاتخاذ المذموم يسبب سخط الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51].
فيتوجب على أهل الإيمان عدم اتخاذ أعداء الإسلام من اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاءً، وألا يسروا إليهم بأسرارهم ولا يطمئنوا لمودتهم، فهم لن يخلصوا لهم؛ لأنهم أولياء بعضهم بعضًا، ثم توعد من يواليهم أو يعينهم أو يستنصر بهم، فإنه في الحقيقة منهم، أي: من جملتهم، وكأنه مثلهم، وليس من صف المؤمنين الصادقين، وهذا تغليظ من الله وتشديد على المنافقين الذين يتصادقون مع اليهود والنصارى المخالفين في الدين؛ لأن موالاتهم تستدعي الرضا بدينهم(46).
- 3. اتخاذ الدين والرسول لهوًا ولعبًا.
إن من الاتخاذ المذموم ما يفعله الكفار من اتخاذ دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لهوًا ولعبًا، فقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن المشركين أنهم يستهزؤون برسول الله صلى الله عليه وسلم متى رأوه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: 41].
وهذا القول صدر عن أبي جهل، على سبيل التنقص والازدراء والاستهزاء -قبحهم الله-، فهذا اتخاذ مذموم(47).
وقد بين الله سبحانه وتعالى أن من أسباب دخول النار الإعراض عن دين الله والاستهزاء به، واتخاذه لهوًا ولعبًا.
قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ﴾ [الأعراف: 51].
ومعنى: ﴿ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا﴾ أي: بالإعراض والاستهزاء لمن يدعوهم إلى الإسلام، لهت قلوبهم وأعرضت عنه، ولعبوا واتخذوه سخريًا، أو أنهم جعلوا بدل دينهم اللهو واللعب، ﴿وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ﴾ أي: خدعتهم بزخرفها، واعتقادهم أنها الغاية القصوى، والنسيان في هذه الآية هو بمعنى الترك، أي: نتركهم في العذاب(48).
- 4. اتخاذ القرآن مهجورًا.
القرآن الكريم هو دستور هذه الأمة، أمرنا الله بالتعبد بتلاوته وحفظه وتطبيق أوامره ونواهيه، واتخاذه دستورًا ومنهج حياة؛ لذا كان هجرانه اتخاذًا مذمومًا، سواء هجرانه بعدم الإيمان به، أو ترك تلاوته أو الغفلة عنه، أو بهجر العمل به والاحتكام إليه، وقد اشتكى رسولنا صلى الله عليه وسلم قومه إلى الله سبحانه وتعالى لهجرانهم القرآن وتكذيبهم له.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا﴾ [الفرقان: 30].
الآية تتضمن شكوى رسول الله صلى الله عليه وسلم حال قومه مع القرآن، والمعنى: إن قومي اتخذوا هذا القرآن الذي جئت به إليهم، وأمرتني بإبلاغه وأرسلتني به مهجورًا، أي: متروكًا بالكلية لم يؤمنوا به، ولا قبلوه بوجه من الوجوه، ولم يرفعوا إليه رأسًا، ولم يتأثروا بوعظه ووعيده، بل أعرضوا عنه مع أن الواجب عليهم الانقياد لحكمه والإقبال على أحكامه، وقالوا فيه غير الحق من أنه سحر وشعر، وهذا هجران مذموم(49).
وقد عبر في الآية بالاتخاذ مع أن الهجر ترك؛ لأن «فعل الاتخاذ إذا قيد بحالة يفيد شدة اعتناء المتخذ بتلك الحالة، بحيث ارتكب الفعل لأجلها وجعله لها قصدًا، فهذا أشد مبالغة في هجرهم القرآن من أن يقال: إن قومي هجروا القرآن. واسم الإشارة في هذا القرآن لتعظيمه، وأن مثله لا يتخذ مهجورًا، بل هو جدير بالإقبال عليه والانتفاع به»(50)، فحري بنا أن نقبل عليه، ونتخذه صاحبًا وأنيسًا، لا مهجورًا، فحق المؤمن أن يكون كثير التعهد له، عاملًا به؛ ليكون شفيعًا له يوم القيامة.
- 5. اتخاذ الأخدان.
لقد شرع الله لنا الزواج ونهانا عن اتخاذ الأخدان، فالمباح لنا هو الزواج بالحرائر المؤمنات العفيفات، وكذلك الكتابيات، بشرط إتيانهن مهورهن، بقصد الإحصان والإعفاء، لا بالسفاح وارتكاب الفواحش والزنى العلني، أو الزنى السري، وهو اتخاذ الاخدان(51).
قال تعالى: ﴿مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ﴾ [المائدة: 5].
أي: عاقدين عليهن عقدة النكاح المتوقفة على المهر والولي والشهود وصيغة الإيجاب والقبول، لا مسافحين بإعطاء المرأة أجرة وطئها فقط بدون عقد مستوف لشروطه، ﴿وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ﴾أيضًا بأن تنكحوهن سرًا بحكم الصحبة والصداقة والمحبة، إذ ذاك هو الزنى، فلا يحل بأجرة، ولا بغير أجرة(52).
وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يعيرون من يزني في العلانية ولا يعيرون من يزني سرًا، فحرم الله زنى السر والعلانية(53)، كما شرط ديننا على النساء أن يكن محصنات، وألا يتخذن الأخدان.
قال تعالى: ﴿مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ﴾ [النساء: 25].
أخدان جمع خدن، وهو الخليل، وكان من نساء الجاهلية من تتخذ خدنًا تزني معه خاصة، ومنهن من كانت لا ترد يد لامس، ومعنى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ﴾ أي: غير مجاهرات بالزنا، ولا مسراتٍ له، وكان الزنا في الجاهلية منقسمًا إلى هذين القسمين(54).
أسباب الاتخاذ
إن لكل اتخاذ أسبابًا تؤدي إليه، حري بنا أن نميز بينها، ونتبع كل اتخاذ محمود، ونأخذ بأسبابه ونسلك كل سلوك يؤدي إليه، ونتجنب كل اتخاذ مذموم، ونبتعد كل البعد عن أسبابه، والتي من شأنها أن تجلب غضب الله وعقابه.
أولًا: أسباب الاتخاذ المحمود:
إن للاتخاذ المحمود أسبابًا حريٌ بنا اتباعها، نذكر أهمها:
- 1. الإيمان.
إن من أهم أسباب الاتخاذ المحمود هو الإيمان، فالإيمان يدفع صاحبه لكل أمر محمود، ولكل فعل أمر به الشرع ودعا إليه، والمؤمن أكثر الناس حبًا لله، وحبه لربه يدفعه للإخلاص له في عبادته وعدم الشرك معه.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ﴾[البقرة: 165].
فالآية الكريمة تبرز أن المؤمنين أشد الناس حبًا لله، وهذا مدح لأهل الإيمان؛ لأن إيمانهم دفعهم لهذا الحب الخالص، وهذا الحب يدفعهم لتوحيده واتخاذ الله إلهًا واحدًا، لا شريك له، ويدفعهم أيضًا للابتعاد كل البعد عن اتخاذ الند كبعض الناس يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم ويشركون مع الله في حبهم، فيسوونهم مع الله في المحبة والطاعة، فهم مشركون بهذا الحب الذي لا يصدر من مؤمن موحد؛ لأنهم أحبوا من يستحق المحبة على الحقيقة، الذي محبته هي عين صلاح العبد وسعادته وفوزه، والمشركون أحبوا من لا يستحق من الحب شيئًا، ومحبته عين شقاء العبد وفساده، وتشتت أمره(55).
إنه الإيمان الصادق بالله الذي يدفع المؤمن للاتخاذ المحمود، فإن المؤمنين لا يحبون شيئًا حبهم لله، لا أنفسهم ولا سواهم، لا أشخاصًا، ولا اعتبارات، ولا شارات، ولا قيمًا من قيم هذه الأرض التي يجري وراءها الناس، ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ﴾ أشد حبًا لله، حبًا مطلقًا من كل موازنة، ومن كل قيد، أشد حبًا لله من كل حب يتجهون به إلى سواه، والتعبير هنا بالحب تعبير جميل، فوق أنه تعبير صادق، فالصلة بين المؤمن الحق وبين الله هي صلة الحب، صلة الوشيجة القلبية، والتجاذب الروحي، صلة المودة والقربى، صلة الوجدان المشدود بعاطفة الحب المشرق الودود.
- 2. اتباع سبيل الهدى.
وإن من أسباب الاتخاذ المحمود اتباع سبيل الهدى، وطاعة الله فيما أمر والامتناع عما نهى، فالله سبحانه وتعالى أمرنا باتخاذه وكيلًا.
قال تعالى:﴿رَّبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا﴾ [المزمل: 9].
هذا أمر من الله باتخاذه وكيلًا، وعدم اتخاذ الأولياء والآلهة والشفعاء من دونه، فمن أطاعه واتبع سبيل الهدى فاز وربح بهذا الاتخاذ المحمود، فإن من دلالة هذه الآية أن من حقق التوحيد واتبع سبيل الهدى اتخذ الله وكيلًا.
يقول ابن عاشور: «وإذا كان الأمر باتخاذه وكيلًا مسببًا عن كونه لا إله إلا هو كان ذلك في قوة النهي عن اتخاذ وكيل غيره، إذ ليس غيره بأهل لاتخاذه وكيلًا»(56).
«وهكذا المؤمن الكامل لا يتوكل إلا عليه سبحانه وتعالى ولا يعتمد على سواه، ولا ينقطع عن كل ذلك؛ لأنه رب المشرق والمغرب وما بينهما، لا إله غيره، وكيف يكون غير ذلك؟! وكل ما في الكون شرقه وغربه شاهد عدل على وحدانية الله، وأنه لا إله غيره، ولا معبود سواه، إذا كان الأمر كذلك فاتخذه وكيلًا»(57).
- 3. الانتفاع بالتذكر.
إن الانتفاع بالتذكرة سبب يدفع للاتخاذ المحمود، فالإنسان مدعو للانتفاع بالتذكرة والموعظة، فمن ينتفع بالتذكرة والموعظة فإنه سيتخذ سبيل الإيمان والرشاد.
قال تعالى:﴿إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا﴾ [المزمل: 19] أي: من كان يريد أن يتخذ إلى ربه سبيلًا فقد تهيأ له اتخاذ السبيل إلى الله بهذه التذكرة، والتذكرة هي الموعظة؛ لأنها تذكر الغافل عن سوء العواقب، فالانتفاع بالتذكرة سبب للاتخاذ المحمود(58).
ثانيًا: أسباب الاتخاذ المذموم:
- 1. الكفر.
إن من أهم أسباب الاتخاذ المذموم هو الكفر بالله والنفاق-والعياذ بالله-، فالكافر كفره يصرفه إلى كل مذموم، وقد بين الله سبحانه وتعالى ذلك، ففي سياق ذكر صفات منافقي أهل الكتاب وما استحقوه من لعنة من الله؛ لأنهم اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يبين الله سبحانه وتعالى أن سبب هذا الاتخاذ المذموم أنهم لم يؤمنوا بالله ولا بنبيه.
قال تعالى: ﴿وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾[المائدة: 81].
فالآية تبين أن عدم إيمان الذين يتولون المشركين سبب في اتخاذهم المشركين أولياء، فإن الإيمان بالله ورسوله وازعٌ عن توليهم قطعًا، ومانع لهم عن هذا الاتخاذ المذموم(59).
- 2. مخالفة أوامر الله واتباع سبيل الضلال.
إن مخالفة أوامر الله توقع المرء في الاتخاذ المذموم، فلما خالف اليهود والنصارى أوامر الله سبحانه وتعالى، وقد أمرهم بعبادته وعدم الشرك به، وقعوا بالشرك.
قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 31].
فالآية توضح أن مخالفتهم لأمر الله وعدم التزامهم بأمره كان سببًا في هذا الاتخاذ المذموم وهو اتخاذ الأحبار، أي: العلماء، وعيسى ابن مريم أربابًا وآلهة من دون الله.
وقد بين الله سبحانه وتعالى أن الذي يتكبر عن آياته ولا يؤمن بها ويتبع سبيل الضلال، ويعرض عن سبيل الهداية، فإنه سيتنكب الطريق، فيصبح لا يميز طريق الحق من طريق الباطل، فيتخذ سبيل الغي طريقًا ويترك طريق الرشد؛ لأنه كذب بآيات الله، وغفل عن معطيات الإيمان.
قال تعالى: ﴿سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ﴾ [الأعراف: 146].
يقول الشعراوي: «وحين يرى أهل الكبر الآية الكونية أو الآية الإعجازية أو آيات الأحكام فهم لا يؤمنون بها، وحين يرون سبيل الرشد لا يتخذونه سبيلًا؛ لأن سبيل الرشد يضغط على شهوات النفس وهواها، فينهى عن السيئات وهم لا يقدرون على كبح جماح شهواتهم؛ لأنها تمكنت منهم، ولكن سبيل الغي يطلق العنان لشهوات النفس، ولا يكون كذلك إلا إذا غفل عن معطيات الإيمان الذي يحرمه من شيء ليعطيه أشياء أثمن»(60).
ويقول السعدي في بيان سبب اتخاذهم سبيل الغي، وعدم اتخاذهم سبيل الرشد، «﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ﴾ فردهم لآيات الله، وغفلتهم عما يراد بها واحتقارهم لها، هو الذي أوجب لهم سلوك طريق الغي، وترك طريق الرشد»(61).
- 3. اتباع غواية الشيطان.
وإن من أسباب الاتخاذ المذموم: اتباع غواية الشيطان، فالشيطان يسعى في إغواء العباد، وتزيين الشر لهم؛ ليضلهم، وقد نهانا الله عن اتباع غواية الشيطان، وعن اتخاذه وليًا، بل دعانا لاتخاذه عدوًا؛ لأنه يضل الناس ليكونوا من حزبه ثم يكونوا من أصحب السعير.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6].
يقول ابن عاشور: «وأعقب الأمر باتخاذ الشيطان عدوًا بتحذير من قبول دعوته وحثٍ على وجوب اليقظة لتغريره وتجنب توليه بأنه يسعى في ضر أوليائه وحزبه، فيدعوهم إلى ما يوقعهم في السعير، وهذا يؤكد الأمر باتخاذه عدوًا؛ لأن أشد الناس تضررًا به هم حزبه وأولياؤه، وجملة ﴿إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ تعليل لجملة ﴿فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ﴾»(62).
فإن اتباع غواية الشيطان تسبب اتخاذه وليًا من دون الله، وتوقع العبد في اتباع كل مذموم، ذلك الشيطان الذي لعنه الله، والذي صرح بنيته في إضلال فريق من أبناء آدم، وتمنيتهم بالأمنيات الكاذبة في طريق الغواية، من لذة كاذبة، وسعادة موهومة، ونجاة من الجزاء في نهاية المطاف! كما صرح بنيته في أن يدفع بهم إلى أفعال قبيحة، وشعائر سخيفة، من نسج الأساطير، كتمزيق آذان بعض الأنعام؛ ليصبح ركوبها بعد ذلك حرامًا، أو أكلها حرامًا -دون أن يحرمها الله- ومن تغيير خلق الله وفطرته بقطع بعض أجزاء الجسد أو تغيير شكلها في الحيوان أو الإنسان، كخصاء الرقيق، ووشم الجلود، وما إليها من التغيير والتشويه الذي حرمه الإسلام.
قال تعالى: ﴿لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ١١٨ وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا﴾ [النساء: 118-119].
وقد جعل الإسلام المعركة الرئيسة بين الإنسان والشيطان، ووجه قوى المؤمن كلها لكفاح الشيطان والشر الذي ينشئه في الأرض والوقوف تحت راية الله وحزبه، في مواجهة الشيطان وحزبه، وهي معركة دائمة لا تضع أوزارها؛ لأن الشيطان لا يمل هذه الحرب التي أعلنها منذ لعنه وطرده، والمؤمن لا يغفل عنها، ولا ينسحب منها، وهو يعلم أنه إما أن يكون وليًا لله، وإما أن يكون وليًا للشيطان وليس هنالك وسط، والشيطان يتمثل في نفسه وما يبثه في النفس من شهوات ونزوات، ويتمثل في أتباعه من المشركين وأهل الشر عامة، والمسلم يكافحه في ذات نفسه، كما يكافحه في أتباعه، معركة واحدة متصلة طوال الحياة، ومن يجعل الله مولاه فهو ناجٍ غانم، ومن يجعل الشيطان مولاه فهو خاسر هالك.
أساليب القرآن في عرض الاتخاذ
استعمل القرآن الكريم أساليب متعددة في عرض الاتخاذ، نذكر هذه الأساليب خلال السطور الآتية مع ذكر أمثلة على كل أسلوب.
أولًا: الخبر:
ورد الاتخاذ في القرآن الكريم بأسلوب الخبر في عدد من الآيات القرآنية؛ للإخبار عن موضوعات عدة منها:
1. الإخبار عن اتخاذ المنافقين مسجد ضرار؛ لإلحاق الأذى والضرر بالمؤمنين، والتفريق بينهم، وتقوية للكفر(63)، وهذا اتخاذ مذموم.
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ [التوبة: 107].
2. الإخبار عن حرمة اتخاذ الأخدان للمسلمين والمسلمات، والإرشاد للزواج(64).
قال تعالى: ﴿مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ﴾ [المائدة: 5].
وقال تعالى: ﴿مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ﴾ [النساء: 25].
3. الإخبار عن اتخاذ مريم للحجاب ساترًا لها؛ للتفرغ للعبادة(65).
قال تعالى: ﴿فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا﴾ [مريم: 17].
4. الإخبار أن الله غني عن اتخاذ الولد، وتنزهه سبحانه وتعالى عن الشريك والولد والصاحبة، وأن الملائكة هم عباد لله مكرمون.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26].
5. الإخبار عن شكوى الرسول صلى الله عليه وسلم عن قومه باتخاذهم القرآن مهجورًا، تلاوة وعلمًا وعملًا.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا﴾ [الفرقان: 30].
6. الإخبار عن المشركين الذين اتخذوا آلهة يتولونها من دون الله، فالله يحصي أفعالهم ويجازيهم بها يوم القيامة(66).
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيۡهِمۡ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ﴾ [الشورى: 6].
7. الإخبار عن اتخاذ المنافقين أيمانهم الكاذبة وقاية وسترًا يستترون بها من نسبتهم إلى النفاق؛ لحفظ أموالهم وحقن دمائهم(67).
قال تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [المنافقون: 2].
ثانيًا: النهي:
ورد الاتخاذ في القرآن الكريم بأسلوب النهي في عدد من الآيات القرآنية؛ للنهي عن أفعال عدة، هي من الأفعال المذمومة التي نهى القرآن الكريم عن اتخاذها، ومن أمثلة ذلك:
1. النهي عن اتخاذ آيات الله هزوًا.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ﴾ [البقرة: 231].
2. نهي المؤمنين من أن يتخذوا من الكفار بطانة وأخلاء.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ﴾ [آل عمران: 118].
3. النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51].
4. نهي المؤمنين أن يتخذوا آباءهم وإخوانهم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [التوبة: 23].
5. النهي عن الشرك مع الله، واتخاذ الآلهة مع الله.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ [النحل: 51].
6. النهي عن اتخاذ الأيمان وسيلة خداع ومكر، بإظهار الوفاء بالعهد وإبطان النقض(68).
قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: 94].
7. نهي المؤمنين أن يتخذوا عدو الله وعدوهم أولياء.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ﴾ [الممتحنة: 1].
ثالثًا: الأمر:
ورد الاتخاذ في القرآن الكريم بأسلوب الأمر في عدد من الآيات القرآنية، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
1. أمر الله للمسلمين بأن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.
قال تعالى: ﴿وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ﴾ [البقرة: 125].
2. أمر الله للمسلمين أن يتخذوا الشيطان عدوًا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6].
3. أمر الله لنبيه أن يتخذه وكيلًا، فيتوكل عليه وحده لا شريك له.
قال تعالى: ﴿رَّبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا﴾ [المزمل: 9].
فهذا أمر بتخصيص الله بالتوكل عليه(69).
وبذلك نرى أن الآيات أمرت باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، واتخاذ الله وكيلًا، وكذلك اتخاذ الشيطان عدوًا، وهذه من أمثلة الاتخاذ المحمود، الذي أرشدنا القرآن إليه.
رابعًا: النفي:
استعمل القرآن الكريم أسلوب النفي في عرض الاتخاذ، في:
1. نفي الولد عن الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا﴾ [الإسراء: 111].
«والمراد: نفي الناصر له على وجه مؤكد، فإن الحاجة إلى الناصر لا تكون إلا من العجز عن الانتصار للنفس»(70).
وكذلك نفى الله عن نفسه الولد في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا﴾[الفرقان: 2].
حيث نزه سبحانه وتعالى نفسه عما قاله المشركون من أن الملائكة بنات الله، وعما قالت اليهود: عزير ابن الله، وعما قالت النصارى: المسيح ابن الله، تعالى الله عن ذلك(71).
وجاء النفي أيضًا عن اتخاذه الولد في قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ﴾ [مريم: 35].
ففي هذه الآية «نفى سبحانه وتعالى عن نفسه الولد، أي: ما كان من نعته اتخاذ الولد»(72).
2. نفي اتخاذ المجاهدين الخلص بطانة من الكفار.
قال تعالى: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [التوبة: 16].
«والمعنى: أنكم لا تتركون على ما أنتم عليه؛ حتى يتبين الخلص منكم، وهم الذين جاهدوا في سبيل الله لوجه الله، ولم يتخذوا وليجة، أي: بطانة، من الذين يضادون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين»(73).
خامسًا: الثناء على أهل الاتخاذ المحمود:
من الأساليب التي استعملها القرآن الكريم في عرض الاتخاذ: هو الثناء، فقد أثنى الله سبحانه وتعالى على نفسه، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالثناء عليه لتنزهه عن اتخاذ الولد، فالله سبحانه وتعالى له الكمال والثناء والحمد والمجد من جميع الوجوه، المنزه عن كل نقص.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا﴾ [الإسراء: 111].
ومعنى ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ﴾: الثناء عليه بما هو أهله(74)، «وقل: الحمد لله والثناء بالجميل على الفعل الجميل لله سبحانه وتعالى الذي لم يتخذ ولدًا فهو ليس محتاجًا إليه، واتخاذ الولد من صفات الحوادث وهو منزه عنها، ولم يكن له شريك في الملك؛ لأنه غير محتاج إليه، ولو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا، ولم يكن له ولي من الذل، أي: لم يكن له ناصر من الذل ومانع له منه، ولم يوال أحدًا من أجل الذل؛ إذ هو القادر المقتدر الخالق صاحب النعم جل جلاله وكبره تكبيرًا، وعظمه تعظيمًا يتناسب مع جلاله وقدسيته، والله أكبر ولله الحمد»(75).
ولقد أثنى الله سبحانه وتعالى على المؤمنين من الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 99].
يقول ابن عاشور: «هؤلاء هم المؤمنون من الأعراب وفاهم الله حقهم من الثناء عليهم»(76).
يقول الزمخشري في بيان قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۗ﴾: «ألا إنها شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات، وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع حرفي التنبيه والتحقيق المؤذنتين بثبات الأمر وتمكنه، وكذلك قوله: ﴿سَيُدۡخِلُهُمُ﴾ وما في السين من تحقيق الوعد، وما أدل هذا الكلام على رضا الله تعالى عن المتصدقين، وأن الصدقة منه بمكان، إذا خلصت النية من صاحبها»(77).
وبذلك نرى أن الآيات مدحت من يستحق المدح من أهل الاتخاذ المحمود.
سادًا: ذم أهل الاتخاذ المذموم:
لقد ذم الله سبحانه وتعالى أهل الاتخاذ المذموم، ومثال ذلك ذم الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون مغرمًا.
قال تعالى:﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾[التوبة: 98].
فهذه الآية تبين أن من الأعراب من يعد نفقته التي ينفقها في جهاد مشرك، أو في معونة مسلم، أو في بعض ما ندب الله إليه عباده ﴿مَغۡرَمٗا﴾، أي: غرمًا لزمه، لا يرجو له ثوابًا، ولا يدفع به عن نفسه عقابًا(78).
وهذا اتخاذ مذموم، ذمه الله بقوله: ﴿عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ﴾ والسَوْء -بفتح السين- مصدر ساءه يسوءه سوءًا، إذا فعل به ما يكره، وقيل: المفتوح بمعنى الذم، والمضموم بمعنى العذاب والضرر، والدوائر جمع دائرة، وهي ما يحيط بالإنسان من مصيبة ونكبة، تصورًا من الدائرة المحيطة بالشيء من غير انفلاتٍ منها، وإضافة الدائرة إلى السوء من إضافة الموصوف إلى صفته للمبالغة، وفي هذا التعبير ما فيه من الذم لهؤلاء المنافقين؛ لأنه سبحانه وتعالى جعل السوء كأنه دائرة تطبق عليهم فلا تفلتهم، وتدور بهم، فلا تدع لهم مهربًا أو منجاة من عذابها وضررها(79).
وذم الله الذين يتخذون الصلاة هزوًا ولعبًا، بتحقير عقولهم.
قال تعالى:﴿وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوٗا وَلَعِبٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ﴾ [المائدة: 58].
يقول ابن عاشور: «﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ﴾ تحقير لهم؛ إذ ليس في النداء إلى الصلاة ما يوجب الاستهزاء فجعله موجبًا للاستهزاء سخافة لعقولهم»(80).
فهذا ذم للاتخاذ المذموم وأهله، وهو تسفيه لهؤلاء الذين يحادون الله ورسوله، ويهزءون ممن يولي وجهه إلى الله، راكعًا وساجدًا، ولو عقلوا لعلموا أنهم بعملهم هذا، يحاربون الله ويصدون الناس عن أداء حقه عليهم من الولاء لجلاله، والشكران لنعمه، إنهم ظلموا أنفسهم ظلمًا فوق ظلم(81).
يقول ابن كثير: «هذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام من الكتابيين والمشركين الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون، وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يتخذونها هزوًا يستهزئون بها، ولعبًا يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد»(82).
وكذلك ذم الله قوم موسى الذين اتخذوا العجل إلهًا يعبدونه من دون الله.
قال تعالى: ﴿وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ﴾ [الأعراف: 148].
«أكد سبحانه وتعالى ذمهم بقوله: ﴿ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ﴾ أي: اتخذوا العجل معبودًا لهم وهم يشاهدونه لا يكلمهم بأي كلام، ولا يرشدهم إلى أي طريق، ولا شك أنهم بهذا الاتخاذ كانوا ظالمين لأنفسهم بعبادتهم غير الله، وبوضعهم الأمور في غير مواضعها»(83).
سابعًا: الاستفهام الإنكاري:
ورد الاتخاذ في القرآن الكريم بأسلوب الاستفهام الإنكاري في عدد من الآيات، ومن أمثلة ذلك:
- الاستنكار على الذين ادعو أنه لن تمسهم النار، أتخذوا عهدًا عند الله حتى لا يعذبهم(84)؟
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 80].
- استنكار إبراهيم عليه السلام على أبيه آزر لاتخاذه أصنامًا آلهة من دون الله، وهي لا تضر ولا تنفع(85).
قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةًۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنعام: 74].
- أمر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يستنكر على الذين اتخذوا من دونه -وهو الخالق- أولياء لا يملكون النفع والضر لأنفسهم، فكيف سينفعون غيرهم؟(86).
قال تعالى:﴿قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ﴾ [الرعد: 16].
- الاستنكار على من اتخذ إبليس وذريته أولياء من دون الله، واستبدال من خلقهم وأنعم عليهم بعدوهم(87).
قال تعالى:﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا﴾ [الكهف: 50].
- استنكار الرجل الصالح ناصح أهل القرية على نفسه أن يتخذ آلهة من دون الله، وذلك من تمام التعريض بالمخاطبين استنكارًا عليهم بجعل الأوثان آلهة لا تدفع ضر ولا تشفع(88).
قال تعالى:﴿ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ﴾ [يس: 23].
وهكذا نجد أن الاستفهام في المواضع السابقة جاء لإنكار اتخاذ مذموم فعله المتخذون؛ فاستحقوا استنكار فعلهم.
عاقبة الاتخاذ
إن الاتخاذ أمر اختياري يتخذه المتخذ، ولما أمرنا الله باتخاذ كل محمود ونهانا عن اتخاذ كل مذموم، جعل لكل اتخاذ عاقبة، إما ثواب وإما عقاب، فمن اتخذ اتخاذًا محمودًا أفلح وفاز، ومن اتخذ اتخاذًا مذمومًا خسر وخاب.
أولًا: عاقبة الاتخاذ المحمود:
إن أهل الإيمان الذين التزموا أوامر الله وانتهوا عما نهى، هم أصحاب الاتخاذ المحمود، الذين يتخذون الله وليًا ووكيلًا، ويتخذوا القرآن دستورًا ومنهج حياة، ويتبعوا سبيل الهدى ويتخذوه طريقًا، هؤلاء عاقبتهم الفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة، فيحيون حياة طيبة في الدنيا، ويظلهم الله برحمته في الآخرة.
قال تعالى:﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُدۡخِلُهُمۡ رَبُّهُمۡ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [الجاثية: 30].
وقد بين الله سبحانه وتعالى عاقبة أهل الإيمان من الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله، فقد أثنى على فعلهم، ووعدهم برحمته.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 99].
فهذا وعد من الله سبحانه وتعالى لهم، بإدخالهم في رحمته التي هي الجنة، فإنه يغفر ذنوبهم أولًا، ويدخلهم الجنة ثانيًا، هذه سنته -تعالى في أوليائه، يطهرهم ثم ينعم عليهم بجواره(89).
يقول الشعراوي: «ورحمة الله هي نعيم مقيم، وهي دائمة وباقية ببقاء الله الذي لا يحد، أما الجنة فباقية وخالدة بإبقاء الله لها، إذن: فدخولك في رحمة الله أعلى من دخولك جنته، فحين يقال: «دخل في الرحمة» فمعنى ذلك أن الرحمة ستظله إلى ما لا نهاية»(90).
وعاقبة أهل الإيمان، أصحاب الاتخاذ المحمود، مغفرة من الله، حيث بين الله هذه العاقبة الحسنة بعد أن دعا إلى اتخاذ الشيطان عدوًا.
قال تعالى:﴿إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ٦ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٌ﴾[فاطر: 6-7].
فالآيات تبين أن الناس انقسموا إلى مؤمنين وكافرين بحسب اتخاذهم للشيطان عدوًا أو وليًا، فالذين كفروا ولم يلتزموا أوامر الله، واتخذوا الشيطان وليًا لهم عذاب شديد في نار جهنم، أما الذين آمنوا وعملوا بمقتضى الإيمان بالتزامهم بأمر الله، واتخذوا الشيطان عدوًا، لهم مغفرة لذنوبهم وأجر كبير يحصل به المطلوب، وهذا أجر كل من اتخذ اتخاذًا محمودًا، أرضى به ربه جل جلاله (91).
إن أهل الاتخاذ المحمود هم أهل الفردوس، ونعم العاقبة لهم، فلما بين الله سبحانه وتعالى في كتابه عاقبة الكافرين وأن جزاءهم جهنم وبئس المصير، الذين اتخذوا آيات الله ورسله هزوًا، بين عاقبة أهل الإيمان أصحاب الاتخاذ المحمود، الذين آمنوا بآيات الله واتخذوها دستورًا، وآمنوا برسل الله واتخذوهم أنبياء وقدوة لهم.
قال تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا ١٠٥ ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتۡ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡفِرۡدَوۡسِ نُزُلًا﴾[الكهف: 105-107].
يبين الله في الآيات بطريق الوعد لا الوعيد مآل المؤمنين الذين اتصفوا بأضداد ما اتصف به الكفرة، فالذين آمنوا وعملوا بمقتضى إيمانهم من الأعمال الصالحة، ولم يتخذوا آيات الله ورسله هزوًا كما فعل الكفار، هم أهل الفردوس جعلها الله لهم نزلًا وإكرامًا(92).
«والمراد بجنات الفردوس: أعلى الجنة، وأوسطها، وأفضلها، وأن هذا الثواب لمن كمل فيه الإيمان والعمل الصالح، والأنبياء والمقربون، ويحتمل أن يراد بها: جميع منازل الجنان، فيشمل هذا الثواب جميع طبقات أهل الإيمان، من المقربين، والأبرار، والمقتصدين، كل بحسب حاله، وهذا أولى المعنيين؛ لعمومه، ولذكر الجنة بلفظ الجمع المضاف إلى الفردوس، ولأن الفردوس يطلق على البستان المحتوي على الكرم، أو الأشجار الملتفة، وهذا صادق على جميع الجنة، فجنة الفردوس نزل، وضيافة لأهل الإيمان والعمل الصالح، وأي ضيافة أجل وأكبر، وأعظم من هذه الضيافة، المحتوية على كل نعيم، للقلوب، والأرواح، والأبدان، وفيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، من المنازل الأنيقة، والرياض الناضرة، والأشجار المثمرة، والطيور المغردة المشجية، والمآكل اللذيذة، والمشارب الشهية، والنساء الحسان، والخدم، والولدان، والأنهار السارحة، والمناظر الرائقة، والجمال الحسي والمعنوي، والنعمة الدائمة.
وأعلى ذلك وأفضله وأجله، التنعم بالقرب من الرحمن ونيل رضاه، الذي هو أكبر نعيم الجنان، والتمتع برؤية وجهه الكريم، وسماع كلام الرؤوف الرحيم!! فلله تلك الضيافة، ما أجلها وأجملها، وأدومها وأكملها، وهي أعظم من أن يحيط بها وصف أحد من الخلائق، أو تخطر على القلوب، فلو علم العباد بعض ذلك النعيم علمًا حقيقيًا يصل إلى قلوبهم، لطارت إليها قلوبهم بالأشواق، ولتقطعت أرواحهم من ألم الفراق، ولساروا إليها زرافات ووحدانًا، ولم يؤثروا عليها دنيا فانية»(93).
اللهم اجعلنا من أهل الفردوس يا رب العالمين.
ثانيًا: عاقبة الاتخاذ المذموم:
كما أن لأهل الاتخاذ المحمود عاقبة حميدة وحسنة، فإن أهل الاتخاذ المذموم لهم عاقبة سيئة، فالجزاء من جنس العمل، فلا يستوي من اتخذ الله وليًا ووكيلًا، ومن اتخذ آلهة من دونه، ولا يستوي من اتخذ القرآن دستورًا، ومن اتخذه مهجورًا.
وأول عاقبة لصاحب الاتخاذ المذموم الذي ظلم نفسه، هو الندم، فيوم القيامة يندم الظالم ويعض على يديه؛ لأنه لم يتخذ مع الرسول سبيلًا، واتخذ طريق الغي سبيلًا له، واتخذ من أهل الشر أخلاء، أضلوه عن طريق الحق.
قال تعالى: ﴿وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧ يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا﴾[الفرقان: 27-28].
وعض الظالم على يديه، كناية عن الحسرة والندم، على ما فاته من خير، ولا يمكنه حينها دركه، وسبب الحسرة التي تملأ قلب الظالم في هذا اليوم، وهو أنه قد كان على طريق مخالف لطريق النبي، وأنه دعي إلى الإيمان فأبى، ولم يتخذ مع الرسول سبيلًا، بل اتخذ سبيله مع الضالين من أمثاله، الذين أغووه، وأغواهم، فكانوا حزبًا على النبي والمؤمنين(94).
فالعبد مدعو ليتدارك ما فاته، قبل الوقت الذي لا يمكنه ذلك، وليتخذ كل ما من شأنه أن يكون سعادة له، لا ما يجلب له الندم وغضب الله سبحانه وتعالى ، فالذين يتخذون كل مذموم ينالهم غضب من ربهم عاقبة وجزاء على عملهم، فالذين اتخذوا العجل إلهًا من دون الله يعبدونه، سينالهم غضب من الله، وذلة في الدنيا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ﴾ [الأعراف: 152].
إنه حكم ووعد، إن القوم الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا، ذلك مع قيام القاعدة الدائمة: إن الذين يعملون السيئات ثم يتوبون يغفر الله لهم برحمته، وإذن فقد علم الله أن الذين اتخذوا العجل لن يتوبوا توبة موصولة وأنهم سيرتكبون ما يخرجهم من تلك القاعدة، وهكذا كان، فقد ظل بنو إسرائيل يرتكبون الخطيئة بعد الخطيئة ويسامحهم الله المرة بعد المرة، حتى انتهوا إلى الغضب الدائم واللعنة الأخيرة: ﴿وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ﴾ كل المفترين إلى يوم الدين، فهو جزاء متكرر كلما تكررت جريمة الافتراء على الله، من بني إسرائيل، ومن غير بني إسرائيل، ووعد الله صادق لا محالة، وقد كتب على الذين اتخذوا العجل الغضب والذلة.
هذا هو مصير كل من اتخذ كل مذموم ومحرم نهانا شرعنا أن نتخذه، غضب من الله، وعذاب في جهنم.
قال تعالى:﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا شَيۡـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩ مِّن وَرَآئِهِمۡ جَهَنَّمُۖ وَلَا يُغۡنِي عَنۡهُم مَّا كَسَبُواْ شَيۡـٔٗا وَلَا مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية: 9-10].
فكل مستكبر مكذب بآيات الله ومستهزئ بها، يناله عذاب الله، هذا ما بينته الآيات وهي تصف مصير كل من اتخذ آيات الله هزوًا، واتخذ من دون الله وليًا، بأن لهم عذابًا ذا إهانة، يتكافأ مع استكبارهم واستهزائهم، فالجزاء من جنس العمل، ومن ورائهم جهنم، ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئًا من الأموال والأولاد، فتلك مواقف لا ينفع فيها مال ولا بنون، بل يفر المرء فيها من أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، ولا يغني عنهم ما اتخذوهم أولياء من دون الله كالأصنام وسائر المعبودات الباطلة، ولهم في جهنم عذاب عظيم لا يعرف قدره أحد من الخلق(95).
والآيات في كتاب الله كثيرة تبين أن عاقبة كل اتخاذ مذموم، هو العذاب والعقاب الرباني، وبئس العقاب الذي يستحقه من خالف أمر ربه، واتبع طريق الضلال، وهذا ترهيب من هذا السبيل، فحريٌ بنا تجنب هذا السبيل المذموم، وكل ما من شأنه أن يجلب غضب الله وسوء العاقبة، والسعي دائمًا لكل ما يرضي الله، ويكون سببًا في النجاة والفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.
| موضوعات ذات صلة: |
| الأخذ، الصحبة، المحبة |
الحواشي
- انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي، 1/331، مجمل اللغة، ابن فارس، 1/146، مقاييس اللغة، ابن فارس، 1/341. ↩
- انظر: العين، الفراهيدي، 4/298. ↩
- انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 1/183. ↩
- انظر: تاج العروس، الزبيدي، 9/370، 9/378. ↩
- التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، 1/37. ↩
- الفروق اللغوية، العسكري، 1/138. ↩
- انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 16-20. ↩
- انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص14. ↩
- انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص50- 52. ↩
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 1/68، لسان العرب، ابن منظور، 3/472. ↩
- انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، 1/67، لسان العرب، ابن منظور، 3/472. ↩
- انظر: الفروق اللغوية، العسكري، 1/138. ↩
- انظر: المصباح المنير، الفيومي، 1/53، معجم لغة الفقهاء، قلعجي وقنيبي، 1/39. ↩
- انظر: معجم لغة الفقهاء، قلعجي وقنيبي، 1/39. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري، 1/569، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 2/237، تفسير المراغي، 5/163. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري، 1/569، التفسير المنير، الزحيلي، 5/287. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/422، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 5/402. ↩
- روضة المحبين، 1/48. ↩
- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، رقم532، 1/377. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري، 7/243. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 4/218، لباب التأويل، الخازن، 1/302، تفسير الشعراوي، 3/1784. ↩
- انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير، 1/572. ↩
- جامع البيان، 9/330. ↩
- انظر: تفسير الشعراوي، 6/3838. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 493، شرح العقيدة الواسطية، محمد الهراس، 1/83. ↩
- التفسير الواضح، محمد حجازي 1/70. ↩
- انظر: المفردات، الراغب، ص 69. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/158. ↩
- انظر: المصدر السابق 11/2. ↩
- محاسن التأويل، القاسمي، 7/42. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 15/276. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 14/295، التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب، 11/806. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري 23/689، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 892. ↩
- فتح القدير 5/381. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري، 1/185. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 1/710. ↩
- انظر: المصدر السابق، 14/204. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 14/206، تفسير المراغي، 14/104. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 22/260. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 717. ↩
- المصدر السابق ص 631. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري، 14/208، أنوار التنزيل، البيضاوي، 3/78. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 15/263. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري، 9/336. ↩
- انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، 1/306. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 6/225. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 6/11، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 13/35. ↩
- انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، 2/40، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص290. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 13/27، فتح القدير، الشوكاني، 4/85، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص582، البحر المديد، ابن عجيبة، 4/95. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور، 19/17. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 6/95. ↩
- انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، 1/595. ↩
- تفسير السمرقندي،، 1/371. ↩
- انظر: التسهيل في علوم التنزيل، ابن جزي الكلبي، 1/188، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 2/167. ↩
- انظر: لباب التأويل، الخازن، 1/100، تفسير المراغي، 2/38، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص79. ↩
- التحرير والتنوير، 29/267. ↩
- التفسير الواضح، محمد الحجازي، 3/769. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 29/277. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 3/70. ↩
- تفسير الشعراوي، 7/4356. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، ص302. ↩
- التحرير والتنوير، 22/261. ↩
- انظر: تفسير المراغي، 11/25. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص174، 221. ↩
- انظر: التفسير الواضح، محمد الحجازي، 2/449. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري، 21/502. ↩
- انظر: تفسير المراغي، 28/107، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص864. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 14/213. ↩
- انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 8/255. ↩
- التحرير والتنوير، ابن عاشور، 15/239. ↩
- انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 13/2. ↩
- اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، 13/63. ↩
- الكشاف، الزمخشري، 2/253. ↩
- انظر: معالم التنزيل، البغوي، 5/139. ↩
- التفسير الواضح، محمد الحجازي، 2/402. ↩
- التحرير والتنوير، 11/15. ↩
- الكشاف، 2/304. ↩
- انظر: جامع البيان، الطبري، 14/430. ↩
- انظر: الكشاف، الزمخشري، 2/303، التحرير والتنوير، ابن عاشور، 10/182، التفسير الوسيط، الطنطاوي، 6/388. ↩
- التحرير والتنوير، 6/242. ↩
- انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب، 3/1127. ↩
- تفسير القرآن العظيم، 3/140. ↩
- التفسير الوسيط، طنطاوي، 5/380. ↩
- انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، 1/75. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 7/312. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 5/12. ↩
- انظر: المصدر السابق، 5/227. ↩
- انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 22/368. ↩
- انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 2/417. ↩
- تفسير الشعراوي، 9/5441. ↩
- انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 684، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 7/144. ↩
- انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 5/250. ↩
- تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 488. ↩
- انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب، 10/11. ↩
- انظر: التفسير الواضح، محمد الحجازي، 3/426. ↩
